معادلات جديدة للسيد نصرالله ـ3ـ مكافحة الفساد: مطلوب قضاة استشهاديّون

ناصر قنديل

– كما رسم السيد حسن نصرالله في المواجهة الناعمة والخشنة للأميركيين خريطة طريق إنهاء كيان الاحتلال من دون حرب أو بالحرب الكبرى، كما أسماها، ورسم خريطة طريق التغيير السياسي الداخلي عبر الاستثمار على العملية الانتخابية، وتفادي الفخاخ المؤدية إلى استحضار شبح الحرب الأهلية التي تتكفل بقطع مسار التغيير، كما حدث قبل عقود، وعدم استسهال عبور المتاريس الطائفية للاصطفاف الشعبي في السياسة الذي يُخفيه غبار تخلفه مشاهد الحشود الموحدة، قارب السيد نصرالله قضية مكافحة الفساد، التي يحلو لبعض محبي المقاومة، أو الراغبين بتوريطها بحل قيصري يطلبون منها تنفيذها. وهنا رسم السيد في حواره خريطة طريق للحرب التي يعتبرها أشد صعوبة من حرب المقاومة بوجه الاحتلال.

– في مكافحة الفساد يبدأ السيد نصرالله من توصيف المعركة بما هي أبعد من البحث عن موارد مالية لحل الأزمة الاقتصادية، وتذكر المال المنهوب، وتخيّل أن استعادته هي الحل، والسير بهذا المنطق حتى جعله نظرية كاملة، تجهض كل بحث جدي عن حلول جدية أو جذرية للأزمة الاقتصادية، تصير ممكنة إذا تحررنا من نظرية الوصفة السحرية، استعيدوا الأموال المنهوبة ونصير بألف خير، والانطلاق من فصل مساري مواجهة الأزمة الاقتصادية، ومكافحة الفساد، حرصاً على حسن سير المسارين. وفيما يخص مسار مكافحة الفساد حيث السعي لاستعادة المال المنهوب يجب ألا يتوقف، لكن من دون وهم حلوله مكان البحث بالحلول الاقتصادية، ومن دون اختصار مكافحة الفساد به كهدف، لأن المطلوب هو منع الفساد مستقبلاً بمثل ما هي مطلوبة المساءلة عما سبق واجتثاث ماضيه.

– النقلة الثانية في سياق منطق السيد نصرالله، هي رفض الانتقام السياسي أو تصفية الحساب السياسي، أو الكيدية والاستنسابية في مكافحة الفساد، لأن هذه هي أقصر الطرق لإجهاض أي مسعى جدي لمحاربة الفساد وملاحقة الفاسدين، وقد تكون وصفة ناجحة لحماية الفاسدين بمنحهم غطاء سياسياً وطائفياً وربما شعبياً، إذا ظهرت الملاحقة غير منصفة وغير مكتملة الشروط والأصول، وربما في حال استهدافها لرموز كبيرة، تتحوّل إلى وصفة لزعزعة السلم الأهلي، رغم أننا في الحرب على الفساد يجب أن يكون سعينا الأهم هو للنيل من رموزه الكبيرة، لكن ضمن شروط وأصول تحول دون تصوير العملية كانتقام سياسي أو طائفي، أو كتصفية حساب.

– يُعيد السيد نصرالله القضية إلى نصابها الأصلي، فيعتبر أن التحوّل الذي شهده لبنان في النظر لقضية مكافحة الفساد، هو إنجاز عظيم، لجهة وجود رأي عام متحفّز للمراقبة والمتابعة والمساءلة، وحالة من الارتباك أصابت استسهال المسؤولين في التعامل مع المال العام، ومنذ إعلان حزب الله تحويل مكافحة الفساد إلى أولوية من أولوياته، وتكوينه للعديد من الملفات الخاصة بهذا العنوان، هناك تعاظم في الضغط الشعبي وحضور النخب تحت هذا الشعار، لذلك يصير من الأهمية بمكان الذهاب نحو الآلية الموثوقة، والتي تجنّب السعي إلى إجهاض أو انتكاسة، حتى لو بدا طويلاً وصعباً، وهنا تأتي أهمية الامتناع عن توجيه أي اتهامات بالفساد على أساس سياسي أو من موقع سياسي. فما هو مطلوب من السياسيين، ومنهم حزب الله، الامتناع عن توجيه الاتهامات، بل رفع الغطاء عن المحازبين والمؤيدين، وتحقيق الإجماع على إطلاق يد القضاء فوق الحصانات والحمايات، وفقاً لمعطيات ووقائع وملفات.

– يشارك السيد القلق من تدخل السياسة في القضاء، كما يشارك القلق من تسلل الفساد إلى القضاء، ولذلك فهو لا يكتفي بالدعوة لجعل القضاء وجهة حصرية للملاحقة في جرائم المال العام، بل يدعو لإطلاق الورشة التشريعية والقانونية اللازمة لتمكين القضاء وتحصين القضاء واستقلال القضاء، ويصل للمشاركة بمقترحات من نوع آلية تكوين المحكمة الخاصة بجرائم المال العام، بطريقة تتيح حصر الاختيار بالقضاة المجمع على شجاعتهم، وصولاً لحد الحديث عن الحاجة، لتحقيق النصر في حرب تحرير لبنان من الفساد، إلى قضاة استشهاديين، فلبنان لم يتحرر من احتلال العدو للأرض من دون مثل هؤلاء الاستشهاديين، وشعور القضاة بحجم التطلع الوطني نحو دورهم الحاسم في قضية مصيرية كبرى كهذه لا بد أن ينتج من بين صفوفهم أمثال الاستشهاديين الذين ولدوا في صفوف المقاومة.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

%d bloggers like this: