ملاحظات من القاهرة حول العدوان المستجدّ على سورية ومحور المقاومة

د. محمد أشرف البيومي

أرادت قوى الهيمنة الغربية وأتباعها إقليمياً، سواء الرجعية العربية أو الكيان الصهيوني، ضرب محور المقاومة وإحلال النظام السوري بنظام تابع لها. واستندت قوى العدوان إلى الحرب بالوكالة باستخدام آلاف الإرهابيين وتدريبهم وتمويلهم وتدجيجهم بالسلاح. كانت تركيا عضو الناتو، مركزاً أساسياً لتسرّب هؤلاء إلى الداخل السوري، كما تولت ماكينة الإعلام الغربي، خصوصاً الأميركية إشاعة الاتهامات الباطلة ضد السلطة السورية، من استخدامها للسلاح الكيمائي وتصوير رئيسها بأنه قاتل شعبه وأنّ إزالته أصبحت وشيكة!

والآن تتعرّض سورية لموجة مستجدة من العدوان والتآمر لتحقيق الأهداف نفسها التي فشلت قوى الهيمنة في إنجازها عن طريق العدوان الارهابي المسلح. تجيء الحرب المستجدة تحت عنوان «قانون قيصر» (مستخدمة اسم عميل يُدعى قيصر كما قيل) معتمدة أساساً على سياسات إجرامية تشمل الخنق الاقتصادي وضرب العملة المحلية وحرق المحاصيل ونهب البترول والثروات من أجل إشاعة الفوضى وتأجيج غضب المواطنين ضدّ السلطة السورية ومن ثم وقوع سورية تحت الهيمنة الأميركية.

ولا تزال ذاكرة سياسة التجويع الاقتصادي الإجراميّة في العراق وموت مئات الألوف من أطفال العراق حية في أذهاننا كما أنّ قوى الهيمنة تستخدم حالياً السياسات نفسها لفرض الهيمنة على دول أخرى تتمسك باستقلالها سواء إيران أو كوبا أو فنزويلا.

إنّ منع المساعدات الطبية لمواجهة وباء كورونا يذكرنا بمنع العراق سابقاً من استيراد المواد الضرورية لتطهير مياه الشرب، مما أدّى لموت الآلاف من شعبه خصوصاً الأطفال كما تنبّأت تقارير رسمية أميركية قبل ذلك بسنوات، تذكرنا أيضاً بجريمة المستوطنين المحتلين بأميركا بجريمة توزيع بطانيات ملوّثة بوباء الجدري مما أدّى إلى انتشار المرض القاتل كالنار في الهشيم والقضاء على أعداد هائلة من سكان أميركا الأصليين. هذه الجرائم قديمها وحديثها تأتي متناسقة مع نفس سلوك القهر والإبادة والاحتقار للمواطنين الملونين في أميركا ذاتها وإبقائهم في أوضاع اقتصادية وصحية متردية.

فشل العدوان على سورية سيتبعه فشل آخر لمخطط «قيصر» المستجدّ.

لقد فشلت القوى العدوانية على مدى سنوات عدة سابقة وتحرّرت غالبية سورية من العصابات الارهابية بسبب قيادة صلبة وجيش متماسك وشعب صامد وحلفاء أقوياء. كذلك سيفشل العدوان المستجدّ أيضاً للأسباب نفسها. لكن يجب عدم التقليل من خطورة المعركة الجديدة لكونها لا تقلّ ضخامة عن المعركة السابقة بل قد تفوقها فتعرض الشعب إلى مزيد من الضغوط في مأكله وصحته وحياته. هذا ليس بالأمر الهيّن حيث إنه يشكل أعباءً هائلة على الحكومة ويتطلب جهداً كبيراً وتخطيطاً جديداً وصموداً أصلب كما يحتاج لمؤازرة متسعة من المثقفين العرب داخل سورية وخارجها في مواجهة الحرب النفسية ورفع الوعي ودعم الصمود ومؤازرة السوريين معنوياً على الأقلّ فالمعركة التي يخوضونها ليست لمصلحة سورية فقط إنما لمستقبل الأمة العربية. يجب أن يشعر المواطنون السوريون أنهم ليسوا وحدهم وأنه رغم مواقف الحكومات فهناك أصوات عربية مخلصة تؤازرهم.

هدف المؤامرة في سورية ولبنان هو ضرب محور المقاومة لا يحتاج المرء بالضرورة الحصول على وثائق دامغة للاستنتاجات التي تتضمّنها هذه الملاحظات السياسية وإن كان هناك توثيق لنيات قوى الإمبريالية تجاه الوطن العربي بأكمله، بما في ذلك مصر. يكفي أن تكون استنتاجاتنا متناسقة مع سياق تاريخي دامغ ووثائق سابقة وتصريحات معلنة وسلوكيات قديمة من جرائم مرتكبة والوسائل الإعلامية المصاحبة للتغطية وللتشويش وليس أقلها الاتهام الجاهز بما يسمّى بنظرية المؤامرة، علماً أنّ التآمر ليست له نظريات، ولكن لا شك من تواجد تآمر صارخ من قبل قوى الهيمنة ضدّ مصالح الشعوب ومن المدهش أنّ المتآمرين أنفسهم، وبعض السذج والمتواطئين وغير المكترثين، هم من يتهمون المقاومين بتبنّي ما أسموه بنظرية المؤامرة لتسفيه مواقفهم!

ليس من المستغرب أن يرتفع في بيروت شعار حركة «أوتبور» الصربية راعية الثورات الملونة وما سمّته الإدارة الأميركية بالربيع العربي. وبصراحة هذا يعكس غباء المتبنين لهذا الشعار لكونه يفضح انتماءهم.

ملاحظة حول العثمانية الجديدة

وما دمنا ملتزمين بالتناول الشامل لقضايانا القومية، فلا بد أن تكون هناك ملاحظة على التدخل العثماني في ليبيا. يجب ألا ننسى أبداً أن تركيا التي أدت دوراً محورياً في العدوان على سورية هي عضو بحلف الناتو بالإضافة إلى تحالفها ودعمها للإخوان المسلمين، وهي نفسها التي نقلت الآن الآلاف من المرتزقة من سورية إلى ليبيا مما يشكل تهديدا للأمن القومي المصري. يؤكد هذا التطور الخطير على ضرورة الرؤية الشاملة في التحليل السياسي فعندما حذرنا سابقاً من خطورة ما يحدث في سورية على الأمن القومي المصري لم نكن مغالين. فالطموحات العثمانية في ليبيا تهدّد مصر الآن. فهل كان من المنطقي التصدي للتدخلات التركية في سورية لحماية المصالح المصرية وهل أصبح من الضروري دعم سورية الآن في مواجهة مؤامرة «قيصر»؟

تكثيف الجهود ومضاعفة الصمود لمواجهة عدوان «قيصر» من أهمّ الأولويات الآن مواجهة الحرب النفسية التي يتعرّض لها الشعب في سورية وإبقاء روحه المعنوية مرتفعة رغم المعاناة الإضافية التي يتعرّض لها، كما لا يمكن التقليل من حجم هذه المعاناة للمواطن السوري. وفي الوقت نفسه لا يمكن التقليل من مخاطر الرضوخ لمخططات العدوان وكذلك لا تمكن الاستهانة بالنتائج الإيجابية والهائلة لهذا الصمود الهائل لسورية ومحيطها العربي.

لا بدّ أن يشعر المواطن السوري من خلال التأييد المعنوي من قبل المثقفين الملتزمين أنه ليس وحده، رغم تحمّله وحده عبء الحرب الاقتصادية الإجرامية التي تشنّها الإدارة الأميركية ضده. هناك مَن يستشعر عناءهم ويقف معهم رغم العجز عن القدرة على المساندة الفاعلة.

*أستاذ الكيمياء الفيزيائية في جامعتي الإسكندرية وولاية ميشغان (سابقاً).

<span>%d</span> bloggers like this: