إنقلاب صالح خطوة متأخرة بمفعول عكسي

إيهاب زكي

خطوة صالح الانقلابية هي خطوة متأخرة من عمر العدوان على اليمن، فتاريخ الرجل سعودي بالكامل، وقد أراد هو وتحالف العدوان أن يكون لخطوته مفعول الضرب في سويداء القلب، وقد يكون استحضار الأقدار في مقالٍ سياسي خارج الحرفية وقفز على أصول التحليل، ولكن هذه النظرة ليست دائماً دقيقة، خصوصاً أنّ الكثير من المجريات قد لا تجد لها تفسيراً أو سياقاً، وقد تم التصريح بفعل الأقدار أكثر من مرةٍ وعلى أعلى مستوى. فالرئيس الأسد مثلاً قال إنّ الصمود السوري في بعض الجوانب لا نستطيع تفسيره إلّا بالمعجزة،

وهو بذلك يخرج هذا الجانب من سياق قدرته على التقرير وهو صاحب القرار، لصالح قوةٍ قاهرة فوق الجميع، وما أقدم عليه صالح قد نقوم بوضعه في سياقات تحليلية سياسية، لكنه بالقطع فعل قوةٍ قاهرة لم تخيّره بل أبلسته، على قاعدة قوله تعالى”أخذناهم بغتةً فإذا هم مبلسون”، وأول ما يدعو له هذا الانقلاب أو الانشقاق هو الطمأنينة، وكما قال الرئيس الأسد سابقاً عن التجانس، فالآن يصبح النصر أكثر تجانساً مع أهله، دون تجشم عناء تبرير وجود مهزوم في حلفٍ منتصر.

انتظرت حماس كثيراً في دمشق قبل أن تعلم خروجها، على أمل إصدار الحكومة السورية قراراً بإبعادها، حتى تقوم ماكينة الإعلام المعادية لسوريا صناعة بروباغندا تخدمها في التصويب على “النظام” السوري، فيتم تقديم الأمر باعتباره انكشاف لـ”عورة” الممانعة التي تتشدق بدعم فلسطين وقضيتها تطرد المقاومين. ولكن يبدو أنّ القيادة السورية بفطنتها الاعتيادية فوتت هذه الفرصة حتى اضطرت حماس للمغادرة بنفسها، بعدما انقطع نفس دول العدوان أمام نفس القيادة السورية الطويل جداً،

وهذا بالضبط ما حصل مع صالح، حيث مارس الاستفزازات في انتظار خطوة إقصائية من أنصار الله، حتى تتم صناعة بروباغندا النوايا التسلطية والإقصائية لـ”مشروعهم الإيراني” المعادي للعروبة، ولكن تحت وطأة الصبر والنفس الطويل لأنصار الله اتخذ صالح هذه الخطوة الهوجائية، ولا يمكن فهمها بعيداً عن منطق الأقدار، حيث أنّ القفز من سفينة ثابتة إلى مركبٍ يغرق، تحتاج لأكثر من مجرد تحليل سياسي، فقد اكتشف صالح بعد ثلاث سنوات أنّ صدّ العدوان معارك عبثية، و”عبثية” هذه ماركة مسجلة للرئيس الفلسطيني في وصف مقاومة الاحتلال، وقد يكون استخدام صالح لها محض صدفةٍ لفظية، لكنها تتطابق مع ذات مفهوم عباس، بضرورات الاستسلام ومزاياه.

سارعت قوى العدوان للترحيب بخطاب صالح، وهذا الترحيب ينم عن خوارٍ شديد وليس عن قوة، فالتمسك بقشة صالح ينم قطعاً عن الغرق السعودي، فالمنتصر أو حتى الذي في موقف القوة لا يسارع لاحتضان من يُفترض أنّه العدو، والسعودية بتاريخها لا تمتلك من الأخلاق ما يؤهلها للصفح، فحين تسارع لتلقف انشقاق صالح دون أيّ شروطٍ أو حتى تأنٍ، فهذا يعني أنّها الطلقة الأخيرة في جعبتها، كما أنّ هذا التسرع يدل على الحاجة الماسّة لقوى العدوان لإحداث أيّ خرقٍ في جدار الصمود اليمني، وهو تسرعٌ أدى إلى مفعول عكسي، حيث قدم صالح باعتباره طرفاً في العدوان، وقدمه باعتباره شخصاً مستهتراً بدماء اليمنيين وحقوقهم، ويريد صناعة مستقبل شخصي على حساب آلامهم، حتى أنّ التحالف بما يملك من حماقةٍ لم يدع مجالاً لخطوط الرجعة، فقد تحوّل صالح من المخلوع إلى الرئيس السابق، وميليشيات المؤتمر إلى قوات المؤتمر، وأصبح أعضاء المؤتمر أشقاء عروبيين، فكيف إذا عاد صالح على وقع هزيمته المتوقعة في صنعاء، وبانتهازيته الشهيرة إلى ذات خندق أنصار الله، هل سيظل صالح سابقاً وميليشياته قوات وأعضاء المؤتمر أشقاء تسري دماء العروبة في عروقهم.

وهذا على عكس خطاب السيد عبد الملك الحوثي، الذي أبقى الأبواب مواربة دون فتحٍ على مصراعيها أو إغلاق موصد، فبكل الأحوال عودة صالح الطوعية سيوفر الكثير من الدماء والجهد، بعكس اصراره على المضي في خدمة مشروع سعودي صهيوني، وهذه عودة حتماً مشروطة بتحجيم الدور السياسي، ولكنها على كل حال أفضل من مصير مجهول مع الإصرار، وقد احتفت السعودية بهذا الانقلاب كأنّها دخلت صنعاء بل أكثر، وهذا يدلل مرةً أخرى على الوهن والخيبة، وستكتشف بعد حين أنّ السحر انقلب على الساحر، فإذا كان لها عين في المؤتمر ظلت ترى تحت مظلة التصبر والحفاظ على التوافق ستفقأ، وإن كان لها تعبث بالأمن وقوت الناس وظلت تعبث تحت ذات المظلة ستُقطع، فلا يمكن لحلف الفاشلين اجتراح نصرٍ أو نجاح، وإنّ أسوأ ما فعل صالح هو إعطاء ما تسمى بـ”الشرعية” اليمنية، والتي ارتُكب باسمها العدوان وكل الفظاعات صك براءة، وهذا ما يجعل من الخيانة مشروعاً وطنياً، وما يجعل من المدافعين عن بلادهم خونة، فقد سارعت ما تسمى بالشرعية للدعوة لوحدة وطنية في وجه “الميليشيات الإيرانية”. وأخيراً، إنّ نجاح خطوة صالح تتطلب أحد أمرين، وقف العدوان فوراً أو سيطرة قواته على صنعاء، وكلاهما متعذر خصوصاً الأمر الثاني، أمّا وقف العدوان لن يتم دون سيطرة قواته على صنعاء، إلّا إذا كانت السعودية تريد سلماً للنزول عن الشجرة، وهذا مبحثٌ آخر.

– بيروت برس –

%d bloggers like this: