صبية السفارة….صيدا تصوّب البوصلة

See the source image

ابراهيم الأمين 

الخميس 17 كانون الأول 2020

«اللي بجَنبو مسلّة بتنعَروا»!

التسريبات عن دور الحكومات الغربية في رعاية «الأنشطة المدنية التغييرية» ليست جديدة. والمعلومات المتداولة كثيرة حول أدوار تفصيلية تقوم بها هذه الجهة أو تلك. وفي كل مرة، يلجأ المشار اليهم بعنوان «المتعاونين» مع هذه الجهات الدولية الى الاحتجاج، بعد إشهار ما يخص «تعاونهم»، سواء على شكل محاضر اجتماعات جرت معهم (وثائق الخارجية الاميركية)، أم على شكل خلاصات وتوصيات تشير الى أدوارهم (وثائق السعودية والامارات). مع ذلك، يمارس هؤلاء دفاعاً فيه حياء من يشعر بأنه بات من دون غطاء، إلى درجة تستحق الشفقة، كما هي حال معارضين سوريين (تحولوا إلى أدوات في معركة تدمير الدولة والمجتمع في سوريا) امتنعت «الأخبار» – عن سابق تصميم – عن نشر ما يتعلق بـ«تعاونهم» أيضاً، رغم أن تفاصيل ذلك باتت مباحة على موقع «ويكيليكس»!

لكنَّ ثمة أمراً غريباً يحصل منذ أيام في بيروت. لم تنشر «الأخبار» سوى الاطار العام للوثائق المسرّبة من جهات بريطانية حول برامج الدعم التي قدمتها حكومة صاحبة الجلالة الى «المتمردين» في لبنان. ما نُشر لا يُقارن بما نُشر سابقاً حول البرامج نفسها في سوريا، ولا يمثّل سوى رأس جبل الجليد في ملفات موثّقة، بصورة رسمية وغير رسمية، حول تفاصيل العمل البريطاني المستمر في لبنان منذ عقدين على الاقل، مع حرارة أعلى منذ نحو عقد. مع ذلك، ثارت ثائرة «صبية السفارة» ممن استشعروا «خطر» الكشف عن صلاتهم العميقة بهذا المشروع، وبادروا الى حملة ردود لها عنوان واحد: إذا كنا متّهمين بالعمالة للغرب، فأنتم عملاء لإيران… ما يعني عودة من جديد الى لعبة الأشقياء المحبّبة والتي لها عنوان واحد: «بيّي أقوى من بيّك»!

حقيقة الأمر تكمن في أن هذه المجموعات وعدت مشغّليها بكثير من الانجازات. أساساً، لم تتحمّل رؤوس هؤلاء أورام 17 تشرين عندما تخيّلوا أنفسهم أمام قصر الشتاء في لينينغراد، وهم الذين لم يتقدموا مرة واحدة صفوف الشباب المحتج. بل كانوا يتكلون، طوال الوقت، على «أطفال اليسار» أو «فقراء الضواحي وطرابلس». وإلا، هل في ذاكرة أحد خبر عن اعتقال أحد هؤلاء أو توقيفه أو ضربه من قبل جلاوزة السلطة؟ لم يحصل ذلك… ولن يحصل، لأن هؤلاء الصبية تعلّموا وتدرّبوا ليتولّوا إدارة البلاد، ولكي يُطلّوا منظّرين على الشاشات، خصوصاً «شاشات الثورة» التي اهتمت بها مشاريع صاحبة الجلالة ايضاً، تماماً كما تهتم بها اليوم مشيخة الامارات العربية المتحدة أو برنامج الدعاية الاميركية؛ إذ لم يعد سراً ما تدفعه دولة الامارات والولايات المتحدة لقنوات «الجديد» و«مر تي في» و«المؤسسة اللبنانية للإرسال» مقابل خدمات التحريض ضد حزب الله، حيث أمكن، وضد حلفاء الحزب، حيث يجب. ولن تكون مقدمة نشرة أخبار «الجديد» المليئة بالقبح والحقد والسفالة تجاه الرئيس ميشال عون، قبل يومين، آخر الأنشطة الثورية لهذه الموبقات الموجودة على شكل هياكل خراسانية أو بشرية!

المهم أن هؤلاء «الصبية» انزعجوا من فتح الملف فقط. وهم في حال قلق من المستور الذي لم يكشف بعد. وربما يدرسون، الآن، كيفية إعادة النظر في حساباتهم، لأنه عندما تُنشر أرقام الاموال التي حصلوا عليها، ستطرح الاسئلة في دوائرهم الضيقة، وعندما تُنشر البرامج سيسأل القريبون منهم عن حقيقة ما أنجز. إلا أن هذا القلق لم يجعل توترهم يقتصر على الهجوم الأعمى دفاعاً عن أنفسهم، بل دفعهم الى قطع «شرش الحياء»، لأنهم وجدوا أنه لم يعد هناك من داع للتبرؤ من الانتماء الطوعي الى مشروع له هدف واحد أحد: ضرب المقاومة في لبنان، سواء كان ذلك عبر تدمير الدولة بحجة مكافحة الفساد، أم تدمير المؤسسات بحجة أنها خاضعة لسيطرة حزب الله، وشن حملة إعلامية بأدوات مختلفة تحت عنوان الدفاع عن الحريات، من «تمكين المرأة» و«حقوق المثليين» الى «إدارة النفايات الصلبة» وتقليص حجم القطاع العام بحجة تطهيره من حشو أزلام السلطة.

ما نُشر حول تفاصيل العمل البريطاني في لبنان لا يمثّل سوى رأس جبل الجليد في ملفات موثّقة


هؤلاء الصبية لا يهتمون لبقاء شيء في لبنان، ويظهرون استعدادا لتدمير صروح من داخلها. ترى، مثلاً، كيف يتصرف «العلمانيون» الذي حصدوا الحكومة الطلابية في الجامعة الاميركية مع خطط فضلو خوري وبرامجه لتدمير الجامعة وتفريغها من أصحاب الرأي الآخر وإبعاد الخبرات الجدية ودفع كثيرين الى الهجرة، بحجة تقليص النفقات، وهو الذي لم يقل لنا ما هو حجم التبرعات التي حصلت عليها الجامعة لترميم ما دمره انفجار المرفأ من زجاج فيها. هل لأحد أن يسأل عن الرقم؟ ما يقوم به خوري في هذه المؤسسة بات يرقى الى مصاف التآمر على تدمير صرح كبير، لأنه صار واحداً من مجموعة تعتبر أن بيروت لا تستحق مؤسسة لها سمعة أكاديمية مقبولة، إلا في حال صمتنا عن سوء سمعتها الأخلاقية والسياسية، وامتنعنا عن التدقيق في طريقة إدارتها اليومية لشؤون العاملين فيها، علماً بأنه في الوقت نفسه الذي قرر فيه رفع الاقساط بنسبة 160 في المئة، وهو يعرف أن النتيجة تعني إبعاد ثلث الطلاب من ذوي الاصول الاجتماعية المتوسطة، أطلق معركة في وجه العاملين بعقود مع الجامعة (غير المتفرغين)، أي ممن لا يتقاضون راتباً شهرياً مع بدلاته وضرائبه. فوضع ميزانية لهم تجعل عملهم أقرب الى السخرة، صارفاً لهم زيادات لا تتجاوز قيمتها ثلاثين دولاراً، فيما يوقّع عقوداً خاصة لمن يعملون على العلاقات العامة بآلاف الدولارات الطازجة شهرياً. أكثر من ذلك، فقد قرر تعديل آلية احتساب مداخيل العاملين لديه من حملة الجنسية الأميركية، بقصد رفع نسبة الضريبة على دخلهم، والنتيجة، أنه يحتسب الدخل على أدنى سعر للصرف، بينما يدفع للحكومة الأميركية ضرائب أكبر… لكن بالدولار الطازج نفسه.

«صبية السفارة» هؤلاء «يصادف» أنهم تلامذة وأساتذة ومتعاونون ومتعاملون وخبراء في «دكانة فضلو خوري وشركاه». وهؤلاء يريدون اليوم نقل المواجهة الى مستوى جديد، لكنهم لا يزالون يخشون إشهار علاقتهم بالغرب الاستعماري، ويرفضون الإقرار بأنهم يعملون عنده وفي خدمة أهدافه. ولو كان بينهم من يملك شجاعة القول لخرج علينا ليقول: نحن أحرار في اختيار الدولة التي نتأثر بأفكارها، وفي اختيار الجهات والحكومات التي نعمل وفق برامجها، وفي تلقّي الأموال من دون الحاجة الى شروحات أو توضيحات أو تبريرات.

لكن مهلاً. هل تعتقدون أنكم إذا رفعتم صوت صراخكم فستوقفون عملية فضحكم، أو أن ذبابكم الإلكتروني قادر على غسلكم من عار التآمر على أبناء بلدكم والمشاركة في ارتكاب أفظع الجرائم في حقهم، والتورط في أكبر عملية إعداد لأكبر عدوان وحشي يعدّ له الغرب على لبنان، أو أن كل برامجكم عن محاربة الفساد والدفاع عن الحريات ستؤهلكم لقيادة البلد… اللهم إلا إذا كان ارتفاع معنوياتكم سببه رأفة «أهل الأمر» بكم، أو لأنكم تشعرون بـ«وهم القوة» لأن مموّليكم في عواصم القبح قد أشهروا علاقتهم مع العدو؟

مشكلتكم أنكم مجرد صبية. لكن لم يتح لكم اللعب في أحياء طبيعية. لذا لا تجيدون الركل ولا حتى السباب. كل ما تعرفون القيام به، هو تقمّص شخصية الرجل الأبيض الذي حبذا لو تجيدون سماعه في تقييم أحوالكم كمجرد فقراء العقل وحقيري الأنفس!

البناء
صيدا تصوّب البوصلة

في خطوة غير عاديّة رغم كونها تعبيراً هو الأقرب لتاريخ هذه المدينة العريقة في نضالها الوطني والقومي، فصيدا هي ذات موقع وبصمة في كل تاريخ النضال لأجل فلسطين وهي عرين المناضل الوطني والقومي الشهيد معروف سعد ومن بعده نجله الشهيد مصطفى سعد، لكن السياق السياسي الراهن يجعل الموقف الاحتجاجيّ الفاعل الذي عطل زيارة السفيرة الأميركية الى بلدية صيدا ذا قيمة مختلفة، والإعلان عن إلغاء الزيارة من السفارة الأميركية لا تعوّضه صورة للسفيرة من القلعة البحريّة في ظل العواصف لمجرد القول إنها قبلت التحدّي وهي تعلم أن التحدّي كان ينتظرها وهربت.

قيمة الحدث بزاويتين جديدتين، الأولى أنه في زمن العقوبات الأميركية وانقسام الوسط السياسيّ بأغلبيته بين نصفين، نصف يتأقلم مع السياسات الأميركية ونصف يتفادى الظهور في الصفوف الأمامية للمواجهة، هذا بمعزل عن الذين يمثلون فرق التطبيل والتزمير للسياسات الأميركية، والاعتقاد السائد بأن الذين يقفون خارج كل ألوان هذا السياق جذرياً هم حكر على لون طائفي وعقائدي يتوسطه حزب الله، فتأتي المدينة الجنوبية التي كانت دائماً تمنح المقاومة بعدها الوطني والقومي بانتمائها الطائفي المختلف لتؤكد موقعها كعاصمة للمقاومة وتُعيد الكرة وتقول إن ليس للمواجهة مع السياسات الأميركية لوناً طائفياً.

الزاوية الثانية هي أن الذين قادوا الحراك بوجه السفيرة الأميركية لا ينتمون الى الخط العقائديّ الذي يمثله حزب الله، أي الخط الإسلامي، بل إنهم لا ينتمون الى أي من المجموعات الحزبية الكبرى التي تتصدّر المشهد الصيداوي، فالمجموعة التي نظمت التحرك هي مجموعة يساريّة قوميّة من الحزب الديمقراطي الشعبي الذي يمتلك في صيدا قاعدة نضالية متجذّرة وله حضور مميز في الحراك الصيداوي الذي مثل حضور صيدا في انتفاضة 17 تشرين ومن حوله مجموعات يسارية بعضها ينتمي للحزب الشيوعيّ وبعضها للتنظيم الشعبيّ الناصريّ.

نموذج حراك صيدا كما ظهر أمس يصوّب البوصلة الوطنية، في الرسالة التي يحملها للأميركيين، الذين ربما توهّموا أنهم نجحوا بترويض النخب اللبنانية والشباب اللبناني وهم يستقبلون عشرات نشطاء جماعات المنظمات «المدنية» طالبة التمويل، ومثلهم من الساسة التقليديين، وكذلك يصوّب الحراك الصيداويّ البوصلة في شأن الحراك نفسه فيقدّم نموذجاً لقيادة شعبيّة ميدانيّة فاعلة في الحراك تدرك حجم الترابط بين النضال لأجل التغيير وبين التمسك بخيار المقاومة.

مقالات ذات صلة

<span>%d</span> bloggers like this: