محظوران أميركيّان في حروب الأمم على ليبيا؟

د. وفيق إبراهيم

تتوارى السياسة الأميركية خلف دول مرتبطة بها تتقاتل بِعنف شديد في ميادين ليبيا. فتبدو وكأنها محايد في هذه الحرب التي تغطي مساحات ليبيّة ضخمة تصل بين حدود مصر والبحر الأبيض المتوسط وتونس والجزائر وبعض جهات أفريقيا السمراء.

لماذا يختبئ الأميركيون عسكرياً في ليبيا وهم الذين يهاجمون عسكرياً أو بواسطة منظمات عرقية وإرهابية في أفغانستان والعراق وسورية والصومال واليمن والسودان وينشرون قواعدهم في معظم جزيرة العرب والأردن وتمخر بوارجهم وأساطيلهم بحار المنطقة من دون استثناء.

بداية يجب إسقاط فرضية عدم الحاجة الأميركية إلى ليبيا، التي تمتلك أكبر ثروات من الغاز والنفط وموقع استراتيجي هام يطل على البحر المتوسط الذي تتقاتل الأمم من أقصى الأرض على سواحله وأعماق مياهه التي تحتوي خزاناً كبيراً من موارد الطاقة.

للتوضيح فإن الدول المنخرطة عسكرياً تشمل تركيا وروسيا وفرنسا وإيطاليا والسعودية والإمارات مع إسناد مصري وجزائري. هذا إلى جانب القوتين الليبيتين الأساسيتين، دولة السراج في الغرب ودولة حفتر في الشرق مع بعض الإطلالات الإنجليزية والألمانية والصينية الخجولة.

إنها إذاً حرب عالميّة على ليبيا لربط صلة بثرواتها من جهة وبالصراع على البحر المتوسط من جهة أخرى.

فهل يمكن للأميركيين أن يغيبوا عن الوليمة الليبية الدسمة؟

لم يذكر التاريخ القريب عن أي ضمور في الشهية الاستعمارية الأميركية التي تمزق العالم على جثث ملايين المدنيين في شتى أنحاء الأرض من أجل الهيمنة الاقتصادية.هذه ليست تهمة افتراضية، بل حقيقة يعيشها حتى اليوم الكثير من الناجين.

لذلك فإن الغياب الأميركي في التدخل العسكري المباشر في ليبيا، يرتبط بفشل التدخلات الأميركية المباشرة في أفغانستان والعراق وسورية وكثير من دول أخرى.

وبما أن الانتخابات الرئاسية الأميركية أصبحت على بعد ثلاثة أشهر فقط (تشرين الثاني)، فهذا يعني أن أي تدخل عسكري أميركي مباشر لن يكون أكثر من تورط من دون إمكانية عقد أيّ حل مع الدول المتنازعة في ساحات ليبيا.

فالأميركيّ القادر على التعاقد هو رئيس باقٍ في منصبه لسنوات عدة على الأقل.

وبما أن الرئيس الأميركي الحالي ترامب المرشح لولاية جديدة لا يريد هدراً لدماء أميركية جديدة في ليبيا تنعكس فوراً على وضعه الانتخابي، فارتأى القتال من الخلف.

هذا إلى جانب القوى المختلفة المتورطة في حروب ليبيا، تحاول الاستفادة مما تسميه وقتاً ضائعاً يأتي عادة قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية بأشهر عدة، وتعتقد أن الاتفاق حول ليبيا لن يكون إلا مع الرئيس الجديد.

لذلك تذهب الدولة الأميركية العميقة إلى التدخل بإدارة الحروب في الميدان الليبي إنما من خلال مشاركات الدول الصديقة وبناء على محظورين أنتجتهما بدقة لمنع أي خلل أو طارئ في هذه الحرب.

ضمن هذا الإطار يجب فهم عدم الممانعة الأميركية القاسية على التدخل العسكري التركي في ليبيا، وعدم رفضها لنقل أنقرة قوات إرهابية في ميادين سورية إلى ليبيا.

هذا الصمت على تورط أردوغان الليبي مطلوب من النفوذ الأميركي لاستكمال مشهد الصراع، ضد التدخل الروسي، وهذا من الأسباب التي ترعى فيها واشنطن تدخلاً عسكرياً مصرياً في ليبيا، وتبدو حذرة من احتمالات تدخل جزائري فيها.كما أن التدخل السعوديّ الإماراتيّ هو أيضاً بدعم أميركي، فتصبح حروب ليبيا، أميركية من جهة تركيا وأميركية من جهة مصر والسعودية والإمارات ولها علاقة نسبية بالتدخل الفرنسي – الإيطالي – اليوناني فيها.

أي أن الأميركيين يضبطون الأطراف المتقاتلة في حروب ليبيا من جهتيها المتقاتلتين ولا يخرج عن نفوذهم إلا شركة «فاغنر» الروسيّة التي توالي السياسة الروسية.

هذا ما جعل وزير الخارجية الأميركي بومبيو يحذّر من الهيمنة الروسية على ليبيا، لكن الروس ينفون علاقتهم بالشركة مضيفين بأن الغرب الأوروبي – والأميركي سرق ليبيا من نفوذهم السوفياتي – الروسي عندما قتل رئيسها السابق معمر القذافي فاتحاً أبواب فوضى عميقة في معظم صحاريها وبحارها.

الروس إذاً هم الوحيدون الذين يخرجون عن النسق الأميركي لحرب ليبيا، وهذا سبب إضافي يضاف إلى حاجات واشنطن باستمرار إدارة الحرب.

هناك إذاً محظوران أميركيان يؤكدان على أن الإدارة الأميركية تريد تأجيل حسم ما في ليبيا أو توقيع هدنة مع الطرف الروسي.

المحظور الأول هو ضرورة مراوحة الحرب عند خط جبهة سرت النفطي واندلاعها بشكل حاد في مختلف المناطق الأخرى.

أما المحظور الثاني فيتعلق بمنع أي حسم في هذه الحرب انتظاراً لاستكمال الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة.هذان المحظوران هما اللذان فرضا على الدولة الأميركية العميقة الاستنجاد بالرئيس المصري السيسي ليرسل جيشه إلى منطقة ليبية من الحدود مع مصر حتى جبهة مدينة سرت.

بذلك يطوّق التدخل الروسي من جهة ويتواصل القتال في عموم ليبيا من جهة ثانية، وذلك للزوم التفرغ الأميركي المقبل لإدارة اقتسام الغنائم على الساحة الليبية بين أميركيين أولاً، يليهم الأتراك والأوروبيون وبعض الفتافيت المتساقطة لمصر السيسي والكثير من الولاءات السياسية على سبيل الوجاهة والمعنويات للإمارات والسعودية.فهل يقبل الروس بهذا الأمر؟

قد يتم إقناعهم بشيء من التعاقد لشركاتهم في ميادين النفط والغاز، مقابل احتمال آخر صاعد يرى أن ليبيا مقبلة عن «كنتنة» كبيرة لأن مساحتها تصل إلى مليون وأربع مئة ألف كيلو متر مربع لشعب لا يصل إلى خمسة ملايين نسمة، تزعم تركيا أن بينهم نحو مليون من التركمان، ينتمي إليهم السراج حاكم دولة غرب ليبيا حالياً.

يتبين بالاستنتاج أن حرب ليبيا طويلة بقرار أميركي يمنع توقفها وحسمها في آن معاً، وهي قابلة للتقاسم لافتقارها إلى دولة وطنية قوية على المنوال السوري تجسد الطموحات الفعلية لأهلها، فحفتر أميركي – مصري – روسي – سعودي – وإماراتي – وأوروبي فهل بقي مكان عنده لليبيا؟

كذلك فإن منافسه السراج إخواني – تركي من أصول تركمانية تعود إلى عصر الإنكشارية الذين كان يحتلون ليبيا فأين ليبيا من انتماءاته؟

يبدو أن حلفاً روسياً – جزائرياً مع تيارات ليبية شعبية هو الحل الوحيد لمنع تحويل ليبيا إلى أشلاء تنهشها الأمم وتحذفها من تاريخ الدول، لتصبح مشيخات تعود إلى عصر الإبل والنوق وسط تصفيق سعودي إماراتي يصر على ربط العرب بالقرون الوسطى ومسابقة أجمل بعير في سباق الهجن.

%d bloggers like this: