المقاومة وحقول الغاز آذان صماء

 السبت 2 تموز 2022

 ناصر قنديل

يخطئ الكثيرون الذين يعتقدون أن المقاومة منشغلة بمتابعة ما يُسرّب وما يدقق وما يتحقق على مستوى المسار التفاوضيّ، وأنها تتابعه عن كثب وتنتظر نتائجه، وستبني على درجة اقتراب النتائج مما تتوخاه، خطواتها، ولذلك فإن تقدير خطوات المقاومة وسلوكها يمكن أن يبدأ من استشراف اتجاهات المسار التفاوضي؛ فإذا صح الكلام المسرب عن رد إسرائيلي سلبي استنفرت المقاومة، وإذا صحت المعلومات عن ايجابية ترافق المسار التفاوضي أرخت المقاومة سلاحها، والذين يعرفون المقاومة عن كثب يعرفون أن الأمور لا تسير أبداً بهذه الطريقة. فقيادة المقاومة تتابع طبعاً كل ما يثار حول المسار التفاوضي، وتدقق بكل ما يصل من معلومات رسمية أو شبه رسمية أو مسرّبة، كحالها مع متابعة كل ما يتصل بشؤون لبنان من جهة، ومن شؤون الكيان من جهة مقابلة، فكيف عندما يتصل الأمر بالجهتين؟

ما تجب معرفته هو أن هذه المتابعة التقليدية الطبيعية عالية المستوى، فهي أشد دقة وجدية من متابعة أية جهة رسمية أو أمنية أو حزبية، لاعتبارين، الأول أن لدى المقاومة ما يتيح إدماجها بمصادر المقاومة من داخل الكيان ومتابعته لما يجري ويُسرّب ويناقش حتى داخل أروقة وكواليس صنع القرار فيه، والثاني أن المقاومة نجحت بالتحوّل إلى مؤسسة أكثر مما نجحت مؤسسات الدولة بذلك، ولأن الأمر يتصل بالصراع مع كيان الاحتلال ويدخل في صلب مسؤوليات المقاومة، فهو يخضع لمتابعة النواة الأشد صلابة وتماسكاً ومأسسة في هياكل عمل المقاومة، حيث عقول متفرّغة للبحث والتحليل وإصدار التقديرات والتحليلات، وهناك أرشيف منظم وآليات عمل وخرائط ومرجعيّات بحث شديدة التطور، ما يجعل المتابعة التي تجريها المقاومة ومنظومة التتبع والملاحقة التي تعتمدها مصدراً تبنى عليه التقديرات عند الحاجة بالنسبة لصنّاع القرار في الدولة، لكن هذا شيء، واعتبار أداء وعمل المقاومة على صلة بهذا التتبع شيئاً آخر.

قد يظنّ البعض أن التسريبات رسمية او شبه رسمية كالذي نقل عن السفيرة الأميركية في لقاءاتها الرئاسيّة عن لسان الوسيط الأميركي من إيجابيات، او كانت تسريبات إعلامية، كالذي نشر عن رفض إسرائيلي كامل للمطالب اللبنانية وإرفاق ذلك بالتهديدات، يمكن أن تؤثر على تعامل المقاومة مع ملف ما تسمّيه بالشريط الحدودي البحري، بالاستنفار على وقع الخبر السلبي، والاسترخاء على وقع الخبر الإيجابي، فهو بالتأكيد لا يعرف المقاومة. يهم المقاومة أن تعرف كل شيء، وأن تعرف أكثر عن كل شيء، خصوصاً عندما يتصل الأمر بصلب مسؤوليتها واهتماماتها، لكن المقاومة تتعامل بطريقة مختلفة، فهي منذ أن أعلن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله حاصل الدرس والتدقيق لملف الشريط البحري المحتل، ورسم الموقف بمعادلتي، وقف الاستخراج والتحرير، مكلفاً المقاومة بوضع هذا الهدف على جدول أعمالها، انطلقت المقاومة لبناء معادلات ميدانية وترتيب هياكل تنفيذيّة لهذين القرارين، بانتظار تبلور فرضيّة استهداف متاح محقق يطلب الإذن بالتنفيذ، أو صدور القرار ببدء الاستهداف، أو تبلغ قيادة المقاومة العملياتيّة قراراً استراتيجياً آخر يلغي قرار منع الاستخراج والتحرير، وحتى تبلّغ أي من هذه القرارات، فللمقاومة أذن صماء تجاه كل ما يدور في السياسة والإعلام، خارج إطار السعي لمراكمة المعرفة، وتوفير شروط التتبع.

ما يعرفه الاحتلال وداعمو الاحتلال، وما يجب أن يعرفه أهل المقاومة وكل مَن يؤيدها، أنه لو بدأ الاحتلال بتركيب أنابيب الاستخراج لكانت المقاومة أول مَن يعلم، ولفعلت اللازم فوراً، وأنه لو توضعت وتحرّكت سفينة الاستخراج شمالا أو دخلت سواها لأغراض الاستخراج، فإن المقاومة أول من سيعلم، وأول من سيتصرف، فعلاً مباشراً أو تحذيراً معلناً، وفي هذه المرحلة والمقاومة بأعلى جهوزيتها، وبقدرات استثنائيّة يعرف العدو بعضها، بما يوازي ما تمتلكه أحدث جيوش العالم، مضافاً اليه روح الاستشهاد وخبرة أبناء العماد، وهي قادرة بما لديها وبما تعرف، على تنفيذ المهمة، واليد على الزناد.

الاحتلال مردوع ويكثر الكلام، والمقاومة تفرض معادلاتها ولا تحتاج إلى الكلام، وواثقة بأن ما طرحه الرؤساء هو آخر الكلام

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

%d bloggers like this: