حارس القدس هيلاريون كبوجي مقاومة المطران كبوجي العنيدة كالعبير الملتهب

آمنة بدر الدين الحلبي

احتدمت الأحداث في مسلسل «حارس القدس» والذي يجسد مسيرة سيادة المطران كبوجي بمقاومته العنيدة المشتعلة بالثورة، وكأنها العبير الملتهب على الأرض المقدسة لإثبات الحق لأصحاب الأرض منذ النكبة في عام 1948 وصولاً إلى النكسة في عام 1967 التي هزّت القلوب المتقدة، وزلزلت الأرض من تحت أقدام الشرفاء الوطنيين في العالم العربي، وانتشرت رائحة الموت من كل زقاق وشارع، من كل بيت ودكان، من كل قلب وروح، وملأت دقائق الأثير حتى وصلت الحواس.

وانتفض سيادة المطران هيلاريون كبوجي رافعاً الصوت عالياً في وجه الاحتلال «الاسرائيلي» «دعوني أدافع عن رعيتي وأدفن الشهداء قبل أن يهاجمكم الطاعون» لم يصدق ما آلت إليه نكسة حزيران في 1967 ولم يستوعب ما حصل في ستة أيام متتالية، من قتل وتدمير وتهويد، وأشلاء متناثرة هنا وهناك. لم يصدق أن المدينة المقدّسة اغتُصِبت، وانتهكت وداستها أقدام الاحتلال، وفي قرارة نفسه عاش الألم، وسعى لمساعدة كل محتاج وفقير، وإلى ترميم كل بيت تهدّم سواء كان لمسلمين أو مسيحيين، لأن في دمه يجري العرق السوري، العرق المقاوم العنيد في وجه أيّ محتل يريد أن يغتصب أرضه، والإنسان السوري الذي مقت الطائفية والعنصرية والمذهبية.

جسّد تلك الشخصية بتؤدة الفنان المبدع رشيد عساف بكل ما يملك من قوة على الإبحار في شخصية سيادة المطران كبوجي، جسّدها شكلاً وروحاً وأخلاقاً وسعياً دؤوباً لاستعادة الحق والوقوف في وجه الظلم والطغيان، في وجه عدو غاشم لا يفهم إلا لغة الدمار والاحتلال وسرقة الأرض، واغتصاب العرض.

رغم الحزن الذي انتاب المطران كبوجي وتصريحه الذي هزّ الوجدان حين قال: «حرب 1967 كانت نقطة تحوّل في حياتي، وضيّعت سنين عمري، وأصبحت أكثر سواداً في تاريخ العرب، لأن أحلام الناس وآمالهم آلت للضياع».

أجل ضاعت على مذبح الإنسانية أمام احتلال لا يفهم إلا لغة القهر والتسلط واغتصاب الأرض والعرض، فما كان من سعادة المطران كبوجي إلا السعي الحثيث لمقاومة الاحتلال بشتى الوسائل الإعلامية والثقافية، من فلسطين إلى لبنان وصولاً بسورية حاملاً هموم الفلسطينيين مسيحيين ومسلمين وسعى لمساندة المقاومة، بل وانخرط في دعمها في الداخل والخارج لإعادة الحق المغتصب الذي سرقه احتلال «اسرائيلي» لا يرحم، وشرد آلاف الأطفال والنساء والشيوخ.

لكنه لم ينسَ همومه العائلية ووالدته الحنونة التي قضت عمرها في سبيل رعاية العائلة، وكان يزورها باستمرار ليقبل يديها ويباركها، ويقرأ في حضرتها الشعر الجميل للشاعر الفلسطيني يوسف الخطيب، رحمه الله.. شاعر الأّنفة والعزة والكبرياء.

وأنا الذي وطني ارتحال الشمس

ملء الأرض

لكني بلا وطن

مَن ذا يصدّقني؟؟ مَن ذا يصدقني

أبليت نعلي في الرمال وفي الجرود

أدقُّ أبواباً وتدفعني

من أنتَ

من عربِ الخليل

وعما تبحث عن ثرى حراً

وعن سكني

هلاّ أقمتَ بنا

أقمتُ هنا فما يُشقيك؟؟؟

همٌ ليس يَبرحني

ماذا، جرحُ الروح

لم أفهم عذابك كيف تفهمني

وأنا الذي وطني ارتحال الشمس

ملء الأرض

لكني بلا وطن

مَن ذا يصدّقني؟؟ مَن ذا يصدّقني؟؟

الشاعر يوسف الخطيب والد المخرج المبدع باسل الخطيب الذي قدّم لنا أروع سيرة ذاتية لسيادة المطران كبوجي روحاً ونفساً وعملاً ومقاومة عنيدة، في صور تعجُّ بآلام الفلسطينيين وآمالهم، ودخل بالمسلسل إلى أدق التفاصيل في حياة سيادة المطران كبوجي، وكان اختياره للفنان المبدع رشيد عساف رائعاً، حيث جسّد شخصية مميزة في المقاومة الشرسة، وشخصية عنيدة، مقدامة لا تخاف في الحق لومة لائم، ماضية في الدفاع عن الحق المغتصب، حاملة هموم الشعب بأكمله إنسانياً واجتماعياً وأخلاقياً وثقافياً.

كنت أمام لوحة حقيقة في تعابير وجه الفنان رشيد عساف وانفعالاته، وفي إقدامه وإصراره على استرجاع الأرض المقدّسة وحماية أهلها من نير الظلم والطغيان.

سيادة المطران كبوجي كان راعياً حقيقياً لرعيته، وساعياً في طريق الفلاح لاستعادة الحق المغتصب، وتبيان للعالم أجمع ما فعله الاحتلال «الإسرائيلي» من تشويه ديني، وكذب اجتماعي، ونفاق أخلاقي، وسرقة لكل أنواع الثقافة الفلسطينية، وأوضح لنا بشاعة الاحتلال على الحواجز حين أراد الحاجز تفتيشه رفض بكل ما بوسعه، لكنه قوبل بكلام سوقيّ لا يفهم معنى القداسة، حين قال له أحد الجنود الإسرائيليين… «في المرة القادمة لو كان المسيح يقود السيارة لفتّشتها».

أي حقد أعمى سكن في قلوبهم؟ أي حقد عشعش في أرواحهم الميتة، أي شرٍّ تربوا عليه، أية وقاحة تعاملوا بها مع قداسة المطران كبوجي، لكن الحق الذي حمله سيادة المطران كبوجي كان مثل الشمس يُستضاء به، حرّكته الآلام المسكونة في أعماق ذاته الروحية، والآمال في النصر المؤزر، واستعادة الحق المسلوب من أيدي احتلال غاشم.

اغتصبوا البيوت، وقتلوا الأطفال والنساء، واعتقلوا الشباب، وقاموا بمجازر لا تُعدّ ولا تُحصى، أية أخلاق جلبوا معهم للأرض المقدسة؟ أية بشاعة نثروها في الأرض المقدسة؟ أية أرواح سلبوها من أمهاتها؟ وغدت النساء إما ثكالى أو أرامل أو في سجون الاحتلال، أي مال سرقوه من الضعفاء والمساكين؟ حتى المطرانية لم تسلم من أياديهم القذرة!!!

أما سيادة المطران كبوجي فكان ينسج أثوابه من نول ذاته، ويتحد مع روحه حين يسمع أجراس الكنائس تعانق آذان المساجد بألحان لا مثيل لها، وكأن تراتيل الحياة تجتاح سماء الأرض المقدسة.

وازداد ألمه برحيل الرئيس جمال عبد الناصر عام 1970، وأمر بتنكيس الأعلام السوداء حزناً على رحيله، ورفع القداديس وعزفت أجراس الكنائس حزناً على رحيل أبو خالد، وارتفعت الصلوات في المساجد.

واستمرّ النضال من الداخل والخارج سعياً لحياة كريمة وعادلة للفلسطينيين لأن الصمت والانعزال مساهمة في الخطيئة، لذلك حسم خياراته كنتيجة حتمية أمام الإذلال والاضطهاد، أمام كابوس الاحتلال ووحشيته القذرة، لأن الصمت لم يعد مجدياً، والحياد نوع من التواطؤ، معتبراً حياة الكاهن الكاثوليكي «إميليو توريز» ومسيرته رمزاً للحرية حين قال «لو كان المسيح حياً لانضمّ إلى الثورة».

وعاد الأمل يشقّ ضلوع الصدر في حرب 1973 آملا بالنصر المؤزر وعودة الأرض المقدسة، ولم تعُد!! بل ازداد الطغيان وكأنه القدر الذي أرخى سدوله على الفلسطينيين، وحتّم عليهم السير على خطى سيادة المطران لأن الخطر لا يزول إلا بزوال الاحتلال. هكذا قال لهم «الخطر هو الذي اختارنا وهذا قدرنا ولن نهرب من قدرنا».

<span>%d</span> bloggers like this: