إصلاح القطاع المالي في لبنان: الدين العام والمصارف* (1)

زياد حافظ

المنطلقات

الإصلاح الاقتصادي والمالي قرار سياسي بامتياز يخضع لخيارات كما يخضع لموازين قوّة. فلا إصلاح إن لم تكن موازين القوّة مؤاتية له. البنية السياسية القائمة في لبنان عصّية على الإصلاح والتجدّد وبالتالي محكومة بالزوال لأنها لا تتكيّف مع التحوّلات الاستراتيجية التي تحصل في العالم وفي الإقليم. لكن هذا لا يعني أنّ الطبقة السياسية الحاكمة المستفيدة من بنية النظام الطائفي ستستسلم للتحوّلات فستخوض معارك شرسة على قاعدة اللعبة الصفرية، أيّ إما الانتصار أو الزوال، وإنْ أدّت إلى زوال الكيان والنظام. لكن هناك من يعتقد أنّ النخب الحاكمة التي تعبّر عن مصالح النظام القائم قد تقدم على التضحية ببعض الرموز لشراء الوقت ولتحسين صورتها ومواقعها. قد يكون ذلك مدخلاً لإصلاح وإنْ كان جزئياً. فمهما كانت موازين القوّة فإنّ ذلك لن يعفينا من مسؤولية تقديم رؤية متكاملة قدر الإمكان للتغيير والإصلاح. هذه هي مهمتنا والورقة المقدمة هي إحدى الخطوات في ذلك الاتجاه.

مقاربة الإصلاح المالي جزء من مقاربة أوسع للاقتصاد اللبناني. والأجزاء المتعدّدة متشابكة حيث يصعب التكلّم عن جزء دون التكلّم عن الأجزاء الأخرى. فالإصلاح المالي هو خطوة في الإصلاح الاقتصادي والإصلاح الاقتصادي يتكامل مع الإصلاح السياسي بل أكثر من ذلك فنقول إن لا إصلاح اقتصادي دون اصلاح سياسي فالاقتصاد هو السياسة ولكن بلغة الأرقام. وبالتالي السياسة هي التي ستتحكّم بالقرار الإصلاحي والسياسة ستكون نتيجة موازين قوّة.

في هذا السياق، فإنّ موازين القوّة يحكمها الصراع مع الكيان الصهيوني ليس إلاّ. ففي رأينا، لا مجال للتكلّم عن أي سياسة والقرار السياسي الوطني في حال تبعية للغرب بشكل عام وللولايات المتحدة بشكل خاص الذي همّها الأول والأخير هو حماية الكيان العدو وضمان تفوّقه على لبنان وسائر العرب. هذا لا يعني أبداً أنّ الأمر قدر علينا بل العكس، فإنّ موازين القوّة في الصراع تتغيّر لصالح محور المقاومة. لكن إلى أن يتجلى ذلك الأمر في لبنان وخاصة عندما تقتنع القوى المؤيّدة لمحور المقاومة أنه آن الأوان لإجراء الإصلاح في البنية السياسية والاقتصادية فإنّ المشهد مستمرّ على حاله. فالمحاولات التي تطرح بين حين وآخر ليست إلاّ محاولات ترقيع وشراء الوقت وإنْ كانت مدمّرة في آن واحد كوصفات الخصخصة المطروحة لحلّ الأزمة المالية. فالأزمة الاقتصادية والمالية المتفاقمة هي نتيجة خيارات وسياسات وبالتالي لا بدّ من تحديد الخيارات والسياسات قبل المبادرة في الإصلاح الاقتصادي والسياسي.

الخيار الأول هو أنّ بنية الاقتصاد اللبناني منذ نشأته مبنية على فرضية أنّ لبنان ليس جزءاً من المنطقة بل جزيرة في محيط لا يتماهى تاريخياً مع مصالح الاستعمار والامبريالية. وبالتالي في أحسن الأحوال لن يكون إلاّ جسراً بين المشرق العربي والجزيرة العربية من جهة والغرب ولكن من موقع التبعية وليس من واقع مستقل عن إرادة الغرب الاستعماري القديم والجديد. هذا الدور الوظيفي الذي اختاره الاستعمار والذي تبنّته النخب الحاكمة على مدى عدّة عقود وصل إلى طريق مسدود عشية الحرب الأهلية التي انطلقت سنة 1975 واستمرّت حتى التسعينات. في حقبة 1920-1993 كان الاقتصاد مبنياً في الأساس على الخدمات المالية والتجارية مع حدّ أدنى وإنْ كان يتنامى بشكل تدريجي للقطاعين الإنتاجيّين الزراعي والصناعي. ما بعد 1993 كان الخيار أنّ لبنان جزء من عملية سلام وهمية طغت على عقول النخب الحاكمة واعتبرت نخبها الحاكمة أنّ دور لبنان هو دور خدماتي أولاً وأخيراً وحوّل البنية الاقتصادية إلى اقتصاد خدماتي ريعي. لذلك الخيار الأساسي الذي ننطلق منه هو خيار الانتقال من اقتصاد خدماتي ريعي إلى اقتصاد انتاجي خدماتي منتج لقيمة مضافة مرتفعة كقطاع الاستشفاء والتربية على سبيل المثال بسبب نوعية اليد العاملة والمستوى التعليمي النسبي المرتفع.

الخيار الثاني هو أنّ لبنان جزء أساسي من المنطقة وبالتالي السياسات التي يجب اتباعها في تحويل البنية الاقتصادية إلى اقتصاد إنتاجي تستدعي التشبيك مع دول الجوار، أيّ مع كلّ من سورية والأردن والعراق في المرحلة الأولى ومع فلسطين بعد التحرير. أما في المرحلة الثانية المتلازمة مع مراحل من المرحلة الأولى فهو التشبيك مع كلّ من الجمهورية الإسلامية في إيران وتركيا والانخراط الكلّي بالكتلة الأوراسية، أيّ التشبيك مع الصين وروسيا ومنظومة شانغهاي. وفي المرحلة الثالثة يكون التشبيك مع دول الجزيرة العربية ودول وادي النيل والقرن الأفريقي وفي المرحلة الرابعة مع دول اتحاد المغرب الكبير. ليس من الضروري في المرحلة الحالية تحديد تاريخ المراحل الأربع إلاّ أنّ المرحلة الأولى يجب أن تتلازم ولو تدريجياً مع مرحلة الإصلاح المالي.

الخيار الثالث هو إعادة الاعتبار إلى التخطيط المركزي في مشروع التنمية الشاملة والمتوازنة. هذا يعني الابتعاد عن فلسفة ميشال شيحا القاصرة المبنية على اقتصاد السوق والقطاع الخاص ونسختها المشوّهة في ما بعد اتفاق الطائف. النموذج الصيني نموذج جدير الاهتمام به لأنه استفاد من التجارب السابقة لكلّ من اقتصاد السوق بلا قيود ومن اقتصاد التخطيط المركزي المفعم بالقيود. كما يمكن دراسة نماذج أخرى كالنموذج الماليزي والنموذج السنغافوري وذلك على سبيل المثال وليس الحصر.

الخيارات المطروحة أعلاه تتطلّب تمكين الدولة من القيام بدورها كقاطرة للإصلاح وللتنمية. هذا يعني أولاً إصلاح سياسي وإداري لسنا في إطار مقاربته في هذه الورقة وإنْ كانت شرط ضرورة، وثانياً، تحرير موارد الدولة المكبّلة بدين لا مبرّر له، أيّ إصلاح مالي يتناول البنية الضريبية وسياسة الإنفاق وبطبيعة الحال الدين العام المكبّل لقدرات الدولة. وإصلاح القطاع المالي يتطلّب معالجة قضيتين يصعب الفصل بينهما. القضية الأولى هي قضية الدين العام والقضية الثانية هي إعادة هيكلة النظام المصرفي. فالنظام المصرفي شريك أساسي في تفاقم الدين العام بسبب الاستفادة منه رغم معرفته بأنّ قاعدة ذلك الدين غير سليمة وأنّ قدرة الدولة على التسديد من مداخيلها محدودة للغاية، وأن خدمة الدين العام تؤدّي إلى إيقاف الاستثمار في البنى التحتية وتقديم الخدمات الاجتماعية ولو بالحد الأدنى. كما أنّ سياسة الاستدانة لأغراض غير تنموية أدّت إلى سحب السيولة من التداول الاقتصادي وأدّت إلى تمركز الثروة في يد القطاع المصرفي وما هو مرتبط بفلكه من قطاعات كالقطاع العقاري. وبما أنّ القطاع المصرفي وظّف معظم موارده المالية، أيّ الودائع التي كان يتلقّاها، في سندات الخزينة للاستفادة من الفوائد الربوية التي لا قاعدة ولا وظيفة اقتصادية لها في ارتفاع مستوياتها، فإنّ النظام المصرفي أساء الائتمان تجاه المودعين إذ لم يقدم على توزيع المخاطر وفقاً للقانون ووفقاً للعرف المهني. فإساءة الائتمان وقلّة الاحتراف تجعل من القطاع المصرفي القائم غير مؤهّل للبقاء وغير ذي جدوى.

أما القضية الثانية في الإصلاح المالي فهي إصلاح البنية الضريبية عبر إيجاد نظام ضريبي تصاعدي على الدخل وعلى الأرباح الريعية. لكن لن نعالج في هذه الورقة تلك المسألة التي ستكون موضوع مقاربة خاصة بها.

بناء على ذلك فإنّ الإصلاح المالي يتلازم مع إعادة هيكلة الدين العام وإعادة هيكلة القطاع المصرفي. في هذا السياق نعرض فقط الخطوط العريضة لإعادة هيكلة الدين العام لعدم توفّر لدينا البيانات التفصيلية لتاريخ تراكم الدين شهراً بشهر، وجداول التسديد السابقة، وعدد وهوية من حمل سندات الخزينة وفترة حملها وقيمة السندات التي حملها الأفراد، والمؤسسات، والهيئات إلخ… فبغياب تلك البيانات لا يمكن عرض مشاريع هيكلة تفصيلية تبيّن الفوائد العائدة لخزينة الدولة من جهة وتوزيع الأعباء من جهة أخرى.

أولاً: إعادة هيكلة الدين العام
أ ـ فلسفة الهيكلة

إعادة هيكلة الدين العام تستند إلى مبدأ توزيع المسؤوليات بشكل عادل بين المتسبّبين والمستفيدين في عملية الدين، أيّ الدولة، القطاع المصرفي، والقوى السياسية التي وافقت وأيّدت ودعمت الاقتراض بالشكل والمضمون. الصعوبة تكمن في تحديد بدقة مسؤولية كلّ الأطراف وخاصة القوى السياسية التي أطلقت عبر الحكومات المتتالية منذ 1993 مسلسل الاستدانة. وبالتالي يمكن تصوّر عدّة سيناريوات تعكس المسؤولية.

السيناريوات المقترحة تعكس نسبة توزيع المسؤولية عمّا حصل.

أولاً: المسؤولية تقع كلياً على القطاع المصرفي بشقيّه الرسمي، أيّ مصرف لبنان، والخاص، أيّ جمعية المصارف.

ثانياً: المسؤولية تقع بالمناصفة بين القوى السياسية التي كانت تتحكم بالدولة أي وزارة المالية والوزرات والمؤسسات العامة التي استلفت من الخزينة والقطاع المصرفي بشقيّه أيضاً الرسمي والخاص.

ثالثاً: المسؤولية تقع على كل من القطاع المصرفي بشقيّه الرسمي والخاص، والدولة، والمستفيدين من الدين أي مجموع المودعين. وداخل مجموعة المودعين هناك من يتحمّل المسؤولية أكثر من غيره كونه مرتبطاً بالقوى السياسية المتحكّمة بإدارة الدولة، بينما الأكثرية من المودعين هم من الطبقة الوسطى والذين استثمروا في الدين العام كالمتقاعدين وأصحاب الدخل المحدود. في هذه المجموعة تقع المسؤولية بنسبة 70 بالمائة على القطاع المصرفي والقوى السياسية والباقي على المستفيدين وذلك على قاعدة أنّ الجميع كان مدركاً أنّ الاقتراض بالشكل الذي حصل لم يكن سليماً وخاصة في ما يتعلّق بالفوائد المرتفعة التي لم يكن لها في يوم من الأيّام أيّ مبرّر اقتصادي، والذي شرحناه مع عدد من الاقتصاديين في أوراق سابقة، وذلك منذ بداية اعتماد الاقتراض. فالكل كان يعلم أنّ الدولة لا قدرة لها على تسديد الدين ورغم ذلك استمرّت لعبة «البونزي» أيّ الاقتراض لتسديد الاقتراض السابق ودفع الفوائد الربوية. بالنسبة للمصارف فإنّ الفوائد هي أصل مداخيلها بينما رأسمال الدين هو من الأصول التي كان بإمكانها وضع المؤن لتخفيف من احتمالات عدم التسديد ولكن لم تفعلها لأنها كانت انتقاصا من أرباحها.

ب – هيكلة الدين العام وفقاً للسيناريو الأول

بما أنّ الفوائد المدفوعة منذ 1993 فاقت أضعافاً رأس المال الدين الأساسي فهذا يبرّر اتخاذ قرار بشطب الدين العام المتعلق بسندات الخزينة واعتبارها لاغية. هذا سيؤدّي إلى إفلاس المصارف التي استثمرت ودائع المودعين في سندات الخزينة ما يفرض إعادة هيكلة القطاع المصرفي الذي سنتناوله في الجزء الثاني من هذه الورقة. هذا يعني أنّ القرار يحمّل القطاع المصرفي مسؤولية الدين لأنه كان الأداة الأساسية إنْ لم نقل الوحيدة لذلك الدين.

الاعتراضات على هذا السيناريو ستكون مبنية على أنّ ذلك يضرب مصداقية الدولة في إمكانية الاقتراض في ما بعد ويضرب القطاع المصرفي. ففي ما يتعلّق بمصداقية الدولة فاستعادة تلك المصداقية ستكون مبنية على سياسات جديدة وعلى أداء مختلف عما كانت عليه. وهنا نسأل، إذا كان الجميع يعلم أن لا قدرة للدولة على تسديد ذلك الدين فلماذا استمرّ القطاع المصرفي في إمدادها بالأموال؟ فعن أيّ مصداقية يتكلّمون؟ فعلى القطاع المصرفي أن يتحمّل نتائج قراراته وإذا كان يؤمن بقانون السوق، كما يدّعي كاذباً، فعليه أن يواجه الاستحقاق، أيّ إما التسديد من رأس ماله أو الإفلاس! أما في ما يتعلّق بالتصنيف الدولي فلا نحبّذ الاقتراض في الأسواق الخارجية والتي لا نعتقد أنّ هناك ضرورة لها رغم كلّ الادّعاءات المغايرة لذلك. فالنظام الذي استطاع أن «يشفط» أكثر من 400 مليار دولار على مدى أربعين سنة وفقاً لتقديرات الخزينة الأميركية يستطيع أن ينتج ما يلزمه من تمويل داخلي لإعادة البناء! ونعتقد أنّ «مصداقية» الدولة ستعود عندما يباشر لبنان في استثمار حقول النفط والغاز فالرأس المال الأجنبي سيتناسى إلغاء الدين العام مقابل الاستفادة من الاستثمارات التي سيجلبها قطاع النفط والغاز. لكن حسم هذا الموضوع لن يعود إلى اعتبارات اقتصادية أو مالية بل لاعتبارات سياسية لا داعي الدخول فيها في هذه المرحلة.

ج – إعادة الهيكلة وفقاً للسيناريو الثاني

المناصفة في إعادة هيكلة الدين العام بين القطاع المصرفي والقوى السياسية يعني المناصفة في تحمّل أعباء الهيكلة على كلّ من القطاع المصرفي والدولة. هذا يعني أنّ القطاع المصرفي مسؤول فقط عن نصف الدين العام وعليه أن يتحمّل شطب ما يوازي نصف «حقوقه» في سندات الخزينة سواء في الرأس المال للدين وأو في الفوائد. إذا ما اعتبرنا أنّ قيمة الدين العام توازي 100 مليار دولار (قد يكون أكثر من ذلك أو أقلّ من ذلك، فليس هناك من بيانات دقيقة يمكن الاستناد إليها) فإنّ القطاع المصرفي عليه أن يسدّد ما يوازي 50 مليار. أما في ما يتعلّق بحصة الدولة فالتسديد يكون عبر اعتبار الدين العام طويل الأجل في أيّ 25 أو 30 سنة، وبفائدة رمزية حيث خدمة الدين العام لا تتجاوز سنوياً أكثر من 5 بالمائة على سبيل المثال من موازنة الدولة. من جهة أخرى فعلى القطاع المصرفي إعادة تكوين رأسماله لسدّ العجز بين قيمة سندات الخزينة التي تشكل قسماً كبيراً من أصوله وإجمالي الودائع. سيعارض القطاع المصرفي بشدّة التنازل عن «حقوقه» ولكن تستطيع الدولة فرض إرادتها عبر التلويح بإجراءات جذرية في ملكية المصارف (أيّ السيناريو الأول في إعادة هيكلة القطاع المصرفي).

أما القوى السياسية فالمسألة أكثر تعقيداً لصعوبة الوصول إلى توافق على تحديد مسؤولية الأشخاص الذين ساهموا في تراكم الدين وبسبب موافقة مجلس النواب الذي أعطى «الشرعية» لتراكم الدين. لكن هذا السيف يجب أن يبقى مسلّطاً على القيادات السياسية التي تولّت المسؤولية في تراكم الدين العام، من رؤساء جمهورية ومجلس النوّاب، ورؤساء مجلس وزراء، ووزراء ورؤساء اللجان المالية وأعضائها في مجلس النوّاب الذين أعطوا صكّ البراءة للحكومات التي ساهمت في استمرار تراكم الدين العام. كما يجب إدراج الإعلاميين الذين روّجوا لتلك السياسات وهاجموا من كان يحذّر من مخاطرها.

د ـ إعادة الهيكلة وفقاً للسناريو الثالث

في هذا السيناريو يتشارك مع الدولة كلّ من القطاع المصرفي والمودعين في تحمّل عبء الهيكلة. ربما هنا يكمن مزاج النخب الحاكمة. لكن المشكلة تكون في تحديد النسب. القطاع المصرفي ومن يقف معه من النخب الحاكمة يريد تحميل الدولة القسط الأكبر لإعادة هيكلة الدين كما يريدون (وهنا قسم كبير من القوى السياسية) المباشرة بالخصخصة للتعويض عن العجز في الموازنة وتراكم الدين. توزيع المسؤولية سيكون في آخر المطاف رهن موازين القوّة السياسية التي تتحكّم بالنخب الحاكمة.

في سيناريو تحميل المسؤولية للمودعين هناك من يقترح أن يتحمّل المودعون ما يوازي 30 بالمائة من العبء. وهناك من يذهب إلى ابعد من ذلك ويقترح حتى 70 بالمائة. فالشيكات التي يتمّ صرفها الآن توازي 30 بالمائة فقط من قيمتها الاسمية. سطوة المصارف والصرّافين على تدفق السيولة يجعل من ذلك أمراً واقعاً. ومع مرور الزمن يصبح المعيار «الطبيعي» الملائم للواقع! وبالتالي يتمّ تكريس سرقة أموال المودعين بتشريع رسمي وموافقة النخب الحاكمة.

لسنا من أنصار تحميل المسؤولية للمودعين بشكل عام بل لفئة من المودعين الذين استفادوا من الفوائد المرتفعة وغير الطبيعية لسندات الخزينة بينما كانوا يعلمون استحالة الدولة تسديد تلك الديون. فهم شركاء فعليون في عملية السطو المنظّم. عددهم ليس كبيراً بل قيمة ودائعهم كبيرة. ليس هناك من إحصاءات دقيقة بسبب عدم الشفافية من قبل جمعية المصارف والمصرف المركزي في تقديم البيانات المفصلة لتوزيع المودعين. هنا أيضاً يُحسم الأمر وفقاً لموازين القوّة السياسية.

لكن بغضّ النظر عما ستسفر «المفاوضات» في شأن توزيع المسؤوليات/ العبء بين الأطراف الثلاثة فإنّ إعادة هيكلة الدين تخضع لنفس الاعتبارات المقترحة في السيناريو الثاني أيّ أنّ عبء خدمة الدين العام لا يجب أن يتجاوز نسبة مئوية محدودة من إجمالي الموازنة.

يبقى تفصيل مكوّنات الدين العام. فهو العجز المتراكم في الموازنة ولكن ضمن ذلك العجز هناك سلفات لمصلحة كهرباء لبنان وضرورات تمويل الديون المستحقة. الأولوية هي تخفيض قيمة رأس مال الدين يجب أن تكون على الجزء الذي ساهم في تمويل الديون السابقة. فلما أقدمت الدولة على إصدار سندات خزينة بفوائد مرتفعة جدّاً لا مبرّر لها كان الجزء الأكبر من سلسلة الاقتراض المتتالية تسديد تلك الفوائد ورساميل تلك السندات التي كان قصيرة الأجل جدّا. لذلك هذا الجزء من الدين يجب أن يُشطب بدون تردّد خاصة أنه تمّ «تسديد» تلك الديون في ميعادها! في ما يخص بالسلفات لقطاعات الدولة فهي تشكّل في رأينا جوهر الدين العام الذي يمكن القبول به وبالتالي يتمّ تسنيده على فترة طويلة من الزمن وبفوائد منخفضة.

إعادة هيكلة الدين العام ليست بالعملية السهلة والتي يمكن الخوض فيها كلّما تفاقم الأمر. لذلك يجب اتخاذ إجراءات احتياطية تمنع الوقوع في مطبّات الاستدانة غير المبرّرة اقتصادياً. الاستدانة لأغراض مالية فحسب كما حصل خلال العقود الثلاثة الماضية لا يجب أن تتكرّر. كما أنّ الاستدانة لا يمكن إلاّ أن تكون داخلية وفي العملة الوطنية. الاستدانة من الخارج تحتاج إلى موافقة خاصة من مجلس النوّاب إضافة إلى الموافقة على المشروع الذي من أجله تتمّ الاستدانة.

*ورقة قدّمت للمنتدى الاقتصادي والاجتماعي في 2 آذار/ مارس 2021

**كاتب وباحث اقتصادي سياسي والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي

%d bloggers like this: