حرب بايدن مع بوتين.. إردوغان مع من؟….بقلم حسني محلي

حسني محلي

2021-03-20

بانتظار أن يهاتف بايدن إردوغان سوف يتخذ الطرفان الروسي والأميركي كل التدابير والإجراءات لضمان انحياز الرئيس التركي إلى جانبه أو على الأقل البقاء على الحياد.

فاجأ الرئيس التركي الجميع عندما اتخذ (الجمعة) موقفاً متضامناً مع “حليفه الجديد” فلاديمير بوتين في الحرب الكلامية بينه وبين الرئيس الأميركي جو بايدن الذي لم يتصل بإردوغان حتى الآن. فرداً على سؤال يبدو أنه كان معداً مسبقاً قال إردوغان: “في الحقيقة ليس ممكناً القبول بما قاله رئيس دولة ضد رئيس دولة أخرى كروسيا، وليس سهلاً على أحد هضم هذه العبارة التي استخدمها بايدن، وفي رأيي لقد قام بوتين بما يجب القيام به حيث رد على بايدن بشكل ذكي ولائق جداً”.

كلام إردوغان هذا أثار نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية التركية. هناك من أيّد وهناك من شكّك لا سيما أن تصريح إردوغان جاء بعد ساعات قليلة من سماح أنقرة لحاملة الصواريخ الموجهة الأميركية بالمرور عبر مضيق البوسفور باتجاه البحر الأسود الذي يشهد توتراً خطيراً بين روسيا وبين أميركا وحلف الأطلسي الذي يسعى إلى ضم جورجيا وأوكرانيا للحلف الساعي إلى محاصرة موسكو من خلال بناء قواعد بحرية في هاتين الدولتين وفي كل من بلغاريا ورومانيا. 

وجاء حديث السفير الأميركي في أنقرة ديفيد ساترفيلد مع مجموعة من الصحافيين بعد كلام إردوغان بساعتين ليثبت استمرار الموقف الأميركي تجاه أنقرة، حيث لوح ساترفيلد بعقوبات جديدة على تركيا في حال استمرارها بموقفها الحالي في ما يتعلق بصواريخ اس-400 الروسية. 

ورغم أن ساترفيلد لم يتطرق إلى كلام إردوغان في ما يتعلق بالحرب الكلامية بين بايدن وبوتين، إلا أن الأوساط الدبلوماسية في أنقرة تتوقع رداً أميركياً قريباً على كلام إردوغان، ويعرف الجميع أن واشنطن تستعد لحربها معه في مجالات عدة داخلية وخارجية. ويفسر ذلك رد الفعل الأميركي على رفع الحصانة البرلمانية عن أحد اعضاء حزب الشعوب الديمقراطي (الكردي) ومساعي النيابة العامة لحظر نشاط الحزب بشكل نهائي. 

وبانتظار المكالمة الهاتفية التي أعلن بايدن “أنها ستكون في الوقت المناسب” مع بوتين، يبدو واضحاً أن الطرفين الروسي والأميركي يحسبان الكثير من الحسابات لموقف الرئيس إردوغان المحتمل في حال استمرار هذه الأزمة وانعكاساتها على العلاقات الاستراتيجية بين العدوين التقليديين روسيا وأميركا المدعومة من بعض الحلفاء الأوروبيين. 

ومن دون العودة إلى العلاقات التاريخية بين روسيا والدولة العثمانية والتي بدأت قبل خمسمئة سنة تقريباً وتخلل معظمها خلافات وصراعات وحروب، فالجميع يعرف أن علاقات موسكو مع أنقرة دخلت في مسار جديد بعد أن اعتذر إردوغان في حزيران/يونيو 2016 من الرئيس بوتين عن إسقاط الطائرة الروسية في سوريا في 24 تشرين الثاني/ديسمبر 2015. وسمح بوتين بعد ذلك للجيش التركي بدخول جرابلس السورية في 24 آب/أغسطس 2016، أي في ذكرى مرور 500 عام على معركة مرج دابق التي دخل منها السلطان سليم سوريا ثم مصر ليعود منها خليفة على المسلمين. وتطورت العلاقة بعد ذلك بين بوتين وإردوغان لتشمل العديد من مجالات التعاون العسكري والاقتصادي والتجاري والسياحي (6 ملايين روسي زار تركيا عام 2019) بل وحتى المجال النووي، حيث تقوم روسيا ببناء مفاعلات نووية في تركيا بقيمة ثلاثين مليار دولار. ومع جميع حالات المد والجزر التي شهدتها العلاقات بين الطرفين وخاصة في سوريا وأحياناً في ليبيا ومنطقة القوقاز، فقد نجح بوتين في إبقاء إردوغان ضمن “الحلبة الروسية”، وذلك على الرغم من نقاط الخلاف الكثيرة والجدية مع أنقرة في موضوع سوريا وبشكل خاص في إدلب. 

وكان فيه الدعم الذي قدمه باراك أوباما ومن بعده دونالد ترامب والآن جو بايدن إلى وحدات حماية الشعب الكردية السورية الهم الأكبر بالنسبة إلى إردوغان الذي سمح له ترامب ومعه بوتين بإرسال قواته إلى شرق الفرات في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2019 لامتصاص غضبه. وكانت هذه الموافقة ومن قبلها موافقة بوتين كافية بالنسبة إلى إردوغان الذي تحول من خلالها إلى عنصر أساسي في المعادلة السورية المعقدة بكل أطرافها الإقليمية والدولية. ويعرقل ذلك التوصل إلى حل نهائي للأزمة السورية إلا برضا أنقرة التي قال عنها إردوغان قبل أيام “إن موقفها منذ بداية الأزمة لم يتغير ولن يتغير”. 

وليس واضحاً كيف سيوازن بوتين بين موقف إردوغان هذا في سوريا وبين المصالح الروسية المتشابكة مع تركيا التي تستورد أكثر من خمسين بالمئة من غازها من روسيا التي باعت أنقرة صواريخ اس-400.

وكانت هذه الصواريخ وما زالت سبباً كافياً للتوتر بين تركيا والحليف الاستراتيجي التقليدي واشنطن التي لها 12 قاعدة في تركيا وأهمها أنجيرليك التي تضم حوالى 50 قنبلة نووية. 

وبانتظار أن يهاتف بايدن إردوغان، وهي مكالمة يعرف الجميع أن إردوغان ينتظرها بفارغ الصبر، سوف يتخذ كل من الطرفين الروسي والأميركي كل التدابير والإجراءات لضمان انحياز إردوغان إلى جانبه أو على الأقل البقاء على الحياد، وهو أمر شبه مستحيل بسبب الموقع الجغرافي الاستراتيجي لتركيا ومن ثم تداخل السياسات التركية في العديد من مناطق العالم مع سياسات العدوين المذكورين. فقد مثّلت تركيا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية خندقاً أمامياً للدفاع عن “العالم الديمقراطي المتحضر” ضد خطر الاتحاد السوفياتي الشيوعي، ولولا مؤسسه لينين لما استطاع مصطفى كمال أتاتورك أن ينتصر على دول العالم المذكور، أي فرنسا وبريطانيا وإيطاليا واليونان، ويؤسس جمهوريته المستقلة في 29 تشرين الأول/أكتوبر 1923. وبقيت تركيا ثابتة في خندقها لمنع السوفيات والشيوعية من النزول إلى المياه الدافئة في المنطقة العربية الإسلامية، وتحالفت معها أنظمة الخليج المعروفة التي تآمرت دائماً، وما زالت تتآمر، على المد الوطني والقومي العربي، كما هو الحال في ما يسمى بالربيع العربي. 

وجاء سقوط الاتحاد السوفياتي بداية التسعينات من القرن الماضي ليدفع أنقرة وبتشجيع من واشنطن إلى الحديث عن المد القومي التركي من البوسنة وحتى حدود الصين مروراً بالجمهوريات الإسلامية ذات الأصل التركي في القوقاز وآسيا الوسطى. 

ولم تغير مجمل التطورات التي شهدها العالم خلال الأعوام الثلاثين الماضية من أحلام إردوغان وهو سائر على طريق الرئيس الراحل تورغوت أوزال الذي رفع شعار “أمة تركية واحدة من الأدرياتيكي إلى حدود الصين”، وسعى بعد حرب الكويت 1991 لضم الشمال العراقي إلى تركيا، الأمر الذي فكر به الرئيس  إردوغان أكثر من مرة غداة أحداث ما يسمى بالربيع العربي عندما تحدث عن حدود الميثاق الوطني الذي يضم الشمال السوري مع ولاية الموصل، التي تعني في العرف التركي الموصل وأربيل والسليمانية وكركوك.

في جميع الحالات وحتى وإن كانت احتمالات المواجهة الساخنة بين واشنطن وموسكو ضعيفة، فالجميع يعرف أن بايدن لن يبحث بعد الآن عن حلول وسط في علاقته مع إردوغان، ولكنه في نفس الوقت لن يضحي بتركيا بسهولة. فالرئيس بايدن معروف بمواقفه السلبية تجاه إردوغان على صعيد السياستين الداخلية والخارجية، كما معروف عنه أنه لا يملك الشجاعة الكافية للاستمرار في مواقفه هذه. فبعد أن اتهم في تشرين الأول/أكتوبر 2014 كلاً من تركيا ومعها السعودية والإمارات بدعم التنظيمات الإرهابية في سوريا ومنها داعش والنصرة، زار بايدن بصفته نائب الرئيس أوباما اسطنبول واعتذر من إردوغان بعد أن زاره في منزله وتمنى له الشفاء العاجل بعد عملية جراحية خضع لها في الأمعاء. 

والسؤال هو: هل وكيف سيرد بايدن على تضامن إردوغان مع الرئيس بوتين ضده؟ في حين أن بوتين لن يتأخر في البحث عن مجالات جديدة للتعاون مع إردوغان وتقديم تنازلات جديدة له في سوريا وكاراباخ وليبيا وأماكن أخرى لمنع واشنطن من اختراق تحالفه مع أنقرة.

ولن يبقى أمام بايدن في هذه الحالة إلا خيارين فقط لا ثالث لهما:

الأول: استخدام القوة السياسية والاقتصادية والتجارية بل وحتى العسكرية للتخلص من إردوغان من خلال تضييق الحصار عليه خارجياً (دعم كرد سوريا) في ظل استمرار أزماته الداخلية الخطيرة. 

الثاني: الاتصال بإردوغان بأقرب فرصة لكسب وده وتلبية كل شروطه ومطالبه للعودة إلى التحالف التقليدي بين تركيا وأميركا وفيها العديد من القوى التي تطالب بايدن بمحاسبة إردوغان على خلفية أقواله وأفعاله التي باتت تهدد المصالح الأميركية “ومفاهيم الحضارة الغربية الديمقراطية”. 

وفي كلتا الحالتين سيكتشف الجميع كيف سيواجه إردوغان الاحتمالات القادمة وإذا ما كان سيعالجها بنجاح يضمن بقائه في السلطة وربما إلى الأبد، أو أنه سيجد نفسه في دوامة التجاذبات الصعبة بين حليفه التقليدي أميركا والحليف الجديد روسيا، من دون أن يتجاهل “صداقة” بكين (عدو بايدن الحقيقي)، ولولاها لما تم تطعيم الشعب التركي ضد كورونا!

المصدر: الميادين نت

%d bloggers like this: