بعد التكليف الضعيف للحريري‎ ‎التأليف سيكون صعباً…‏

حسن حردان

لم تأتِ نتائج الاستشارات النيابية لتسمية الرئيس سعد الدين الحريري لتولي مهمة تأليف الحكومة اللبنانية الجديدة، كما يشتهي الحريري، وقد أخفق في الحصول على أغلبية نيابية مريحة تعطيه شيكاً على بياض في عملية التشكيل، وهو أضعف من أن يفرض حكومة وفق توجهاته التي تنسجم مع التوجُّهات والرغبات الأميركية الفرنسية، المتمثلة في مطالبة لبنان بالموافقة على شروط صندوق النقد الدولي مقابل الحصول على قروض مالية مُيسّرة.

أولاً، ليس لدى الحريري غطاء مسيحي، بعد أن امتنعت كتلتا التيار الوطني الحر (أكبر كتلة في البرلمان)، وكتلة القوات اللبنانية عن تسميته، وكلّ كتلة من موقف سياسي مختلف. فالتيار رفض الموافقة على أن يشكل الحريري حكومة اختصاصيين مستقلين، لأنّ الحريري سياسي ولا تنطبق عليه صفة اختصاصي، لهذا يؤيد التيار حكومة تكنو سياسية. أما القوات فهي تصرّ على حكومة اختصاصيين مستقلة بالكامل من رئيسها إلى وزرائها، وحتى يتمكن الحريري من تأليف حكومة هو بحاجة إلى تأييد التيار الوطني، لا سيما أنّ رئيس الجمهورية ـ الشريك دستورياً في عملية التأليف ـ لن يقبل بأي حكومة لا تحترم الميثاقية وما تعنيه من ضمان عدالة تمثيل الطوائف من خلال الكتل النيابية التي تمثلها.

ثانياً، لن يكون بإمكان الحريري الحصول على موافقة حزب الله على تأليف الحكومة، إلا إذا قبل بحقّ الحزب في تسمية وزرائه من ناحية، ومعارضته العديد من شروط صندوق النقد من ناحية ثانية، واستطراداً التمسُّك بحقّ لبنان في مقاومة الاحتلال والحفاظ على كامل حقوقه في البحر والبر ورفض أيّ مساومة عليها، من ناحية ثالثة.

ثالثاً، لم يحصل الحريري على تأييد بلا شروط، من قبل بعض الكتل والنواب الذين سمّوه في الاستشارات، مثل الكتلة الأرمنية والكتلة القومية، اللتين تشترطان تمثيلهما في الحكومة بالصيغة التي يتمّ الاتفاق عليها. أما كتلة التحرير والتنمية فانها لن تقبل بأن يتفرّد الحريري في تسمية الوزراء، وهي سوف تقف مع كتلة الوفاء للمقاومة في هذا الشأن. فما رُفِض إعطاؤه لمصطفى أديب لن يُمنح للحريري، لأنّ ذلك سيعني تسليم السلطة له وهو أمر سيشكل انقلاباً سياسياً على الدستور ونتائج الانتخابات، ويحقق بالتالي رغبات واشنطن وأحلام وهي التي تقف وراء تفجير الأزمة ومحاولة توظيف الاحتجاجات في الشارع، لفرض هذا الانقلاب الذي يبدأ من تشكيل حكومة اختصاصيين مستقلين، موالية للسياسة الأميركية.

أمام هذا الواقع، فإنّ الرئيس المكلف سعد الحريري لن يكون مطلق اليدين في تشكيل الحكومة، وهو محكوم بتوازن القوى، والاستجابة لمطالب الكتل النيابية في حقها بالمشاركة في الحكومة، إن كان عبر اختصاصيين أو سياسيين، كما أنه سيكون محكوماً بالأخذ بوجهة نظر رئيس الجمهورية الذي لا يمكن تأليف الحكومة من دون موافقته على شكلها ومضمونها ومدى انسجامها مع الدستور. أما إذا أصرّ على موقفه في السعي إلى تشكيل حكومة اختصاصيين مستقلين يسمّي هو وزراءها، والتمسك بإعطائه شيكاً على بياض لتطبيق البرنامج الإصلاحي للمبادرة الفرنسية وفق رؤيته، وعلى أساس قبول شروط صندوق النقد الدولي، فإنه سيواجه صعوبة في ذلك، بل إنه سيفشل بكلّ تأكيد، ويتبيّن عندها أنّ تشكيل حكومة وفاق، مرتبط بحصول الحريري على ضوء أخضر أميركي، وأنّ الضوء لن يظهر قبل انتهاء الانتخابات الأميركية وإعلان نتائجها، لذلك من المتوقع أنّ الرئيس الحريري سوف يستهلك هذه الفترة في المشاورات التي سيجريها مع الكتل النيابية والأطراف والقوى السياسية، ومن ثم الانتظار ريثما يتضح موقف الإدارة الأميركية بعد الانتخابات، رفعاً للفيتو، أم المضيّ فيه، وبالتالي استمرار أزمة تأليف الحكومة.

ما كان لافتاً هو مسارعة مساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد شينكر إلى التذكير بسيف العقوبات بعد تكليف الحريري، ما يعني أنّ واشنطن تعارض حكومة توافق، وهي مستمرة في سياسة الضغط بواسطة الحصار المالي وسلاح العقوبات لمحاولة تمكين الحريري من فرض تشكيل حكومة اختصاصيين مستقلين.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

%d bloggers like this: