شرع السراج يروي ما لديه قائلاً (1): «الملك سعود متزوج بسيدة سورية كُنيتها «أم خالد» (2). وأبوها اسمه أسعد إبراهيم. اتصل فيني الزلمة، قبل كم يوم، عن طريق وسيط. الوسيط هو النائب عزيز عياد. قابلت هادا أسعد إبراهيم، فبخبّرني إنو ملك السعودية عم يعرض عليي ملايين الجنيهات الاسترلينية، إذا بقبل قوم بانقلاب ضد الوحدة بين سوريا ومصر. أنا سايرتو، لأعرف شو في براس أسيادو. وفعلاً، بيبعتلي سعود دفعة قيمتها اتنين مليون جنيه استرليني، مشان يرشيني». سكت السرّاج قليلاً، ومدّ يده الى جيب سترته الداخلي، وأخرج منه مجموعة من الأوراق، قدّمها لعبد الناصر الذي قام من فراشه متحفزاً، وقد ظهرت عليه الدهشة والاستغراب. قال السرّاج مشيراً إلى الوثائق التي أعطاها لعبد الناصر: «وهي صور تلات شيكات من الملك سعود بعتلي ياهون، بيوم ست وعشرين شباط: الشيك الأول بمبلغ مليون جنيه استرليني. والتاني بمبلغ 700 ألف. والتالت بمبلغ 200 ألف. وهي الشيكات مسحوبة من البنك العربي المحدود بالرياض، على بنك ميدلاند، بلندن. وتدفع لحاملها. وفي كمان تسجيل لكلام أسعد إبراهيم معي». صمت السرّاج قليلاً، وترك عبد الناصر يتفحص الشيكات، ويتثبت منها. ثم أضاف السرّاج موضحاً سرّ المئة ألف الناقصة: «أسعد ابراهيم مبعوث سعود خصم لإلو من أصل المليونين جنيه اللي بعتلي اياها الملك، مبلغ مية ألف، قال على اعتبارها عمولتو». لم ينطق عبد الناصر بكلمة، بل ظل شاخصاً ينظر إلى السرّاج، وينصت لكلامه بانتباه، فاستكمل الأخير روايته قائلاً: «ومشان أسعد يشجعني أكتر، أعطاني رسالة شخصية من الملك كاتب فيها إنو أنا مثل ابنو، وهو مش رح يتخلى عنّي ورح يساندني، متل ما كان أبوه عبد العزيز يعمل مع شكري القوتلي (3). وقال لي إنو السفير الأمريكي بالشام مستعد يعلن اعتراف بلادو بالنظام الجديد فوراً. كمان، الملك بيضمن لي اعتراف كل الدول الصديقة لأمريكا بالوضع الجديد بسوريا». ابتسم عبد الناصر، وهو يستمع لهذه النقطة في الحديث، واستطرد السراج في حكايته قائلاً: «بصراحة، أنا من لما استلمت الشيكات ما قدرت استنّى ليطلع الضو. تحركت فوراً مع مجموعة من الضباط الموثوقين. واستدعيت واصف كمال مدير البنك العربي بدمشق، واللي حوّل السعوديين المبلغ عن طريق فرعهم بالرياض. واستدعيت، كمان، نائب مدير البنك وكم معاون إلو، حتى يشرفوا، من وش الصبح، على عملية سحب المبالغ من بنك ميدلاند وتحويلا على حساب جديد باسمي، فتحو بسويسرا». ولم يكن ذلك هو كل شيء. أكمل السرّاج قائلاً لعبد الناصر: «الأخطر من كل هاد. هو إنو مبعوث الملك سعود عطاني عبوة ناسفة لأزرعها بطيّارتك اللي بتطلع فيها، فتنفجر بالجو». أطبق الصمت في الحجرة لبرهة من الوقت. ولم يقطعه سوى كلمات السرّاج: «ومشان أقتلك رشاني الملك بمبلغ ميتين وخمسين ألف جنيه استرليني». صمت السرّاج ثوان، ثم أضاف: «أنا رفضت هالمهمة واعتذرت لمندوب سعود عن تنفيذها. بس ضلّيت عم حقّق بتفاصيل المؤامرة، فعرفت إنو الجماعة قدروا يجندوا ضابط طيار ليقصف طيّارتك بالجو، وبعدين يهرب على تركيا ويطلب اللجوء فيها. قبضنا ع الطيّار الخاين. ورجالي عم يحققوا معو هلأ».

 

«هل صدّق أهل المدينة ما قاله عنّا الحاسدون؟!»

كان خطاب عبد الناصر الذي ألقاه من دمشق، يوم 5 آذار/ مارس 1958، مدوياً. فقد كشف فيه للعالم العربي الوجه الآثم لآل سعود. وفي الرياض، كان وقع الاتهامات مزلزلاً. كانت المملكة، في عهد سعود، تشهد أحلك أيامها: خزينة مفلسة بسبب المصاريف المفرطة، وسياسة متخبطة لم تبقِ لها على صديق، وأسرة حاكمة مفككة بسبب استئثار الملك بسلطة مطلقة، وتحيّزه لأبنائه على حساب إخوانه، وسمعة مشبوهة تلوكها الألسن وتمضغها الأفواه. وكان أمراء آل سعود يكادون يتميّزون من الغيظ. وسأل الأمير طلال عن أخيه الملك، فقيل له إنه موجود في قصره بالمدينة المنورة. وكلّم طلال أخاه، عبر الهاتف، وسأله إن كان قد سمع اتهامات عبد الناصر له، وما تعليقه على ذلك؟! فأجابه سعود بأن لا ينزعج، وأن يأتي إليه. واستقل طلال طائرة، وجاء إلى قصر أخيه في المدينة. ويروي طلال كيف دخل على الملك في مجلسه، فوجد عنده أعيان المدينة، وبينهم نائب أميرها عبد الله السديري. وسأل سعود جلساءه قائلاً: «ترى أهل المدينة صدّقوا اللي قالوه عنّا الحاسدين؟!». وصمت الجميع، وكان صمتهم أبلغ من كلامهم. وأحسّ طلال بالوجيعة من هذا الحال الذي وصل إليه آل سعود، فخاطب أخاه الأكبر، قائلاً له: «بالله يا طويل العمر بيّض وجوهنا. لو تركنا اللي ينقال من غير ردّ، سوّدت الفضيحة وجوهنا. واحنا خمسة آلاف من آل سعود، وين نروح بوجوهنا؟!». وتمتم سعود قائلاً: «أبشر! أبشر! ما يخالف. ما يصير إلا الخير».

في الغد عاد سعود إلى الرياض، فلقي من عمه عبد الله ذلك التوبيخ الذي لم يسمعه منه قبل ذلك أبداً. واكتأب سعود، فاعتكف في قصره، لا يخرج منه، ولا يُدخل عليه أحد. ثم إنّ الملك السعودي اغتاظ، وحزّ في نفسه كيف انقلب حاله. وأمر حرّاسه أن يأتوا له بمدير «البنك العربي» في الرياض مقيّداً في الحديد. فجاؤوا بالسيد مصباح كنعان من مقر عمله، بعد أن كبّلوه وأهانوه أمام موظفيه وعملائه. ووقف المصرفي المسكين، وهو يرتعش من الخوف أمام «طويل العمر». شهد تلك الواقعة الغريبة محمد سرور الصبان وزير المالية السعودي. وكان الملك يصيح حانقاً: «كيف تعطون شيكات للسرّاج، تتاخذ دليل ضدنا. المفروض ما تعطوه الصكوك». وردّ كنعان قائلاً أنه لم يفعل سوى ما أَمره به الديوان الملكي، ولديه توقيعان من وزير المالية الصبان، ومن رئيس مؤسسة النقد السعودي معتوق حسنين يأذنان فيه بتحويل المبلغ المذكور. ولم تعجب سعود هذه الإجابة، فأمر بحبس الرجل، وإغلاق فروع بنكه في المملكة كلها. واهتزت السوق المالية السعودية من هذا التصرف الأهوج. وأخذ كبار الأمراء يسحبون أموالهم من بعض المصارف، وتبعهم عامة الناس. وأغلقت الفروع البنكية أبوابها أمام الزبائن، فتحولت مطالبات المواطنين بسحب أموالهم إلى ما يشبه التظاهرات. فجأة هبطت قيمة العملة السعودية هبوطاً مدوياً، في ظرف أيام قليلة، من 3.75 ريال مقابل الدولار الواحد، إلى 6.5 ريال. وأصبح المشهد السعودي كله كئيباً!

اجتمعت مجموعة من أمراء آل سعود في قصر الأمير طلال المعروف بـ«الفخرية». كانوا تسعة أمراء: عبد الله، وعبد المحسن، ومشعل، ومتعب، وطلال، ومشاري، وبدر، وفواز، ونواف. وقرّروا أن يطلبوا من أخيهم الأكبر فيصل بن عبد العزيز تولّي الحكم بدلاً من سعود. ثم إنّ هذه المجموعة سريعاً ما قويت شوكتها، بعد مساندة العم عبد الله بن عبد الرحمن لها، ومعه السديريون الذين يتزعمهم فهد. والشقيقان محمد وخالد. لكنّ المعضلة تمثلت في إقناع ولي العهد نفسه بأن يمسك بمقاليد المملكة. كان فيصل رجلاً مريضاً، وكان يعاني من أمراض كثيرة، ولقد عاد من أميركا قبل شهور قليلة، بعد أن عولج في أحد مستشفيات نيويورك من سرطان غير خبيث في معدته. وتحوّل «الرجل ذي السحنة الكئيبة» إلى رجل نافر من الحكم. فلما عرض عليه أن يكون ملكاً بدلاً من أخيه تمنّع. بيد أنه بعد أن رأى إجماع إخوته عليه، قبل المهمة، مشترطاً أن يظلّ سعود ملكاً صورياً لكي لا يحدث عزله انشقاقاً في وحدة الأسرة المالكة، وأن توكل كل سلطات الحكم الفعلية له وحده. وفي ليلة 24 آذار/ مارس 1958، وكانت إحدى ليالي رمضان، جاء آل سعود إلى أخيهم يحملون إليه نبأ نزع سلطاته، وإبقائه صورة بلا وظيفة. غضب سعود، وقال لهم إنه ليس ملكة بريطانيا. وأجابه محمد ذو الشرّين: «أحسن لك تقبل باللي عرضناه عليك، بدل نخلعك من المُلك كله». ساد الصمت المجلس. وجال سعود بعينيه في وجوه عمه وإخوته، فلم ير منهم إلا نفوراً منه. أطرق برأسه، ثم قام من مقعده، وتمتم قائلاً إنه يوافق على نقل صلاحياته إلى فيصل. وكان ذلك اعترافاً منه بنهايته.

الهوامش:

(1) أخبر الرئيس عبد الناصر في صباح يوم 25 شباط/ فبراير 1958، مرافقيه بتفاصيل ما قاله له السرّاج في الليلة الماضية. وكان محمد حسنين هيكل من بين أولئك الرفاق. ورجا هيكل السرّاج أن يسجّل بصوته قصته مع ملك السعودية، على شريط «كاسيت». ولما أراد هيكل، بعد ثلاثين عاماً، أن يكتب مؤلفه «سنوات الغليان»، استعان بالشريط القديم الذي سجّله للسرّاج، فاستعاد التفاصيل الدقيقة لحكاية سعود مع رجل الشعبة الثانية. ودوّن هيكل ما ذكره السرّاج في الصفحات 299 إلى 305، من كتابه المذكور.

(2) أم خالد، واسمها جميلة أسعد إبراهيم مرعي. هي الزوجة التاسعة للملك سعود، من بين أربع وأربعين زوجة للرجل. تزوجها سعود، سنة 1926، بعد أن بلغه جمالها، وكانت ما زالت طفلة لا تتجاوز الثانية عشر من العمر. ودأبت «عيون» سعود وأبيه وإخوته على تصيّد الفتيات السوريات المليحات، دوماً. ولعلّ غايتهم كانت تحسين نسلهم وتجويد صورته. وأنجبت جميلة لسعود ثمانية أبناء، أكبرهم خالد الذي تولى رئاسة الحرس الوطني السعودي، في عهد أبيه. وكان أسعد إبراهيم مرعي (والد جميلة) رجلاً فقيراً من اللاذقية. وعرفه الناس سارقاً للحمير. وقبض عليه، ذات مرّة، ودخل السجن بسبب سرقة حمار. لكنّ أسعد تبسم له السعد بعدما تزوجت ابنته من الأمير سعود بن عبد العزيز، فصار فجأة من كبار الأثرياء.

(3) من سوء الحظ، أنّ شكري القوتلي، وهو الرئيس السوري الأول بعد الاستقلال، كان على رغم وطنيته، موالياً لآل سعود أكثر من اللازم. وكانت علاقته بالملك عبد العزيز وأبنائه وطيدة، فقد عاش في كنفهم منذ سنة 1926. وظلّ عدد من أفراد أسرة القوتلي يعملون في التجارة داخل المملكة السعودية زمناً طويلاً. وبحسب ستيفن لونغريج، مؤلف كتاب «سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي» (ترجمة بيار عقل، دار الحقيقة، ص: 59) فإنّ القوتلي كان يؤيد إعادة النظام الملكي إلى سوريا، في حقبة الثلاثينيات من القرن العشرين. ورشّح القوتلي الأمير فيصل بن عبد العزيز آل سعود، ليكون عاهلاً في دمشق. لكنه فشل في تحقيق مساعيه.

وحينما طلب عبد الناصر من السرّاج أن يخبر شكري القوتلي بما رواه له عن تآمر الملك السعودي، خشي الضابط السوري الكتوم أن يفشي «المواطن العربي الأول» – كما لقّبه ناصر- ذلك السر للسعوديين. ولم تكن العلاقة بين السراج والقوتلي طيبة، فقد كان الأول يعلم ارتباطات الرئيس السوري السابق الوثيقة بآل سعود. لكنه مدفوعاً بإلحاح عبد الناصر، حكى قصة غدر الملك السعودي، للقوتلي. وصدقت مخاوف السرّاج فعلاً، فقد أفشى القوتلي للسعوديين ما أُبلغ به. وذكر لهم أنّ مساعيهم وخططهم قد انكشفت لعبد الناصر. وأحسّ السرّاج بالحنق لما اعترض ضباطه، بعد سويعات، برقية مشفّرة من السفارة السعودية في دمشق، مرسلة إلى الديوان الملكي، تقول: «تأكد أنّ البناية مغشوشة».