هل هناك خلاف فعليّ بين الأميركيين وآل سعود؟

د. وفيق إبراهيم

يثير التهديد الأميركي لآل سعود بقطع التعاون معهم على مستويات التغطية السياسية والاستراتيجية والتسليح والتدريب والرعاية وسحب المستشارين والعسكريين الاميركيين المنتشرين في الخليج، الدهشة لأنه لا يتصل بأي توتر سابق بين الطرفين ولا يعكس تاريخاً طويلاً ومتواصلاً من الولاء السعودي الكامل للسياسة الاميركية في كل بقاع الارض.

فهذه العلاقات تطورت بعد توقيع معاهدة كوينسي في 1945 بين الرئيس الاميركي روزفلت والعاهل السعودي عبد العزيز على اساس التغطية الكاملة مقابل الولاء والتسهيلات النفطية والتبعية الاقتصادية بما جعل هذا التاريخ رمزاً لانصياع سعودي كامل وعلني وضع كامل الإمكانات الاقتصادية والدينية في خدمة الجيوبوليتيك الاميركي متيحاً بدوره للسعودية فرصة حيازة ادوار في كبيرة في الخليج والتأثير في جوارهما المباشر في العراق واليمن والعالمين العربي والاسلامي.

على هذا الاساس قامت معادلة القطبية الاميركية التي تشكل السعودية جناحها في محوريها العربي والاسلامي مع أهمية دولية نسبية.

اللافت هنا ان هذا الوضع لا يزال معتمداً حتى هذا التاريخ ويبدو منفصلاً الى درجة غريبة من نوعين من التهديد الأميركي.

الاول اطلقه الرئيس دونالد ترامب محذراً صديقته السعودية ومنافسته روسيا من الاستمرار في رفع انتاجيهما النفطي وإلا فإنه متجه الى فرض ضرائب ورسوم على صادراتهما من البترول.

اما الثاني فكان أشد عنفاً واطلقه الحزب الجمهوري الاميركي الذي ينتمي اليه ترامب معلناً فيه استعداد الدولة الاميركية قطع كامل علاقاتها مع السعودية اذا لم تتراجع عن رفع انتاجها النفطي الى مستويات اقل مما كان عليه قبل شهرين فقط.

وهذا يعني إعادته من 13 مليون برميل يومياً كما هو الآن الى تسعة ملايين كما كان في كانون الثاني الماضي… مع امل على خفضه اضافياً في اطار خفض جماعي لدول منظمة اوبيك يتعادل مع التراجعات الاقتصادية التي فرضها انتشار جائحة الكورونا المتواصل حتى الآن.

المدهش هنا أن الاميركيين يصرون على هذا الخفض رافضين تحديد سقف لإنتاجهم من النفط الصخري الشديد الكلفة والبترول العادي ويبررون بأن نفوطهم تراجعت في الآونة الأخيرة بسبب تراجع اسعار البترول الى 23 دولاراً للبرميل بعد الرفع السعودي – الروسي لإنتاجيهما فكان ان توقفت شركات النفط الصخري عن العمل، لأن كلفة استخراج البرميل الواحد من هذا النوع تتعدى الأربعين دولاراً، ما ادى الى تدهور كبير في اقتصاديات هذه الشركات الاميركية وتريد خفض الاسعار العالمية لإعادة انعاش الشركات الاميركية التي تؤمن وظائف لعشرات آلاف العمال وتؤدي دوراً مركزياً في التفاعلات الاقتصادية الكبرى، لذلك فإن هذه التطورات تدعو الى التساؤل عن اسباب صمت الاميركيين عن رفع السعودية لإنتاجها النفطي في تاريخ رفعه قبل أشهر عدة، ولماذا يعترضون الآن؟

الواضح أنهم في المرحلة الأولى اعتقدوا ان رفع الإنتاج السعودي يؤدي فوراً الى ضرب الاقتصاد الروسي المعتمد على النفط والغاز بمعدل اربعين في المئة من موازناتهم ويضاعف مصاعب ايران التي يقاطعها الاميركيون ويحاصرونها مع نفر كبير من دول تؤيدهم او تخشاهم.

لكن انتشار الكورونا والشلل الاقتصادي في العام احدث شللاً كبيراً وخطيراً وعاماً في الاقتصاد الاميركي وشركات النفط الصخري وذلك عشية انتخابات رئاسية واصبح المشروع الاميركي بضرب روسيا عبر استخدام النفط السعودي كارثة على الاميركيين ايضاً.

وإذا كان إقناع السعوديين بخفض إنتاجهم عملاً ممكناً بسهولة، فإن إقناع الروس هو المشكلة الفعلية لانهم سارعوا الى رفض الطلب الاميركي مصرين على خفض متواز بين دول «اوبيك +» اي اوبيك زائد روسيا مع النفط الأميركي.

في حين أن الأميركيين يريدون خفضاً عالمياً يسمح لشركاتهم بالعودة الى الإنتاج والتوظيف بقوة ما يسمح لترامب بكسب أصوات الفئات الشعبية في الانتخابات المقبلة.

الموضوع اذاً بالنسبة للبيت الابيض هو اقتصادي في جانبه المتعلق بإنتاج النفط وتحديد اسعاره، وهو أيضاً سياسي لعلاقته بالانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني المقبل، وهو أيضاً استراتيجي جيوبوليتيكي لتعاطفه مع حالة التنافس الشديد مع روسيا، وتحالفاتها في ايران والصين.

الأمر الذي يوضح ان رفع الانتاج السعودي هو قرار اميركي لكن العودة عنه لم تعد كذلك بل اصبحت معادلة تحتاج الى موافقة روسيا ومنظمة الاوبيك وهناك تكمن المشكلة، لان الروس يقبلون بالخفض بمعدل يواكب تداعيات كورونا على تراجع الاقتصاد العالمي لكنهم يشترطون ان يسري هذا الخفض على النفط الاميركي ايضاً بما يؤدي الى عرقلة عودة النشاط النفطي الى الاقتصاد الاميركي.

لذلك فإن اقتصار هذا الخفض على السعوديين لن يؤدي الى النتائج الاميركية المطلوبة، فجاء التهديدان الاميركيان للسعودية بمثابة إنذار لروسيا لحلحلة تصلبها وخطاباً عاطفياً للناخبين الاميركيين بأن الحزب الجمهوري الاميركي لن يتورع عن معاقبة صديقة بلاده الاساسية اي السعودية اذا اكملت سياسة رفع انتاجها الموازية لشركات النفط الصخري وآلاف الاميركيين العاملين فيها، الامر الذي يكشف انهما ليسا اكثر من دبلجة لغوية غير قابلة للتطبيق العملي لان السعودية هي البقرة الاميركية الحلوب التي تنعش الاقتصاد الاميركي وتؤمن للسياسة الاميركية مدى اسلامياً واسعاً يزداد انصياعاً لواشنطن عندما يستعمل آل سعود أهمية بلادهم الدينية والتغطية في خدمته.

اما على المقلب الآخر الذي يذهب الى التساؤل حول امكانية آل سعود مقاومة الاميركيين بطلب خفض انتاج نفطهم فيثير الضحك لان آل سعود لم يبنوا دولة متماسكة تؤمن بشعبها وتعمل على رفع مستويات النمو والتقدم، بل عملوا على مفهوم من القرون الوسطى يعتبر ان الارض والناس والثروات والمياه هي ملك للسلطان يوزعها على من يشاء ويمنعها عما يريد، فهو ولي الامر واحكامه مطبقة على السمع والطاعة.

هناك نقطة اضافية وهي ان الحكم السعودي لم يؤسس منظومة تحالفات عربية واقليمية تعينه في اوقات الشدة، فهو يعادي ايران معتمداً على اميركا لاسقاط جمهوريتها ويعبث بالامن الاجتماعي والسياسي للعراق متلاعباً بمكوناته وطوائفه ويرتكب مجازر في اليمن تطال مئات الآلاف في هجوم مستمر من خمس سنوات ويدعم الارهاب في سورية ويعادي قطر متدخلاً في ليبيا والسودان والجزائر ومتعاوناً مع «اسرائيل».

فكيف يمكن لبلد من هذا النوع يفتقد لتأييد شعبه مثيراً كراهية جواره السياسي ان يقاوم الاوامر الاميركية وهي اصلاً غير موجودة حتى الآن؟

يتبين ان السعودية لا تزال حاجة ماسة للاميركيين بوضعيتها السياسية الحالية، وهذا يعني ان آل سعود مرتاحون ويواصلون سياسة الاسترخاء السياسي مع خنق شعبهم بأساليب القرون الوسطى.

%d bloggers like this: