الصين في أوكرانيا وروسيا تقاتل دفاعاً عن حدودها الإيرانية أيضاً

السبت 3 كانون الأول 2022

محمد صادق الحسيني

صحيح أن تسونامي، أو أمواج عاتية، من التحليلات والتعليقات التي تدور حول موضوع مناورة القاذفات الاستراتيجية الروسية الصينية المشتركة، التي جرى تنفيذها في أجواء بحر الصين الشرقي وبحر اليابان يوم امس الاول، الاربعاء ٣٠/١١/٢٠٢٢، إلا أن أهمية الحدث تجعل من الضروري الإضاءة، بشكل افضل، على جوانب وأبعاد أكثر عمقًا وأوسع تأثيراً من المناورة الاستراتيجية، التي تم تنفيذها بنجاح كامل، ودون ان تقوم هذه القاذفات العملاقة، وما يرافقها من مقاتلات اعتراضية روسية، من طراز سوخوي ٣٠ وسوخوي ٣٥، ومقاتلات اعتراضية صينية ، بمخالفة القوانين الدولية او اختراق المجال الجوي لأي من دول المنطقة، على الرغم من قيام اليابان بتنفيذ خطوة استعراضية، عندما أطلقت مقاتلات يابانية، من طراز إف ١٦ لمرافقة التشكيلات العسكرية الروسيه الصينية المشتركة، عن بعد طبعاً.
إذن، وبالنظر الى أهمية تفاصيل هذه الطلعة الجوية الاستراتيجية، التي تحمل العديد من الرسائل للغرب الجماعي، وليس فقط للولايات المتحدة، فإننا نرى ان من بين اهم الرسائل التي حملتها هذه التدريبات المشتركة، هي:

عملية هبوط القاذفات الاستراتيجية الروسية في قاعدة جوية صينية، في اقليم شي جيانغ / ، وهي القاعدة التي لا تبعد سوى خمسمئة كيلومتر عن عاصمة الجزيرة الصينية المنشقة، تايوان، وهبوط القاذفات الاستراتيجية الصينية في قاعدة: اوكراينكا / الجوية الروسية، الواقعة في مقاطعة آمور في جنوب شرق روسيا، على بعد ٢٨ كيلومتراً من مدينة: بيليغورسك / الروسية.

ومن الجدير بالذكر أن هذه القاعدة الجوية الروسية هي أكبر القواعد الجوية، المخصصة للقاذفات الاستراتيجية القادرة على حمل أسلحة نووية، وهي مجهزة لاستيعاب اربعين قاذفة استراتيجية في الوقت نفسه.

كما لا بد من الاشارة الى ان هذه القاعدة تقع بالقرب من مدينة روسية، في اقليم آمور (نسبة الى نهر آمور الذي يجري في تلك المقاطعة، وهي مقاطعة حدودية مع جمهورية الصين الشعبية، التي تتشارك مع روسيا الاتحادية بحدود يبلغ طولها: أربعة آلاف ومئتين وتسعة كيلومترات.
ثانيا: إذاً، وبالنظر الى مواقع القواعد الجوية، الروسية والصينية، المستخدمة في عمليات الهبوط المتبادل، للقاذفات الاستراتيجية من البلدين، فلا بد من النظر الى ان مثل هذه العمليات تستدعي تنسيقاً فنياً عملياتياً متقدماً جداً، يشمل عمليات التزود بالوقود وما يمكن أن يلزم من عمليات صيانة وتجهيز وتذكير، لهذه القاذفات العملاقة.

أي أن الأمر لا يقتصر على زيارة مجاملة، بل هو يضع الأسس لعملية تنسيق وتكامل استراتيجي، بين القوات الجوفضائية الاستراتيجية لكلا البلدين، خاصة أن مواقع القواعد الجوية التي استخدمت في هذه العملية هي قواعد جوية قريبةً من مسرح العمليات في بحار الصين، الجنوبي والشرقي وصولاً الى بحر اليابان، القريب من اليابان نفسها وما فيها من قواعد عسكرية اميركية، جوية وبحرية، وكذلك بقربها من جمهورية كوريا الديموقراطية (الشمالية)، وما يعنيه ذلك في ضمان الاستقرار الاستراتيجي ليس فقط لهذه المنطقة وإنما لكامل منطقة جنوب شرق آسيا وصولاً الى بحر الفلبين وغرب المحيط الهادئ، حيث تقع القواعد الجوية والبحرية الاميركية في جزيرة غوام.

ولا بد، في هذا السياق، من الاشارة الى قرب دخول القاذفة الاستراتيجية الصينية، من طراز الى الخدمة الفعلية، وهي القاذفة التي تتمتع بميزات عالية ليس آخرها المدى الذي يمكنها الوصول إليه والبالغ عشرة آلاف كيلومتر، وما لذلك من تأثير في تعزيز قدرات الردع الاستراتيجي، للدول الرافضة للهيمنة الأميركية، في منطقة جنوب شرق آسيا وفي العالم أجمع.

ثالثا: وعليه، فإن جمهورية الصين الشعبية وجمهورية روسيا الاتحادية قد أقامتا خط دفاع جديداً ضد الهيمنة الاميركية، في جنوب شرق آسيا، اضافة الى خط الدفاع الاول، في وجه الغرب الجماعي، الذي تتولى الدفاع عنه القوات المسلحة الروسية، على الجبهة الغربية لمنطقة أورو آسيا، اي على الجبهة الاوكرانية.

كما أن هذا التدريب الجوي المشترك، للقاذفات الاستراتيجية الروسية الصينية، يشكل رسالة غاية في القوة للغطرسة الاميركية في جنوب شرق آسيا، والتي تجلت مؤخراً في تنفيذ سلاح الجو الاميركي مناورات جوية مشتركة، مع عملائه في كل من اليابان وكوريا الجنوبية، شاركت فيها مئات الطائرات الحربية، من البلدان الثلاثة، ليجيء الرد الروسي الصيني بالقاذفات الاستراتيجية، تعبيراً عن استعداد موسكو وبكين، للذهاب الى أبعد الحدود، في الدفاع عن مصالحهما المشتركة، في تلك المنطقة وفي العالم أجمع.
وهذا ما يدحض المزاعم الغربية حول موقف الصين، من المواجهة الروسية الاطلسية على الجبهة الغربية (اوكرانيا) والتي تزعم وجود خلافات بين الصين وروسيا، في ما يتعلق بتلك المواجهة.

رابعا: كما لا بد من الاشارة الى ان هذا التعاون الاستراتيجي، بين موسكو وبكين لن يقتصر على منطقة جنوب شرق آسيا فقط، وانما سيشمل ايضاً تعاوناً مماثلاً سيصل الى منغوليا وكازاخستان، على حدود الصين الشمالية والشمالية الغربية، وغيرها من دول آسيا الوسطى، التي تتكامل مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي تخوض مواجهة استراتيجية مع قوى الإرهاب الدولي، المموّل والموجه من واشنطن وتل ابيب، والذي يستهدف في ما يستهدف ايضاً، فتح جبهة جنوبية ضد روسيا، يتطلع الغرب الجماعي في ما يتطلع، الى استنزاف القدرات العسكرية الروسية من خلالها، وصولاً الى تغيير موازين القوى الميدانية الاستراتيجية، في مسرح العمليات الأوكراني، حيث تواصل القوات المسلحة الروسية الإمساك بزمام المبادرة الاستراتيجي هناك، وتدير المعركة بحِرَفية عالية جداً، وتستنزف قدرات الغرب الجماعي، المالية والعسكرية، الأمر الذي يؤكد فشل المخططات الغربية، في استنزاف القدرات الروسية، الاقتصادية والعسكرية، وإخضاع روسيا والسيطرة على مقدراتها وإعادة عجلة التاريخ الى الوراء.

عالم القطبية الأحادية يتهاوى ويرحل رويداً رويداً.

بعدنا طيّبين قولوا الله…

فيديوات مرتبطة

مقالات مرتبطة

One Response

  1. Reblogged this on penelopap.

Comments are closed.

%d bloggers like this: