حزب الله وحسان دياب علاقة “تكنوقراط”!

 روزانا رمّال

بين الحديث عن حكومة مؤيدة لحزب الله واعتبارها جزءاً من نفوذه المترجم محلياً على أثر المتغيرات الإقليمية التي تقدّمت لصالحه خصوصاً في سورية وبين النظر الى السياق العام للموقف الأميركي منها والعلاقة معها يتوقف المشهد السياسي عند ترجمة هذه العلاقة بقرارات تنفيذية يمكن قراءة موقف واشنطن على اساسها.

بأي حال من الأحوال يبدو الموقف الأميركي حيال التعاطي مع حكومة الرئيس حسان دياب «متقدّماً» فقد انتقل من مرحلة «الاعتراف» عشية زيارة «دايفيد هايل» الأخيرة الى بيروت منذ أشهر وسلوكها المسار الطبيعي بين أخذ الثقة والبيان والوزاري ثم «الترقب» وبين إطلاق المواقف الأميركية منها التي لا يشوبها أي نوع من التصويب المباشر عليها وصولاً نحو علاقة رسمية ودبلوماسية «طبيعية» اليوم صار يمكن الحديث عن تطور الموقف الأميركي على أساسها عملاً بعمر الحكومة القصير ليتبين أنها لا «تزعج» إدارة الرئيس دونالد ترامب ولا تعتبر مساحة تحدٍّ له وإذا كان هذا هو موقف البيت الأبيض فإن الاستنتاج الأساسي هنا يصبح عدم صحة اعتبار أن الأميركيين يصنفون هذه الحكومة حكومة حزب الله. فواشنطن لم تتردد لحظة بتصنيف حكومة الرئيس السابق سعد الحريري حكومة للحزب او لحلفائه بالحد الأدنى؛ اما اليوم فهذا التصريح يغيب عن الادارة الأميركية حتى «اللحظة» مع ان «إسرائيل» تقدمت نحوه.

عملياً لا يمكن لواشنطن أن تؤسس لصيغة حكومية لبنانية أفضل من هذه التي يمثلها فريق حسان دياب فأي صيغة تلك أفضل من صيغة لا تبرز بشكل صريح وزراء حزب الله ضمن الكادر السياسي واصطفافاته؟

وأي صيغة هي الأفضل من حكومة لا تحفظ لحليف حزب الله الأكبر وهو الحليف الاستراتيجي رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل حضوراً مباشراً فيها يعطيه التفوق الصريح على خصومه المحليين وتساعده انتخابياً وهم حلفاء واشنطن بالأعم الأغلب؟

بالعودة إلى مواقف الإدارة الأميركية السابقة من حكومة دياب، فقد حذر مسؤول أميركي كبير في 11 شباط لشبكة «العربية» من أن «ما نراه الآن من حكومة دياب ليس واعداً، ولا يتطابق مع المطلوب ولا مع ما يطالب به اللبنانيون». وأشار المسؤول في الإدارة الأميركية إلى أن «الولايات المتحدة تراجع دائماً موقفها ومساعداتها وهي ستفعل ذلك». وتابع «واشنطن تراقب التطورات وتصرفات حكومة حسّان دياب، وستتصرّف بناء على هذه التصرفات وليس بناء على هوية الوزراء وانتماءاتهم، ولا حتى مضمون البيان الوزاري»، وأكد أن «إدارة ترامب قرّرت عدم التدخّل».

الكلام الأميركي وكذلك الموقف تطور منذ ذلك الوقت وبشكل كبير فقد حرصت السفيرة الأميركية الجديدة «دوروثي شيا» على زيارات بروتوكولية تحوّلت الى زيارات دعم وتعاون، كما كان عنوان الزيارة منذ يومين الى السراي الحكومي فقد عبرت السفيرة لدياب حسب مصادر حكومية «عن اهتمامها باستكمال المساعدات الأخيرة التي تقدمت بها بلادها»، شاجبة ما أسمته «التعديات في الشارع الطرابلسي». وهذا الكلام يؤكد بالنظر الى كلام المسؤول الأميركي في شهر شباط الماضي الذي ربط مساعدات بلاده بسلوك دياب على تطور الموقف. فهذا السلوك على ما يبدو لم يزعج إدارة ترامب حتى الآن. وبالتالي فان التعاون معها بالنسبة لواشنطن يتدرج نحو التعزيز بعد أن أيقنت ان لا سيطرة لنفوذ حزب الله على دياب. فالسلوك المقصود هنا هو الهوية السياسية لهذه الحكومة وأن لا تكون أحد أذرع حزب الله في البلاد او امتداداً لنفوذ إيراني صريح.

أما من جهة حزب الله فيؤكد مصدر متابع لـ»البناء» ان العلاقة بين الطرفين جيدة، لكنها لا تصنف إلا بـ»الطبيعية». فحزب الله الذي انتقل من التعاون مع الرئيس سعد الحريري وهو رئيس لتيار المستقبل والممثل الأقوى في الساحة السنية ليس معنياً اليوم ببعض الحساسيات التي كانت تشوب تلك العلاقة حتى أن الزيارات المتوالية على الرئيس الحريري من قبل «الخليلين» ممثلي الثنائية الشيعية، وهما كل من مساعد امين عام حزب الله السياسي ومعاون الرئيس نبيه بري السياسي، ليست اليوم بمثل هذا الزخم السابق مع بيت الوسط. فما يجمع حزب الله بتيار المستقبل وكثرة الملفات والحساسيات في الساحتين كان يتطلب نوعاً آخر من العلاقة وهي ثلاثية الركائز «سياسية – حزبية –حكومية». الأمر غير الموجود لدى دياب. فحزب الله لا يتعاطى معه لا بعين التحدي للحريري ولا بعين اعتباره زعامة قيد الولادة، بل إن العلاقة بين الطرفين مبنية على «إدارة المرحلة». وهي المهمة التي قبل بها دياب لمواجهة الازمة التي يعيشها لبنان. وعلى هذا الأساس يختم المصدر «يمكن وصف العلاقة بين حزب الله وحسان دياب بـ»التكنوقراط» أي علاقة حزب برئيس حكومة يمثل السلطة التنفيذية غير الآتية من رحم الأحزاب بل الاختصاص.

من ناحية أخرى، لا شك في أن نجاح حكومة دياب يعني لحزب الله نوعاً من الاحتفاظ بموقعه المتقدم في الساحة السياسية. فالحزب وحلفاؤه كانوا عشية 17 تشرين واقعين بين خيارات ضمنها استقالة الحريري او ملء الفراغ ببديل آتٍ من تحالفات أميركية او خلفيات مؤيدة لواشنطن: اما اليوم وبوجود دياب هم بموقع أفضل بل «أضمن»، اذا جاز التعبير، وأبعد عن التحدي وحسابات نقاط النفوذ. الأمر الذي لا تتحمله المنطقة والذي لم تجهز بعد له ساحات المفاوضات وتسجيل النقاط.. فهل ينجح حسان دياب بالاستفادة من المرحلة؟

%d bloggers like this: