الدور التركيّ في مهب الريح الروسيّة

د. وفيق إبراهيم

تشتد الخلافات التركية – الروسية لتأخذ تدريجياً شكل صراع متدحرج يستخدم فيه طرفاه إمكاناتهما انطلاقاً من الميدان السوريّ ونحو أكثر من منطقة في العالم.

سبب هذا التدهور في العلاقات هو الهجوم الذي يشنه الجيش العربي السوري على منطقة إدلب السورية وتحتلها منظمات من هيئة تحرير الشام والاخوان المسلمين والتركمان والايغور واجناد القوقاز ونفر قليل من معارضات سورية بإشراف مباشر من قوات عسكرية تركية وبتخطيط من السياسات العثمانية لرئاسة أردوغان.

لماذا تتدهور هذه العلاقات بعد سنتين ورديتين كانتا تؤشران لمرحلة قريبة من التحالف بين انقرة وموسكو؟

منذ 2019 وحتى هذا التاريخ يواصل أردوغان التشبث بسياسات مماطلة يمتنع فيها عن سحب الارهاب من منطقة إدلب السورية، كما وعد في مؤتمرات سوتشي وآستانا.

فكان يعلن عكس ما يفعله، مستفيداً من الصراعات الروسية الأميركية السورية ومتذرعاً بخطر كردي مزعوم، حتى أن آخر وعوده كانت منذ شهرين فقط، إلا انه استمر في المماطلة حتى من دون تقديم أعذار مقبولة.

للإشارة فإن تركيا هي جزء من اتفاقات آستانا وسوتشي مع إيران وروسيا.

لذلك فإن الدولة السورية الملتزمة ببرنامج تدريجي لتحرير أراضيها المحتلة، تعرقلت عند خط محافظة إدلب بسبب الاحتيال التركي.

وكانت روسيا تضغط على السوريين لإرجاء تحركهم العسكري في محاولات تكررت اكثر من مرة لإعطاء تركيا مهلاً جديدة لسحب إرهابييها وآخرها في 2019 وسط تمسك تركي بالإخلال بالاتفاقات.

هذا جزء من الاسباب التي أملت على التحالف السوري الروسي الايراني تغطية هجوم ضخم للجيش السوري نجح فيه في السيطرة على نصف محافظة إدلب ومعظم ارياف حلب محرراً طريق أم 5 الذي يربط بين الشهباء ومعرة النعمان في إدلب الى حماة وحمص ودمشق والحدود الاردنية.

ويحتاج هذا الجيش للسيطرة على كيلومتر واحد قرب مدينة سراقب الإدلبية حتى يربط بين حلب وادلب واللاذقية في خط أم 4.

هذا اذاً نصر كبير واستراتيجي يضرب معظم الدور التركي في سورية الذي كان يمسك بمعظم خطوط الربط بين الشمال والشرق والشمال الغربي السوري.

ولأن هذا الهجوم متواصل يريد الوصول الى حدود إدلب مع تركيا وحدود اللاذقية مع ادلب وتركيا، فقد أصيب أردوغان بجنون مباغت لأنه استوعب عمق العلاقة بين هذه الهجمات والتراجع المرتقب للسياسات العثمانية في الإقليم انطلاقاً من خسارة ادلب باعتبار ان اللعب في الشرق السوري منهك لارتباطه بالصراعات الروسية الأميركية السورية والإيرانية والكردية والأوروبية.

كما ان الاحتلال التركي لأراض عراقية في شمال العراق ليس وازناً على المستوى الإقليمي.

لذلك ابتدأ الاتراك بتنفيذ ثلاث سياسات متزامنة: الاولى عسكرية وهي محاولة إيقاف تقدم الجيش السوري عند سراقب الإدلبية والاشتباك معه في أكثر من نقطة في الشرق الأوسط وأرياف حلب مع دفع الإرهاب لمهاجمة مواقع سورية بين حلب وادلب.

اما السياسة الثانية فهي تأليب الجماعات السورية الداخلية من إرهاب وفتن مذهبية وهجمات اعلامية تتحدث عن مجازر مفبركة ارتكبها النظام السوري في المراحل المنصرمة.

لكن السياسة الثالثة هي التي تكشف عن بدايات التصدع في العلاقة الروسية التركية لأن انقرة متأكدة من وجود قرار روسي يغطي الجيش السوري في هجماته الإدلبية وربما على مستوى أوسع من ادلب.

ونتيجة لهذا اليقين الأردوغاني الذي كان يأمل ايضاً وجود تسهيلات روسية لدور تركي في ليبيا ووجود تأييد سياسي وعسكري روسي للمشير حفتر المعادي للسراج حليف تركيا، حتى ان الإعلام الغربي كشف عن شركات قتال روسية موجودة في بنغازي مقابل كتائب الغرب، بما يؤكد أن هناك حرباً ليبية – ليبية تخفي بشكل شديد الشفافية حرباً تركية روسية واضحة.

هناك إذاً قتال بينهما في ليبيا وسورية على الرغم من العلاقات الاقتصادية العميقة بينهما، لأنهما مرتبطتان بخطين من الغاز الروسي ينتقل من البحر الأسود نحو تركيا الأول للاستهلاك الداخلي والتركي، فيما ينقل الثاني الغاز الى اوروبا. بالاضافة الى علاقات تبادل اقتصادي بعشرات مليارات الدولارات ونحو خمسة ملايين سائح روسي يجولون في الربوع التركية سنوياً.

هذه اذاً لعبة خطرة، فمقابل التقدم الاقتصادي هناك حرب في ليبيا وسورية قد تمتد الى أنحاء أخرى. فهل تنفجر العلاقات الاقتصادية ايضاً؟

الجنون الأردوغاني لا حدود له كما يبدو.

بدليل أنه استعمل حتى الآن وسائل سياسية معادية لروسيا تكاد تستنفد معظم الإمكانات التركية بدءاً من دعوته حلف الناتو لمنع السيطرة الروسية على سورية وحضه الاتحاد الأوروبي على أداء دور اكبر فيها.

ها هو يحث مسلمي روسيا على التمرّد على السلطة المركزية للكرملين مطالباً بإخراج الروس من جورجيا، فيبدو كالذاهب الى مرحلة اللاعودة مع الروس عندما يعلن أيضاً رفضه لضم روسيا جزيرة القرم الاوكرانية التي ضمتها روسيا منذ 2914.

فكيف استفاق اردوغان الآن واستغل زيارته الى عاصمتها كييف ليلتقي أيضاً بأحد قادة التركمان من سكان القرم ليشجعه على رفض ما أسماه «الاحتلال الروسي» ولم ينس اردوغان الداخل السوري. مسارعاً الى الجمع بين «الاخوان» والتركمان ومعارضات سورية متهالكة في جبهات موحّدة للتصدي للجيش السوري الى جانب القوات التركية.

انما ما يثير دهشة العثمانيين الجدد فهي أسباب تفضيل روسيا لسورية على تقاربها معهم.

فيتبين لهم أن الحلف الروسي السوري تاريخي لديه ابواب مفتوحة مع العراق واليمن وايران، وآسيا الوسطى، فيما ابواب تركيا مقفلة مع كل جيرانها العرب والأوروبيين والآسيويين.

كما يتضح لهم ان حرب الغاز المندلعة بين روسيا وتحالفاتها وأميركا وتحالفاتها لا تحتمل وجود مضارب تركي ثالث ينقب عن الغاز على متن الاخوان المسلمين في اليمن وليبيا وسورية وعقدته القومية الطورانية عند أتراك قبرص.

لذلك فإن الصراع الروسي التركي لن ينتهي إلا بتخلّي أردوغان عن جشعه العثماني واستيعابه بأن العثمانيين أصبحوا حقبة تاريخية ومنقرضة تستحيل إعادة بعثها من بين الأموات ومتاحف التاريخ؟

%d bloggers like this: