أفول عصر البترودولار… وتأثيره على دور مملكة آل سعود

حسن حردان

انها ساعة الحقيقة التي لم يتوقع حكام آل سعود مواجهتها.. وهي وقوع مملكتهم في العجز الكبير، واللجوء إلى الاستدانة لتأمين نفقاتهم الأساسية، بعد أن انهارت أسعار النفط على نحو كبير، والمتزامن مع الجمود الاقتصادي وتوقف موسمي الحج والعمرة هذا العام بسبب انتشار فايروس كورونا، وهو طبعاً ما يفقد الرياض مصادر دخلها الأساسية، دفعة واحدة، والتي كانت توفر لها قدرة الاستمرار في الإنفاق على…

أولاً، حياة البذخ والترف التي يعيش فيها أمراء العائلة الحاكمة، التي تعتبر الثروة النفطية في الجزيرة العربية ملكاً لها، ولهذا تحوز على نسبة من عائدات بيع النفط تؤمّن لها العيش برفاهية وترف…

ثانياً، شراء السلاح من الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية، والتي قدّرت حتى الآن بمئات مليارات الدولارات، وقد شهدت في السنوات الأخيرة ازدهاراً غير مسبوق أدّى إلى إنعاش معامل صناعة السلاح في الدول الغربية، وحلّ جزء من أزماتها الاقتصادية والاجتماعية النابعة من تراجع معدلات النمو فيها وتزايد نسب البطالة.. وهو ما تجسّد أيضاً في حصول ترامب من ولي العهد السعودي على أكثر من 500 مليار دولار، في أكبر عملية استيلاء على فائض عائدات النفط، تحت عنوان استثمارات في الولايات المتحدة.. الأمر الذي تباهى به ترامب في مواجهة معارضيه في الداخل…

ثالثاً، تمويل كلفة الحرب الوحشية المدمّرة التي تشنها الحكومة السعودية على اليمن منذ اكثر من خمس سنوات، وتجاوزت مئات المليارات من الدولارات.. ويرى الخبراء الاقتصاديين انّ الكلفة، التي لا تزال غير محدّدة، ستكون آثارها كبيرة على الاقتصاد والمجتمع في المملكة، وهي تتجاوز كلفة الغزو والاحتلال الأميركي للعراق، لأنّ الحرب ضدّ اليمن لم تتوقف منذ اليوم الأول لبدئها وحتى اليوم، وهي لا تزال مستمرة، لأنّ الرياض فشلت في السيطرة على اليمن والقضاء على مقاومة الشعب العربي اليمني، التي نجحت في نقل الحرب الي العمق السعودي وزيادة استنزاف المملكة.. عبر ضرب المنشآت الحيوية لشركة أرامكو..

رابعاً، دعم الأنظمة العربية والاسلامية لقاء الحصول على تأييد هذه الدول لمواقف وسياسات المملكة في الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي واستطراداً شراء صمت هذه الدول إزاء المجازر الوحشية التي ارتكبتها الحكومة السعودية، ولا تزال، في اليمن…

خامساً، تمويل الجماعات الإرهابية والجمعيات والمعاهد الدينية في العالم، التي تتبع المنهج الوهابي التكفيري، وكذلك تمويل حروب هذه المنظمات الإرهابية في سورية والعراق وليبيا واليمن إلخ… بما يخدم السياسات والمخططات الاستعمارية الأميركية الغربية الصهيونية من القضاء على محور وقوى المقاومة والتحرّر، وإعادة صياغة خارطة المنطقة بما يكرّس السيطرة والهيمنة الاستعمارية عليها، ويمكن كيان العدو الصهيوني الاستعماري الاستيطاني من تحقيق هدفه في تصفية قضية فلسطين وإعلان الدولة اليهودية العنصرية وانتزاع الاعتراف بها عربياً وإسلامياً ودولياً..

سادساً، تمويل مشاريع التآمر ضدّ الأنظمة التقدمية المعادية للاستعمار الغربي والاحتلال الصهيوني، بدءا بالتآمر ضدّ النظام الناصري التحرري بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ومروراً بدعم الحرب ضدّ الثورة الإسلامية التحررية في إيران، وانتهاء بتمويل الحرب الإرهابية لتدمير سورية وإسقاط رئيسها المقاوم بشار الأسد…

سابعاً، دعم جماعات وعصابات المرتزقة الذين تجنّدهم الاستخبارات الأميركية لتقويض استقرار الأنظمة التحررية في أميركا اللاتينية وأفريقيا..وتجنيد وتمويل ما اسمي لاحقاً تنظيم القاعدة لقتال الجيش السوفياتي في أفغانستان وإسقاط حلفه نظام نجيب الله لمصلحة الولايات المتحدة في سياق الحرب الباردة مما سرع في انهيار وتفكك الاتحاد السوفياتي وخروج أميركا منتصرة في هذه الحرب..

ثامناً، شراء وسائل إعلامية والإنفاق على وسائل إعلامية أخرى، إلى جانب شراء ضمائر كتاب وصحافيين بغرض الترويج للسياسات الاستعمارية الصهيونية الرجعية وغسل عقل المواطن العربي وجعله يرضخ ويستسلم للأمر الواقع الأميركي الغربي الصهيوني..

تاسعاً، دعم أحزاب وقوى سياسية عربية وإسلامية في العديد من الدول العربية، لا سيما في لبنان، لأجل تعزيز دور المملكة في داخل هذه الدول والتأثير على قراراتها وسياساتها ومنع تحررها من فلك الهيمنة الأميركية الغربية الرجعية..

انّ هذا الإنفاق الضخم على كلّ هذه المجالات هو الذي مكن المملكة السعودية من لعب دور عربي وإقليمي كبير والتأثير في مجرى سياسات الوطن العربي والعالم الإسلامي خدمة للسياسات الأميركية، ولهذا أسميت مرحلة الفورة النفطية وتعاظم عائدات النفط بمرحلة البترودولار التي ازدهر فيها دور المملكة وجعلها تحوز على دور سياسي عربي واقليمي وحتى دولي.. ومن الطبيعي ان يقود انتهاء عصر البترودولار إلى إضعاف دور المملكة المذكور، والى تراجع تأثيرها في سياسات العديد من الدول.. وان يؤدّي ذلك لأن تفقد قوى سياسية ووسائل إعلامية مصدر تمويلها، وبالتالي تخسر جزءاً كبيراً من تأثيرها.. وهو ما بدأت تظهر مؤشراته في لبنان، وينعكس على مواقف وحسابات بعض القوى السياسية في قوى ١٤ آذار، من حكومة الرئيس حسان دياب والعهد.. ولا شك في انه، عاجلاً ام آجلاً، سوف يكون لهذا التراجع الكبير في القدرات المالية للمملكة تأثيره على مسار الحرب في اليمن، قد يدفع الحكومة السعودية مكرهة إلى قبول وقف الحرب ورفع الحصار عن اليمن وسلوك طريق الحل السياسي.. فالمملكة اليوم لم تعد قادرة على تأمين نفقاتها الأساسية الداخلية وهي مضطرة إلى الاستدانة لتأمين العجز الكبير في موازنتها، فكيف تستطيع والحال هذه الاستمرار في تحمّل كلفة إنفاق باهظة على الحرب في اليمن.. كما أنّ الدول الغربية سوف تتضرّر من تراجع القدرات المالية للمملكة بنفس القدر الذي كانت فيه المملكة تخدم مصالح الغرب وسياساته في المنطقة التي ترتكز على نهب ثروات العرب وامتصاص عائدات النفط ودعم وحماية الكيان الصهيوني باعتباره القاعدة المتقدّمة للغرب في قلب المنطقة.. انطلاقاً مما تقدم فإنّ ضعف القدرات المالية للحكومة السعودية إنما يصبّ في مصلحة جبهة المقاومة وقوى التحرر في الوطن العربي والدول الإسلامية والعالم..

%d bloggers like this: