أنيس النقاش: جدليّة الاستراتيجيا والإيديولوجيا

سيف دعنا

سيف دعنا 

الميادين

25 شباط 15:50

لم يكن أنيس يحلم باليوم التالي لتحرير فلسطين فحسب، بل كان يعرف أيضاً، أنه قادم حتماً.
لم يكن أنيس يحلم باليوم التالي لتحرير فلسطين فحسب، بل كان يعرف أيضاً، أنه قادم حتماً.


الاشتباك في حالة أنيس النقاش ومن سبقه وعاصره من رجال بذلوا أنفسهم من أجل فلسطين في مواجهة الصهيوني والإمبريالية الغربية هو وعي الأهمية لأن تصبح المقاومة حقلاً معرفياً قائماً بذاته.

“تكليفنا لا يقتصر على قتال إسرائيل، تكليفنا هو الانتصار عليها” (الشهيد عماد مغنية).

قبل أكثر من 100 عام بقليل، وتحديداً في تمام الساعة 9:40 من مساء السادس من تشرين الثاني/نوفمبر 1917 (25 تشرين الأول/أكتوبر، بحسب التقويم اليولياني)، أطلق الطراد “أورورا”، الراسي حينها على ضفاف نهر نيفا الَّذي يقطع مدينة بطرسبورغ الروسية، رصاصة مدوية في الهواء. كانت تلك إشارة لأنصار البلاشفة بأمر الهجوم على قصر الشتاء. بعدها بدقائق قليلة، كانت فرق الجيش الأحمر تقتحم قصر الشتاء كالإعصار، ليدخل بعدها تاريخ الإنسانية والعالم مرحلة جديدة سيتغيّر معها العالم. 

بعد تلك الليلة بتسعة وثلاثين عاماً، في 26 تموز/يوليو 1956، ومن ميدان المنشية في الإسكندرية، أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس. في 9 كلمات فقط (“قرار من رئيس الجمهورية بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس”).

لم يكن الرئيس عبد الناصر يصدر الأمر للسيطرة على مكاتب “الشركة العالمية لقناة السويس” فحسب، بل كان يعلن بداية انقلاب العرب على اتفاق “سايكس بيكو” ووعد “بلفور” ومفاعيلهما، بفتحه الأفق والطريق للوحدة العربية كعملية تاريخية. هكذا كان إعلان المنشية إيذاناً بتحوّل فكرة الجماعة العربية والأمة العربية لقوة تاريخية فعلية ومضادة للاستراتيجية الاستعمارية القائمة على التجزئة. 

 بعدها بتسعة عشر عاماً (وأكثر من نصف قرن على رصاصة الطراد أورورا)، وتحديداً في 29 نيسان/أبريل 1975، أعطى الجنرال الفيتنامي فان تاين دونغ الأمر للجيش الشعبي الفيتنامي باقتحام سايغون. بعدها بيوم واحد فقط، كان العالم يشاهد مذهولاً اقتحام دبابات الفيتكونغ لبوابات القصر الرئاسي في سايغون، كإعلان صارخ لهزيمة الإمبراطورية الأعتى في التاريخ (والثالثة بعد فرنسا واليابان).

 بعد ذلك اليوم بخمسة وعشرين عاماً، وتحديداً في 25 أيار/مايو 2000، وفي نهاية مشهد مذلّ من الانسحاب الفوضوي لطّخ سمعة كلّ عسكري صهيوني إلى الأبد، أغلق ضابط صهيوني مهزوم ومكسور الروح اسمه بيني غانتس بوابة فاطمة في جنوب لبنان، ظناً منه ومن حكومته أن باباً حديدياً يمكنه أن يوقف مفاعيل تلك الهزيمة المُرَّة عند تلك النقطة، لكن ذلك اليوم وتلك الهزيمة المُرة والأولى في تاريخ الصراع العربي- الصهيوني أسست لمسار يقوده الأمين لحزب الله السيّد حسن نصر الله بعبقرية، وبَشَّرَنا بخاتمته بصلاة العرب في الأقصى الراحل أنيس النقاش في مقاله “اليوم التالي للصلاة في الأقصى”.

أنيس المثقّف المشتبك: جدليّة الفعل والفكر

خلف كلّ تلك المشاهد العظيمة والمدهشة التي غيّرت وستظلّ تغيّر العالم، فكرة ونهج تفكير عرفه الراحل أنيس النقاش وأتقنه جيداً، ولخّصه سيد المقاومة في ذلك اليوم العظيم من أيار/مايو بكلمتين: “مصيرك بيدك”، فخلف كلّ تلك المشاهد التي تختصر وتختزل جوهر حركة التاريخ وتغييره كانت جدلية الفعل والفكر، ديالكتيك الممارسة والنظرية. 

وليس غريباً أنها تجلَّت أولاً، وبوضوح، في مشهد الثورة البلشفية، فمع فلاديمير لينين فقط، يقول الفيلسوف الفرنسي لوي التوسير في “لينين والفلسفة”: “يمكن للعبارة النبوءة في الأطروحة الحادية عشرة لـ (الفيلسوف الألماني) لودفيغ فيورباخ أن تكتسب أخيراً الشكل والمعنى: حتى الآن، قام الفلاسفة بتفسير العالم بطرق مختلفة، بينما الهدف هو تغييره”، فزعيم الثورة البلشفية تجاوز معرفة ماهية الفلسفة إلى معرفة ماهية ممارسة الفلسفة، تجاوز النظرية للفعل والممارسة. هكذا أصبحت الماركسية عند لينين السياسي والقائد ممارسة (جديدة) للفلسفة، وهو ما لم يغير الفلسفة فحسب، ولكن غيّر العالم أيضاً في تشرين الأول/أكتوبر 1917.   

لهذا السبب بالضبط، يجادل التوسير بأنه مهما حاول أحد الإيديولوجيين دفنه (أي لينين) تحت دليل من التحليل التاريخي، فسيظل هذا الرجل يقف دائماً على سهل التاريخ والحياة، وسيواصل الحديث بهدوء أو بحماس. سيواصل الحديث عن شيء بسيط: “عن ممارسته الثورية وعن ممارسة الصراع الطبقي. سيواصل الحديث عما يجعل من إمكانية الفعل في التاريخ. وليس ذلك لإثبات أن الثورات حتمية، ولكن لجعلها (حقيقة) في حاضرنا الفريد”.

أنيس النقاش، المثقف المشتبك بامتياز، أدرك ذلك جيداً، فالاشتباك الثوري، كما هو في حالة المثقف المشتبك، من تشي غيفارا إلى وديع حداد، ومن عماد مغنية إلى غسان كنفاني، هو ديالكتيك الفعل والفكر في أرقى صوره على الإطلاق. 

الاشتباك، كما عرفه أبطال المقاومة، ليس الاشتباك الثقافي البحت مع مثقفي الطرف الآخر في صفحات الجرائد والمجلات أو في شاشات التلفزة فحسب، ولا حتى مجرد تسخير للمعرفة والثقافة المكتسبة في الأكاديميات والجامعات في خدمة النضال السياسي والقضايا الكبرى. 

الاشتباك في حالة أنيس النقاش ومن سبقه وعاصره من مقاومين عرب من أجل فلسطين في مواجهة العدو الصهيوني والإمبريالية الغربية هو وعي الأهمية الفائقة لأن تصبح المقاومة حقلاً معرفياً (علم المقاومة) قائماً بذاته فعلاً، مختبره الميدان الفعلي للمواجهة، وأن تصبح المقاومة أيضاً مادة المعرفة الأولى والأخيرة والهم الدائم للمثقف التي يختبرها بنفسه ومباشرة في الخنادق والدشم والمتاريس وبين أزيز الرصاص. 

في حواره مع صقر أبو فخر، عبّر النقاش عن هذه الفكرة بوضوح لا لبس فيه: “بدأت بالفعل البحث عن مجالات سياسية تلبي رغبة الفاعلية والجهد المباشر. وأكثر ما كان يضايقني، حتى الآن، قلة الفاعلية أو انعدامها، أي من يقول ولا يفعل، لأن أي قول، لكي يكون ذا أثر، يجب أن يقترن بالعمل المباشر، وإلا أصبح كلاماً وتنظيراً فقط، ولا سيما في القضايا الكبرى مثل الدفاع عن العدالة”.

الأهم من كل ذلك، أنّ أنيس لم يكن مثقفاً فقط، كما لم يكن مقاوماً فقط، بل جمع الصفتين، فكان لما يقوله كمثقف مشتبك وزن أكبر بكثير من أي قائل آخر لم يعرف المقاومة في الميدان، مهما كانت مستوى ثقافته، فلم يكن لمثقف غير مشتبك، مهما كانت درجة ثقافته فعلاً، أن يعرف متى يعطي إشارة اقتحام قصر الشتاء، أو تأميم قناة السويس، أو اقتحام سايغون، أو طرد الصهاينة وهزيمتهم في لبنان. لم يكن لأيّ مثقّف غير مشتبك، مهما كانت مستوى ثقافته، أن يتحدث بالثقة المطلقة والقناعة الحاسمة التي تحدث بها أنيس النقاش عن حتمية تحرير فلسطين، فالمعرفة في القضايا الكبرى تشترط انخراط المثقف في ميدان المواجهة المباشرة، ولا يمكن تحصيلها في الأكاديميات التقليدية. 

كانت هذه الفكرة لوحدها دليل أصالة روح أنيس المقاومة وصدق انتمائه المطلق إلى مشروع تحرير فلسطين، ففي عُرف أنيس النقاش، وفي عرف المقاومة، كل مقاوم لا يؤمن حتى النخاع بحتمية تحرير فلسطين وزوال الكيان الصهيوني، لم يُهزم قبل أن يبدأ فقط (وربما كان عليه أن يبقى في بيته)، بل أصبح بروحه المهزومة وعقله المستعمر عبئاً حقيقياً وخطراً جدياً على مشروع المقاومة. هذه هي معضلة بعض قادة الثورة الفلسطينية الأساسية وسبب فشلهم الأهم، فمن لم يكن منهم على اقتناع بحتمية زوال الكيان الصهيوني، انتهى إلى طاولة المفاوضات متنازلاً عن الأرض والشعب. 

أنيس الاستراتيجي

تعالوا إلى كلمة سواء: نحو استراتيجيا شاملة لبلاد الشام“. كان هذا عنوان وفكرة مقال نشره الراحل أنيس النقاش مباشرة عقب انتصار تموز 2006 في صحيفة الأخبار اللبنانية. ورغم أن العنوان يكشف عن محتوى المقال، كما يختزل ويختزن فكرته الأساسية إلى حد كبير، فإنه يكشف أيضاً بعض ملامح المنظومة المفاهيمية التي شكَّلت أسس التفكير السياسي للراحل.  

ويكشف منطق المقال أيضاً بعض ما يربط التفكير السياسي للنقاش بمنهجية وآلية تفكير سياسي لتيار عروبي وحدوي جنوبي الهوى ومتنوع المشارب الإيديولوجية (يساري، قومي، إسلامي)، تطور منذ عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وثورة يوليو، وما زال سائداً عند كل من يعتقد من العروبيين وثوار الجنوب وأحرار العالم بكل مشاربهم العقائدية بأولوية اللحظة الإمبريالية على ما عداها في التحليل السياسي. 

فكرة الوحدة في هذا التقليد السياسي ليست مجرد اتفاقية بين بلدين أو أكثر أو اندماج بين شعبين أو أكثر، بل هي استراتيجية مؤسسة على وعي وإدراك عميق بجوهر السيطرة الإمبريالية وطبيعتها، فلا يمكن، وفق هذه الرؤية، تحقيق الاستقلال والسيادة والأمن لشعوب أمتنا ومنطقتنا في عصر الاستعمار الغربي وإمبراطورياته الكبرى، إلا عبر رؤية ترى في الوحدة أولاً وأساساً تكتلاً مضاداً من القوى المناهضة للهيمنة الإمبريالية والمتضررة منها. لهذا، إن منطق الوحدة العربية كاستراتيجيا في مواجهة الكيان الصهيوني، مثلاً، يستند إلى قاعدة سياسية بسيطة أجملتها في مقال آخر في “الميادين نت” سابقاً بعبارة: “كلما كبر العرب، صغرت إسرائيل”.    

هذا الفكر المؤسّس على الوحدة والعروبة كاستراتيجيا أكثر من كونها إيديولوجيا، يؤشر إلى إدراك صاحبه العميق بأن التجزئة الاستعمارية للوطن العربي، وللمنطقة بمجملها، هي من أهم متطلبات الهيمنة الامبريالية الغربية، ومن أهم متطلبات النهب الإمبريالي، ويؤشر كذلك بالتالي، وبالضرورة، إلى إدراك النقاش أن الوحدة ليست أهم آليات ومتطلبات المواجهة والانتصار فحسب، بل وأهم متطلّبات الدفاع عن النفس والوجود أيضاً. 

هذا المنهج في التفكير السياسي الذي اعتمده الراحل أنيس النقاش يتجاوز مجرد المعاداة الإيديولوجية والعقائدية للإمبريالية الغربية القائمة على أساس التناقض الاجتماعي أو الاقتصادي-السياسي البحت (الطبقي على مستوى عالمي)، كما في بعض الإيديولوجيات اليسارية، كما يتجاوز إدراك بعض الإيديولوجيات القومية ذات الفهم القاصر لمفهوم الأمة، والتي كانت ترى في الوحدة “فكرة مطلقة”، فالأولى بقيت أسيرة رؤية قطرية ضيقة تبحث عن عدالة اجتماعية غير ممكنة الإنجاز والتحقيق في سياق منظومة نهب عالمية تتحكّم بها القوى الإمبريالية الغربية، فيما اصطدمت الثانية بتباينات الواقع الاجتماعي القطري الذي يكشف ارتباط بعض شرائحه الاجتماعية عضوياً بالإمبريالية الغربية.

لهذا، كانت نتيجة هذه الاستراتيجيا، يقول النقاش، “التي عُرفت في الماضي بسياسة فرّق تسد، تُمارس اليوم على أكثر من صعيد، وأهم ما فيها أنها تستهدف المفاهيم المكونة للمجتمع وعقائده أكثر مما تستهدف تفريق الصفوف فقط، كما كان في السياسات القديمة لاستراتيجيات فرّق تسد، أو مجرد السيطرة على الأرض والمواد الأولية، فهي تحوي كل هذا في آن واحد”.

الأهم أنَّ هذه الرؤية القائمة على أساس الوحدة كاستراتيجيا، وجوهرها التأسيس لأكبر تكتل مضاد في مواجهة العدو، تستتبع بالضرورة مركزية قضية فلسطين ومركزية تحريرها، كما توفّر الآلية الأكثر فاعلية وإمكانية لتحقيق النصر وإنجاز التحرير.

 ولهذا، يستنتج النقاش: “على استراتيجيتنا الشاملة أيضاً أن تنقض على بقايا الاستعمار القديم وقراراته بتقسيم المنطقة، من خلال وحدة الجهاد والاجتهاد والصحوة والعمل التنموي، وخصوصاً العمل الوحدوي في مجتمعاتنا المستهدفة في وحدتها الاجتماعية وسلامها الأهلي، وبالتالي في مستقبلها وآمالها. إنها استراتيجيا بلاد الشام قاطبة، محورها بيت المقدس، وساحتها أكناف بيت المقدس كساحة جغرافية لحركتها”.

ولأنَّ هذه الفكرة كانت تعبيراً عن منهج تفكير عند النقاش، يمكننا رؤيتها في تعاطيه مع أغلب القضايا السياسية. هذا التفكير هو الذي يرى الأهمية الوجودية لعلاقة العرب مع إيران وفنزويلا وكوبا وبوليفيا وغيرها من مجتمعات الجنوب المتضررة من الهيمنة الغربية، والمهددة مثل أمتنا تماماً بوجودها، فليس انتصار العرب وغيرهم من أهل الجنوب وتحررهم فقط، ولكن استمرار وجودهم نفسه أيضاً، أصبح مشروطاً بهذه الاستراتيجية: أن نكون جزءاً من تكتّل مضادّ يدرك أنّ المعركة مع الإمبريالية الغربية، وليس فقط مع ممثلها في منطقتنا (العدوّ الصهيوني)، هي معركة وجودية بامتياز، تتطلب وتفترض اندماج هذه القوى، وليس مجرد تعاونها فقط. 

وداعاً أنيس فلسطين

لم يكن أنيس يحلم باليوم التالي لتحرير فلسطين فحسب، بل كان يعرف أيضاً، كما كتب عن ذلك اليوم، أنه قادم حتماً. كان يعلم أنَّ ثمة من يعمل لذلك اليوم في الليل والنهار. يومها، وبينما تقرع أجراس كنائسنا في المهد والقيامة إجلالاً للشهداء والمقاومين، سنسوّي صفوفنا، ونعتدل خلف إمامنا وقائد حركة التحرير العربية والأمين عليها، السيد حسن نصر الله، لنصلّي في المسجد الأقصى. ولأنَّ النّصر سيكون كبيراً، فإن الفرح سيكون أيضاً كبيراً، لكن ستكون في القلب غصة، لأنَّ بعض من أحبّ فلسطين، وأفنى عمره في سبيلها وفي سبيل أن نصل إلى ذلك اليوم، لن يكون معنا. 

يومها، سنفتقدك جداً يا أنيس، كما سنفتقد كل مقاوم استشهد على طريق فلسطين، لكنَّ عزاءنا يكمن في أنَّنا نعرف أنَّكم عشتم وقاومتم واستشهدتم وأنتم ترددون خلف سيد المقاومة: “اللهم إنّك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسةً في سلطان، ولا ابتغاء لشيء من الحطام، وإنما كان إحياءً للحق، وإماتةً للباطل، ودفاعاً عن مظلومي عبادك، وإقامةً للعدل في أرضك، وطلباً لرضاك والقرب منك. على هذا قضى شهداؤنا، وعلى هذا نمضي ونواصل العمل والجهاد، وقد وعدتنا يا رب إحدى الحسنيين: إما النصر وإما التشرف بلقائك مخضبين بدمائنا”.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

%d bloggers like this: