المسرحية الإسرائيلية ضد لبنان: الخلفية والقصد والنتيجة؟

أكتوبر 2, 2018

العميد د. أمين محمد حطيط

في عمل مسرحي سيّئ الإخراج والتمثيل قدّم نتنياهورئيس وزراء العدو الإسرائيلي صوراً ادّعى أنها لمواقع في لبنان يخزّن فيها حزب الله صواريخ عالية الدقة، وتقع في الضاحية الجنوبية لبيروت، وعلى بعد عدة مئات من الأمتار من مطار بيروت الدولي، وحتى يستنفد الوقت المحدّد له على منبر الجمعية العامة للمتحدة أضاف إلى الفصل الأول من المسرحية الهزلية صوراً زعم أنها لمواقع تخزّن فيها إيران عناصر خطيرة من ملفها النووي قرب طهران.

طبعاً المسرحية كما قلت لا تستحق بذاتها النقاش لإظهار زيفها ووهنها وإسقاط أيّ عنصر من العناصر التي قد يتكئ عليها لتقريبها من المشهد المعقول القابل للنقاش، فالصور كما أظهرت بدا أنها التقطت لمكان عام يرتاده الناس بشكل عادي وعلى مدار الساعة ولا يمكن ان يكون له صلة بعملية تخزين صواريخ او شيء سري ذي صلة بعمق أو بعد أو طيف استراتيجي، ولذلك لن نهدر الوقت للرد ّعلى العدو وإظهار كذبه الفضائحي، لكن السؤال الذي لا بدّ من طرحه والاهتمام بمتعلقاته هو لماذا قام العدو بمسرحيته وهو يعرف أنها مثار السخرية والضحك وعصية على التصديق. فخلفية وسبب العرض المسرحي هو المهمّ في هذا النطاق فلماذا؟

قد يسارع البعض للقول بأنّ العدو في عرضه استكمل سياسة الاتهام بتحويل المناطق الآهلة المدنية الى مستودعات عسكرية، وهو اعتمد هذا الأمر في الأمم المتحدة ليبرّر لاحقاً العودة الى تطبيق نظرية الضاحية والاستراتيجية التدميرية التي تستهدف المدنيين وكامل البنى التحتية اللبنانية، خاصة أنه أكد في إعلانه أكثر من مرة انه لن يميّز بين جيش لبناني ومقاومة وشعب لبناني ومؤسسات رسمية وأهلية لبنانية فالكلّ في الحرب المقبلة أهداف لعدوانه، وبالتالي يختصر الموقف هنا بالقول بأنّ العرض هو تمهيد لعدوان لا يقيم وزناً او تمييزاً بين مرفق مدني ومنطقة آهلة وموقع عسكري.

لكننا هنا لن نتأخر في الردّ على هذا الرأي رغم وجاهته ونقول إنّ «إسرائيل» ليست عدواً كباقي البشر الذين لديهم شيء من حسّ إنساني، فـ «إسرائيل» أصلاً لا تنذر ولا تهدّد بل تذهب للقتل والتدمير مباشرة ولنذكر من يريد مثلاً مصداقاً لهذا القول، انّ «إسرائيل» دمّرت الأسطول الجوي المدني اللبناني في العام 1968 دون ان توجه كلمة إنذار او اتهام واحدة للبنان، وانّ «إسرائيل» اجتاحت لبنان في العام 1982 ووصلت الى بيروت دون ان تهدّد بشيء ودون ان تأبه لشيء، بل انها اخترعت مسرحية محاولة قتل سفيرها في لندن وقامت بالعدوان على لبنان. فالقاعدة لدى «إسرائيل» عندما تكون قادرة هي أن تفعل وتترك الآخرين يتحدثون عنها وعن أعمالها، اما إذا هدّدت فإنّ في الأمر كلاماً آخر فما هو.

قبل ان نفصّل في الأمر، لا بدّ من التأكيد هنا على أمر أساسي بأنّ «إسرائيل» وبسبب واقع القوة الدفاعية اللبنانية المشكلة من شعب وجيش ومقاومة، المعادلة التي فرضت معادلة ردع استراتيجي عليها، انّ «إسرائيل» هذه باتت مردوعة في مواجهة لبنان، وغير قادرة على الذهاب ضدّه إلى حرب، فللحرب شروطها الثلاثة وهي غير متحققة في الواقع «الإسرائيلي» الآن، فلا هي تملك القوة القادرة على تحقيق الإنجاز العسكري في ظلّ فقدان الحافزية العسكرية لدى جيشها وفي ظلّ قوة المقاومة بوجهها، ولا هي قادرة على استيعاب ردة فعل العدو على جبهتها الداخلية الواهنة، ولا هي قادرة على التحكم بالبيئة الاستراتيجية والسياسية الدولية لصرف الإنجاز فيها إذا تحقق، وهذه البيئة اليوم عرضة لتوازنات ليست في مصلحة «إسرائيل». لكلّ ذلك فإننا لا نربط مسرحية العدو الهزلية بالاستعداد للعدوان على لبنان وانْ كانت «إسرائيل» تشتهي العدوان على الدوام وتعمل للتحضير له على مدار فرضت عليها واقعاً حرمتها من الاستقلالية والحرية في اتخاذ قرار الحرب وجعلتها مردوعة عنها كما يصف حالها خبراؤها. وبعد هذا نسأل لما المسرحية «الإسرائيلية» اذن؟

انّ «إسرائيل» شاءت وفي ظلّ ظروف محدّدة ومستجدّة وضاغطة تتمثل في إغلاق الأجواء السورية بوجه طيرانها وصواريخها وقنابلها الذكية ما تسبّب بنكبة استراتيجية لها في وقت تتحضر فيه أميركا لاعتماد سياسة لـ «خنق إيران» في 4 تشرين الثاني المقبل مع الخشية «الإسرائيلية» من نجاح أحزمة النجاة التي تحضرها أوروبا وروسيا والصين والهند لإيران، ورداً على الموقف العلمي الاستراتيجي الكبير للعماد عون في الأمم المتحدة وقبلها في مقابلة مع جريدة «لو فيغارو» الفرنسية، شاءت «إسرائيل» ان تذهب الى حروب أخرى بديلة وتعويضية.

ولهذا كانت هذه المسرحية بمثابة التمهيد والانطلاق الى تلك الحروب التي نعتقد انّ «إسرائيل» تقترحها او تشارك فيها ضدّ لبنان وهي ثلاثة حروب غير الحرب النارية القتالية التي فرض عليها العجز عنها، فقد شاءت حرباً نفسية ترهق لبنان مستفيدة من واقع انقسام اللبنانيين حول المقاومة وهي تريد ان تغذي هذا الانقسام وتثير دخاناً في وجه المقاومة ويعيد الجدل حول وجودها واستمراريتها الى الواجهة، جدل يحجب انتصاراتها ويمنعها من الاستثمار في الداخل والإقليم. وهنا وللأسف وجدنا في لبنان من يواكبها لا بل من يتقدّم عليها لخدمتها في مواجهة المقاومة والإساءة اليها والى قوة لبنان الدفاعية.

اما الحرب الثانية التي شاءت «إسرائيل» تسعيرها بمسرحيتها فهي الحرب السياسية التي يعتبر تشكيل الحكومة المتعثر بعض وجوهها كما يشكل استهداف رئيس الجمهورية بشخصه ومواقفه جزءاً آخر منها. فالرئيس كما بات معلوماً اتخذ في رحلته الأخيرة الى الأمم المتحدة من المواقف الاستراتيجية والسياسية والعسكرية العلمية ما أكد على حق لبنان بالمقاومة وأوضح بشكل علمي انّ المقاومة وسلاحها هي نتيجة لسبب متمثل بالاحتلال التي تمارسه «إسرائيل»، وانّ هذا الاحتلال سبب مآسي للبنان والمنطقة، ومنها مسألة اللجوء والنزوح، وانّ معالجة هذه المسائل تبدأ بمعالجة الأصل. ومنطق الرئيس الذي يجسّد المنطق السليم لا يرضي «إسرائيل» المجافية لكلّ منطق والتي لا تؤمن إلا بمنطق القوة العدواني واغتصاب الحقوق، لذلك شاءت ان تساهم في حرب سياسية ضدّ لبنان ورئيسه يرفده ويواكبه أيضاً وللأسف لبنانيون يدّعون زوراً العمل لمصلحة لبنان.

أما الحرب الثالثة فهي الحرب الاقتصادية وهي الأخطر والأدهى، لأنّ لبنان في ظلّ هذه الحرب يعتبر أقلّ مناعة منه في الحروب الأخرى التي ذكرت، ولذلك كان التصويب على مطار بيروت من أجل حصار لبنان وخنقه بالقبض على رئته التي تصله بالعالم، وأيضاً وأيضاً ومن شديد الأسف نجد ان لبنانيين ومنهم مسؤولون رسميون يساهمون ويشاركون «إسرائيل» في حربها وما الذي شهده مطار بيروت مؤخراً من تصرفات لا يبرّرها منطق ولا قانون إلا تأكيد على هذه الشراكة عن قصد أو غير قصد.

إذن هي حروب نفسية وسياسية واقتصادية تريدها «إسرائيل» بدائل عن الحرب النارية القتالية العسكرية ضدّ لبنان، حروب تحوّلت اليها «إسرائيل» بعد ان أدركت عجزها عن الأخرى، وهنا يطرح التحدّي الكبير على اللبنانيين وبالأخصّ منهم المسؤولون فهل يحصّنون لبنان في وجه العدوان «الإسرائيلي» المثلث هذا والذي جاءت المسرحية الهزلية في الأمم المتحدة تمهيداً له، أم ينتفض كلّ لبنان بوجه العدوان البديل ويحمي لبنان؟

في الإجابة السريعة على السؤال نقول إننا نتمنى أن يدافع كلّ اللبنانيين عن وطنهم، ولكننا وللأسف لا نثق بتحقق هذا التمني إلا انّ ثقتنا قائمة في مكان آخر، نثق بأنّ من حرّر لبنان وكانت له المواقف الثابتة خدمة للحق اللبناني سيكون أيضاً هنا وبالمرصاد… وأنه اليوم وفي ظلّ المعادلات الدولية والإقليمية الجديدة سيكون أكثر قدرة على المواجهة وأكثر طمأنينة للانتصار.

أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

Related Articles

 

Advertisements
%d bloggers like this: