عن الصواريخ التي تَحرِم قادة إسرائيل من النوم: رسالة فريدمان إلى «عزيزه» بايدن

وليد شرارة

كتب وليد شرارة في عدد جريدة الأخبار ليوم الأربعاء 2 كانون الأول 2020 المقال الاتي:

عن الصواريخ التي تَحرِم قادة إسرائيل من النوم: رسالة فريدمان إلى «عزيزه» بايدن

الرسالة التي وَجّهها الصحافي الأميركي، الصهيوني العقائدي، توماس فريدمان، تستحقّ القراءة بتمعّن. هي لا تشبه مقالاته وكتبه المشحونة بأيديولوجيا تبشيرية، تشي بقناعاته الشخصية، التي كَذّبتها التطوّرات اللاحقة بمجملها. وغالب الظن أنه يتمنّى أن تُنسى سرديّاته المغفلة عن «العولمة السعيدة» وما ستحمله من إيجابيات وفوائد لشعوب العالم قاطبة، والتي جمعها في كتابين: «سيارة ليكسوس وشجرة الزيتون»، و«العالم مسطّح». هذه المرّة، وفي مقال بعنوان لافت، «عزيزي جو، لم يعد الأمر يتعلّق بالنووي الإيراني»، هو لا ينطق عن هواه. أراد فريدمان أن يخاطب الرئيس المنتخَب، وهو من مؤيّديه المتحمّسين ولديه علاقات وثيقة وتاريخية بالحزب الديمقراطي، نيابةً عن إسرائيل والمنظومة الداعمة لها في الولايات المتحدة، وليس مجرّد اللوبي، بتكليف منهما أو من دونه. المقال – الرسالة شديد الوضوح والصراحة، ويعزّز القناعة بأن جوهر المعركة الاستراتيجية الدائرة بين التحالف الأميركي – الإسرائيلي وأذنابه في المنطقة، وبين محور المقاومة، وفي القلب منه إيران، هو تطوير الأخيرة لقدراتها الصاروخية النوعية ومساعدتها حلفاءَها على القيام بالأمر عينه. بطبيعة الحال، فإن محاولة منع إيران من التطوّر علمياً وتكنولوجياً، خاصة في الميدان النووي، ونتيجة لخياراتها السياسية الاستقلالية، هي بين الأهداف المركزية للتحالف المعادي، وهو ما يؤكده استهداف علمائها ومنشآتها النووية، لكنه ليس الهدف الأول المدرَج على جدول أعماله. الصواريخ الدقيقة، أو «العامل المُغيِّر لقواعد اللعبة» حسب التعبير المستخدَم في عشرات التقارير الإسرائيلية والأميركية والغربية، هي الأولوية الأولى على هذا الجدول، ومن المرجّح أن تبقى كذلك بعد دخول بايدن إلى البيت الأبيض.

لو تَجرّأ كاتب أو خبير عربي على القول إن البرنامج الصاروخي الإيراني يَحرم الخبراء العسكريين الإسرائيليين من النوم، لانهال عليه التقريظ والتسخيف من قِبَل «جيوش الخبراء والمحلّلين» العرب «الواقعيين»، باعتباره «بوقاً إعلامياً» للممانعة. لكنّ هؤلاء لن يتجرّأوا على معاملة صديقهم، وفي حقبة سابقة مرجعهم، توماس فريدمان، بالطريقة إيّاها عندما يكتب أن «ما سيعترف به أمامكم بعض الخبراء العسكريين الإسرائيليين هو أن امتلاك إيران لسلاح نووي ليس ما يُبقيهم مستيقظين طيلة الليل، لأنهم لا يعتقدون أن طهران ستستخدمه، لأن ذلك سيكون انتحاراً، والزعماء الدينيون في إيران ليسوا انتحاريين. ما يُقلقهم هو أسلحة إيران الجديدة المفضّلة، أي الصواريخ الدقيقة التي استخدمتها ضدّ السعودية، والتي تواصل محاولة تصديرها إلى وكلائها في لبنان واليمن وسوريا والعراق، ما يشكّل تهديداً قاتلاً لإسرائيل والسعودية والإمارات والقوات الأميركية في المنطقة». لا يَتردّد المنظّر الصهيوني – الأميركي في وصف هجوم أبقيق، الذي استهدف صناعات النفط السعودية بصواريخ مُوجّهة دقيقة ومسيّرات، وفقاً لزعمه، والذي يتّهم إيران بالمسؤولية المباشرة عنه، بـ«بيرل هاربر الشرق الأوسط»، ويرى أن هذه المنطقة أعيد تشكيلها من خلال الصواريخ الإيرانية والردود الأميركية والإسرائيلية والخليجية عليها. هو يَخلُص إلى أن الرئيس الأميركي الجديد سيواجه ضغوطاً هائلة لعدم العودة إلى الاتفاق النووي بصيغته الأصلية، ولإدراج البرنامج الصاروخي في المفاوضات مع إيران، وتوظيف «ورقة القوة» التي تُمثّلها العقوبات القاسية المفروضة عليها لإلزامها بتقديم تنازلات حوله.

ربّما ينبغي التذكير بأن البرنامج الصاروخي الإيراني لم يكن قد وُضع تحت المجهر في الفترة التي تمّ التوقيع خلالها على الاتفاق النووي مع إيران. تقدير الموقف الذي استندت إليه إدارة باراك أوباما عندما وافقت على الصيغة الأصلية لهذا الاتفاق، كان يَفترض أن إيران تعاني بسبب ما يشبه الحصار الدولي المضروب حولها آنذاك، وأنها تُستنزف في سوريا والعراق، وأن هذه الظروف تُوفّر فرصة سانحة للتفاهم معها، وهي ليست في أوج قوتها. غير أن المتغيّرات الكبرى التي شهدتها الساحة السورية بعد التدخل الروسي في أيلول/ سبتمبر 2015، أي 3 أشهر بعد توقيع الاتفاق، وما تلاها من عملية نقل لقدرات عسكرية وصاروخية نوعية إلى سوريا، والالتفات الإسرائيلي والأميركي إلى تسارع تطوير البرنامج الصاروخي في إيران، قد تكون من أبرز العوامل التي تُفسّر تباطؤ رفع العقوبات التي نصّ عليها الاتفاق، والحؤول دون قيام شركات ومؤسسات غربية وغير غربية بالانفتاح على هذا البلد والاستثمار فيه، بسبب تحذيرات وضغوط أميركية مبطّنة وأحياناً علنية.

هذه المتغيّرات العسكرية والتكنولوجية والميدانية هي التي حدت بدونالد ترامب وفريقه إلى الانسحاب من الاتفاق واعتماد «الضغوط القصوى» ضدّ طهران، من دون النجاح في وقف النموّ الكمّي والنوعي للترسانة الصاروخية لديها ولدى حلفائها. كيف سيتعامل بايدن وإدارته مع الوقائع «العنيدة» والمغايرة لتلك التي سادت في فترة توقيع الاتفاق النووي؟ المؤكد هو أن أنصار إسرائيل الوازنين في هذا الفريق وخارجه وفي مختلف مؤسسات الدولة الأميركية، أي المنظومة الداعمة لها، سيبقون بدورهم مستيقظين طيلة الليل إن اضطرّوا لذلك، لحمل الرئيس المنتخَب على التشدّد حيال برنامج إيران الصاروخي، الذي يفضي نموّه المستمرّ إلى تحوّل تدريجي في موازين القوى لغير مصلحة إسرائيل والهيمنة الأميركية في منطقتنا.

فيديوات ذات صلة

%d bloggers like this: