أمريكا والصين، هل من حرب باردة جديدة؟

أمريكا_والصين_هل_من_حرب_باردة_جديدة_مركز_دراسات_الوحدة_العربية
أمريكا والصين: هل من حرب باردة جديدة؟

نُشر هذا المقال في العدد 501 من مجلة المستقبل العربي التابع لمركز دراسات الوحدة العربية، وأعيد نشره هنا.

بقلم عمرو علان

لا يتوقف المحللون الإستراتيجيون والسياسيون الغربيون، سيما الأمريكيون منهم، عن الحديث في هذه الأيام عن “حرب باردة ثانية” بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، فهل فعلا بات العالم على أبواب “حرب باردة ثانية”؟ وكيف وصلنا إلى هذه النقطة؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة الأساسية تقتضي بالضرورة العمل على استرجاع تسلسل الأحداث على النحو الآتي:

بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار جدار برلين، أعلنت الدول الغربية بقيادة أمريكا نصرها النهائي على كل منافسيها في العالم وإلى الأبد، حيث بدأ المنظرون الأمريكيون يتحدثون عن نهاية التاريخ، وكان أكثر من تبنى هذا الطرح “المحافظون الجدد”، إذ قال أحد أبرز منظريهم وليام كريستال “William Kristol” إن القرن العشرين كان قرن أمريكا، لكن القرن الواحد والعشرين سيكون القرن الأمريكي،1 ومن جهة أخرى عكف السياسيون الأمريكيون على رسم الخطط لإدامة هذا النصر التاريخي والتفوق على باقي دول العالم، فاختلقوا “الحرب على الإرهاب” كستار لها؛ لتقوم بنقلة إستراتيجية على مستوى رقعة العالم تمثلت بغزو منطقة وسط وغرب آسيا (أفغانستان وإيران والبلاد العربية وتركيا) ومن ثم السيطرة عليها، بهدف إخضاع دول المنطقة الأوراسية للهيمنة الأمريكية الكاملة، حيث تعد منطقة أوراسيا خزان العالم من الموارد الطبيعية

والمواد الأولية، وتشكل في الوقت ذاته كتلة بشرية كبرى، وإن من شأن السيطرة عليها تأمين التحكم بمصادر الطاقة العالمية، والسيطرة على عقدة خطوط نقلها بالإضافة إلى السيطرة على خطوط نقل البضائع سواء عبر البر أو عبر الممرات المائية الإستراتيجية، وبهذا تستطيع أمريكا التحكم باقتصادات دول العالم كاملة، وبمدى النمو الاقتصادي لهذه الدول بما في ذلك الصين وروسيا، لا سيما أن أمريكا تتحكم بقنوات النقد العالمي وشبكة اتصالات العالم عبر سيطرتها على “الإنترنت”. وكان من المهم أيضا من وجهة النظر الأمريكية القضاء على باقي البُؤر المقاوِمة للهيمنة الأمريكية المتبقية في العالم التي صنفها جورج بوش الابن على أنها دول (محور الشر)، بما يخدم أيضا أمن الكيان الصهيوني؛ حيث لم يكن اللوبي الصهيوني بعيدا عن هذه المخططات، فكانت حربا أفغانستان والعراق لتحقيق هذين الهدفين الإستراتيجيين: السيطرة على غرب آسيا أولا، والقضاء على دول (محور الشر) بحسب الوصف الأمريكي ثانيا. وبناء على تجربة “حلف شمال الأطلسي” في حرب كوسوفو في تسعينيات القرن الماضي، اعتقد الأمريكي أنه يمكنه حسم حروب منطقة غرب آسيا سريعا، معتمدين في ذلك على سلاح الجو دون أن تطأ أقدام جنوده الأرض، وظهر وقتها الحديث عن نظرية “حجارة الدومينو”، وهنا تجدر الإشارة إلى أنه بالإضافة إلى ركون أمريكا لفكرة حسم حروب منطقة غرب آسيا بسرعة مما يؤمن لها التحكم بمستقبل الصين الاقتصادي، ركنت أيضا إلى تقدير آخر خاطئ مفاده أن مصير الصين سيكون مثل مصير باقي دول المعسكر الاشتراكي بعد أن تفكك ذاك المعسكر، وأن الشيوعية قد انتهت في الصين وإنها على طريق التحول إلى الرأسمالية، ولذلك أهملت أمريكا إستراتيجية “احتواء الصين”،2 وقد أثبتت النتائج خطأ كل هذه التقديرات التي لم تتنبه إلى قوة النظام السياسي الصيني بقيادة الحزب الشيوعي الصيني في الحفاظ على الدولة ووحدة الصين.

غرقت أمريكا في وحل منطقة غرب آسيا سيما في منطقتنا العربية، إذ وجِهَت بمقاومة شديدة من حركات مقاومة شعبية مدعومة من الدول الرافضة للهيمنة الأمريكية التي كانت أمريكا قد جاءت لتُجْهِز عليها أو تروضها، ونتيجة لذلك فشل الهدف الإستراتيجي الرامي إلى بسط النفوذ الأمريكي على المنطقة

وخلق “شرق أوسط جديد”، وعوضا عن ذلك دخلت أمريكا في حروب مكلفة لا تنتهي بحسب وصف دونالد ترامب، وكانت الصين في غمرة انشغال أمريكا بمغامراتها الشرق أوسطية تبني اقتصادها بشكل هادئ ومستمر، وتطوِّر في بنيتها التحتية وقدراتها التصنيعية، وتنمي قطاعات التطوير التقني والابتكار العلمي، واستمر هذا الوضع إلى عهد إدارة الرئيس الأمريكي براك أوباما الذي انتبه إلى الخطأ الإستراتيجي الذي وقعت فيه أمريكا في طريقة تعاملها مع الصعود الصيني، عندها بدأت ظهور مؤشرات على سياسة أمريكية خارجية تُركز أكثر على الصين، بما أُطلِق عليها الاتجاه نحو شرق آسيا “Asia to East Pivot”.

تعد الورقة البحثية التي قدمتها وزيرة الخارجية الأمريكية هلاري كلينتون في تشرين ثاني 2011 حول السياسة الخارجية الأمريكية اتجاه آسيا، بداية المؤشرات على التحول في الإستراتيجية الأمريكية، تلك الورقة التي دعت فيها إلى زيادة الاستثمار الدبلوماسي والاقتصادي والإستراتيجي في منطقة آسيا والمحيط الهادي،3 وفي نفس الشهر أعلن الرئيس براك أوباما عن التوصل إلى اتفاقيات للتجارة الحرة مع ثماني دول أخرى في قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي “APEC”، وقد قرأت الصين في هذا المستجد محاولة أمريكية لكبح نموها الاقتصادي والسياسي لا سيما أن الرئيس براك أوباما أعلن في وقت لاحق نشر 2500 جندي من قوات “المارينز” في أستراليا، مما استدعى الصين توجيه انتقادات لهذه الخطوة، واستمر منذ ذلك الوقت تصاعد وتيرة الضغوط الأمريكية اتجاه الصين وتعاظم الشد والجذب، ومع وصول إدارة الرئيس دونالد ترامب لسدة الحكم، اتخذت اللغة العدوانية والسياسة الصدامية الأمريكية اتجاه الصين مستوى غير مسبوق، فاعتبرت الإدارة الأمريكية أن الصين تشكل خطرا أكبر على أمنها القومي من ذلك الذي يشكله “الإرهاب الدولي” كما جاء على لسان وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، وكان خطاب نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس في تشرين أول 2018 أمام مؤسسة هَدْسِنْ “Hudson Institute” بأن الولايات المتحدة الأمريكية ستجعل من المنافسة عبر الضرائب أولوية في التعامل مع الصين عوضا عن التعاون كي تواجه ما أسماه العدوانية الاقتصادية الصينية، وربما يلخِّص لنا قول ستيف بانن “Steve Bannon” أحد مستشاري دونالد ترامب السابقين المدى الذي وصل إليه التوجه العدواني

الأمريكي نحو الصين إذ قال: هذان نظامان غير متجانسين، أحدهما سيفوز والآخر سيخسر.4 ومنذ ذلك الحين والمحافل الأمريكية بالإضافة إلى شخصيات بارزة كالمؤرخ وُلْتَر رَسِلْ ميد “Walter Russell Mead” لا ينفكون عن الحديث عن “حرب باردة” مع الصين،5 أما بالنسبة “لكوفيد-19” فقد كان فقط عاملا مسَرعا لما كان قائما بالأصل، إذن لأي مدى يمكن أن تصل هذه “الحرب الباردة” المفترضة؟ وما هي مكامن قوة الصين في مواجهتها؟

يبدو من خطوات الولايات المتحدة الأمريكية لغاية يومنا هذا أنها تسعى للضغط على الصين في ثلاثة مستويات: أولا الضغط على دول العالم والدول الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية كي تقلل الاعتماد على المنتوجات الصينية، أما المستوى الثاني فيتمثل في تخفيف التداخل بين الاقتصادين الأمريكي والصيني من خلال فرض الضرائب على الواردات الصينية للأسواق الأمريكية، ومن خلال محاولة تنويع مصادر “سلاسل توريد” الصناعات الأمريكية ونقلها إلى دول غير الصين أما الثالث فيتمثل في الضغط العسكري في بحر الصين الجنوبي ومحاولة تحجيم النفوذ الصيني العسكري في منطقة الملاحة البحرية الإستراتيجية تلك.

ويظهر من طبيعة هذه الخطوات أن مدى فعاليتها يتوقف على وجود إستراتيجية مواجهة واضحة، بالإضافة إلى وجود تحالف متفاهم وتحت ظل قيادة جاذبة، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد برعت في تأمين هكذا تحالف في “الحرب الباردة” ضد الاتحاد السوفيتي، بينما نجد في ظل إدارة دونالد ترامب اليوم، وبسبب إجراءاتها المنفرة للحليف قبل العدو، فرصة ضعيفة لقيام هكذا تحالف، وفي هذا الشأن نصت ورقة رسمية حديثة عنيت بشرح أسس الإستراتيجية الأمريكية الجديدة لمواجهة الصين على أن الهدف الأول للسياسة الأمريكية هو تقوية التحالفات والشراكات،6 وفي هذا الصدد يعَلِق كيشور ماهبوباني “Kishore Mahbubani”، الممثل الدائم لسينغافورا في الأمم المتحدة السابق والزميل في مؤسسة الأبحاث الآسيوية “Asia Research Institute”، بالقول: إن دونالد ترامب قد حضّر لهذه المعركة بطريقة فوضوية،

المشكلة الأساسية أن الولايات المتحدة الأمريكية قررت البدء في منازلة الصين – الحضارة الأقدم على وجه الأرض – دون صياغة إستراتيجية مفصلة حول الكيفية التي ستدير فيها هذه المنازلة أولا؛ إن هذا لأمر صادم فعلا.7 وتخْلُص مايرا راب هوبر “Mira Rapp-Hooper” في كتابها دروع الجمهورية إلى أن دونالد ترامب يُقطِّع أوصال تحالفات الولايات المتحدة الأمريكية مع حلفائها نتيجة ابتزازه الدائم لهم مقابل الحماية، وإنه يُنَفر الحلفاء بتقاربه مع الخصوم أحيانا، وإن من شأن هذه التصرفات أن تَهدم أصل فكرة وجود تهديدات مشتركة بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها معا.8 فهل يتغير هذا الوضع بعد الانتخابات الأمريكية القادمة إن نجح الديمقراطيون؟ وفي المقابل، إن نجح ترامب، فهل سيُغير من عقليته المادية؟ وهل يُعدِّل في طريقة تعامله مع حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن يكون قد تخلص من هاجس الفوز بدورة رئاسية جديدة؟

عموما، حتى في حال نجاح أمريكا بتشكيل حلف لمواجهة الصين بعد الانتخابات، فإن هذه المواجهة لن تكون بمثابة نزهة، فالصين أحسنت استغلال العقود الماضية، وانشغال أمريكا عنها بحروب غرب آسيا، فكبر اقتصاد الصين وتخطى اقتصاد اليابان ليصبح ثاني أكبر اقتصاد حول العالم بعد الأمريكي، والأسرع نموا بناتج قومي يصل إلى 14.14 ترليون دولار في العام 2019 بحسب “Nasdaq”. ويقول رئيس الوزراء السينغافوري لي سيان لون “Lee Hsien Loong”: إن دول شرق آسيا ترى في أمريكا قوة موجودة في المنطقة ولها مصالحها، ولكن الصين هي حقيقة موجودة في الجوار، وإن دول شرق آسيا لا ترغب في أن تُخير بين الاثنتين،9 ويضيف كيشور ماهبوباني “Kishore Mahbubani”: بأن الطلب الأمريكي من كوريا واليابان تقليص التداخل بين اقتصاديهما وبين الاقتصاد الصيني هو بمثابة انتحار اقتصادي.

ومن جهتها تتخوف أوروبا، الحليف الأقرب للولايات المتحدة الأمريكية، من الضغوط الأمريكية عليها لتقليص التداخل مع الاقتصاد الصيني، فبرغم اعتبار

أوروبا رسميا الصين “منافسا منهجيا”،10 وسعي دول الاتحاد الأوروبي إلى تنويع “سلاسل التوريد” من الصين، فإن مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوسيب بوريل “Josep Borrell” يقول: إن أوروبا لا ترغب بأن تُستدرج إلى حرب دونالد ترامب الشاملة على الصين، وأن أوروبا تملك سياستها الخاصة في هذا الخصوص، كيف لا؟ وعدة استطلاعات رأي ألمانية أظهرت مؤخرا اعتبار الألمانيين دونالد ترامب خطرأ أكبر على السلم الدولي من نظيره الصيني شي جِنْ بِنْغ، هذا لا يعود مستغربا إذا عرفنا مثلا أن صادرات ألمانيا إلى الصين بلغت 96 مليار يورو في العام 2019، وأن شركة الاتصالات الألمانية وصفت إجبارها على التخلي عن المعدات الصينية التي تستخدمها بسيناريو “هرمجدون”، وأن ذلك سيستغرق خمسة سنوات وسيكلف مليارات اليوروهات بحسب الشركة.11

وأكتفي بالإشارة إلى أن 14 دولة من أصل 20 من دول أمريكا اللاتينية قد انضمت مؤخرا إلى مبادرة الصين “الحزام والطريق”، وبحسب تعبير أحد الصحفيين الغربيين: إن أمريكا اللاتينية تتحول سريعا من “الحديقة الخلفية” للولايات المتحدة الأمريكية لتصير “الحديقة الأمامية” للصين.

وكي لا أطيل الحديث أيضا، أكتفي باستعارة ما قاله المؤرخ نايل فيرغسون ” Niall Ferguson” أمام جمعية هنري جاكسون ” the Henry Jackson Society”: حيث قال أنه عند التحدث عن التمويل في أفريقيا فإننا لا نجد إلا لاعبا وحيدا هناك وهو الصين.

أما على المستوى الدولي، فقد تجاوز حجم إقراضات الصين مؤخرا مجموع القروض التي قدمها البنك الدولي ونادي باريس مجتمعين بحسب إحصائيات مؤسسة كيل للاقتصاد العالمي “the Kiel Institute for the World Economy”.

تضع كل هذه الإشارات علامات استفهام على مدى قدرة نجاح أمريكا في الضغط على دول العالم لعزل الصين تجاريا سواء أكان ذلك في ظل قيام تحالف أمريكي أو بدونه، ويتضح هذا أكثر إذا أخذنا ربيبة أمريكا الكيان الصهيوني،

وحليف دونالد ترامب الأول بنيامين نتنياهو مثالا، فما يزال الكيان الصهيوني يتردد في فسخ العقود التي أبرمها مع شركة “هواوي” برغم الضغوط الحقيقية الأمريكية بهذا الاتجاه.

لكن يبقى لدى أمريكا ورقتا ضغط قويتان ضد الصين، تتمثل الأولى في فرض المزيد من الضرائب على البضائع الصينية والسعي لتقليص “سلاسل توريد” الصناعات الأمريكية من الصين، وهذا بلا ريب سيكون له الأثر السلبي على الاقتصاد الصيني، لكن في المقابل سيكون لهذا السعي انعكاسات سلبية على الاقتصاد الأمريكي ذاته، كما أنه يوجد أمام هذا التوجه عقبات عملية جدية أيضا، كيف لا والصين صارت بمثابة مصنع العالم بإجماع الخبراء تقريبا، فمثلا تستحوذ الصين على حوالي 80% من صادرات الدواء والمواد الأولية لصناعة العقاقير الدوائية إلى الولايات المتحدة الأمريكية،12 بل يذهب البعض إلى أن واردات المضادات الحيوية الأمريكية من الصين تصل إلى 97%،13 وفي رواية يُتندر بها في هذا السياق ما يُروى على لسان السفير الصيني في إيران أنه قال: إن الصين لو أوقفت صادرات الأحذية لأمريكا فإن الأمريكيين سيضطرون للمشي حفاة بعد أسابيع!14 وفي نفس هذا السياق أيضا، كانت أمريكا قد فرضت حظرا على بيع الشرائح الإلكترونية الأمريكية لشركة ز.ت.ي. الصينية “ZTE Corporation” في نيسان من عام 2018 فيما بات يعرف “بالحرب التقنية”، لكن كانت النتيجة أن زادت مشتريات كل من تايوان وفيتنام وتايلاند وأندونيسيا من الصين بنسبة %50 تقريبا في نيسان من عام 2020 مقارنة بنيسان 2019 بهدف تقليص الاعتماد على “سلاسل التوريد” الأمريكية بسبب الحظر الأمريكي، وأيضا سجلت اليابان وكوريا زيادة بنسبة عشرين بالمئة من وارداتها الصينية لنفس الهدف،15 ويلخص الأستاذ الجامعي كين مواك الأمر في مقاله بعنوان لماذا لا تستطيع الحرب التجارية ردع نهوض الصين؟ بالقول: “خلاصة القول، لا تستطيع الولايات المتحدة وقف نهوض الصين. وبالعكس من ذلك، يبدو أن المواقف المناهضة للصين قد عززت العملاق الآسيوي أكثر من ذلك، حيث تدفقت مبالغ ضخمة على

تصنيع الابتكار وتطوير الأسلحة وإنتاجها”.16 فإذن من يكون الخاسر الأكبر من أي حرب اقتصادية أمريكية على الصين؟ الصين أم أمريكا؟

أما الورقة الثانية فتتمثل بسيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على قنوات المال في العالم، وتحكّمها بعملة التجارة العالمية الدولار، مما يشكل مشكلة إستراتيجية لكل من الصين وباقي الدول الأخرى الساعية للتخلص من الهيمنة الأمريكية على حد سواء، سيما في ظل المبالغة الأمريكية في الآونة الأخيرة في استخدام سلاح العقوبات ضد خصومها، فلم يبقَ في جعبتها سلاح آخر فعلي قابل للاستخدام يكون أقل تكلفة على أمريكا، لكن رُبّ ضارة نافعة، فلكل فعل رد فعل، حيث أدت هذه المبالغة الأمريكية إلى استفزاز الدول الكبرى الأخرى كروسيا والصين، وباقي الدول الأخرى الساعية للتخلص من السطوة الأمريكية بإيجاد نظام مالي موازي للتبادل التجاري العالمي لتخطي تلك العقوبات الاقتصادية الأمريكية، وكان من ذلك اتفاقية الاستثمار والتبادل التجاري بالعملات المحلية التي وقعتها دول منظمة شانغهاي للتعاون ” Shanghai Cooperation Organisation” في آذار من هذا العام،17 بالإضافة للاتفاقيات السابقة بين الصين وروسيا للتبادل التجاري بالعملات المحلية، وبين الصين ودول أخرى على نفس المنوال، ويضاف إلى هذه الخطوات أيضا نظامي التحويلات البنكية الصيني “CIPS ” والروسي “SPFS ” اللذان تم تأسيسهما لتخطي نظام “SWIFT ” الأمريكي مما يؤمن لتلك الدول القدرة على تفادي العقوبات المالية الأمريكية،18 وتعد كل هذه الخطوات خطوات جذرية من شأنها إيجاد نظام مالي عالمي موازي للنظام الحاكم حاليا، إذا ما تابعها القيمون عليها بجدية وكُتب لها النجاح.

وفي الحقيقة يمكن بقدر ما إضافة ورقة ثالثة إلى الورقتين الآنافتي الذكر، تتمثل في قضية الإيغور وإمكانية توظيف أمريكا لهذه القضية في الضغط على الصين سياسيا أمام المحافل الدولية، وضمن حملات التشويه الإعلامية الممنهجة للصين مستغلةً الديباجة القديمة الجديدة التي تسميها أمريكا والغرب عموما قضايا

حقوق الإنسان، وبدرجة أخطر يمكن لأمريكا توظيف هذه الورقة عبر دعم الحركات الانفصالية المتطرفة الموجودة في ذلك الإقليم الصيني؛ تمويلا وتسليحا بهدف إثارة القلاقل الأمنية في الداخل الصيني سيما أن أمريكا كانت قد برعت في استعمال هكذا اساليب أمنية ضد خصومها في الماضي. لكن بخصوص قدرة أمريكا والغرب عموما على التوظيف السياسي لورقة الإيغور، يمكن الاستدلال بوجهة التصويت الذي حصل في تموز 2019 في مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، حيث كان قد سقط مشروع قرار لإدانة الصين على خلفية قضية الإيغور الذي كان مدعوما من 22 دولة غربية، بينما وقَّعت أكثر من 50 دولة رسالة مضادة تتهم فيها الدول الغربية بتسييس قضايا حقوق الإنسان وتثني فيها على إنجازات الصين في ذلك المضمار.

وأخيرا يبقى المستوى الأخطر، وهو الصدام العسكري المباشر بين العملاقين النوويين، سيما في ظل تحرشات البحرية الأمريكية المستمرة بالبحرية الصينية في بحر الصين الجنوبي، أو بسبب التجاذب الحاد بين كِلا القطبين حول تايوان بما يمثله تموضع هذه الدولة من أهمية إستراتيجية لهما, وتنقسم آراء الإستراتيجيين حول إمكانية حصول هكذا صدام مباشر بين متوقِّع أو مستبعِد،19 أما السياسيون الأمريكيون وبالتأكيد نظراؤهم الصينيون فيقولون أن هذا الخيار غير موضوع على الطاولة، ، فحتى لو تفوقت أمريكا على الصين عسكريا في بعض النواحي التكتيكية، يبقى التوازن العسكري الإستراتيجي بين القوتين النوويتين هو الحاكم، وعلى الأرجح أن ينسحب على قواعد هذا المستوى من الصراع ما هو قائم بين روسيا وأمريكا حاليا، ففي ظل عدم وجود تفوق إستراتيجي حاسم لأحد القوى النووية على الآخر يظل الردع النووي المتبادل هو سيد الموقف، فهل ستلجأ أمريكا إلى حرب يمكن لها أن تصل إلى صدام نووي من أجل المحافظة على هيمنتها؟

يُجمِع الحزبان الجمهوري والديموقراطي الأمريكيان على العداء لجمهورية الصين الشعبية، وعلى محاولة الضغط عليها سياسيا واقتصاديا، لكن الصين تدخل هذا المعترك متسلحة بنظام سياسي مميز يجمع بين اللينينية والرأسمالية، ويرتكز على التراث الصيني الضارب في التاريخ، إذ نجح هذا النظام في تفادي الأخطاء التي وقع فيها الاتحاد السوفيتي سابقا، والصين هي مساحة جغرافية ضخمة وكتلة

سكانية مهولة، ولدى شعبها روح وطنية عالية وقدرة كبيرة على الإبداع، وتملك اقتصادا ضخما وصاعدا يتداخل مع اقتصادات معظم دول العالم؛ معطوفا عليه شبكة تحالفات قوية مع دول عظمى كروسيا ودول صاعدة كإيران، ورؤية إستراتيجية مستقبلية تتمثل في مشروع “الحزام والطريق”، يضاف لكل هذا قوة عسكرية ونووية معتبرة، ويقول فرانسيس فوكوياما “Francis Fukuyama”: إن أول حضارة إنسانية أقامت دولة حديثة كانت الحضارة الصينية.20

بينما نرى الولايات المتحدة الأمريكية خارجة من إخفاقات إستراتيجية في حروبها في غرب آسيا، ونظام اقتصادي باتت قدرته على الاستمرار موضع تساؤلات، وفوضى داخلية بعد أدائها الهزلي في مواجهة العامل المسرّع “كوفيد-19″، وتراجع على الساحة الدولية بات لا يشكك في حقيقته أحد، فهل مع كل هذا يظل الحديث عن “حرب باردة” جديدة واقعيا؟ وهل فعلا يصح المقارنة بين الوضع الحالي بما كان عليه الحال فترة “الحرب الباردة” مع الإتحاد السوفيتي؟ ولعله فعلا يصح في الأحاديث عن حرب جديدة باردة مع الصين مقولة الشخصية الشيكسبيرية بانكيو “Banquo”: إنها قصة يحكيها أحمق، ملآة بالصخب والغضب، تشير إلى لا شيء.

وأخيرا، يبدو أن الصين مدركة لكل هذه الوقائع، لذلك كانت خطوتها يوم 30 حزيران 2020 بإضافة قانون الأمن القومي إلى القانون الأساسي الحاكم لوضعية هونك كونغ الخاصة،21 تلك الخطوة التي تأخرت 23 سنة تفاديا للصدام مع الولايات المتحدة ، والتي من شأنها وقف التدخلات الخارجية في إقليم هونك كونغ، تدخلات من قبيل منع التمويل الأجنبي للمنظمات الطلابية المعارِضة والمرتبطة بالولايات المتحدة الأمريكية، وجاءت هذه الخطوة كي تنزع من يد الأمريكي ورقة أخرى كانت لتكون شوكة في الخاصرة الصينية، ولكي تعلن وبشكل عملي عن تراجع الهيمنة الأمريكية في العالم، وعن محدودية الأوراق الأمريكية في مواجهة نمو الصين.

%d bloggers like this: