مصر فى دائرة الخطر

د. محمد السعيد إدريس
‏24 يونيو 2020

د. محمد السعيد إدريس يكتب: إيران تنتظر القول الفصل من هلسنكي ...

على الرغم من كل تلك التسريبات التى كان يتم تسريبها عن عمد من جانب دوائر معادية لمصر، تسريبات تشارك فيها أطراف متعدد تكشف مدى التربص بمصر وبالدور المصرى، إلا أن ما يحدث الآن من تهديد متعدد الأطراف وفى تزامن غير مسبوق تجاوز كل مضامين تلك التسريبات التى كانت تؤكد أن “مصر ستبقى مصدراً للتهديد يجب التحسب له”.

من أبرز تلك التسريبات كانت مقولة أن مصر هى “التفاحة الكبرى” أو “الهدية الكبرى” التى جرى إطلاقها فى غمرة تساقط العواصم العربية الواحدة تلو الأخرى، كانت تلك المقولة تحمل إشارات أن “موعد مصر لم يأت بعد”، وأن هذا الموعد “سيأتى حتماً”. الملفت أن معظم هذه التسريبات كانت أمريكية وإسرائيلية، ما يعنى أن توقيع مصر لاتفاق السلام مع إسرائيل، لم يكن كافياً لإرضاء غرور الإسرائيليين، ولم يتوقفوا لحظة عن التعامل معها باعتبارها “العدو التاريخى”، وإن كان الصراع معها يبدو “صراعاً مؤجلاً” لحين الانتهاء من حسم مصائر الملفات الأخرى مثار التهديد. لم تتوقف أنظارهم لحظة عن متابعة تطور القدرات العسكرية المصرية بقلق شديد، سواء من ناحية كفاءة التسليح وتنوع مصادره بعيداً عن “أحادية التحكم الأمريكية” فى مصادر التسليح المصرى، أو من منظور تطور الكفاءة القتالية المصرية. ولم تغب سيناء لحظة عن أطماعهم انتظاراً لمجئ الوقت والحوافز التى تفرض عليهم العودة إليها مجدداً كى يتحول شعار “إسرائيل الكبرى” من “حلم” أو “أوهام” إلى أمر واقع.

لم تكن إسرائيل وحدها هى من يناصب مصر العداء ولكن كانت تركيا وبالذات مع سقوط أحلام رئيسها فى إحياء عهد “الخلافة العثمانية” بالتأسيس لـ “عثمانية جديدة”، مع سقوط مشروع حكم الإخوان فى مصر، وكانت إثيوبيا، ولكن على استحياء، وربما بخبث ودهاء يفوق الدهاء الإسرائيلى ويتجاوز الرعونة التركية، لكن ما يحدث الآن من تناغم فى التخطيط ضد مصر، سواء بتنسيق أو عدم تنسيق، بين إسرائيل وإثيوبيا وتركيا، يكشف، وربما للمرة الأولى أن مصر باتت “فى عمق دائرة الخطر”. فهل من الصدفة أن يتزامن إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وتأكيده أن يوليو المقبل هو موعد البدء الإسرائيلى الفعلى فى فرض السيادة الإسرائيلية على الكتل الاستيطانية الإسرائيلية ووادى عربة فى الضفة الغربية المحتلة، مع إعلان آبى أحمد رئيس الحكومة الإثيوبية تحديد يوليو المقبل موعداً لبدء ملء خزان “سد النهضة الإثيوبى” بالمياه، دون انتظار، أو بالأحرى دون اعتبار، لتوافق مع كل من مصر والسودان حول القضايا الخلافية المثارة معهما؟

فرض السيادة الإسرائيلية، بإرادة إسرائيلية مستقلة وبدعم أمريكى على الجزء الأكبر من الضفة الغربية للشروع الفعلى فى تصفية القضية الفلسطينية وفرض مشروع “إسرائيل الكبرى” كدولة يهودية على كل أرض فلسطين، وفرض السيادة الإثيوبية على نهر النيل وتصفية كل الحقوق التاريخية لمصر والسودان فى نهر النيل، التزاماً بقول آبى أحمد رئيس الحكومة الإثيوبية أن سد النهضة “أصبح قضية شرف وطنى ولن نتخلى عنه” وتأكيدات وزير خارجيته بأن “الأرض أرضنا، والمياه مياهنا، والمال الذى يبنى به سد النهضة مالنا، ولا قوة يمكنها معنا من بنائه”. هل هذا كله يمكن أن يكون محض صدفة وأن يكون شهر يوليو المقبل، أى بعد ما يقرب من أسبوع من الآن هو موعد خوض “معركة السيادة” الإسرائيلية والإثيوبية ضد مصر، باعتبار أن مصر أول المعنيين بمصير القضية الفلسطينية من منظور الأمن الوطنى المصرى البحت باعتبار أن فلسطين مكون أساسى فى نظرية الأمن الوطنى المصرى ناهيك عن كونها قضية أمن قومى عربى بالدرجة الأولى، ومصر هى على رأس المعنيين بواقع ومستقبل هذا الأمن القومى العربى.

من الصعب أن نتعامل ببراءة، ولا أقول بسذاجة مع المدلول الفعلى للتزامن فى شروع تل أبيب وأديس أبابا خوض ما يسمونه بـ “معركة فرض السيادة”، فى ظل قوة العلاقات الإسرائيلية- الإثيوبية، ووجود مكون شعبى إثيوبى مهم ضمن مكونات “الشعب الإسرائيلى” (يهود الفلاشا الإثيوبيين) ومجمل الإتفاقيات التى جرى التوقيع عليها بين إسرائيل وإثيوبيا خلال زيارة رئيس الحكومة الإثيوبية لإسرائيل، وفى ظل تأكيدات بأن “إسرائيل طرف قوى فى ملف سد النهضة” و”أطماع إسرائيل فى مياه النيل” وكونها طرفاً مباشراً فى إدارة ملف سد النهضة وتداعياته، سواء من الجانب الأمنى فى ظل تسريبات تؤكد بأن شبكة صواريخ إسرائيلية متطورة باتت مسئولة عن حماية سد النهضة، أو من الجانب التقنى حسب ما أفصحت عنه نائبة المدير العام للشئون الأفريقية فى وزارة الخارجية الإسرائيلية أيثان شيلين فى لقائها مع هيروت زامين وزيرة الدولة الإثيوبية للشئون الخارجية، حسب ما أوردته وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية، حيث أعلنت إسرائيل على لسان إيثان شيلين “استعدادها لتبادل الخبرات مع إثيوبيا فى مجال إدارة المياه”، ووصفت العلاقات الإسرائيلية مع إثيوبيا بأنها “تاريخية وتدعمها علاقات قوية بين الشعبين”.

هل ما يحدث هو توافق أم تحالف إسرائيلى- إثيوبى لإحكام الضغط على مصر؟

السؤال تزداد أهميته، بل وخطورته بدخول تركيا كطرف مباشر فى ما يمكن تسميته بـ “معركة كسر إرادات مع مصر” وهذه المرة فى العمق الإستراتيجى لمصر بالأراضى الليبية. تركيا التى تقاتل بعنف فى شمال سوريا لفرض منطقة نفوذ تركية شمال سوريا معتمدة على تحالفها مع المنظمات الإرهابية المتطرفة، وتسعى لإسقاط النظام فى سوريا، سواء بتنسيق مباشر أو غير مباشر مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل لتحقيق نفس الهدف تحت غطاء خوض معركة إخراج إيران من سوريا، اختارت هذه المرة فى عدائها المباشر مع مصر أن تتجاوز احتضان كل القوى المتآمرة ضد مصر على الأراضى التركية، وأن تنقل تهديدها إلى الحدود المصرية المباشرة فى إعلان تهديد مباشر للأمن المصرى من خلال دعم حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج، دعماً عسكرياً بالأسلحة المتطورة وبالميليشيات الإرهابية لفرض السيطرة الكاملة على ليبيا. وفى إعلان تهديد مباشر للمصالح الاقتصادية المصرية من خلال السعى لفرض سيطرتها على حقول غاز المتوسط بالشكل الذى تريده إسقواءً بالسيطرة على القرار الليبى بهذا الخصوص.

تركيا تخوض الآن معركة خليج سرت، ويؤكد رئيسها رجب طيب أردوغان أنه “لن تكون تكون هناك أى مفاوضات سياسية، أو وقف لإطلاق النار فى ليبيا إلا بعد سيطرة قوات حلفائه على مدينة سرت” لذلك رفض إعلان القاهرة كمبادرة مصرية لحل الأزمة الليبية سياسياً، ويسعى للسيطرة على مدينة سرت باعتبارها “بوابة الشرق الليبى” حيث آبار النفط والغاز واحتياطياته الرئيسية، وإذا نجح فى هذه المعركة فإنه يعتقد أنه سيكون بمقدوره تكريس النفوذ التركى فى ليبيا سياسياً وعسكرياً.

يحدث هذا كله على حدود مصر الغربية بتزامن مع ما يحدث من تهديد إثيوبى لموارد مصر الحياتية من مياه النيل، ومع المخطط الإسرائيلى للتوسع والتهويد وفرض السيادة على معظم أنحاء الضفة الغربية فى وقت بدأت فيه الإدارة الأمريكية بفرض أقسى وأقصى عقوبات ضد سوريا ببدء تنفيذ أسوأ قانون عقوبات أمريكى على سوريا يحمل اسم “قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين” لعلها تستطيع أن تحقق بالعقوبات الاقتصادية ما عجزت هى وحلفاءها عن تحقيقه طيلة السنوات الماضية، بالعمل العسكرى الذى تحول فعلاً إلى “حرب على سوريا” ابتداء من عام 2014، هدفه ليس فقط إسقاط الحكم السورى وإنهاء تحالفه مع إيران بل كان الهدف هو إسقاط سوريا كما أسقط العراق.
ما يحدث هو “هندسة للأزمات” المحيطة بمصر تضعها فى عمق “دائرة الخطر” الذى يجمع للمرة الأولى إسرائيل وإثيوبيا وتركيا فى تهديد مصر وأمنها ومصالحها الوطنية، تطور يفرض على مصر حسابات ومراجعات كثيرة للأهداف والمصالح والقدرات لمواجهة الخطر.

فيديو متعلق

مقالات متعلقة

<span>%d</span> bloggers like this: