هل قطار الشرّ الأمريكي قابل للإيقاف

نضال حمد – رئيس تحرير موقع الصفصاف

This image has an empty alt attribute; its file name is nid--300x231.jpg

تابعت مشاهدة الاحتجاجات في الولايات المتحدة الأمريكية على اثر قيام شرطي عنصري أبيض بقتل شاب ( زنجي) خنقاً. فتذكرت أحداث فيلم (غير قابل للإيقاف) التي تتحدث عن قطار مسرع خرج عن السيطرة، في حين يحاول بطلا الفيلم فرانك بارنز (دنزل واشنطن) و ويل كولسون (كريس باين) إيقافه. بعد مغامرة شاقة يستطيع البطلان (الزنجي) و(الأبيض) إيقافه بنجاح.

 لقد عالجت السينما الأمريكية قضية العنصرية والرق والتمييز في عديد من أفلامها الشهيرة والتي تعد بعضها من روائع السينما ونالت شهرة واسعة، لكن على ما يبدو انها لم تساعد السياسيين في أمريكا على التخلص من العنصرية والتمييز والجشع الرأسمالي الامبريالي. وبمناسبة الحديث عن الافلام المذكورة يمكن ذكر الأحداث الشهيرة في أمريكا التي اندلعت على اثر ادعاء زوجين في  16 تموز 1949 إنهما تعرّضا لهجوم من قبل أربعة شبان من أصل إفريقي في غروفلاند. حيث اسفر الهجوم بحسب ادعائهم عن اغتصاب الفتاة نورما بادجيت التي كانت آنذاك تبلغ من العمر 17 عاماً. كان حادثا مروعا ومن أكثر الحوادث الدامية بين (البيض) و(السود). تم تعذيب أحد المتهمين( الزنوج) حتى الموت ووجدت في جسده اثار 400 رصاصة. بعد 70 عاماً تمت تبرئة المتهمين وأفادت المحكمة أن كل ما نسب إليهم من تهم كان باطلاً. كما تبين أن القصة برمتها كانت قضية عنصرية، من تأليف قائد شرطة المدينة ويليس ماكال، الذي كان من أشد العنصريين.

 تنص المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن “جميع الناس يولدون أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق”. منذ 1949 بدأ العالم الاحتفال في 2 ديسمبر بـ”اليوم العالمي لإلغاء الرق”، الذي يهدف إلى القضاء على كل أشكال الرق والعنصرية، حيث أقرته اتفاقية الأمم المتحدة. لكن قطار الاستعباد والاستعمار الأمريكي والغربي استمر بأساليب أخرى حديثة ومتطورة.

 بعد انتهاء فترة الرئيس الأمريكي الافريقي الأصل بارك أوباما انتخبت أمريكا رئيسا عنصريا وتاجرا جشعا يدعى دونالد ترامب. لا يخفي عنصريته وعجرفته حتى ضد حلفاء الولايات المتحدة. إذ يتعامل معهم بعقلية التاجر البلطجي وزعيم المافيا. لغاية الآن يرفض توجيه خطاب للشعب الأمريكي حول الأحداث العاصفة التي تدور في المدن الأمريكية. لقد دمر المتظاهرون نصبا تذكارية عديدة منها لجورج واشنطن مؤسس أمريكا ولكرستوفر كولومبس مكتشف أمريكا. وكلاهما عنصريين دمويين ساهما في ابادة الهنود الحمر سكان البلد الأصليين.

عرفت أمريكا أبشع أنواع الرق والعبودية في التاريخ البشري الحديث، فبعد ابادة السكان الأصليين الهنود تم استعباد (السود). حيث جُلب الأفارقة لاستعبادهم بشكل همجي لا مثيل له.  سيبقى هذا العمل الاجرامي اللاانساني وصمة عار تقبح وجه أمريكا حتى الأبد..

إن اظهار الأمر وكأن هناك  مساواة فعلاً بين السكان في الولايات المتحدة لا ينطلي على أحد. إذ لازالت هناك فوارق كبيرة بين الجانبين في كل مجالات الحياة. حتى أن وباء كورنا حصد الكثير من (السود) بسبب الاهمال وانعدام الرعاية من قبل الدولة. كما يدل التعامل العنصري للشرطة الأمريكية مع (السود) على مر السنين وحتى حادثة قتل جورج فلوريد مؤخراً على استعداد النظام الرأسمالي العنصري لقتلهم بكافة الأساليب وبدون الشعور بالذنب أو الرجوع للعدالة وللقوانين.

 ليس أسهل من أن يكذب الانسان حين يصف الولايات المتحدة الأمريكية بحامية وضامنة العدالة والديمقراطية والسلام في العالم. تلك الكذبة وجدت لها مكانة كبيرة وسط شعوب أوروبا الشرقية بالذات، حيث كانت تحكم أنظمة حكم شمولية، ساهمت في تكريه الشعوب تلك بالشيوعية والاشتراكية وفي انجرارها وراء الدعاية الامبريالية والرأسمالي. يبدو أن تلك الشعوب ستنتظر طويلا حتى تعرف أن نظام الارهاب والعنصرية الأمريكي أسوأ بكثير من النظام الشمولي الذي قمعها سواء عبر منع الناس من التملك والحركة وحتى اقتناء أبسط الأشياء مثل جواز السفر والسيارة.

 على كل حال موضوعنا الآن عن العنصرية والاستعباد والتمييز والظلم في أمريكا، حيث منذ تأسيس الامبراطورية الأمريكية على عظام وفوق جماجم سكانها الأصليين من الهنود الحمر، الذين أبيدت غالبيتهم العظمى أما بالأوبئة أو رميا بالرصاص من الرشاشات الثقيلة. كل تلك المذابح وعمليات الإبادة تمت على أيدي الغزاة والمستعمرين البيض القادمين من أوروبا وممالكها آنذاك للعثور على أرض الميعاد، لكنها الأرض التي لم تكن لهم ولم يفكر شعبها يوما ما بميعاد مع الغزاة المجرمين حيث كانت  ابادته ونهايته. ميعاد مع الإرهابي والسفاح الأول كولومبوس وصولا الى جورج واشنطن وتباعا حتى يومنا هذا حيث يحكم رئيس عنصري وشخص استعلائي، تاجر رأسمالي اسمه ترامب، يعادي البشرية والحضارة العالمية.

 أمريكا أرض الميعاد” لشعب الله المختار” أي لمن اعتبروا أنفسهم كما اليهود الصهاينة المحتلين في فلسطين شعبا بلا أرض استطاع أن يؤسس وطنا للشعب  المختار. تأسست أمريكا في البدء بالدم والحديد والنار، عبر مجموعات من المجرمين وقطاع الطرق الذين وصلوا الى أرض الهنود الحمر. وبنفس الطريقة تأسس الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، الذي حظي ولازال يحظى بكل الدعم الأمريكي والغربي. لأنه يمثل قاعدة متقدمة للاستعمار العالمي الرأسمالي الامبريالي في بلادنا. نفس هؤلاء عندما تمكنوا من ابادة الهنود أخذوا يبحثون عن (الزنوج) الأفارقة حيث تمت عمليات اختطافهم من بلدانهم الأصلية وجلبهم للخدمة والعمل كعبيد لدى السادة البيض حيث تم اضطهادهم على مدار سنوات طويلة.

على كل حال الهبة الشعبية الأمريكية ضد الجريمة والعنصرية لن تنجح بدون ايجاد قيادة تمثلها وتعد لها برنامج عمل واضح للتغيير وتحقيق مطالبها والاطاحة بالادارة الأمريكية الحالية، ثم العمل على تغيير النظام الأمريكي الراسمالي الى نظام انساني وديمقراطي حقيقي وغير عنصري.

%d bloggers like this: