قراءة في كلمة الرئيس بشار الأسد في مشاركته في الاجتماع الدوري لوزارة الأوقاف في سورية

زياد حافظ

See the source image

استوقفنا عنوانان في الصفحة الأولى لصحيفة «واشنطن بوست» الأميركية الصادرة في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2020: العنوان الأول: «الإنجيليون يسيّرون ترامب ما يعني فشل الدين»، والعنوان الثاني: «شرعنة المخدرات». العنوانان يمثلان الذهنية القائمة في الولايات المتحدة عند النخب وخاصة عند من يسوّق لليبرالية. وهذا الموضوع بالذات تناوله رئيس الجمهورية العربية السورية الدكتور بشار الأسد في كلمته لمجمع العلماء والعالمات (التشديد على العالمات كان من الرئيس السوري) في افتتاحية الاجتماع الدوري لوزارة الأوقاف. لم يكن المقصود الردّ على ما أتت به الصحيفة لأنّ كلامه سبق ما صدر فيها بل لأنه ربط الموقف السياسي بالبعد الثقافي والمجتمعي لما يمثّله الدين بشكل عام والإسلام بشكل خاص والعروبة والعلاقة بينهما واللغة العربية والقضايا المرتبطة بكلّ ذلك في السجالات التي تدور في الفضاء الثقافي. فلماذا نعتبر كلمة الرئيس في غاية الأهمية في هذه الظروف ومن خلال المنصة التي اختارها؟

السبب الأول هو أنه لأول مرّة نشهد مقاربة من شخص يعتلي أعلى موقف في المسؤولية السياسية أيّ الحكم ويقدّم مقاربة حول ترابط العديد من القضايا الثقافية الفكرية بالسلوك الفردي والجماعي وبالسياسة وبشكل دقيق يتجاوز تعداد العناوين العريضة. فالمواضيع التي تناولها الرئيس بشار الأسد تشمل السياسة والثقافة والدين والمجتمع والفكر كما طرح الإشكاليات المتعدّدة وكيف تنعكس على السياسة. ولم يكتف الرئيس بالتوصيف والتشريح بل رسم الخطوط العريضة لمعالجة الإشكاليات التي تكلّم عنها وجميعها تستحق النقاش المعمّق. وبالتالي أن تأتي هذه المقاربة عن مسؤول يعني أنّ القيادة لمشروع عربي نهضوي موجودة في أعلى هرم المسؤولية وأنّ التجدّد الحضاري هو سينتج عن المقاربات التي يقوم بها المجتمع العربي والإسلامي لكافة قضايا العصر. هذه النقطة في رأينا في بالغ الأهمية خاصة وأنّ الأمة مستهدفة بكلّ ما يكوّنها من مجتمع ودولة وثقافة وحضارة وخاصة في ما يتعلّق بالدين واللغة والموروث الحضاري والفكري. فالحروب التي شُنّت على هذه الأمة منذ قرون عديدة ما زالت قائمة ولم تفلح حتى الآن في محو هذه القوّة الذاتية التي تقاوم الاحتلال والاغتراب.

السبب الثاني هو أنّ الكلمة أتت دون قراءة لنصّ ما وبتسلسل ما يدلّ على عمق الاستيعاب لمجمل القضايا الشائكة وبالتالي تسكنه. كما أنّ إشاراته المتعدّدة لوسائل التواصل الاجتماعي وما يدور من سجالات فيها يدلّ على أنه ليس منقطعاً عن واقع المجتمع. بعض القضايا التي عرضها كالهجوم على القرآن الكريم كالوصف بأنه منتوج سرياني هو هجوم موجود في تلك وسائل التواصل الاجتماعي وقد اطّلعنا عليها. وفي هذه الكلمة عبّر الرئيس عن قناعات عميقة يستطيع المرء من خلالها فهم كيفية التفكير وكيفية المقاربة وبالتالي المواقف التي يتخذها. فهي إحدى المفاتيح لقراءة تفكيره ومواقفه والضوابط والخطوط الحمر التي لن يتجاوزها. فالعروبة خط أحمر وليس شعاراً بل ممارسة لهوية جامعة.

السبب الثالث هو أنّ جوهر كلمة الرئيس السوري يجسّد أدبيات التيّار العروبي الواسع والموجود في مخرجات المؤتمر القومي العربي ومنشورات مركز دراسات الوحدة العربية. وهذا ليس مستغرباً أن يكون كذلك الأمر في سورية وقيادتها بل هو أمر طبيعي بينما العكس لن يكون ذلك، أيّ أن يكون على قمة الهرم السياسي في سورية إلاّ من يجسّد الروح العروبية. فهذه هي سورية قلب العروبة النابض والتي استهدفها العدوان الكوني عليها خشية من تلك العروبة. ويأتي كلام الرئيس ليحسم فكرياً وسياسياً جدلاً عبثياً في الفضاء الفكري والسياسي حول العلاقة بين العروبة والإسلام. فالعديد من المثقفين العرب حاولوا في مراحل مختلفة وضع العروبة في وجه الإسلام كما حاولوا تسويق الهويات الفرعية على حساب الهوية الجامعة. فجاء كلام الرئيس السوري ليدحض كلّ ذلك ويعتبر ألّا تناقض بين هوية العائلة والقبيلة والمدينة والمنطقة والإقليم مع الهوية العربية الجامعة لكلّ تلك المكوّنات. وهذا هو متن الخطاب العروبي للمؤتمر القومي العربي ومن يؤمن بالمشروع النهضوي العربي. فهذه العروبة الجامعة تحلّ المشكلة المصطنعة للأقلّيات التي أدخلتها الحقبة الاستعمارية منذ القرن التاسع عشر.

هذه الملاحظات تستدعي التوقف عند النقاط العديدة التي أثارها الرئيس في حديثه إلى مجمع العلماء والعالمات كما شدّد في بداية كلمته. والنقاط العديدة أثيرت في سياق خط بياني واضح. فالحرب التي تخوضها سورية حرب متعدّدة الأوجه منها ما يمسّ بتماسك المجتمع ويضعف صموده. والتماسك المجتمعي مهدّد إذ الهجوم يستهدف مقوّمات ذلك التماسك وهي الهوية من جهة والدين من جهة أخرى والعلاقة بينهما. ومقاربة الرئيس السوري كانت لها عدّة أبعاد بدءاً بالفكر وثم بالسياسة وتداعياتها على قدرة المواجهة وعلى المستقبل. واستند في المقاربة إلى مخزون فكري وفقهي في آن واحد إضافة إلى ربط ذلك بالخيار والموقف السياسي.

لن نستطيع في هذه المقاربة تناول كلّ الأفكار التي أتى بها الرئيس السوري في كلمته لضيق المساحة أولاً ولأنّ العديد منها يستحق مقاربات منفصلة كحديثه عمّا سمّاه بالليبرالية الحديثة مثلاً أو حول أصول اللغة العربية أو حتى دور الإسلام في بلاد الشام. لذلك سنتناول بعضها لما نعتبره من أساسي في فهمنا لكلمته.

في البداية، الخط البياني للكلمة هو تشخيصه لطبيعة المواجهة التي فُرضت على سورية عبر العدوان الكوني عليها. لم يكرّر أسباب العدوان ومن اشترك وما زال في ذلك العدوان لكنه أراد أن يركّز في تشخيصه للمشهد على استهداف المجتمع في سورية. وأحد محاور الاستهداف هو عبر الهجوم على مكوّنات الوعي أيّ الدين واللغة في بعديهما التاريخي والمستقبلي وفي دورهما في تماسك المجتمع. ومن هنا تأتي أهمية المنصة التي اختارها لدحض الكثير من الاتهامات التي وجّهت لبنية الدولة والمجتمع ليس فقط من قبل الخصوم والمتشدّدين الذين استعملوا الدين كوسيلة لأهداف سياسية لا علاقة بالدين بل للذين اعتبروا أنّ الحداثة هي عبر نقض الدين في المجتمع والدولة. والرسالة التي أراد إرسالها هي التكامل بين الدين والدولة عندما تكلّم عن «العلمانية» وبعض المفاهيم المغلوطة التي يتمّ ترويجها وعن إمكانية إخراج الدين من الدولة. فهذا لن يحصل إلاّ إذا تمّ إخراج الدين من المجتمع. وبما أنّ مقاربته للأمور تفيد بأنّ الدين ضرورة لتماسك المجتمع فإنّ ذلك يعني أنه لا يجوز وضع الدين في قفص الاتهام كعائق لتنمية المجتمع لأنه قاعدة أساسية لتماسكه وبقائه. وتشديده على الدور الذي يقوم به مجمع العلماء والعالمات هو لتثبيت تلك العلاقة ودحض أيّ فكرة أنّ الدولة القائمة في سورية هي ضدّ الدين كما يروّج له خصومها أو كما يعتقد البعض من «المتحرّرين» أو «العلمانيين». من جهة أخرى نفى مزاعم جماعات التعصّب والغلو والتوحّش بأنها تمثّل الإسلام. فهذه الجماعات ترتكب الكبائر المحرّمة في الدين وذلك عبر قتلهم للأبرياء والتمسّك بالطقوس على حساب المقاصد. وتشديده على المقاصد كان لافتاً لأنّ ذلك يعكس فهمه للإسلام وتمسّكه به والمختلف عن التفسيرات الضيّقة والحرفية والخارجة عن السياق.

صحيفة «واشنطن بوست» في عنوانها عن «فشل الدين» تنتمي إلى تيّار ليبرالي انتقده الرئيس السوري. استفاض الرئيس في كلمته عمّا سمّاه بـ «الليبرالية الحديثة» التي تهدف إلى سلخ الإنسان عن هويته ليس فقط بالمعنى السياسي أو الثقافي بل أيضاً من هويته الجنسية أو الجندرية كما سمّاها (الجندرية تعريب لكلمة «جندر» الإنكليزية التي تشير إلى جنس المرء من ذكر أو أنثى). وهذا يتنافى مع موروثنا الثقافي والديني. فكيف يمكن للمرء أن «يختار» هويته الجندرية بينما الطبيعة هي التي تقوم بذلك؟

وأوضح أنّ الليبرالية الحديثة تنقض مفهوم مرجعية الجماعة وتريد نقلها إلى مرجعية الفرد ما يسهل نزع الهوية وما تمثّلها. فمرجعية الفرد مدمّرة للمجتمع عبر تدمير الوحدة الأساسية له وهي العائلة ومن ثم القبيلة وأو العشيرة ومن ثم الوطن. كما تدعو تلك الليبرالية إلى تعميم ما هو مناف للأخلاق والصحة العامة كالدعوة لتعميم المخدّرات كما ذكر الرئيس وكما جاء في عنوان آخر في الصحيفة الأميركية، وهي إحدى الأبواق البارزة لليبرالية وتدّعي ذلك بدون خجل. فالدين غير مقبول عند هؤلاء الليبراليين الحديثيين على حدّ قوله خاصة لدوره في المجتمع. في هذا السياق يفتح الرئيس، سواء قصد ذلك أو لم يقصد، باب التفكير بالموروث الثقافي المستورد من الغرب. الرئيس الروسي بوتين انتقد الديمقراطية المستوردة والرئيس السوري انتقد الثقافة المستوردة. ونحن ندعو إلى بناء منظومة معرفية عربية منبثقة عن موروثنا الثقافي مع التمسك بالمخزون العلمي الذي كوّنه العالم عبر القرون.

الهجوم على الدين في المجتمع السوري، واستطراداً في المجتمع العربي أجمع، يأتي عبر كتابات تشكّك في مكوّنات الشرع الإسلامي بدءاً بالقرآن الكريم وثم في الحديث ووصولاً إلى الفقه. وحرص الرئيس السوري أن يربط بين الحالة السورية التي يعتبرها متقدّمة في هذا المجال وبين حالة العالم الإسلامي التي اعتبرها متراجعة، فسورية هي جزء من العالم الإسلامي ولها مكانتها المميّزة تاريخيا، في الماضي، والحاضر، والمستقبل. فهو حريص على الحفاظ على تلك المكانة وهذه هي إحدى مهام مجمع العلماء والعالمات. وفي ما يتعلّق بالقرآن الكريم أشار الرئيس إلى ما يتمّ تداوله في وسائل التواصل الاجتماعي حول «سريانية» القرآن. هذه إحدى الاتهامات وليست الوحيدة ولكن نكتفي بما ذكره الرئيس السوري. والمقصود في «سريانية» القرآن، أنّ القرآن الكريم مؤلّف منقول وليس من كلام الله الذي أوحى به إلى الرسول الأكرم. والتشكيك بالقرآن الكريم هدفه ضرب عصفورين بحجر واحد. الأول هو ضرب أساس الإسلام والثاني ضرب العروبة. صحيح أنّ العروبة موجودة قبل الإسلام ولكن على حدّ قول علماء آسيويين أشار إليهم الرئيس السوري في كلمته أنهم لا يتصوّرون الإسلام خارج العروبة. ونحن نقول إنّ العروبة مفتاح لفهم الإسلام كما أنّ الإسلام مفتاح لاكتشاف العروبة. ولا يغيب عنّا أدبية أحد مؤسّسي حزب البعث الأستاذ ميشال عفلق في محاضرته الشهيرة «في ذكرى الرسول العربي» حيث قال: «فالإسلام هو الهزة الحيوية التي تحرّك كامن القوى في الأمة العربية فتجيش بالحياة الحارة، جارفة سدود التقليد وقيود الاصطلاح. مرجعة اتصالها مرة جديدة بمعاني الكون العميقة، ويأخذها العجب والحماسة فتنشأ تعبّر عن إعجابها وحماستها بألفاظ جديدة وأعمال مجيدة، ولا تعود من نشوتها قادرة على التزام حدودها الذاتية، فتفيض على الأمم الأخرى فكراً وعملاً، وتبلغ هكذا الشمول.»

من هذه الزاوية انتقل إلى الهجوم الآخر على الدين وهو التشكيك باللغة العربية فقدّم مطالعة سريعة حول أصول اللسان العربي وعلاقته بالسريانية والآرامية. ومن جهة أخرى اعتبر الاجتهاد الفقهي إنجازاً مشكوراً للفقهاء الذين قدّموا التفاسير والاجتهادات ولكن كانت مبنية على أرضية معرفية غير التي هي موجودة اليوم. لكنه رفض تقييم تلك الاجتهادات بمعايير الحاضر لبيئات مختلفة في الماضي لما يحمل ذلك من إجحاف بحق الفقهاء الذين قدّموا ما لديهم ضمن ظروفهم. لذلك اعتبر أنّ من مهامّ مجمع العلماء والعالمات الذي يمثل أمامه هو تقديم اجتهادات متماهية مع شؤون العصر دون بالضرورة ترك الموروث الفقهي. نعتقد أنّ هذا موقف في غاية الأهمية ولكنه شائك لأنه يفتح باب عصرنة الفقه في عصر معادي للدين بشكل عام وللإسلام بشكل خاص. فالتمسّك بالموروث الفقهي من تماسك المجتمع المسلم عبر القرون وبالتالي يجب الانتباه والحذر من الشروع في اجتهادات قد تكسر ذلك التماسك. وبالنسبة لنا التماسك هو عنصر استراتيجي في عصر التجزئة والتفتيت. كما يجب الحذر من الوقوع في إنشاء فقه الدولة التي تتغيّر مع الظروف وبالتالي يهدّد بتماسك الفقه والشرع.

كما ذكرنا أعلاه ليس بمقدورنا تفصيل كلّ ما جاء في كلمة الرئيس بشّار الأسد لضيق المساحة ولعمق الإشكاليات التي تتلازم مع الطروحات الفكرية التي ذكرها. من الواضح أنّ أمامنا قائد شاب ولكن مخضرماً وواسع الاطلاع بالتاريخ والثقافة وبأهمية التجدّد الحضاري عبر التمسّك بالهوية الجامعة التي تصون وحدة المجتمع كمرتكز لتحقيق وحدة الأمة. فلا تجدّد في رأينا في ظلّ الضعف ولا قوّة في ظلّ التجزئة. كما أنّ المعركة ليست سياسية فحسب بل مجتمعية وثقافية وحضارية. هذا ما خرجنا به بعد الاستماع للكلمة مع الشعور بالاطمئنان حول مستقبل سورية ومستقبل الأمة العربية.

*كاتب وباحث اقتصادي سياسي

والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي

%d bloggers like this: