السياسة كما الطبيعة تكره الفراغ

سعادة مصطفى أرشيد

يوم الأحد المقبل سيعلن بن يامين نتياهو عن تشكيلته الحكومية الجديدة، بالاشتراك مع حزب ازرق – ابيض، ويبدأ إجراءات الثقة البرلمانية بها، وذلك بعد طول انتظار، إذ إن المفاوضات الوزارية بين طرفي الإتلاف قد أخذت وقتاً طويلاً في نقاشات مستفيضة حول حصص كل حزب من المقاعد الوزارية والإدارات العليا في الدولة، وذلك أكثر مما اخذ الجانب السياسي من وقت وجهد. فالجانب السياسي وهو الأهم والأبرز سيكون في إعلان الحكومة عن إقرار عملية الضم لمناطق الأغوار وشمال البحر الميت والمستوطنات وبرية الخليل والشروع الفوري في تنفيذها سواء على مراحل متقاربة أم دفعة واحدة، الأمر الذي لن تواجهه صعوبات. فالمسألة تكاد أن تكون إجماعية في المجتمع العنصري المنزاح يميناً، ولن تنال الاثنين وسبعين صوتاً في الكنيست فقط وإنما سيؤيد هذه القرارات لفيف من الأطياف المعارضة للحكومة مثل نفتالي بينت الذي أعلن أنه ومن صفوف المعارضة سيدعم الحكومة بكل قوة في إجرائها، هذا وبالطبع سيصوت لصالح الضم لبرمان الذي لطالما كان من المبشرين والسباقين لهذا التوجه، ومثله الأحزاب الحريدية واليمينية الأخرى.

في هذه الأثناء أتت زيارة وزير الخارجية الأميركي السريعة لتل أبيب وهي الأولى له خارج الولايات المتحدة منذ بدء سريان قرار منع السفر الذي اتخذته واشنطن اثر انتشار وباء الكورونا، البيان المشترك الذي صدر عقب جولة المحادثات بين نتنياهو وضيفه ذكر في البيان انّ الحوار دار حول نقطتين :

الأولى حول قرار الضم المذكور والذي هو في الأساس البند المحوري في صفقة القرن والذي تدور حواليه ما يسميه الأميركان رؤية الرئيس ترامب لعملية السلام. وأشارت بعض المصادر إلى أن المحادثات أكدت دعم الإدارة الأميركية لعملية الضم، فيما مصادر أخرى ذكرت أن الوزير الأميركي طلب من نتنياهو أو( تمنى) عليه التريث قليلا في إعلانه عن الضم، ربما بسبب رجاء أردني بتأخير إعلان القرار وبتنفيذه على مراحل ريثما تستطيع الحكومة الأردنية تمريره، ولكن ذلك يذهب في مذاهب الظن، أما بشكل رسمي فلم توضح المصادر الأسباب، وهو ما ستكشفه الأيام المقبلة، لكن الوقائع والتصريحات المتلاحقة الصادرة عن البيت الأبيض أو على لسان بومبيو شخصياً تعتبر الضمّ مسألة داخلية اسرائيلية، أو في مقابلة السفير الأميركي دافيد فريدمان لصحيفة «إسرائيل هيوم» مؤخراً لا تشير إلى أنّ ضغطاً أو تمنياً قد تقدّم به الوزير الأميركي لتأجيل والتريث في قرار الضمّ.

الثانية في محادثات بومبيو – نتنياهو كانت حول مخاطر النشاط الإيراني وضرورة تقويضه وقطع موارد إمداده، وهو أمر يشمل الدور الإيراني في سورية والعراق وبالطبع حزب الله، وسبق ذلك قرار أميركي بسحب وحدات عسكرية أميركية من الخليج، ثم ما تردّد عن رغبة أميركية بالانسحاب من المشاركة في قوات حفظ السلام المرابطة في سيناء منذ توقيع اتفاقية السلام المصرية – الإسرائيلية عام 1978 (معاهدة كامب دافيد). وقد أشارت مراكز أبحاث أميركية مقربة من سياسة بلادها ودوائرها الحاكمة أن أسباب الانسحاب لها أسبابها المالية، فيما رأت مراكز أخرى أنّ الانسحاب من المنطقة هو بسبب انهيار سعر النفط وانخفاض الطلب عليه، الأمر الذي جعل أهمية المنطقة تتدنّى استراتيجياً، ولكن مراكز ثالثة وجدت السبب في نتائج الحصار الطويل الذي تعاني منه إيران وأنه قاد إلى متاعب داخلية ثم إلى أكلاف التورّط الإيراني في الملف السوري، وأخيراً إلى الانخفاض الحادّ بأسعار البترول، فذلك يعني بحساباتهم أنّ إيران قد ضعفت إلى الحد الذي جعلها غير قادرة على أن تمثل تهديداً استراتيجياً للمصالح الأميركية أو تهديداً وجودياً لـ «إسرائيل».

تضرب «إسرائيل» في سورية منذ مطلع نيسان الماضي بشكل شبه متواصل فهي مطلقة اليد أميركياً، فيما الحكومة السورية تبدو مكبلة اليد روسياً، ومع أنّ الضربات تستهدف الإيرانيين في سورية، إلا أن ذلك يتمّ على الأرض السورية ويمسّ سيادتها وأمنها ومصالحها، والإيرانيون في سورية ليسوا من فئة السياح والمتنزّهين وإنما هم خبراء قد يكونون عسكريين وقد لا يكونون، ولكنهم في كلّ الأحوال موجودون في سورية لدعم جهود الدولة في محاربة الإرهاب، وقد بدأ الإسرائيلي وصحافته يذهبون في تصوّراتهم الى أنّ هذه الضربات ستضطر إيران إلى الانسحاب من سورية.

عود إلى محادثات بومبيو – نتنياهو، في الملف الأول لا يبدو أنّ السلطة التي تقترض 800 مليون شيكل بصدد الرحيل أو حلّ نفسها أو الخروج من الاتفاقات مع الأميركي أو الإسرائيلي، وإلا فكيف يمكن للحكومة التي تعلن صبحاً ومساء أنها ستقوم بعمليه الضم أن تقرض السلطة التي تعلن قبل تسلم المبلغ أنها لن تقوم بسداده لأنها راحلة أو لأنها في حلّ من أية اتفاقات أو التزامات مع الإدارة الأميركية أو «إسرائيل»، وان رحلت السلطة فإنّ الأرض باقية بمن عليها ولا أظن أنّ هناك من سيملأ فراغها سوى «إسرائيل» وعساكرها، حقاً أنّ الأمور في فلسطين تغيظ الصديق وتسرّ العدو.

في الملف الثاني فمع ما تشيعه الصحافة الإسرائيليّة وشقيقاتها من بعض الصحف العربية، فمن الواضح أنّ إيران باقية في سورية ما دامت الدولة السورية تجد الحاجة لبقائها، وإيران تدرك أهمية الملفات السورية والعراقية لأمنها القومي، واعتبارات الأمن القومي هي محركها وآلتها الدائمة الدوران، ولكن المسألة الأهمّ والأخطر هي أن الانسحاب الأميركي من الخليج يتمّ في غياب تنسيق عربي إيراني وفي غياب استراتيجية عربية لملء الفراغ الناشئ عن الانسحاب الأميركي، وذلك سيجعل من «إسرائيل» المدعومة أميركياً تهرول لملء الفراغ… فالسياسة مثل الطبيعة تكره الفراغ.

*سياسي فلسطيني مقيم في الصفة الغربية.

%d bloggers like this: