حروب الجيل الخامس العلوم بدلاً من العسكر تعاظم الصين وروسيا وإيران وتقهقر الأميركان

يونيو 24, 2019

محمد صادق الحسيني

كلّ المؤشرات المعلوماتية تفيد بأنّ الصين تسيطر على عالم الانترنت والمعادن النادره في العالم.

وانّ ثمة استراتيجية صينية شاملة تتقدّم للعالم

يقابلها تخبّط أميركي وانعدام استراتيجية مستقبلية،

والمعلوم تاريخياً انّ الولايات المتحدة، خاصة بعد دخولها الحرب العالميه الأولى، وانتصار تحالفها فرنسا وبريطانيا على تحالف دول المحور المانيا والإمبراطورية العثمانية ، قد عملت على توسيع وتعزيز هيمنتها الاستعمارية، داخلياً وخارجياً، بقوة السلاح طبعاً وليس بقوة المعرفة والعلوم.

وعلى الرغم من تحقيقها نجاحاً نسبياً في تعزيز سيطرتها على القارة الأوروبية، إلا أنّ حدوث الأزمة الاقتصادية، او دعنا نسمّيها الانهيار الاقتصادي الدولي عام 1929، وما ترتب على ذلك من انحسار للإمكانيات المالية والاقتصادية الأميركية، نتيجة للأزمة، ثم وصول الحزب النازي الألماني الى السلطة وسيطرة أودلف هتلر على الحكم في المانيا، عبر انتخابات برلمانية وتحالفات حزبية معقدة، وقيادته المانيا الى حرب عالمية جديدة دخلتها الولايات المتحدة وهي مصمّمة على استكمال سيطرتها على أوروبا تمهيداً لفرض سيطرتها على العالم.

فقد كانت أداة السيطرة الأميركية، آنذاك كما اليوم، هي القوة العسكرية الجبارة. وكان أوج استعراض واشنطن لهذه القوة قد تمظهر بشكل صارخ عندما قامت بقصفت هيروشيما وناغازاكي بالقنابل النووية في شهر آب 1949، الأمر الذي رفع الولايات المتحدة الى مرتبة الأقوى عسكرياً واقتصادياً في العالم.

لكن ذلك لم يدم طويلاً، فبعد نجاح الاتحاد السوفياتي في تصنيع القنبلة النووية، وإجراء تجربته النووية الأولى بتاريخ 29/8/1949، سرعان ما انكسر هذا الاحتكار النووي الأميركي، وبدأ يتراجع رويداً رويداً، الى أن نشأ توازن ردع في العلاقات الدولية على صعيد العالم، تجلى بشكل واضح وقوي في إجبار قوات الاحتلال البريطاني الفرنسي «الإسرائيلي» عام 1956/ 1957 لسيناء على الانسحاب منها، اثر الموقف الصارم الذي اتخذه زعيم الاتحاد السوفياتي آنذاك، نيكيتا خروتشوف، في مجلس الأمن الدولي.

ولكن عناصر الردع والقوة الأميركية، التي اعتمدت أساساً وقبل كلّ شيء على قوة السلاح، بدأت بالتآكل، أكثر فأكثر، اثر المتغيّرات الجذرية التي شهدتها ميادين الصراع الدولية، وعلى كافة الصعد، الاقتصادية والسياسية والعلمية والعسكرية، الأمر الذي أدّى ليس فقط الى كسر احتكار الولايات المتحدة لمحاولات السيطرة على العالم ومقدّرات شعوبه، وإنما الى دخولها في مرحلة تراجع تدريجي مستمرّ، سواء على الصعيد الاقتصادي او السياسي تراجع تأثيرها السياسي في العالم او العسكري والعلمي المعرفي قبل كلّ شيء.

هذا التراجع العلمي والمعرفي، الذي يعبّر عن نفسه من خلال الحروب الاقتصادية وسياسة العقوبات التي يفرضها ترامب على العديد من الدول، والتي تشهد إيران أكثرها صرامة، بينما تشهد الصين أكثرها اتساعاً، من ناحية الحجم المالي، نقول انّ هذا التعبير او التجلي لهذا التراجع قد أدّى الى إضعاف قدرة الصناعات والشركات الأميركية على المنافسة بسبب قلة الاستثمار في قطاعي العلم المعرفة والبحث العلمي أولاً، وبسبب التغيّر الذي شهدته مختلف قطاعات الصناعة والتكنولوجيا والمال والأعمال خلال العقدين الماضيين.

هذا التغيير الذي وضعنا في بداية ثورة صناعية جديدة يطلق عليها اسم الثورة الرقمية، او ثورة الإنترنت، والتي سوف تغيّر كلّ مجالات الحياة البشرية، سواء كانت صناعية أو اقتصادية او سياسية او اجتماعية او غير ذلك.

وهذه الثورة لا تعتمد على قوة السلاح، والتهديد باستخدامه لإسقاط دول ذات سيادة واحتلال أراضيها، بل تعتمد على تكنولوجيا الإنترنت الفائقة السرعة والتي يتمّ تشغيلها بالاعتماد على تقنية تسمّى تقنية الجيل الخامس G 5 ، والتي لا تعتمد أبداً على تقنية الولايات المتحدة وإنما وقبل كلّ شيء على تقنيات صينية، تعتبر شركة هواوي هي الرائدة في صناعتها، الأمر الذي جعل الرئيس الأميركي يشنّ حرباً عالمية عليها وعلى خمسة من أخواتها الصينيات اللواتي ستخضع للعقوبات والمقاطعة الأميركية اعتباراً من يوم الاثنين 24/6/2019.

وإذا ما تفحصنا بعض جوانب هذه الحرب المجنونة، التي تشنّها الولايات المتحدة على عمالقة أحدث تكنولوجيا الاتصالات في العالم ألا وهي «هواوي» واخواتها، فإننا سنكتشف بسرعة الإنترنت الصينية الفائقة السرعة انّ هذه الحرب خاسرة بلا جدال وان لا طائل من ورائها مطلقاً وذلك لسبب بسيط جداً، ألا وهو انّ الشركات الأميركية والتكنولوجيا التي تنتجها، في قطاع الاتصالات وتقنياتها، لا يمكنها منافسة المنتج الصيني الأكثر تقدّماً والأقلّ كلفة.

اما دليلنا على عدم قدرة الولايات المتحدة على منافسة الصين، في قطاع الاتصالات بشكل خاص وفي غيره من القطاعات الصناعية بشكل عام، فهو ما يلي:

1 ـ انّ تكنولوجيا الجيل الخامس الصينية للإنترنت أكثر تطوّراً من التكنولوجيا الأميركية، كما انّ خدمات الشركات الصينية التي تصنع وتدير هذه التكنولوجيا، مثل شركة هواوي وشركة هينغ تونغ، أفضل بكثير من نظيراتها الأميركيات، حسب مركز Rethink Research الأميركي. وهو ما يعلل قيام العديد من الدول الأوروبية، وعلى رأسها المانيا وبريطانيا، بأن تعهَدَ لشركة هواوي ببناء شبكة الإنترنت من الجيل الخامس في أراضيها، وليس لشركات أميركية.

2 ـ عدم وجود خطة تطوير تقني/ تجاري/ أميركية استراتيجيه شاملة، سواء في قطاع الاتصالات او بقية القطاعات الإنتاجية والخدماتية، بينما لدى الصين خطط واضحة ودقيقة تعتمد على الاستثمار البعيد المدى في البنى التحتيه ذات العلاقة مع المواضيع المذكورة أعلاه. وهو ما يعني المزيد من التطوّر والتقدّم وازدياد القدرة على المنافسة القوية في الأسواق الدولية.

3 ـ وانطلاقاً من الخطة الاستراتيجية الشاملة للصين، في تطوير صناعة التكنولوجيا الحديثة وتعميم الفائدة التجارية من هذا التطوير على الكثير من الأمم، فقد قامت الصين بطرح مشروع الحزام والطريق، الذي يعتمد مبدأ تطوير البنى التحتية، في سبعين دولة حتى الآن، في قطاعات الصناعة والنقل والاتصالات والتجارة، بدلاً من استخدام القوة في التعامل بين الدول، أيّ مبدأ التعاون والتكامل بدل شنّ الحروب الاقتصادية والعسكرية وفرض العقوبات على عشرات الدول، كما تفعل الولايات المتحدة حالياً.

4 ـ وبالنظر الى مشروع الحزام والطريق، الذي يعيش في الدول المشاركة فيه حتى الآن 65 من سكان العالم ويقومون بإنتاج 40 من الإنتاج في العالم، فإنّ ذلك يعني وجود سوق هائلة للبضائع الصينية، وعلى رأسها تكنولوجيا الإنترنت اللاسلكي الفائق السرعة، ما يعني سيطرة الصين على قطاع خدمات الإنترنت في العالم، التي ستصبح، خلال سنوات قليلة، وسيلة التواصل الرئيسيه بين أكثر من عشرين مليار شخص وآلة او شيء هناك مسمّى جديد يطلق عليه اسم: إنترنت الآلات. أي انّ الآلات من سيارات وطائرات وغيرها من الآلات الصناعية سوف تتبادل المعلومات في ما بينها دون تدخل بشري .

وغني عن القول طبعاً انّ شركات صناعة تكنولوجيا وخدمات الإنترنت الأميركية لن يكون لديها أي فرصة لدخول أسواق تلك الدول، الأعضاء في مشروع الطريق والحزام، من دون حتى اللجوء الى إجراءات عقابية أو حمائية، من قبل تلك الدول، وإنما بسبب التفوّق التقني للشركات الصينية وقدرتها الهائلة على المنافسة، لما تتمتع به من تفوّق علمي ينتج تفوقاً تقنياً، وليس بسبب الأيدي العاملة الصينية الأقل كلفة من الأيدي العاملة الأميركية فقط.

5 ـ انطلاقا من كلّ ما تقدّم، حول أهمية التفوّق التقني والصناعات التكنولوجية، في مجال الإنترنت اللاسلكي الفائق السرعة، يبدو واضحاً انّ المواجهة الدولية، التي نعيش مشاهدها في الكثير من بقاع العالم، كالشرق الأوسط ومنطقة البحر الأسود/ القرم وأوكرانيا / وبحر الصين الجنوبي والبحار الأخرى، وصولاً الى القارتين الأفريقية والأميركية الجنوبية، لن يتمّ حسمها إلا لصالح روسيا والصين، وبالتالي لصالح القوى الدولية الساعية الى إنهاء السيطرة والهيمنة الأميركية الأحادية الجانب في العالم، وذلك لأنّ الانتصار في الحروب لم يعد يعتمد على استخدام القوة المسلحة فقط وإنما على استخدام العلم كقاعدة للتفوّق على القوة بواسطة إبطال مفعولها.

وكما لاحظنا قبل أيّام قليلة فقط فإنه لم يكن بإمكان إيران أن تسقط طائرة التجسّس الأميركية الأحدث في العالم لو أنّ إيران لم تكن تملك العقول العلمية والهندسية والقاعدة الصناعية لإنتاج الصواريخ المضاده للطائرات بالمواصفات التي عرفها العالم عبر الصاروخ الإيراني الذي أسقط هذه الطائرة.

6 ـ وهذا بالضبط هو ما دفع مستشار الأمن الوطني البريطاني، مارك سيدويل Mark Sedwill، لإبلاغ البرلمان البريطاني، خلال جلسة استماع سنة 2017، بانّ أيّ هجوم إلكتروني على أحد كوابل الإنترنت البحرية البريطانية او على احدى محطات التحويل الخاصة بالإنترنت والمسماة تيرمنال Terminal، أيّ محطة، والموجودة تحت البحر، يشبه قصف محطات الكهرباء والموانئ البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية.

ما يعني انّ التقدّم الهائل الذي حققته الصناعات التكنولوجية الفائقة الحداثة لم يعطِ الصين ميزة خلق نظام دفاع إلكتروني/ سايبري/ فعّال للغاية فحسب، وإنما نقلها الى مرحلة الدفاع الهجومي الرادع تماماً لأيّ عدوان محتمل، وذلك من خلال السلاح الصيني المخيف، الذي كشف عنه مؤخراً والمتمثل في المدفع الكهرومغناطيسي، والمسمّى بالانجليزية Electromagnetic Railgun، وهو محمول على سفينة إنزال من فئة 072ll – Yuting – Class، اسمها هايانغشان Haiyangshan ويطلق قذائف تفوق سرعتها سرعة الصوت بخمس مرات. علماً انّ باستطاعة هذا المدفع، الذي سيدخل الخدمة الميدانية في الجيش الصيني عام 2023، ان يطلق قذائف كهرومغناطيسية قاتله يصل مداها الى مائتي كيلومتر.

اذن فهي الثورة الرقمية والتكنولوجيا المرتبطة بها هي التي ستضع حداً للهيمنة الأميركية على مقدرات العالم والتي ستحوّل التقاتل الى تعاون منتج على قاعدة الاحترام المتبادل لاستقلال الدول والشعوب وسيادتها على أراضيها.

عالم يأفل نجمه ويتصدّع رغم تقدّمه العسكري، فيما عالم ينهض ويتعالى بالعلوم رغم حجم تسليحه الأقلّ، والفضل في ذلك للثورة المعرفية.

بعدنا طيبين قولوا الله…

 

%d bloggers like this: