سوقٌ مشرقيّة وإلّا فالنّهاية كارثيّة

ابراهيم مصطفى

هذا البحرُ من ورائكم،

والشقيق من أمامكم وإنٍ اختلفتم معه،

فماذا أنتم فاعلون؟

الشعبُ يئنُّ جوعاً وفقراً بسبب سياساتكم الرعناء والتي لا تُسمن ولا تغني من جوع…

الوطنُ يغرق في وحلِكم الطائفي ونكدِكم المذهبي وحقدِكم المناطقي وباتَ لا يقوى حتى على التنفّس…

وفجأة ويا لغيرة الدين والوطنية انبرت جوقةٌ من المُطبّلين لقطع العلاقات مع الدولة السورية والتي تُعتبر الآن الطريق الوحيد بل الأوحد لنتفس الصعداء وطالبت بإقفال المعابر بحجة التهريب الى سورية ولأنها ـ أيّ هذه الجوقة لا تملك حلاً ـ طالبت وبكلّ وقاحة بنشر قوات الأمم المتحدة بين على الحدود بين الدولتين.

مهلاً يا هؤلاء فالوطن يُريد من يُنقذه لا من يزيد الطين بلة، فنحن لسنا مع التهريب ولن نكون يوماً معه، ولكن أيها السياسيُّ الذي يدّعي تفوّقه في علم السياسة والإقتصاد… لماذا لم تقم الدنيا وتُقعدها عندما كان يُهرّب المازوت السوري والفستق الحلبي الى لبنان أم أنّ هذا حلال _ مع أنّ التهريب من الجهتين مرفوض…

اخجلوا قليلاً… اخجلوا… لأن السّيادة الوطنيّة تقوم على حماية الحدود، وهذا ليس بالكلام والخطابات بل بخطة واقعية وعملية وبتفعيل المعاهدات بين الدولتين الشقيقتين، فلن نقول لكم… اذهبوا وقبِّلوا أيدي المسؤولين السوريين، ولا اذهبوا وناموا في قصر الرئيس، فمصلحة المواطن الذي لا يجد قوت يومه هي التي تعنينا أولاً وأخيراً…

نقولُ للسّاسة الذين يرفضون التنازل عن عنجهيّتهم والذين لا يشعرون بالمأزق الاقتصاديّ والاجتماعيّ الكبير، نقول لهم اتّقوا الله في وطنكم، ودعوا الشعبويّة وفكّروا بهذا الوطن الذي يموت أمام أعيُننا…

أخبرونا ماذا فعلتم للصناعة؟

وماذا قدمتم للزراعة؟

لقد حوّلتم لبنان الى ملهىً ليلي ومركز للخدمات وتُفاخرون بذلك… نسيتم بل تناسيتم عمداً مصلحة المواطن والوطن..

ادّعيتم الانتماء وسعيتم للتفتيت والفناء…

أخبرونا… كيف وصلنا الى هذا الواقع المر؟ وكيف نُنتج فكراً سياسياً راقياً؟

اخبرونا… ماذا فعلتم لننتج وطناً قائماً بمقوّمات ذاتية قادرة على حماية الكيان من الانهيار؟ فالسّياسيُّ الكبير والقادر تُنتجه الافكار الكبيرة… فأين الأفكار الكبيرة التي قام على أساسها لبنان؟

أين النُخب؟

وهل يجوز أن تكون بغالبيتها مُسوّقة لهذا او ذاك… دون النظر الى مصلحة الوطن والمواطن؟

الى أين سيذهب لبنان؟ وهل يستطيع أن ينجو لوحده؟

كلا… لأنّ العالم يتجه الى عنصريات جديدة… فهل لبنان بعيد عن ذلك؟

أيها السياسي اللبناني في السلطة او خارجها.. داعماً لها او معارضاً لها… ماذا قدّمت وماذا ستقدّم لإنقاذ دور لبنان في العالم العربي من ناحية والعالم الغربي من ناحية ثانية…؟

لن يقوم لبنان إنْ لم تُحدّد هويته اقتصادياً وثقافياً وسياسياً وأخلاقياً…

أخبرونا ماذا فعلتم لتحقيق ذلك…

وكيف لا يصل الوطن الى هذه الدرجة من السقوط والإرتهان…

بالله عليكم يا ساسة أخبرونا؟

ما هي القيم الأخلاقية التي أنشأتم عليها الأجيال المتعاقبة؟ ما العقيدة الوطنية التي كرّستموها في عقول وقلوب المواطنين؟ ما هي القيم الإجتماعية والنفسية التي ينضوي تحتها المواطن اللبناني؟

بلدٌ قائم على العصبيات الطائفية والمذهبية والمناطقية منذ تأسيسه كيف له أن يواجه أزمة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، وما هي مقوّمات المواجهة؟ ومن هي الفئة السياسية التي تأخذ المبادرة وكيف ستتعامل مع التجمعات السكانية المنتمية لفئة أخرى؟

إنّ الأوطان لا تُبنى على الكيديّة ولا على التعصّب ولا على الإرتهان لدولة هنا ودولة هناك كما أنها لا تُبنى على المناطقية القاتلة…

فالأوطان الحقيقية تُبنى على أُسس المواطنة والعدل والقانون واحترام المعاهدات بين الدول…

الأوطان تُبنى على ركائز لا مفرّ منها فالصديق صديقٌ للجميع والعدو عدوٌ للجميع، وعندما لا نرى مُشكلةً في جعل العدو صديقاً والصديق عدواً هنا يصبح الوطن أوطاناً وتموت بين زواياه حرية التعبير، وتقتل في زواريبه بهجة الانتصار، ويُعبث بحياة المواطنين وتوضع في معتقل الطائفية والمذهبية والمناطقية، وينتهي ما يُسمّى وطناً، ويسود حكم الفساد والاستبداد ويذهب المواطن الفعلي «فرق عملة» بين البقاء او الرحيل…

وقبل أن يُصبح الشعب اللبناني متسوّلاً بكُله وكلْكله أنصتوا الى صوت العقل فيكم واتجهوا شرقاً لإنقاذ الوطن وشعبه وتناسوا كلّ الخلافات والأحقاد، ولتُعلن سوق مشرقية، وإلّا فالنهاية كارثيّة.

%d bloggers like this: