هل يملك الحريري تقديم
 تفسير وطني لاستقالته؟

 

ديسمبر 16, 2019

ناصر قنديل

رمى الرئيس سعد الحريري في سوق الاستهلاك الإعلامي كلاماً كثيراً خلال شهرين منذ بدء الانتفاضة الشعبية، كما استهلك أسماء كثيرة لمرشحين لرئاسة الحكومة. وشكلت استقالته مشفوعة بقراره صرف النظر عن قبول رئاسة الحكومة، تحت شعار “ليس أنا بل أحد آخر” الحدث الأبرز في قلب هذا السياق. وها هو اليوم يسمّي نفسه لرئاسة الحكومة ويطلب من الحلفاء تسميته ويُجري فريقه الاتصالات لحشد النواب وتجميع الأصوات، وهو يدرك أن الحصول على رقم يزيد عن نصف أعضاء مجلس النواب ناتج عن تسميته من كتلة التنمية والتحرير، التي تخالفه ورئيسها، رئيس مجلس النواب، التصوّر لتشكيل الحكومة، كما خالفته في استقالته، وفي تعامله مع حرق الأسماء التي طرحها في التداول. والنتيجة معلومة أن الرئيس الحريري يسعى للحصول على حجز مقعد الرئيس المكلف رغم معرفته أن دون تأليف الحكومة تفاهم لم يسعَ إليه مع الكتلة التي سينال التسمية المشرّفة بفضلها. وهو يعلم أنه تفاهم سيرفع لو حصل مؤيدي الحكومة إلى ما فوق المئة نائب بانضمام نواب حزب الله والتيار الوطني الحر والكتل الحليفة. فيصير السؤال الذي يعود للبنانيين حق سماع جواب صريح حوله، لماذا استقال الرئيس الحريري؟

قال الحريري إنه استقال تلبية لنداء الشارع، وها هو اليوم يسمع عالياً الأصوات التي تندد بعودته، كما يسمع ما جرى في احتفال الميلاد في الجامعة الأميركية مع الرئيس فؤاد السنيورة، ويعلم أن مناورة الترسمل بالاستقالة للعودة لم تفلح رغم نجاحها المؤقت في استعادة بعض الرضى في شارعه، وتلبية بعض الجماعات المشاركة في الحراك سياسياً لطلب تلميع صورته كمستجيب لنداء الحراك. وبحساب التنافس الذي فتحه مع رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل بتظهير باسيل طالب سلطة وظهور الحريري زاهداً بها، تنقلب الصورة مع السعي الحريري المحموم للحصول على تسميتة رغم الثقة باستحالة التأليف بشروط الحريري التي وضعها كطريق خلفي لتبرير العودة إلى رئاسة الحكومة ولم تلقَ القبول، وبالمقابل ظهور باسيل زاهداً بالمشاركة في الحكومة، رابحاً بالنقاط على الحريري، مانحاً السؤال عن تفسير الاستقالة بأسباب وطنية قابلة للإقناع مشروعية، يبدو الحريري عاجزاً عن تلبيتها.

قال الحريري في البيان اللاحق للاستقالة الذي أعلن فيه العزوف عن قبول تسميته، إن الشارع قال كلمته وهو يريد المحاسبة وإن في طليعة الذين يجب أن يُحاسَبوا هو رئيس الحكومة، ووضع ذلك سبباً لتفسير عزوفه عن قبول التسمية، فما الذي تغيّر الآن حتى يتخطى الحريري العزوف ويسعى للتسمية، دون أن يُعرَض عليه لبن العصفور، الذي لم يتبقّ منه إلا تسمية مشروطة من كتلة التنمية والتحرير بشكل الحكومة، يقول الحريري إنه لا يرضاها، والمنطقي أن يلجأ أي مسؤول جدي تطرح عليه رئاسة الحكومة إلى رفض التسمية طالما يعلم أن شروط الجزء الوازن منها لا تناسبه لتشكيل الحكومة، وأن النتيجة ستكون لا تأليف، وبدلاً من أن يقول إن على من يسمّيه أن يعلم سلفاً شروطه لتشكيل الحكومة، أن يعترف بكونه يعلم مسبقاً بشروط التسمية ويقبل بالتسمية المشروطة ولو كانت النتيجة عدم قيام حكومة. – بكشف حساب بسيط، سيكون الحريري بالحصيلة رئيساً مكلفاً بتشكيل حكومة لن تبصر النور في شهور، ورئيساً لحكومة تصريف أعمال، لشهور، سيعمل خلالها عبر التشكيلة الحكومية التي قام بفرط عقدها بداعي عدم الرضى، وبعدما أضاع بالاستقالة شهرين من الفوضى والتراجع الاقتصادي والفراغ السياسي، ولن يمنح اللبنانيين جواباً مقنعاً على السؤال المحيّر: مادمت تعلم أنك سترضى بهذه الوضعية، فهل تتفضّل يادولة الرئيس وتشرح لنا أيّهما أفضل، لو بقيت رئيساً لحكومة تعمل بكامل طاقتها وتسمع عندها صوت الشارع بمطالبه وأوجاعه وآماله، أم أن تعمل مع الحكومة نفسها لشهور ولكن في تصريف أعمال، وتبقى رئيساً مكلفاً لشهور أضاع على بلده شهرين بلا فائدة، بل مليئة بالأضرار والخسائر؟

قرار الفوضى

لا يستطيع أي مراقب محايد وصف التكرار المبرمج للتصادم العنيف الذي يبادر إليه عدد من المتظاهرين المنظّمين مع القوى الأمنية في وسط بيروت بأنه نتيجة وجود مندسّين أو نتيجة سوء فهم. فمن يرى مشاهد الخوذ البيضاء والكمامات المعدّة لمواجهة الغاز المسيل للدموع ويعرف حكاية الباصات التي يتم نقل المئات عبرها من الشمال إلى وسط بيروت، ودورها في إشعال الصدامات مع أول ساعات الليل، يعرف أن هناك قراراً متخذاً بجعل المرحلة التالية من الحراك تحت عنوان الفوضى والتخريب.

سقطت مراحل القدرة على الحشود الضخمة وسقطت القدرة على قطع الطرقات، وسيكون البديل هو التصادم مع القوى الأمنية ومحاولة احتلال مؤسسات رسمية ولاحقاً مصارف ومنشآت استهلاكية وفتحها للنهب والحرق، بالإضافة إلى حرق محال تجارية في وسط بيروت بعد نهبها وحرق سيارات في الشوارع وتشكيل مجموعات منظمة لهذه الغاية. وهذا نموذج مشهود في ساحات الثورات الملوّنة التي بدأت بمئات آلاف الغاضبين وانتهت بمجموعات الشغب والصدامات مع القوى الأمنية.

القوى الأمنية تعرف بالأسماء المنظّمين والمدبّرين، ومَن يديرون هذه الجماعات، ومن تلقى منهم تدريبات في الخارج، خصوصاً في ألبانيا وأوكرانيا وكرواتيا على كيفية الاشتباك مع القوى الأمنية وكيفية تمثيل مشاهد وتصويرها لإصابات كاذبة تنتشر على وسائل التواصل وشاشات التلفزة، كما تعلم القوى الأمنية بالأسماء الجماعات المنظمة للمعارضة السورية التي تحضر تحت اسم مجموعات الشمال بالباصات والخوذ البيضاء ليست مجرد اسم لخوذة، بل لجماعة لبنانية سورية إدارتها واحدة.

الطريق لمنع الفوضى يستدعي قراراً أمنياً قضائياً بحجم يتخذه المجلس الأعلى للدفاع ويتمّ رسمياً وضع آلية لكيفية التصرف مع هذه الجماعات التي تتقاضى رواتب منتظمة وتعد بالآلاف ورؤوسها المدبّرة بالعشرات، ولم يعد هناك ما هو مستور، وتكفي متابعة بعض البرامج التلفزيونية وإحصاء الأسماء الجوالة على شاشاتها وسحب ملفات سفرها خلال الأعوام الثلاثة الماضية لمعرفة الجواب.

التعليق السياسي

فيديوات مشابهة

مقالات مشابهة

%d bloggers like this: