هذا هو الشهر الفاصل

ناصر قنديل

مع خولنا شهر آب ندخل أخطر شهور العام، وربما أعوام سبقت. فهو الشهر الذي سيتقرر خلاله اتجاه الإدارة الأميركية في التعامل مع لبنان واستطراداً مع المنطقة، وهذا الاتجاه الذي سيجد ترجمته في شهر أيلول، سيبقى حاكماً لعام على الأقل، لأن إعادة انتخاب الرئيس دونالد ترامب ستعني التمديد للنهج الذي يكون قد اختاره، وانتخاب منافسه ستعني مواصلة نهج سلفه حتى ترسم السياسة الجديدة، بعد مئة يوم على الأقل من تسلم الرئيس لمقاليد الحكم في كانون الثاني، ما يعني أن لا سياسات أميركية جديدة قبل أيار المقبل، سيكون الرئيس الجديد محتاجاً لاستثمار سياسات سلفه خلال الفترة الانتقالية، وتركها تؤتي بعض ثمارها قبل تبديلها.

الخيارات الأميركية أساسية في تقرير سياسات فريقين فاعلين في الملفات اللبنانية والإقليمية، هما أصحاب الأموال، وأصحاب السلاح، وفي طليعة أصحاب الأموال يقف صندوق النقد الدولي وتقف أوروبا، ويقف بعض حكام الخليج، وكلهم ينتظرون للإفراج عن بعض الأموال خلال الفترة الفاصلة عن شهر أيار المقبل، طبيعة الضوء الأميركي، أحمر أم اصفر أم أخضر؛ وأصحاب السلاح وفي طليعتهم كيان الاحتلال وجيشه، والجماعات الإرهابية، ودول إقليمية تجس النبض بحثاً عن دور تتقدمها تركيا، جميعهم ينتظر التوجه الأميركي، تصعيداً أم تبريداً.

الخيارات الأميركية محكومة بضوابط هي الأخرى، فالوضع الداخلي ليس مريحاً للرئيس ترامب على أكثر من صعيد، والمواجهة الدائرة مع روسيا والصين على ملفات مختلفة تجعل الخيارات في المنطقة محكومة بعدم التورط بمواجهات أشد تعقيداً تجد في التورط الأميركي في المنطقة فرصة لخوض حروب استنزاف ضدها، كما أن انزلاق الوضع نحو مواجهة بلا ضوابط أمر تسعى إدارة الرئيس ترامب لتفاديه، ومثله اللاعبون تحت ظلال سياساته لا يرغبون باختبارات للقوة تذهب إلى المناطق اللزجة مع خطر انفلات المكابح وحدوث الانزلاق إلى منطقة الخروج عن السيطرة، سواء بالضغوط المالية أو الضغوط الأمنية والعسكرية.

الخيارات الأميركية خلال شهر آب هي بين خيارين، الأول فتح قنوات تفاوض على سقوف منخفضة عن تلك التي تضمنتها دعوات المبعوث الخاص إلى سورية جيمس جيفري لانسحاب متزامن ومتوازن أميركي إيراني من سورية، وقد رفضتها إيران وحلفاؤها، ودعوات معاون وزير الخارجية ديفيد شنكر للبنان لقبول خط فريدريك هوف أساساً لترسيم حدود النفط والغاز مع كيان الاحتلال، وقد رفضها لبنان. أما الخيار الثاني فهو الدفع بالتصعيد خطوة إضافية في الملفين المالي والأمني، لمزيد من الضغط أملاً بفرض المقترحات الأميركية الهادفة لتأمين سور أمني وقانوني يحمي كيان الاحتلال من مخاطر مواجهات مقبلة، ولأن حزب الله والمقاومة في لبنان التي يمثل الحزب رأس حربتها، المعني الأول بالملفين وعلى الجبهتين، بمثل ما هو المعني الأول بالملف الحكومي في لبنان، يصير كل ما سنشهده خلال هذا الشهر من أحداث تمت جدولتها زمنياً بصورة مسبقة مدروسة، كقرار المحكمة الدولية، أو ستظهر كمفاجآت، كاستقالة وزير الخارجية المرتقبة، رسائل مباشرة لرسم وجهة الحركة الأميركية مباشرة أو بالواسطة، أو بالونات اختبار لرؤية الخيارات المقابلة، مع تسريبات عن زيارة قريبة لمعاون وزير الخارجية الأميركية ديفيد شنكر إلى بيروت لتحريك التفاوض حول الترسيم البحري.

رد المقاومة على جيش الاحتلال، وتوقيته وحجمه ونوعه، لن يكون معزولاً عن قراءة هذه الرسائل، والتريث ليس حرباً نفسية وفقاً لقاعدة الوقوف على «إجر ونص» فقط، بل هي بعض الاستثمار لعامل الوقت، لأن الفرصة ذهبية ليكون الرد عامل ترجيح في ضربات الجزاء التي ستحسم مصير المباراة.

<span>%d</span> bloggers like this: