قِمَّة تونس، ميشال عون يصدَح كرامةً لبنانية

AF5Q8783

أمين أبوراشد

قبل الدخول الى قاعة المؤتمرات، كان لا بُدَّ من الوقوف احتراماً للشعب التونسي المُحتشِد، رافعاً الأعلام الفلسطينية والسورية واليمنية، ساخراً من مسلسل القِمَم العربية، وملوِّحاً بصورة الرئيس السوري بشار الأسد، وجازماً بأن قِمَّة بدون حضور سوريا لا قيمة لها، ولا يُنتظر منها سوى البيان المُرتقب كما كل عام، منسوخاً عن العام الذي سَبَق، وممسوخاً كما هو واقع العرب.

وقبل الدخول أيضاً، لا بُدَّ من التوقُّف، عند جائزة الترضية التي منحتها جامعة القيروان للملك السعودي سلمان بن عبد العزيز، دكتوراه فخرية- تعويضاً عن رفض جامعة الزيتونة العريقة منحه إياها- تقديراً لمساهمته في “تطوير الحضارة العربية”، وزاد الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي من وزنَة التكريم، بأن منحه أرفع وسامٍ تونسي – مدفوع الثمن مسبقاً – عبر تبرُّع سلمان بمشروع بناء صرح إجتماعي ومسجد في منطقة القيروان.

ندخل القاعة، ولا نستغرب عدد النِيام فيها، لأن الكلام الببغائي شجباً واستنكاراً وإدانةً هو هو، سوف يُقال، سواء كان القادة العرب في حال اليقظة أو النوم، وقد تداولت وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية ومواقع التواصل الإجتماعي صوراً تعكِس حال الأمَّة النائمة، التي لا توقظها لا صرخات انتفاضة الشعب الفلسطيني على حدود غزَّة مع الكيان المُحتل، ولا أنين أطفال ونساء وعجائز اليمن تحت وطأة أظلم عدوان يقوده المُكرَّم سلمان، ولا وقت لدى القادة هؤلاء، لبحث عودة سوريا الى حُضنِ الجامعة العربية، طالما بعض العرب اجتمعوا كما الذئاب لِنَهش سوريا، وانتصرت بدونهم بفضل جيشها وشعبها وحلفائها الشرفاء.

وحده كما كان متوقعاً، الرئيس اللبناني صرخ الكرامة اللبنانية، مُستنهضاً النائمين والراقدين، وهي ليست المرة الأولى التي يصدَح فيها ميشال عون بالحقوق الطبيعية، سواء عبر المنابر العربية أو الدولية، ويتساءل عن معنى السلام إذا خسرنا الأرض.
صَدَح ميشال عون مُحذراً “النائمين” عن كرامتهم، من الصفقات الدولية التي تلوح في الأفق بعد سكوت المدافع، وما تحمله من تهديد وجودي للدول والشعوب العربية، وحذَّر مجدداً من الشرذمة ومن الفرز الطائفي، لأنهما يُمهِّدان لإسقاط مفهوم الدولة الواحدة الجامعة لصالح كيانات عنصرية طائفية تفرض واقعاً سياسياً وجغرافياً يُبرر لإسرائيل إعلان نفسها دولة يهودية.

شدَّد الرئيس عون على “وجوب حماية دولنا وشعوبنا والمحافظة على وحدتها وسيادتها واستقلالها، وأن علينا أن نستعيد المبادرة، فنسعى مجتمعين الى التلاقي والحوار ونبذ التطرف والعنف، وتجفيف منابع الإرهاب”، ما جعل فخامته كرئيس للبنان الكرامة والسيادة، يخطب بمن هُم شركاء في الإرهاب، أو مموِّلين له، أو نائمين عنه، وهُم واهمون لو اعتقدوا أن الإرهاب سوف يستثني دولة عربية واحدة خاصة تلك التي تربَّى الإرهاب على يديها وتنعَّم من تمويل نفطها.

وإذا كان الرئيس عون قد حذَّر من قرار الرئيس الأميركي الإعتراف بسيادة اسرائيل على مرتفعات الجولان، وأنه لا يهدّد سيادة سوريا شقيقة فحسب، بل يهدّد أيضاً سيادة الدولة اللبنانية التي تمتلك أراضٍ قضمتها إسرائيل تدريجياً، لا سيما في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والقسم الشمالي من بلدة الغجر، فإن ميشال عون قد أوصل الرسالة، أن لبنان لا يحتاجهم لإسترجاع حقوقه هو الذي حرَّر أرضه وصدّ العدوان عليها وقطع دابر الإرهاب عن حدوده، دون الحاجة الى قِمَم عربية يحضرها “قادةٌ نيام”، لكن الرئيس عون حذَّرهم من صفقة القرن وسواها لأن بعض الدول العربية ستدفع أثماناً باهظة ما لم تأخذ المبادرة وتقِف بوجه اللعبة الدولية الآتية.

ولم يتناول الرئيس عون قضية عودة النازحين السوريين فقط من منظور الأعباء التي يتحمَّلها لبنان، بل كون هؤلاء النازحين باتوا ورقة سياسية ضاغطة على الدولة السورية لعرقلة أي حلّ سياسي، وإذا كان العرب – من باب الحياء المُصطنع- نددوا في هذه القِمَّة بقرار ترامب المرتبط بالجولان، وأجمَعوا على ضرورة إيجاد الحلّ السياسي للأزمة السورية، فإنه من المؤسف، أن مَن يُطبِّعون مع الكيان الإسرائيلي كانوا حاضرين في القِمَّة، والمُعتَدون على اليمن بأفظع جرائم العصر كانوا في القِمَّة، وأعداء لبنان المُقاوِم كانوا في القِمَّة، وأدوات إرهاب أميركا كانوا حاضرين بامتياز في القِمَّة.

ورغم ذلك، حسبُ ميشال عون أنه وَقَف بينهم قامةً شامخة وكرَّر إيصال الرسالة، لو استفاق العرب يوماً، وليس مطلوباً من بعضهم حيازة الدكتوراه الفخرية، ولا أن يتزيَّنوا بأرفع الأوسمة ليكونوا قادة، بل الشرف كل الشرف، أن يقف أي رئيس دولة بفخر لأنهم يُمثِّل بلداً فخره وشرفه مِن شعبه وجيشه ومقاومته، والوسام الذي يحمله ميشال عون، “صُنعَ في لبنان” وطن السيادة والكرامة، واستحقَّه مجدداً عن جدارة..

المصدر: موقع المنار

Related Videos

Related Articles

Advertisements
%d bloggers like this: