الكاردينال يسعى لاسترجاع لبنان الكبير مُعدَّلاً

 د. وفيق إبراهيم

تحاول الكنيسة المارونيّة مرة جديدة إعادة إنتاج لبنان الكبير بأقل قدر ممكن من تغييرات طفيفة ليتلاءم مع الزمن المعاصر.

فتذهب للوسائل نفسها التي اعتمدتها عندما ضغط البطريرك الحويك في 1919 على الانتداب الفرنسي لفصل لبنان وسورية وإعلانه دولة مستقلة.

هذا ما يسعى اليه حالياً البطريرك مار بشارة الراعي الذي يحاول الاستفادة من حركتين دوليتين: الاولى إصرار الأميركيين على وقف تراجعهم في الشرق الأوسط والثانية محاولة الفرنسيين العودة الى الشرق من خلال نفوذهم التاريخي في لبنان، لذلك يتلقف رأس الكنيسة المارونية هاتين الحركتين محاولاً استعمالهما لإعادة إنتاج لبنان الكبير مع بعض التعديلات التي تسمح بتحالفات مع أجزاء من طوائف أخرى.

هناك نقاط أخرى يحاول الكاردينال الاستفادة منها، واولها انعكاسات الصراع الإيراني السعودي على لبنان وتشكيله لتناقض سني – شيعي، ووقوف الحزب التقدمي الاشتراكي الجنبلاطي الى جانب السياسات الأميركية بما يؤدي تلقائياً الى انسجامه مع طروحات الكاردينال، علماً ان جنبلاط يحوز على الغالبية الكبرى من الدروز اللبنانيين.

قد لا تعني هذه الاصطفافات تأييداً مطلقاً من الطرفين السني والدرزي الى جانب استعادة لبنان الكبير، لكنها تندرج حكماً في إطار التصدي للدور الكبير لحزب الله في لبنان وعموم الإقليم.

هناك اذاً تصميم من الكاردينال على استعمال «الأميركي والفرنسي» للمحافظة على «لبنان الغربي» الآخذ في الذوبان نتيجة لانتصارات حزب الله في معارك تحرير الجنوب وضرب الإرهاب في سورية وشرقي لبنان.

فهذه الانتصارات تفرض على لبنان التموضع في إطاره العربي والشرق أوسطي، وهذا ما يثير رعب الكنيسة المارونية التي تعتبر نفسها وصيّة تاريخية على لبنان الكيان والدولة والتاريخ. حتى أن الغلاة فيها يتوهّمون أن لبنان متجه لإنتاج دولة يسيطر عليها الشيعة بشكل أساسي ومعهم بعض حلفائهم من الموارنة والسنة والدروز، بما يناقض الفكرة التأسيسية للبنان التي قامت منذ 1920 على اساس الهيمنة الكاملة للموارنة مع حضور فولكلوري للطوائف الأخرى.

لكن دخول لبنان في صراعات منذ سبعينيات القرن الماضي نتيجة التداعيات التي أصابته من المشاريع الخارجية والفلسطينية أدت الى تراجع الدور الماروني مقابل صعود سني تلاه منذ التسعينيات وحتى الآن دور كبير للشيعة من خلال انخراط حزب الله في معارك فلسطينية وسورية مع تأثير ثقافي في العراق واليمن.

كانت الكنيسة المارونيّة تراقب بقلق انهيار الدور المسيحي في لبنان ولم تجد سانحة تدفع بها الى التدخل كما لم تعتقد ان تحالف التيار الوطني الحر مع حزب الله أدى الى تحسن الوضع السياسي للمسيحيين في الدولة على الرغم من أنها تركت له مدة طويلة لتتبين أكثر نتائجه.

وأخيراً تحرّكت الكنيسة على إيقاع الحركة الأميركية الكبيرة التي تحاول تجديد دورها في الإقليم وارتبطت بإصرار الأميركيين على العودة لإمساك لبنان من خلال الانهيار الاقتصادي الذي يهدده كدولة وكيان سياسي، حتى أدركت مرحلة ربط المساعدات والديون من مؤسسات النقد الدولية والخليج واوروبا التي يطلبها لبنان مع إقفال المعابر عند الحدود مع سورية وتوسيع مهام قوات الطوارئ الى ما يزيد من سبعين كيلومتراً داخل لبنان وتقاسم آبار الجنوب من الغاز مع الكيان المحتل وتشكيل حكومة تضم القوى الأساسية المرتبطة بالأميركيين والخليج الى جانب حزب الله وتحالفاته.

هذا ما أعطى الكنيسة فرصة التحرك السياسي المكشوف لتقليص نفوذ حزب الله والعودة الى لبنان الكبير عبر إلغاء الوجود العسكري للحزب في المدن والقرى والحدود مع سورية والضغوط على التيار الوطني الحر لإلغاء تحالفه معه.

بذلك حدّد الكاردينال حزب الله عدواً للكنيسة بأساليب واضحة، فبدا هنا وكأنه يخدم السياسات الأميركية اكثر من إصراره على استعادة لبنان الكبير.

وهذه سياسة لا يريد الكاردينال بالطبع ان تستفيد منها «إسرائيل»، لكنها ومن دون أدنى شك على رأس المستفيدين من استهداف حزب الله الذي يجابهها في اي مشروع احتلالي للبنان.

إلا أن مشروع الكاردينال لم يعثر على معادلة لبنانية داخلية بوزن حزب الله ليتبنّاها مع الأميركيين والفرنسيين، فحزب القوات متواضع الحجم، وكذلك تيار المستقبل والحزب الجنبلاطي، فهؤلاء بإمكانهم افتعال اشكالات يجذبون بواسطتها حزب الله الى الشارع، وليس بوسعهم صناعة حرب طويلة، كما ان حزب الله نجح بمنع جمهوره من استعمال الشارع وضبط أنفاس محازبيه، بصبر لا يعرفه إلا أهل التاريخ وأصحاب المشاريع الوطنية.

هذا ما جعل الكاردينال يعمل على مواقف شديدة التصعيد وصل في إحداها للقول علانية إن «اسرائيل» هاجمت لبنان بعد استفزازات فلسطينيّة من أراضي لبنان في 1982، داعياً وفي تشابه غريب مع مواقف «اسرائيل» الى مصادرة مخابئ الاسلحة والذخائر من مدن لبنان وقراه وعاصمته.

ما الذي يريده نيافة البطريرك؟

يسعى بوضوح لضرب علاقة التيار الوطني الحر بحزب الله وتشكيل حلف مسيحيّ مع السنة والدروز باشتراك مباشر من الأميركيين والفرنسيين لإعادة انتاج لبنان الكبير مع تعديلات طفيفة لمصلحة إيلاء بعض مواقع السلطة لطوائف أخرى، فالمهم بالنسبة اليه، ضرب المشروع الشيعيّ المزعوم لاعتقاده بأنه الاخطر على النفوذ الغربي، وبالتالي على لبنان ذي الوجه الغربي.

فيرتاح لبنان الكبير بذلك من الصراع مع «اسرائيل» على قاعدة أن الأميركيين والفرنسيين قادرون على اتمام مصالحة بين الطرفين تنهي بشكل كامل كل أنواع المخالفات الحدودية في البحر والبر وآبار النفط.

فهل ينجح هذا المشروع؟ يلعب الأميركيون بكل أنواع الأقليات في المنطقة فيستعملونها وسرعان ما يرمونها عند استنفاد الحاجة اليها، وهذا ما يفعلونه في لبنان الذي يؤدي فيه حزب الله دوراً داخلياً وخارجياً لم تتمكن «اسرائيل» والأميركيون من إلغائه منذ 1992 وحتى اليوم ما يعني انهم يعرفون أن حزب الله حقيقة سياسية لبنانية وإقليمية من الصعب إلحاق الهزيمة بها ما يعني ان الهدنة معه هو أقصى ما يطمح اليه الاميركيون والفرنسيون. وهذا لا يكون الا على أنقاض مشاريع السعودية ونيافة الكاردينال في آن معاً.

%d bloggers like this: