هل يقرأ مدَّعو الفهم برفض المقاطعة: أم هم خشبيون بادعاء رفض الخشبية؟

التطبيع يصل إلَى الإعلام العربي.. “معاريف” الصهيونية: صحفيون مصريون في ضيافة السفير “الإسرائيلي”

ناصر قنديل

– يكاد يشعر مَن يشارك بنقاش هادئ حول فكرة المقاطعة أنّه يقرّر دخول حلبة جنون لا مكان للعقل فيها، وأن مَن يخالفونه الرأي جاهزون للانقضاض بالسكاكين بادعاء معرفي كاذب، للردّ على ما كُتب، لأنهم يفهمون عليه من دون أن يقرأوه، أليس هو من المدافعين عن قرار مقاطعة فيلم أو كتاب، إذن هو من جماعة اللغة الخشبية التي جلبت لنا الهزائم، وكأن دعاة عدم المقاطعة يقدّمون لنا سجلاً حافلاً بالانتصارات، في رفع النفايات وتأمين الكهرباء، طالما هم منسحبون من ساحة القضايا الكبرى باعتبارها أقل قيمة من مستوى اهتماماتهم، وطالما صاروا متشاركين بالنظريات ذاتها من مسؤولين حاكمين ومستثقفين من معارضين، فليتشاركوا أيضاً في عرض سجل الفضائح – الإنجازات الذي به يتباهون، أو فلنهدأ ودعونا نتلاقى في منطقة وسط، نقرأ ثم نناقش، ولن نقول لكم إن المقاومة على الأقل باعتراف عدوّها حققت إنجازات وانتصارات، ونقبل التساوي في حفلة الفشل، فقط لنناقش بهدوء، فهل أنتم جاهزون؟

– يتشارك كل الرافضين لفكرة المقاطعة بثلاثة، الأولى أننا في زمن الانفتاح الإعلامي وثورة المعلوماتية وسهولة الوصول للممنوع، فما جدوى المقاطعة طالما أنها لن تمنع هذا الوصول، بل قد تثير ضجة تزيد من رغبة التعرّف بداعي الفضول، الثانية أن مبدأ الاطلاع على ما يقوله ويكتبه عدو، ليس فعلاً شائناً، فلماذا الخوف من الاطلاع وكأنه اعتراف بتفوق الموقف المعادي وخشية من التأثر به. والفكر حر وليتواجه فكر بفكر وإبداع بإبداع بلا منع ولا حجب ينتميان إلى مدرسة احتقار فكر الإنسان الحر، الثالثة أن المقاطعة لا تقدم ولا تؤخر بالذي تطاله المقاطعة، خصوصاً على الصعيد الاقتصادي، بل ربما تفيده في جعله موضوع إثارة وتحت الطلب بقوة حملة المقاطعة. وفوق هذه الثلاثة يأتي من يتبرع بحجج من نوع لماذا عرض لفلان فيلمان والآن استفاقوا على المقاطعة، ومن نوع، تبرّع فلان لمؤسسات إنسانية في كيان العدو ومثله تفعل شركات وأشخاص ودول فلم لا تقاطعونها… إلخ.

– في تصويب النقاش يجب تثبيت أن الحديث لا يجري عن قرار انتقائي او اختياري تتخذه نخبة في بلد، أو جهة مسؤولة في بلد. فالحديث عن تطبيق، مجرد تطبيق لقرار صادر عن جهة يشارك في تكوينها لبنان، هي هيئة مكتب المقاطعة العربية لـ»إسرائيل»، وتخضع قراراتها لمعادلات تتصل بتشكيلها فيها الخطأ والصواب، لكن متى قرّرت وهو جزء من قرارها يبادر لتنفيذ القرار، وهذه هي الحالة التي أمامنا، فهل نشارك أم لا، بناء على المبدأ الخاص بفكرة المقاطعة وليس على التفاصيل التي قد تتسع لنقاش من نوع دعوة الدكتور سمير جعجع الضمنية لمقاطعة أميركا، لأنها تدعم «إسرائيل» بثلاثة مليارات دولار سنوياً وليس بمليون دولار فقط كما فعل ستيفن سبيلبرغ ولسنة واحدة هي سنة حرب تموز 2006.

– الأمر الثاني هو أن أحداً لا يتطلّع للخلط بين المقاطعة الاقتصادية والمقاطعة الثقافية، أو بين المقاطعة لمنع التطبيع، والمقاطعة لمعاقبة دعم «إسرائيل»، وكل منها باب مختلف. فالمقاطعة الاقتصادية تطال شركات وتتصل بحرمانها من عقود وأسواق للتأثير على قراراتها الاقتصادية بحساب المصالح. وهذا لا يشبه الحديث عن المقاطعة الثقافية، والمقاطعة لمنع التطبيع تتّصل بمضمون منتج ثقافي أو رمز ثقافي، لأن المنتج أو صاحبه يروّجان للعدو، وهذا يستدعي حكماً مبدعاً ونجماً، وأن يكون مبدعاً ونجماً قد يراه البعض سبباً لرفض المقاطعة بحقه، بينما هو السبب الوجيه للمقاطعة بصفتها عقاباً اجتماعياً للمبدع والنجم في إصابة نجوميته، وتعرية ما يفترضه حقه في العبث بتوظيف مكانته في مجتمعه لتعريضه للارتباك في قضايا مصيرية. وهذا ما فعلته «إسرائيل» مع الشاعر «الإسرائيلي» يوناثان جيفين بمنع بث الأغاني العائدة لقصائده، لأنه كتب قصيدة تتضامن مع الطفلة الفلسطينية عهد التميمي، وهو ما يدعو بعض اللبنانيين لفعله مع المخرج زياد دويري.

– في قضية «الجلقان» اللبناني بترشيح فيلم الدويري للأوسكار، فقط لفت نظر أن الإبداع يأتي كما يعلم المتابعون في المرتبة الثانية بعد السياسة في الترشيح للجوائز العالمية، وكلّما كبر حجم الجائزة زادت السياسة، وهذا لا يُخفيه منظمو الجوائز، خصوصاً في باب الفيلم الأجنبي لجوائز الأوسكار، التي يعتبرونها تحية لقضايا وشعوب وأفكار، كما لا يُخفى على من تابعوا الترشيحات، حجم الاستبسال «الإسرائيلي» لشطب ترشيح فيلم «فوكستورت» العائد للمخرج «الإسرائيلي» اليساري شموليك معوز الذي يعرض للتفكك والانهيار الأخلاقي في المؤسسة العسكرية «الإسرائيلية» وكيف يقوم المجندون بحال هذيان بـ «التسلية» وقتل الملل بقتل المارة الفلسطينيين، وكيف قام «الإسرائيليون» بدعم ترشيح فيلم الدويري ليحل مكانه، والاعتبار عندهم هو ذاته نقل الأزمة الثقافية من الكيان «الإسرائيلي» إلى الكيان الذي يشكّل تحدياً ثقافياً مقابلاً بانتصارات مقاومته، وهو لبنان.

– بالعودة إلى سبيلبرغ، وما يعادله كحالة وليس كمستوى أو كمضمون طبعاً، في تاريخ الثقافة، حالة الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي، الذي لوحق بتهمة العداء للسامية وإنكار المحرقة النازية بحق اليهود، ولم يُسعفه في بلد الديمقراطية الأول فرنسا، أن يقبل بتوصيف إنكار المحرقة كجريمة، علماً أن ذلك حجر على الفكر الحر وحق المؤرخ بالتفكير، ولا أسعفه قوله، إنه يعتبر المبالغة «الإسرائيلية» في توصيف المحرقة توظيفاً لجريمة من أجل التغطية على جرائم مشابهة، فحُكم عليه بالمنع والمقاطعة،وتوقفت الصحف الفرنسية عن نشر مقالاته، منذ نشر في صحيفة اللوموند عام 1982 بعد مجازر صبرا وشاتيلا بياناً مشتركاً مع الأب ميشال لولون والقس ايتان ماتيو يدين المجزرة، وفلسفة المقاطعة هنا ليست أنها لبلد همجي أو معادٍ للانفتاح الثقافي، أو لا ديمقراطي، بل فلسفتها وقيمتها أنها في بلد الديمقراطية والانفتاح والحضارة، والفكر والفلسفة، لتقول إن هذه الدولة العريقة في الديمقراطية والانفتاح الثقافي لا يحرجها ولا يضيرها أن تُقدم على ما يناقض طبيعتها وتكوينها، في شأن تعتبره في مرتبة القدسية،  وهو ما تصفه بمحاربة العداء للسامية أو دعم الصهيونية عملياً، وتقول إن كل ميزات الانفتاح والديمقراطية ليست متاحة ليستفيد منها أعداء الصهيونية، وأن المقاطعة فعلٌ لا يراهن على المنع ولا على الحجب، فليقرأ لغارودي مَن يشاء وليلاحق كتاباته مَن يريد، وليجمع غارودي الملايين من القراء والملايين من الدولارات من هذه القراءات، لكن على غارودي والعالم أن يعلموا أن فرنسا تقاطعه بعدما تلقت رسالته بتحدّي قيمها، وهذه هي بالضبط فلسفة المقاطعة.

– سبيلبرغ بمليون دولار لن يجعل «إسرائيل» مرة أخرى قوة لا تُقهر وقد هزمتها مقاومتنا، ومقاطعتنا لن تحرمه ملايين سينالها فيلمه من شبابيك التذاكر، ومقاطعتنا لن تعني أن من بيننا كأفراد مَن سيُضطر مجبراً أن يمتنع عن مشاهدة فيلمه أو أفلامه، فليحضره على الشبكات من يريد وليحتفظ بنسخة عن فيلمه من يشاء، لكن سبيلبرغ أرادنا صندوقاً مجانياً لاسترضاء «الإسرائيليين» الذين غضبوا منه بعد فيلم ميونيخ، فاستعملنا باستحمار في تبرّعه في حرب تموز، ورسالتنا أننا شعب يغضب وتصله رسالة التحدّي، ومن استُغضب ولم يغضب فهو حمار. ونحن لسنا حميراً، وقد جاءتنا فرصة إدراج أفلامه ومقاطعتها على لائحة المقاطعة العربية فوجدناها فرصة لنقول له، لقد سمعت بلبنان من قبل يوم تبرّعت بمليون دولار للحرب علينا، ها نحن نُسمعك مجدداً، أننا سنحضر الجيد من أفلامك لكننا سنبصق بوجهك، فلا نجوميتك ولا إبداعك يجعلانك في مرتبة المقدّس،

لستَ عندنا ولا زياد الدويري أهمّ من روجيه غارودي عند الفرنسيين، قمتم بالعبث والتحدّي لمنظومة قيم كلفتنا دماء، فرددنا لكم الرسالة بما يناسب: البصقة في الوجه لا تبلل ولا تفسد الهندام ولا تسبّب الموت، لكنها رسالة مهمة، بدليل الضجة الدائرة.

Advertisements
%d bloggers like this: