جنكيز تشاندار: إردوغان يعمل على اختراع «قضية وطنية» لوقف انحدار شعبيّته

سوريا 

وليد شرارة 

الإثنين 2 آذار 2020

إردوغان يجهد لتصوير المواجهة على أنها دفاع عن الأمن القومي المهدّد

شهدت السياسة الخارجية التركية، وتحديداً منذ سنة 2016، عندما وقعت المحاولة الانقلابية ضدّ الرئيس رجب طيب إردوغان، تحوّلات فعلية باتجاه الابتعاد عن «الانضباط الأطلسي» نحو تعدّد الشراكات مع القوى الدولية الصاعدة، وفي مقدّمتها روسيا. وأتت مشاركة تركيا في مسار أستانا لتعزّز الاقتناع بأن للتحوّلات المذكورة مفاعيل مباشرة على سياستها في سوريا ستسهم في تسهيل إنهاء الحرب الدائرة في هذا البلد. غير أن استعار المواجهة في الشمال السوري في الأيام الأخيرة، والمواقف الصادرة عن القادة الأتراك، تدفع إلى مراجعة القراءة المذكورة، والبحث عن تفسيرات إضافية لمحاولة فهم تناقضات السياسة التركية. جنكيز تشاندار، الباحث والكاتب التركي، وأحد أبرز الخبراء في شؤون الشرق الأوسط، والذي كان مستشاراً للرئيس التركي الأسبق تورغوت أوزال، وربطته علاقات وثيقة مع عدد من القادة السياسيين في المنطقة، كياسر عرفات وجلال طالباني، قدّم في مقابلة مع «الأخبار» تحليله لما يعتبره سياسة خطرة، بلا وجهة واضحة ومليئة بالتناقضات، محكومة بحسابات إردوغان الخاصة.

ما هي خلفيات لجوء إردوغان إلى التصعيد في الشمال السوري؟ يرى جنكيز تشاندار أن «هناك بعدين ينبغي أخذهما بعين الاعتبار عند تحليل مواقف إردوغان الأخيرة، الأول هو الوضع السياسي الداخلي في تركيا، والثاني هو التطورات في سوريا ودينامياتها، وتداعياتها على علاقته بروسيا. وبطبيعة الحال، يوجد ترابط بين البعدين. لا شك في أن إردوغان يتأثّر بالوضع الداخلي التركي، لأنه يضعف وتتراجع شعبيته والمؤشرات الاقتصادية ليست إيجابية. هو يحتاج إلى قضية وطنية لإعادة بناء أوسع إجماع ممكن حول سياساته. لمدة طويلة، تمكّن من توظيف الموضوع الكردي لتحقيق هذه الغاية. هذا الموضوع كان المبرّر الأول لدخول تركيا إلى الأراضي السورية عام 2016 ومن ثم عملية عفرين في 2018، وصولاً إلى شرق الفرات في 2019. لكن التفاهمات مع الأميركيين والروس، والتي جعلت التدخل التركي ممكناً، وضعت حدوداً له، وبالتالي أيضاً لقدرة إردوغان على توظيف الموضوع الكردي كقضية وطنية. غير أن إردوغان، ونظراً إلى الوضع السياسي الداخلي السلبي حياله، يحتاج إلى قضية وطنية أخرى وفّرتها له التطورات في إدلب. وهو اعتقد في البداية بأن تدخله، وبين ذرائعه منع كارثة إنسانية جديدة وتدفق اللاجئين، سيلقى استحساناً من قِبَل الأوروبيين المذعورين من هذا التدفّق، وإلى درجة ما من الأميركيين الذين يحاولون الاستفادة عادة من التباعد والخلاف بين تركيا وروسيا. وفي السنوات الأخيرة، قامت سياسة إردوغان الخارجية على لعب ورقة روسيا في مواجهة الغرب، من دون التخلّي عن ورقة الغرب واحتمال استخدامها ضدّ روسيا عند الضرورة. وعلينا الاعتراف بأنه نجح بقدر معيّن في هذه اللعبة سابقاً، وظن أن بإمكانه الاستمرار فيها في إدلب. انطلقت حملة لتعبئة الرأي العام التركي على أساس قومي لكسب تأييده ولينسى المشكلات الداخلية.

أخطأ إردوغان في الحسابات هذه المرّة، لأنه اعتقد بأن فرض أكلاف عالية على الجيش السوري وداعميه الروس في إدلب سيحمل بوتين على القبول بقواعد لعبة جديدة مع الأتراك في هذه المنطقة، من دون أن تتأثّر العلاقات مع روسيا، التي كانت قد بدأت تتخذ طابع الشراكة، بهذا الأمر. وهو مقتنع بأن خروج تركيا من إدلب سيعني تهديد الوجود التركي في عفرين وجرابلس والباب، وكذلك بين تل أبيض ورأس العين. تصوّر أن بوتين سيقوم بخطوة إلى الوراء لأنه يعتقد بأن لتركيا أهمية كبيرة بالنسبة إلى روسيا، وأن بوتين يضعف الناتو من خلال بناء شراكة معها والسعي إلى أن تكون حصان طروادة داخل الحلف. لكن روسيا تصدّت لتصعيد إردوغان عبر دعم السوريين وخيّبت آماله. تسبّبت هذه الحسابات الخاطئة بخسائر بشرية عالية لتركيا، 36 جندياً إلى الآن. واتباع سياسة حافة الهاوية الخطيرة لم يردع روسيا، وقد يفضي حتى إلى مواجهة معها».

الرأي العام التركي مستاء نتيجة الخسائر البشرية المرتفعة في صفوف جيشه

الكثير من النزاعات الكبرى، بما فيها الحرب العالمية الأولى، كما أظهرت مساهمات المؤرّخ كريستوفر كلارك، اندلعت من دون أن يكون أفرقاؤها يريدون ذلك، بل لأن التفاعلات بين ديناميات الميدان والتطورات السياسية داخل بلدانهم أدت إلى انزلاق تدريجي نحوها. هل من المحتمل أن يحدث انزلاق مماثل اليوم بين تركيا وروسيا؟ «مثل هذا الخطر قائم بالفعل، حتى ولو أن بيان الخارجية الروسية الصادر يوم الجمعة 28 شباط، والذي كانت مفرداته منتقاة بدقة، تحدّث عن توافق روسي ــــ تركي على تخفيض التوتر في إدلب من دون التطرّق إلى التفاصيل المتعلّقة بكيفية ذلك. تُرك هذا الموضوع للقاء إردوغان ــــ بوتين الذي من المفترض أن يتمّ في الـ 6 من آذار في موسكو لا في إسطنبول، وهو اعتراف رمزي بأن تركيا هي الطرف الأضعف لأن إردوغان يأتي إلى بوتين وليس العكس. ولكن حتى تاريخ القمة بين الرئيسين، فإن المواجهات الميدانية لن تتوقّف، وكلّ جهة تريد تعزيز مواقعها قبل التفاوض. طالما لم تُعقد هذه القمة ولم نرَ نتائجها، لا نستطيع الجزم بأن خطر صدام مباشر تركي ــــ روسي لم يعد وارداً».
شهدنا تحولاً واضحاً في سياسة إردوغان منذ سنة 2016، وتوجّهاً لبناء شراكة مع روسيا وإلى حدّ ما مع الصين، وابتعاداً متزايداً عن الولايات المتحدة وأوروبا. وقد حظيت هذه السياسة بدعم التيار الأوراسي داخل النخب السياسية والعسكرية التركية، التي تحالفت مع إردوغان بنتيجتها. وهو قام بحملة تطهير فعلية للجيش التركي من جميع العناصر المصنّفة «أطلسية الميول». تسرّبت في الآونة الأخيرة معلومات عن تزايد الخلافات داخل التحالف المشار إليه، وعن مسعى إردوغان لتصحيح العلاقات مع الولايات المتحدة. «سياسة إردوغان مليئة بالتناقضات، وهي تعاني من فقدان البوصلة والضياع. ليس على المرء أن يكون خبيراً عسكرياً ليعرف أن مبادرة عسكرية كبيرة كتلك التي أخذها إردوغان في إدلب، في مساحة جغرافية ضيّقة نسبياً، ضدّ الجيش السوري المدعوم بقوة من روسيا، تتطلّب تأمين حماية جوّية للقوّات البرّية التركية. ما فعله انتحار على المستوى العسكري. من اللافت أيضاً أن القيادة العسكرية التركية تهاجم سوريا ولا تأتي على ذكر روسيا تقريباً، ما يعني أنها لا تزال تأمل بنوع من التفاهم معها. إردوغان يعرف أن الجيش السوري تحت حماية الطيران الروسي، ومن دون تأمين غطاء جوي للقوات التركية كيف سينجح بمواجهته؟

هو حالياً يعتمد على مئات الطائرات المسيّرة ضدّ الجيش السوري، ولا نعرف مدى فعالية مثل هذا الأمر وتأثيره على مجرى المواجهة. لا يتورّع أيضاً عن طلب مساعدة الناتو، بعدما تحدّاه والولايات المتحدة عبر شراء بطاريات S – 400 الروسية منذ بضعة أشهر. والمعركة التي يخوضها راهناً لا علاقة لها بمخطّطات الناتو، بل بمخططاته. الجيش التركي موجود أصلاً في إدلب بناءً على تفاهمات مع الروس أغضبت الناتو. وبمجرّد أن اختلف مع الروس، هرع لطلب نجدة الأخير. هذه سياسة بلا توجّهات واضحة ولا خطط جدّية. المعلومات والتسريبات عن خلافات داخل الكتلة الأوراسية الحاكمة في تركيا صحيحة، وهذا ربّما ما يفسّر أيضاً بحث إردوغان عن سبل لتحسين علاقاته مع الأميركيين والناتو. المؤكّد في كلّ الأحوال هو أن الناتو لن يقاتل روسيا من أجل إدلب. هو مستعد لمساعدة تركيا ضدّ روسيا كعضو في الحلف، لكنه لن ينساق إلى حرب معها على قاعدة سياسة تركية لم يجر التفاهم معه عليها. اللقاء بين بوتين وإردوغان قد يؤدي إلى تسوية مرحلية في إدلب تتناسب مع مصالحهما وتوفّر لهما مخرجاً لائقاً من المأزق الحالي. لكن، وفي انتظار هذا اللقاء، يبقى الوضع الميداني مفتوحاً على احتمالات عالية الخطورة».

ما هي الانعكاسات الداخلية التركية للمعركة الدائرة في الشمال السوري؟ «الرأي العام التركي مستاء نتيجة الخسائر البشرية المرتفعة في صفوف جيشه، ويعتبر مقتل 36 جندياً دفعة واحدة كارثة. إردوغان يجهد لتصوير المواجهة على أنها دفاع عن الأمن القومي المهدّد لاستثارة الشعور الوطني كما أسلفت. كلّ ناقد لسياسته الحالية سيتّهم بالخيانة. قد يلجأ إلى المزيد من القمع داخلياً، ولكن إذا تزايدت الخسائر البشرية في الفترة القادمة فإن الرأي العام التركي سينقلب ضدّه، وسيتعمّق الاستقطاب داخل المجتمع مثلما هي الحال داخل مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسة العسكرية التي تطرّقنا إليها وإلى الانقسام بين أوراسيين وأطلسيين، وقد لا يفلح إردوغان في البقاء قابضاً على السلطة نتيجة لذلك»، يختم تشاندار.

الباحث والكاتب التركي

%d bloggers like this: