حاكم المصرف بحماية أطراف وازنة في الداخل والخارج

د.وفيق إبراهيم

حاكم مصرف لبنان رياض سلامة لن يرحل من موقعه إلا بأعجوبة تتسلّل من السماء بغفلة عن انتباه قوّتين ضخمتين تمسكان بتلابيب لبنان وتحولان دون تصحيح أوضاعه.

هاتان القوتان هما كامل الطبقة السياسية بتنوّع اتجاهاتها، والولايات المتحدة الأميركية، على المستوى اللبناني، توجد جهتان فقط، تعملان على إبعاد الحاكم المتسلّط الذي ارتبطت مرحلته منذ تعيينه من قبل رئيس الوزراء السابق المرحوم رفيق الحريري في 1993 بأكبر عملية فساد متواصل، أنتجت 350 مليار دولار بين دين عام وسطو على تفاعلات اقتصادية عامة وخاصة، وهندسات مالية ونقدية رسمها الحاكم سلامة بأنامل قرصان أرضى فيها الطبقة السياسية، لكنه دمّر فيها الوضع الاقتصادي دافعاً البلاد نحو انهيار اقتصادي مجهول الأبعاد ليس على مستوى الدولة فقط بل على وحدة الكيان السياسي.

لذلك فإن الفئة الاولى الحامية لرياض سلامة هي كامل الطبقة السياسية التقليدية التي تعاقبت على إدارة حكومات لبنان منذ 1993، هناك استثناء وحيد هو حزب الله الذي يريد إقالته، لكنه يربطها بتأمين مستوى مقبول من التأييد الداخلي خصوصاً بعد صدور مواقف طائفية مؤيدة له.

كذلك فإن رئيس الحكومة الحالي حسان دياب هو مع الإقالة لارتباطها بمشروع الإصلاح الفعلي للاقتصاد، إلى جانب التيار الوطني الحر، المصرّ بدوره على إبعاده لأسباب سياسية تتجسَّد في تحالف الحاكم مع حزب المستقبل الحريري، وطموح وزير الخارجية باسيل بتعيين بديل له من دائرة الموالين له.

أما المؤيدين لاستمراره فهناك الحريري جنبلاط جعجع والجميل، وبرّي والميقاتي والصفدي ودار الإفتاء والبطريركية المارونية ومشيخة العقل ومطرانيّات الارثوذكس والكاثوليك. وهذا استدعى صعود احتمال بهدنة داخلية بين الراغبين بالإقالة والرافضين لها، تقضي بأن يعلن «الحاكم سلامة» تأكيده على العمل بالخيارات الاقتصادية الجديدة لحكومة دياب، مقدّماً أسباباً سطحية يعتقد بأنها كافية لتبرئته من الانهيار الاقتصادي..

هذا ما يفسّر امتلاك سلامة لقوة داخلية هائلة، تدعم التمسك الخارجي به، وهنا القطبة المخفية التي تكشف ان سلامة هو خيار أميركي وافقت عليه فرنسا والسعودية.

إن ما يؤكد على صحة هذا الكلام هو معاون وزير الخارجية الاميركية ديفيد شينكر الذي اعلن منذ يومين فقط، ان سبب الانهيار الاقتصادي في لبنان هو الحكومات المتعاقبة، مضيفاً بأن حاكم مصرف لبنان قيادي فاعل ونبيه لأنه تعامل معنا على منع حزب الله في استعمال المصارف لتحويلاته والاستثمار بها في تجارة «المخدرات». هذا ما قاله بصــراحة السيد شينكر، وهو إعلان وقــــح يكشف مهمـــة ســـلامة الأساسية في مصرف لبنان المركزي لكنـــه يشكل في الوقت نفسه أهم مصدر لحمايته في موقعه. وهنا تقع المعجزة.

فكيف يمكن لحـــكومة لبنانيـــة يجـــتاز بلدها انهياراً اقتصادياً كارثيّاً تحـــتاج فيه الى قروض غربية وخليجية ومساعدات أن تقـــيل حاكم المصــرف المركزي الذي تؤيده كل القـــوى الخارجـــيّة الوحـــيدة القادرة على إمداد لبنان بقــروض ومعونات من مؤتمرات سيدر وصندوق النقد الدولي وبرامج البنك الدولي؟

وهل من المصادفات، إعلان فرنسا عن استعدادها لتوفير دعم متنوّع للبنان بمواكبة تطبيقه مشروعاً إصلاحياً. وهذا يحتاج برأيهم لمعادلتين: حكومة دياب والحاكم سلامة.

أما السعودية، فلا يكتم سفيرها أن المملكة هي مع الحاكم على قاعدة تشكيل حكومة جديدة ترث حكومة دياب.

ما يمكن استنتاجه في هذا المضمار أن الأميركيّين يتهمون مرحلة رفيق وولده سعد وحكومات نجيب ميقاتي وتمام سلام بالسطو على مئة مليار دولار لأنهم يشكلون ما أسماه شينكر بالحكومات المتعاقبة. وكان حاكم المصرف الذي هندس لهذه الحكومة سياساتها المالية والنقدية هو رياض سلامة؟

فكيف يمكن إدانة هذه الحكومات مع اعتبار رياض سلامة بريئاً في آن معاً؟

ألم يكن حاكم المصرف المركزي هو الذي يؤمِّن المال للحكومات، ويرعى بالتالي كل أنواع الفساد؟

هذا هو حال البلدان الضعيفة بسبب ضعف الحكم فيها وارتهانه للخارج؟

إن الإصلاح في لبنان مسألة سياسية واقتصادية، تتطلب توافقاً حكومياً قوياً، يبدو أنه موجود في حدود معينة، لكن المغامرة في اقتحام كهوفه قد تؤدي الى نسف الحكومة باعتبار المعالجة الاقتصادية تفترض التوغل في ملفات مصرف لبنان المركزي بمواكبة فتح ملفات وزارة المال منذ العام 1993 وحتى هذا التاريخ. وهذه هي الطريق للاستدلال إلى كميات المبالغ المرصودة في الثلاثة عقود الأخيرة ووجهة إنفاقها وطريقة السطو عليها. فالحاكم يعرف كيف ذهبت الأموال الى وزارة المال، وهذه تعرف بدورها طرق إنفاقها في الوزارات المختلفة والمؤسسات العامة، وهل كانت تذهب كاملة، أم أن هناك مَن كان يقتطع منها في إطار نظام التحاصص بين أهل السياسة؟

ولاستكمال رحلة هذا المال، يجب تعقبه في الوزارات وتحديد ما أنفق منه وما سُرِق، وهذا سهل جداً ولا يُخفى على الهيئات المختصة بالكشف عن الاختلاسات المباشرة او بالسمسرات.

بأيّ حال، فإن دولة تحالفات طوائف تنصاع للخارج الأميركي والخليجي والفرنسي، لن يكون لها قرار إلا بالتسوية بين قواها الداخلية التي تعبر عن الإرادات الخارجية فقط وليس مصلحة بلادها.

انطلاقاً من هذه التسوية المفروضة، فإن حكومة حسان دياب المدعومة من الرئيس عون وحزب الله لن تدّخر جهداً في سبيل تحقيق إصلاح اقتصادي من خلال إجبار الطبقة السياسية ورياض سلامة على الإذعان لسياسة جديدة تمنع الاختلاس والسرقة وتمنح لبنان فرصة للنجاة من الكارثة.

%d bloggers like this: