الانتخابات بعد مقاطعة المستقبل وأسئلة المستقبل

الاربعاء 26 كانون ثاني

 ناصر قنديل

يصرّ البعض على حصر النقاش بمرحلة ما بعد مقاطعة تيار المستقبل للانتخابات النيابية، التي أعلنها رئيس التيار سعد الحريري، من زاوية أحادية ضيقة تشبه ما سمعناه من الدبلوماسي الأميركي السابق جيفري فيلتمان عام 2005، «الانتخابات الآن»، بوهم الاستيلاء على مجلس النواب، وهو أمر تحقق فعلاً، لكنه فشل في تحقيق المطلوب بعزل المقاومة وحصارها وصولاً لتجريدها من مصادر قوتها. فكان لا بد من الخيار البديل وهو الحرب التي شنت في تموز 2006 وجاءت بنتائج عكسيّة. ويعتقد هؤلاء اليوم أن الورقة الخليجية المدعومة بحرب مالية إقتصادية تمثل بديلاً أشدّ قوة من حرب إسرائيلية فاشلة ومستحيلة في آن واحد. ويتصدر هذه الضفة حزب القوات اللبنانية ورئيسه سمير جعجع وتشكيلات المجتمع المدنيّ، بينما يشارك بالترحيب بمقاطعة الحريري وتيار المستقبل، جزء من النخب والناشطين الوطنيين والعروبيين واليساريين، الذين يناهضون مبدئياً وعقائدياً ما يصفونه بالحريرية السياسية، ويعتبرون رحيلها إيذاناً برحيل شركائها وفتحاً لطريق التغيير، دون أن يملك هؤلاء لا الرؤية ولا الوضعيّة التي تتيح لهم أن يقدّموا حضوراً انتخابياً لملء الفراغ، سواء الذي خلفه خروج الحريري أو الذي سيخلفه خروج سواه، كما يتمنون ويتوقعون. بينما تبدو البدائل، مع نسبة عزوف شعبيّة واسعة في البيئة التي يمثلها الحريري وتيار المستقبل، فتحاً للباب أمام شظايا سياسية هامشية، ينتمي بعضها للتطرف الطائفيّ، وبعضها لتمثيل أجهزة مخابرات دولية وإقليمية، لتمثيل حضور إعلامي يستثمر على منصة مجلس النواب بالصراخ والمشاكسة، بهدف استكمال خطة اهتراء الدولة وتعميم الفوضى.

أول الأسئلة التي تطرحها المقاطعة لأكثر من نصف ناخبي طائفة محورية، هو ماذا سيكون موقف المرجعيات المسيحية الروحية قبل السياسية، وقد ملأت الدنيا صراخاً حول اعتبار كل الأزمة السياسية التي أعقبت اتفاق الطائف نتاجاً لانتخابات عام 1992 التي قاطعها أكثر من نصف ناخبي الطوائف المسيحية، وبسبب السؤال الذي وجّهته هذه المرجعيات دائماً حول مدى وطنية وميثاقية إجراء الانتخابات في ظل مقاطعة 92، ودرجة التشابه بين ما جرى وبين مشهد المستقبل القريب مع مقاطعة تيار المستقبل يصير سؤال الـ92 مرتجعاً لهذه القيادات، الذي ينتظر سماعه من قداس بكركي يوم الأحد المقبل، بين الدعوة للانتخابات بأي ثمن، كما قال سمير جعجع، أو إعلان السعي لحوار، ربما بين المرجعيات الروحية، لمناقشة المخاطر والخيارات، كما كان مسعى الإمام الراحل محمد مهدي شمس الدين بعد انتخابات عام 92 ولم يُسمع صوته؟

ثاني الأسئلة ستواجه ثنائي حركة أمل وحزب الله، بكيفيّة التعامل مبدئياً مع انتخابات نيابيّة توفر لهما فرص زيادة حصتهما النيابية بعدد من المقاعد بجعل الصوت الشيعيّ أشد تأثيراً في الدوائر التي يترشح عليها نواب من الطائفة السنيّة ويغيب عنها أكثر من نصف الناخبين ومرشحو التيار الذي كان يشدّ عصبهم ويحشدهم للمشاركة، بينما سيؤدي ذلك لإنتاج معادلة نيابية تشبه تلك المعادلة التي تمكنت من حكم لبنان ما بين اتفاق الطائف والانسحاب السوري من لبنان، لكن بقوة ثلاثة عوامل غائبة: الأول هو فقاعة مالية وفرت بحبوحة وهميّة مع تثبيت سعر الصرف، وهي تنفجر اليوم. والثاني هو معادلة تعاون سورية سعودية لم تعد قائمة وحل مكانها ضغط سعودي لفرط الصيغة التي قام عليها اتفاق الطائف، وهذا الضغط السعودي حاضر في قرار المقاطعة الذي لم يعد خافياً أنه امتداد لقرار احتجاز الرئيس الحريري سعودياً عام 2017. والثالث هو حضور سوريّ وازن ومؤثر ضامن للاستقرار ويتولى الإدارة العامة لتوازنات المجتمع والمؤسسات ويمنع الانفجار، ولم يعد قائماً. فهل يمكن للثنائي تحمل تبعات اتهامه بسرقة مقاعد نيابية سنية بالتصويت الشيعي، كما كانت الاتهامات الموجهة سابقاً للمسلمين بسرقة المقاعد المسيحية، وكما بدأت توجه الاتهامات للقوات اللبنانية ورئيسها سمير جعجع من تيار المستقبل وشارعه بمحاولة السطو على أصوات الطائفة لتكبير الحصة، والشراكة بالطعن بالظهر والشماتة، وما يمكن لجعجع تحمله، يحتاج الثنائي للتفكير به ملياً، لأنه قد يكون وراء القطبة المخفية لفرض انسحاب الحريري وإغراء الثنائي بالشراكة في تقاسم «التركة»، تسعيراً لفتنة مذهبية.

السؤال الثالث للرئيس نجيب ميقاتي ونواب اللقاء التشاوري، بين تقدير خطورة غياب القوة الرئيسيّة في شارعهم ترشيحاً واقتراعاً عن الاستحقاق الانتخابي، والخسارة الأخلاقيّة التي ستصيبهم بعدم التضامن مع هذه القوة بالإحجام عن الترشح والاقتراع، وبالمقابل الفرصة التي يوفرها ذلك لتعزيز الحضور وزيادة الحصة ماذا سيختارون، وهي فرصة ثمّة من بدأ يبشر من أمس بأنه مرشح لرئاسة الحكومة بخمسة نواب ولو من نواب الألف صوت، فهل يقبل الرئيس ميقاتي واللقاء التشاوري مجاراته، والقول مَن حضر السوق باع واشترى؟

السؤال الرابع للنائب السابق وليد جنبلاط، بعيداً عن وجدان اليتم الذي عبر عنه، هل سيختار الرضوخ للضغوط ذاتها التي فرضت على الرئيس الحريري الانسحاب وتفرض عليه الترويج للانتخابات وللحلف مع القوات اللبنانية، أم انه سيقدم بوليصة التأمين التي ينتظرها منه الحريري، وماذا سيقول في السياسة أبعد من الوجدانيات. وهو شريك تيار المستقبل في عدد من الدوائر الانتخابية وسيحوله غياب الشراكة، الى مجرد رافعة لوصول نواب القوات اللبنانية، في ظل القطيعة الانتخابية بين الاشتراكي والثنائي، فهل هذه صفقة تستحق الخضوع لابتزاز إعلامي عنوانه، «الانتخابات بأي ثمن»؟

السؤال الخامس لرئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر، بعد كلام رئيس التيار عن رفض عزل وإلحاق الغبن بمكون لبناني طائفي رئيسي، هو كيف يترجم هذا في السياسة، فالخصومة مع الرئيس الحريري شيء والنظرة للانتخابات شيء آخر. فالضغط الذي مارسه التيار لتصحيح التمثيل المسيحي وصل الى مبتغاه مع قانون الانتخابات الحالي، فماذا عن صحة تمثيل الطوائف الأخرى، وهل يكفي الخوف من العقوبات وتفادي الاتهام بالهروب من الاستحقاق الانتخابي للسير بمعادلة «الانتخابات بأي ثمن»، وتحمل تبعات اتهام طائفي للمكونات المسيحية اذا اتفقت على تجاهل صراخ طائفة كبرى، بأنها ولو اختلفت متفقة على تهميش طائفة إسلامية أساسية؟ كيف وأن المجلس النيابي المنتخب سيقوم بانتخاب رئيس جديد للجمهورية من الطائفة المسيحيّة، بغياب نواب يمثلون هذه الطائفة الإسلامية تمثيلاً صحيحاً؟ وهل هناك ما هو أولى لتصدر دعوة الحوار الوطني اليوم من البحث بمصير الانتخابات، والبحث بمهلة معقولة لشهور قليلة لاحتواء نتائج قرار المقاطعة الذي يأتي عشية الانتخابات تفجيراً لقنبلة تهدد صحتها وميثاقيتها ووطنيّتها وصدقية تمثيلها، وتحولها ضمن خطة تقف وراء فرض قرار الانسحاب على الحريري لتفجير الشارع السني بوجه الشارعين المسيحي والشيعي لتهمة السطو على مقاعد الطائفة وتهميشها في الاستحقاقات الوطنية المقبلة وفي مقدمتها الاستحقاق الرئاسي؟

هل ستطغى حسابات الربح المتاح في الانتخابات، والخوف من العقوبات، ومن الحملات، أو إغراء تصفية الحسابات، أو غوغاء الخطابات، على عناصر صناعة قرار الأطراف المعنية؟ ويا حبذا لو كنا في ظل قانون وطنيّ لا طائفي للانتخابات، وفي ظل قوى سياسيّة عابرة للطوائف تتنافس على أساس البرامج، لكنا أول المصفقين لبدء خروج أمراء الطوائف من الحلبة، لكن اللاطائفيين الحقيقيين ليسوا الذين يزيّنون التسعير الطائفي ويصبّون الزيت على نارها، بل اللاطائفيّون هم الذين يصبون الماء على الحرائق الطائفيّة، علّ الجميع يدرك قيمة وأهمية الانتقال لقانون انتخاب وطني لا طائفي، على الأقل لعبور آمن لمثل هذه الأزمات التي ينتجها النظام الطائفي كل عدة سنوات، منذ ولادته ولا يزال، وهل يحتاج كلام الحريري عن علاقة قرار الانسحاب برفضه أخذ البلد نحو الحرب الأهلية الى تفسير؟

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

%d bloggers like this: