حزبان يتزاملان الطريق… وحزب ثالث

نوفمبر 17, 2018

ناصر قنديل

– في هذه الأيام يحتفل حزب البعث العربي الاشتراكي في سورية بذكرى إعادة التأسيس التي تمثلها الحركة التصحيحية التي قادها الرئيس الراحل حافظ الأسد، وأرست لسورية قواعد القوة والحضور التي خاضت بها حروبها وانتصرت، ولا زالت تنتصر، ويحتفل الحزب السوري القومي الاجتماعي بذكرى تأسيس الحزب على يد الزعيم الراحل أنطون سعادة. وهذا التزامن الذي قد يبدو مجرد مصادفة بلا معنى يستحق التوقف أمامها، يصير له معنى ونكهة خاصة عندما نرى الحزبين اللذين تنافسا وتخاصما لعقود بعد تأسيسهما، قد تصالحا وترافقا الطريق وتزاملا بعد إعادة التأسيس التي قادها الرئيس حافظ الأسد لحزب البعث، والمراجعات التي أجراها القوميون لكثير من محطات تتصل بتصويب موقعهم في جبهات الصراع منذ رحيل المؤسس أنطون سعاده.

– جوهر ما جمع الحزبين كان ما هو جوهر عقيدتيهما، حشد طاقة الأمة نحو بوصلة الصراع الوجودي الذي يمثله التحدي الصهيوني التقسيمي والعدواني، ولا مشكلة في أن يرى القوميون الأمة بحدود سورية التاريخية وهي القاعدة الجغرافية والتاريخية التي يعتبرها البعث نواة النهضة العربية، كما لا مشكلة في أن يرى البعث الأمة بحدود ما بين المحيط والخليج وهو ما يعتبره السوريون القوميون الاجتماعيون وفقاً لنظرية مؤسس حزبهم سعاده إطاراً لا غنى عنه لتنسيق وتكامل استراتيجي في المدى الحيوي للأمة السورية. وكان هذا الجوهر للتلاقي المستمر والمتواصل في مسيرة الحزبين، رغم تجمّد بعض الحزبيين هنا وهناك على نكء نقاش عبثي حول قضايا عقائدية في زمن امتزجت فيه دماء البعثيين والقوميين في معارك الدفاع عن سورية بمثل ما سبق وامتزجت في معارك المقاومة والدفاع عن لبنان.

– في منتصف الطريق تلاقى الحزبان مع حزب ثالث يقود مسيرة المقاومة اليوم هو حزب الله، الذي يحمل نظرية الأمة الإسلامية، ولم يفسد الخلاف في الودّ قضية. فالحزب الثالث، الأول في المقاومة حول التلاقي إلى عقيدة، عندما استبدل معادلة العمل الحزبي القائمة على وحدة الهوية وتعدّد الأهداف بمعادلة وحدة الهدف والهويات المتعددة، فكان أمينه العام أول من إبتكر مصطلح الأمتين العربية والإسلامية، فيما كان الإسلاميون والعروبيون يقتتلون لنصف قرن تحت عنوان أمة عربية أم أمة إسلامية، وحول حزب الله هذا المفهوم العملي والنظري للتلاقي إلى نظرية كاملة، بتمييز الإسلام المقاوم عن الإسلام التكفيري الذي تموضع في المشروع المناهض للأمة سواء كانت سورية أم عربية أم إسلامية، فنشأت جبهة مقاومة قومية إسلامية عالمية، في مواجهة جبهة موازية تضم عرباً ومسلمين ولبنانيين وسوريين، وتقف واشنطن على خط نهايتها، ويختصر التهاون مع خطر الاحتلال جوهر هويتها، وصولاً إلى الاستعداد بالتصريح والتلميح للتعاون مع كيان الاحتلال.

– الجيش العقائدي الذي صنع النصر في سورية هو جيش البعث، وحزب الله الذي شارك في صناعة النصر السوري وصنع النصر المقاوم في لبنان هو حزب العقيدة الإسلامية، والحزب السوري القومي الإجتماعي الذي شارك في صناعات الانتصارات وقدّم التضحيات في كل الجبهات هو حزب عقيدة سعاده القائمة على الإيمان بالأمة السورية وأهليتها للوحدة وقدرتها على الانتصار، وقد جمعتهم بوصلة واحدة حاضرة بقوة في كل مفردة هي فلسطين.

– الاحتفال في هذه الأيام هو احتفال لفلسطين بوصلة لا تعدّل وجهتها قوة.

 

مقالات مشابهة

Advertisements

حرب اليمن وقتل الخاشقجي

نوفمبر 16, 2018

ناصر قنديل

– في التشابه الوحشي بين حرب اليمن وقتل جمال الخاشقجي بعض رمزية الفاعل، لكن في التزامن بين مأزق القضيتين وضغطهما على النظام الحاكم في السعودية رمزية أخرى تتّصل بسطحية فهم هذا النظام للمعادلات الجديدة، التي تحرّك التعامل الدولي مع القضيتين، وكيف تصنع أوهام العظمة الأخطاء القاتلة، وكيف يلعب غرور القوة دوره في تصوير التورّط في مأزق جديد مخرجاً من مأزق قديم، فالمخارج التي يقدّمها نظام الحكم السعودي للقضيتين لا تشكل سوى بداية القبول لمسار سيتكفل في تفاصيل الحلقات المتتابعة منه بتعميق المأزق وليس الخروج منه.

– الرواية الجديدة للتحقيق السعودي لم يقرأها أحد إلا إقراراً بالمأزق من جهة، ومحاولة التفاف عليه بالإعلان عن نية التخلص من شهود مشاركين بالقتل لطمس الأدلة والرواية الكاملة، وقطع الطريق على تحقيق دولي يكشف الحقيقة، لكن الرواية الناقصة ستزيد المطالبين بالتحقيق الدولي، والحديث عن وقف الحرب في اليمن محاولة استرضاء لغضب الراي العام الدولي من وحشية المشهد الميؤوس من قدرته على تحقيق نصر عسكري سعودي، والتفاف على الحل السياسي الجدّي بربط كل حل بالحفاظ على الهيمنة السعودية على اليمن، لكنه بالأساس محكوم بالتزامن مع قضية الخاشقجي ورهان على تخفيف الضغوط المرتبطة بها، والترابط سيستمر وسيُصرف كل ضعف سعودي في قضية لإضعافه في القضية الثانية.

– لا يمكن إنكار المكانة التي يحتلها في خلفية المشهد الراهن، الفشل المشترك للسعودية و»إسرائيل» وفي طليعتهما إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البديل الاستراتيجي المشترك لهزائم حلف الحرب على سورية، أمام صعود الحلف الروسي الإيراني السوري، والمتمثل بالتحالف المعلن بين السعودية و»إسرائيل» بوجه إيران على خلفية توقيع سلام فلسطيني إسرائيلي بشروط الأمن الإسرائيلي برعاية أميركية بدأت بالإعلان عن القدس عاصمة لـ«إسرائيل». والفشل هنا ناتج عن صحوة شعبية فلسطينية جعلت الحصول على التوقيع الفلسطيني على الشروط الإسرائيلية التي سُمّيت بصفقة القرن مستحيلاً، ومع الفشل سقط البديل الاستراتيجي كله، ولا ينقذه خيار العقوبات المبني أصلاً كفرع من جزء على هذا المناخات التي يفترض أن يوفرها هذا البديل. وأمام هذا الفشل على الحلفاء تقاسم فاتورة هزائم حروب القرن الحادي والعشرين، أو تدفيعها كلها لواحد من الحلفاء، هو دائماً الأضعف والأشدّ تبعية. وهنا تكون السعودية هي الغنيمة التي يجب تقاسمها تفادياً لفواتير الهزيمة، وما يجري في ملف اليمن والخاشقجي محكوم بمسار استثمار طويل لبلوغ هذا الهدف.

– سيتحول الحديث عن مصداقية السعودية وتحقيقاتها إلى مطالبات تتصاعد بتحقيق دولي، وستحاول السعودية تفادي الخطر برواية جديدة للتحقيق، كما فعلت لمرات عدة خلال شهر ونصف، وسيتحول الحديث عن وقف النار في اليمن إلى حديث عن فك الحصار بعدما يثبّت وقف النار، وكما ستجد السعودية أنها تتراجع بالتتابع والتدريج في ملف الخاشقجي فهي أيضاً ستجد نفسها محكومة بالتراجع المتتابع في ملف اليمن.

– ليس التزامن صدفة ولا المسار سينتهي عند واحدة من محطات التزامن الذي سنشهد محطات لاحقة له أكثر وضوحاً وأشد قوة، وسيكتشف السعوديون بسهولة في منتصف الطريق أن عملية فك وتركيب دولتهم تتم على إيقاع قضيتي الخاشقجي واليمن، تحت شعار الوقاية مما هو أعظم، وسيكتشفون أن الطريق المرسوم لهم هو تركهم يصلون إلى الذهاب نحو هذا الأعظم طوعاً.

Related Videos

Related Articles

الحرب والتطبيع… أوهن من بيت العنكبوت

«إسرائيل» أوهن من بيت العنكبوت، قالها السيد نصرالله ولا زالت عالقة كشوكة في حلوقهم،

نوفمبر 15, 2018

ناصر قنديل

– منذ العام 2000 والمعادلة العبقرية لقائد المقاومة السيد حسن نصرالله تقضّ مضاجع قادة كيان الاحتلال، «إسرائيل» أوهن من بيت العنكبوت، قالها السيد نصرالله ولا زالت عالقة كشوكة في حلوقهم، خاضوا حرب تموز 2006 وحلمهم رفع علم الاحتلال في ساحة النصر في بنت جبيل، حيث قالها علهم يتحررون من وطأتها، فجعلتها حرب تموز معادلة استراتيجية راسخة، فخاضوا حرب غزة ودبّروا الحرب على سورية وحرب اليمن وفي عقولهم وخطط مفكريهم، التحرر من عقدة بيت العنكبوت، وها هم الآن يعودون بصفقة القرن وتسمية القدس عاصمة أبدية لكيان الاحتلال بكل الدعم الأميركي والتطبيع الخليجي، وبالإشهار عن أن دولتهم قومية يهودية، ويخوضون حربهم على غزة، فماذا يقول التاريخ وماذا تقول الوقائع؟

Image result for ‫الكورنيت في غزة‬‎

– حربهم الأخيرة على غزة التي توقفت في منتصف الطريق كانت تأكيد المؤكد بأن كيانهم وجيشهم أوهن من بيت العنكبوت، فالميدان اليوم له أسياده، ولم يعد جيش الاحتلال مَن يرسم المعادلات فيه، الكورنيت حسم السيطرة في البر، والقدرات الاستخبارية للمقاومة أعادت لهم جثث كبار ضباطهم بدلاً من الإنجازات، والصواريخ أسقطت قبتهم الحديدية وسقطت على رؤوسهم، والتهديد بالتصعيد جاءهم بالتهديد المقابل بالمزيد، الصواريخ الدقيقة والعالية القدرة والبعيدة المدى ستنزل إلى ساحات النزال، وترعد فوق تل أبيب.

– في السياسة تقول الحرب في سورية والحرب في اليمن، إن الأهداف الإسرائيلية سقطت، وإن الذراع الإسرائيلية مغلولة، وإن مشروع صفقة القرن يسقط بالضربة القاضية، غياب الشريك الفلسطيني، لأن الشعب الفلسطيني رسم خطوطه الحمراء، مَن يتنازل عن القدس مقتول مقتول، فماذا تقول لهم خطواتهم التي ترعاها واشنطن في الخليج وضم القدس وإعلان يهودية الدولة؟

– مرّ كيان الاحتلال بأربع مراحل من التعامل مع مرجعياته في مقاربة السعي المحموم نحو التطبيع، في المرحلة الأولى لم يكن يعرض سوى تطبيع تقيمه دباباته حيث يحتل الأرض ويضمّ الجغرافيا ويفرض على السكان الرضوخ لذل الاحتلال، وهي صيغة التطبيع التي تتناسب مع مشروع «إسرائيل» الكبرى القائمة على منهج الاحتلال ورسم حدود الكيان بالقوة، وقد سقطت في الجولان العربي السوري بانتفاضة أهله وتمسكهم بهويتهم العربية السورية، وتكرّس سقوطها منذ عام 2000 بسقوط مشروع التوسّع، وفشل الكيان بالاحتفاظ باحتلال جنوب لبنان وتالياً فشله بالاحتفاظ باحتلال غزة.

– في المرحلة الثانية كانت «إسرائيل» العظمى هي البديل الاستراتيجي، وعنوانها مقايضة الأمن بالهيمنة، ومحورها التطبيع الاقتصادي لحجز مقعد المدير الاقتصادي للمنطقة، مقابل القوة العسكرية القادرة على التدمير، لكن شرطها تظهير قدرة الردع، فجاءت حرب تموز 2006 وتكفلت بما بقي منها. وفي المرحلة الثالثة كانت «إسرائيل» الفضلى هي البديل الاستراتيجي الجديد وعنوانها إعادة صياغة المنطقة من خلف الستار وفقاً للمصالح الإسرائيلية، وأداتها التطبيع مع تنظيم القاعدة والفكر التكفيري بأدواته ومرجعياته الخليجية، وكانت الحرب على سورية أداة تطبيق المشروع، والإعلان عن أن جبهة النصرة كنموذج لهذا التطبيع شريك في الأمن الاستراتيجي لكيان الاحتلال، وقد سقط آخر ما تبقى من هذا التطبيع الذي شمل العلاقات التحالفية المعلنة مع حكام الخليج بالضربة القاضية في جنوب سورية.

– تطل المرحلة الرابعة، وعنوانها «إسرائيل» الصغرى، وشرطها الانكفاء خلف الجدار، والاكتفاء بالاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لكيان الاحتلال، وإشهار يهودية الدولة، وهي ثمرة التسليم بسقوط فرص التسوية مع محور المقاومة، وسقوط فرص ضربه وإضعافه، وسقوط فرص إيجاد شريك فلسطيني بقياس المصالح الإسرائيلية لمضمون التسوية، وشكل التطبيع الذي يتناسب مع بدء أفول الكيان وقوته وقدرته على رسم الخرائط، هو التطبيع الذي نشهده مع حكام الخليج، لتوظيفه في إزالة الذعر الذي يعيشه المستوطنون في الكيان القلقون من مستقبل كيانهم، غير الواثقين بغدهم، في ظل ذعر استراتيجي عنوانه أن وجود الكيان صار مطروحاً على بساط البحث، ومثل هذا التطبيع يسهم في نشر ثقافة الاطمئنان بأن «إسرائيل» كيان طبيعي معترف به في المنطقة، حتى لو كان من يعترفون ليسوا من تخشاهم «إسرائيل» وتعتبرهم التهديد الاستراتيجي لوجودها، وهم من يتسبب لها ولمستوطنيها بهذا الذعر الاستراتيجي، فهو تطبيع بيت العنكبوت، كما باتت الحروب حروب بيت العنكبوت.

– كان لي شرف المشاركة في مؤتمر علمي بدعوة مشتركة من جامعة حلب والمستشارية الثقافية الإيرانية في سورية، ومما قلته في مشاركتي،

إن تلاقي السنن التاريخية والسنن الإلهية جعل الرد على التطبيع الإسرائيلي مع تنظيم القاعدة كردّ على الفشل في حرب تموز ومحاولة استجلاب مَن يباهي حزب الله في بذل الدماء، قد جاء على يد حزب الله نفسه، الذي تكفل بقطع يد تنظيم القاعدة ومتفرعاته في سورية داعماً الدولة السورية وجيشها،

إن تلاقي السنن التاريخية والإلهية يقول اليوم

إن الرد على التطبيع الخليجي المبرمج لحساب «إسرائيل» الصغرى بعد الهزيمة التي تلقتها الحرب التي دبّرتها «إسرائيل» ضد سورية وكان سقوطها مدوياً في حلب، ها هو يبدأ من حلب، حيث المدينة العربية الجريحة، التي لا تزال تلملم بقايا أشلائها بعد دمار وخراب وموت، هي المدينة العربية الأولى التي تقود المواجهة على هذه الحلقة من التطبيع، لكنه تطبيع بيت العنكبوت، دون أن يغير ذلك من وصف الجرم بما يستحق، لكن دون وهم الظن بأن «إسرائيل» تتفوق وتتقدم، فهو حلف المتعوس الحاكم للخليج مع خائب الرجاء المنتقل من حرب فاشلةإلى تطبيع فاشل.

Related Videos

Related Articles

البعد الإقليمي في تعقيد ولادة الحكومة

ناصر قنديل

– يستصعب اللبنانيون على اختلاف مشاربهم تصديق أن تكون اسباب تعقيد الحكومة محلية، ليس فقط لأنهم لا يثقون بلبنانية الخلفيات المحرّكة للقوى السياسية، ولا لأنهم أحياناً يرغبون بالتفكير بأسباب تخفيفية لقادتهم في ما يخطئون فيه باعتبار الأزمات فوق طاقتهم، أو لأنهم اعتادوا في كثير من الأزمات السابقة أن الحلول لا تتم بابتكار مخارج غير مألوفة بل بقبول ما لم يكن مقبولاً، وما كان ممكنا قبوله من قبل وتجنيبهم عذاب الانتظار وعقاب التعقيد، وتأتي كلمة السر من مكان ما في الخارج فتحل العقد بسحر ساحر، بل أيضاً لأنهم لا يتخيّلون أن أحداً من السياسيين لا يدرك حجم المخاطر المحيطة بالبلد اقتصادياً وسياسياً، والكلام صار علنياً عن درجة الخطر، أو أنهم يدركون ذلك ويمعنون في اللعب على حافة الهاوية والهاوية لم تعد بعيدة، لكنها إذا ما انزلقت القدم إليها ستكون سحيقة جداً.

– في حوار بين صديقين لدودين ينتمي كل منهما لفريق سياسي، حول الأسباب الإقليمية للتعقيد الحكومي، قال أحدهما للآخر، صحيح أنه ليست لدينا الوقائع التي تتيح تفسير التعقيد بأسباب إقليمية، لكن توقيت تصعيد حزب الله ووقوفه خلف عقدة لا تستحق منع قيام حكومة، بلغة عالية السقف، لا يمكن فهمه إلا كرسالة للخارج حول ربط مصير كل القرارات الخاصة بلبنان بموافقته وإلا فلا قرارات لها قيمة مهما كان حجم القوى السياسية والمواقع الدستورية المتفقة عليها، ما لم يوافق عليها حزب الله، ومن ورائه ضمناً إيران، وهذه رسالة ربما تحتاجها إيران في سياق التجاذب الدائر بينها وبين أميركا، والتي تشكل العقوبات الأميركية أحد وجوهها، لكن المنطقة كلها تشكل مسرحاً لها في المواجهة والتفاوض والرسائل التفاوضية.

– أجاب الصديق اللدود صديقه بالقول تعال لنتساءل من خلال ما نعرفه عن تاريخ المواجهة والتفاوض بين كل من سورية وإيران مع أميركا، والخبرة المتراكمة لدى كلتيهما من وحي هذا التاريخ، وهل يمكن تخيل أن تتوقع إيران وسورية أن تعطيل الحكومة في لبنان يعادل عند الأميركي معركته الاستراتيجية مع إيران حول دورها في المنطقة، ومعركته مع سورية حول مستقبل الحل السياسي ومدى الأمن الإسرائيلي. والسؤال ماذا ستخسر أميركا من تعطيل الحكومة في لبنان، بل السؤال ماذا ستكسب وهي تسميها حكومة حزب الله، وتعتبر رئيس الجمهورية وفريقه حلفاء لحزب الله، وتعرف أن الحكومة في أسوأ ظروف تشكيلها ستقدم الغطاء السياسي لسلاح حزب الله، وتفرض تحول المعركة على السلاح من معركة مع حزب ينقسم من حوله اللبنانيون بلا حكومة تجمعهم، إلى معركة واجهتها الدولة اللبنانية وحكومتها؟

– تابع الصديق اللدود لصديقه يقول ماذا لو أخذنا الفرضية المقابلة، أن واشنطن خلال الشهور الماضية قامت بالإيحاء لحلفائها بأن لا حاجة للسرعة في تشكيل الحكومة، فبالغوا بطرح الشروط وطلب الحصص المضخمة، لأن واشنطن كانت في ذروة الاندفاعة نحو صفقة القرن ووهم إيجاد الشريك الفلسطيني فيها لإعلان الحلف الخليجي الإسرائيلي بوجه إيران. وبالتوازي كان الرهان على العصا الإسرائيلية لضرب التمركز العسكري لإيران وحزب الله في سورية تمهيداً للتفاوض مع روسيا حول شروط الحل السوري بدونهما. ولا يمكن في هذا المناخ أن تهدي إيران حكومتين، واحدة في لبنان والثانية في العراق تستكملان الربط بين مفاصل الجغرافيا الممتدة من إيران إلى ساحل المتوسط، وبعدما تراجعت حظوظ الرهانين، تحلحلت العقد التي كانت، لكن ظهر مستجد يطال البحث الدولي بمستقبل السعودية وفي المضمون إضافة لقضية مقتل جمال الخاشقجي، الفشل السعودي في كل الجبهات، وها هو اشتعال حرب اليمن يتزامن مع تعطيل من نوع مختلف لحكومتي لبنان والعراق، كأن السعودية تريد الإطمئنان لوضعها عند الدول الغربية، عبر رسالة تقول إن الأميركي سيعاني في العراق والأوروبي سيعاني من موجات نزوح السوريين من لبنان ما لم يتم الحفاظ على مكانة السعودية ودورها وحجمها وأولاً وأخيراً نظام الحكم فيها.

– لم يجب المتحدث الأول برد على صديقه، بل طرح سؤالاً، فقال له، ومتى تعتقد أن الأمور ستفرج، فقال له الصديق اللدود لدينا موعدان، الأول نهاية الشهر كموعد معلن أميركياً لوقف الحرب في اليمن سيكشف مسار العلاقة الأميركية السعودية، والثاني في نهاية السنة يتصل بنهاية المهلة المقررة لانعقاد اللجنة الدستورية للحل السياسي في سورية. فعاد الصديق لسؤال صديقه، هل تعتقد أن رفض الرئيس سعد الحريري لتمثيل سنة الثامن من آذار سيتبدل؟ فأجابه، هل تعتقد أن الرئيس الحريري جادّ في كلامه أنه يرى في الأمر تحدياً مصيرياً؟ تخيّل لو أنه قام بتمثيلهم منذ البداية ودلني على نوع الخسارة التي ستلحق به؟

Related Articles

ماذا تقول مواجهات غزة للبنانيين؟

نوفمبر 14, 2018

ناصر قنديل

– خلال يومين شهد قطاع غزة مواجهة نوعية بين قوى المقاومة وجيش الاحتلال. المواجهة بدأت بعملية نوعيّة لمخابرات الاحتلال داخل غزة، نجحت المقاومة بمنعها من تحقيق أهدافها وكانت الحصيلة شهداء فلسطينيين ومقتل ضابط مخابرات صهيوني رفيع الرتبة وجرح آخر، ولم تكتف المقاومة بهذه الحصيلة بل نظمت رداً نوعياً في اليوم التالي تجسّد باستهداف مواقع الاحتلال والمستوطنين بعشرات الصواريخ ليضاف للحصيلة مقتل جندي وإصابة آخر. وعاد بنيامين نتنياهو على وجه السرعة قاطعاً زيارته لباريس واجتمع بمجلسه الأمني المصغر، وكان الرد شن غارات إسرائيلية على غزة، وتواصل إطلاق الصواريخ، وأعلنت المقاومة أنها سترد بمدى أبعد ونوعية أشد قوة من الصواريخ إذا تواصل العدوان، خصوصاً بعدما أظهرت المواجهات محدودية قدرة القبة الحديدة في تعطيل صواريخ المقاومة من جهة، وضعف القدرة الاستخبارية للاحتلال الذي تورّطت مخابراته بعملية تبين أن المقاومة جاهزة لمواجهتها، بينما أطلقت المقاومة صاروخاً حرارياً تمكّن من بلوغ هدفه المرصود بعناية وهو حافلة تنقل عشرات الجنود، فأصابها ونجا الجنود بأعجوبة لمغادرتهم لها قبل دقيقة من إصابتها واحتراقها بصورة كاملة.

– هذه الوقائع برسم الذين يفترضون أن ميزان الردع الذي تملكه المقاومة في فلسطين، وفي لبنان بصورة أشدّ وأقوى، قد اهتزت بفعل العقوبات على إيران، أو بفعل التعاون والتطبيع بين كيان الاحتلال وحكام الخليج. فالمواجهة التي شهدتها غزة تقول شيئاً واحداً، وهو أن اليد العليا في أي جولة حرب صغيرة أم كبيرة لا تزال لقوى المقاومة، وأن كيان الاحتلال أمام مأزق العجز المركب، العجز عن احتمال الصمت على تنامي مقدرات قوى المقاومة، والعجز عن استهداف هذه المقدرات دون التورط في مواجهة يجد نفسه مضطراً لوقفها بشروط المقاومة، وعجزه عن صدّ صواريخ المقاومة، كما عجزه عن تحدي المقاومة في الميدان الاستخباري.

– خلافاً لكل الأوهام التي يتم الترويج لها، يثبت أن معادلات القوة في المنطقة وتوازناتها راجحة بصورة ثابتة لصالح قوى المقاومة، وأن المعسكر المقابل الذي يمثله تحالف كيان الاحتلال وحكام الخليج مأزوم وعاجز، رغم ضخامة ما يمتلك من مقدرات مالية وتسليحية. ففي سورية هذا التحالف يخرج من المعادلة، وفي فلسطين مصاب بالعجز، وفي اليمن من فشل إلى فشل، بل إن هذا الحلف عاجز عن إطلاق عملية سياسية عنوانها رعاية أميركية لما عرف بصفقة القرن، لأن قوى المقاومة نجحت في تعميم ثقافتها في صفوف شعبها، وباتت هذه الثقافة رادعاً يمنع إيجاد أي شريك فلسطيني في هذه الصفقة، أما في لبنان فالذين يتوهّمون ويروّجون أن حزب الله في أزمة فهم في حالة غيبوبة عن الحقائق والوقائع التي لا مجال لتعديلها، وهي أن المقاومة في لبنان تعيش زمن الانتظار الهادئ لحصاد زرعها، وهذا مصدر قدرتها على تحمّل كل هذه الهيستيريا التي يعيشها حلف خصومها الداخليين وأعدائها الخارجيين، الذين يرسمون لأنفسهم أحلاماً وأوهاماً ويريدون تصديقها، وحقيقة غزة الساطعة تقول ما يجب أن يفهموه، أن زمن الهزائم قد ولى وزمن الانتصار تجلّى، والحديث عن كون لبنان في دائرة الخطر من عدوان إسرائيلي كلام يجب أن يشطب من الخطاب السياسي، لأن مبرره الوحيد هو عدم منح العدوانية الإسرائيلية شهادة براءة ذمة، لكن الحقيقة الثابتة هي أن لبنان خارج دائرة الخطر، وإن تجرأ بنيامين نتنياهو وعساكره بالذهاب في غزة إلى مواجهة أوسع فسيرون العجب العجاب، وهو ليس إلا بعض البأس الذي ينتظرهم عندما يحاولون العبث مع المقاومة في لبنان.

لبنان أمام خطر وحيد، هو الخطر في الجبهة التي لا تتولى المقاومة حراستها، ويتولى ادعاء حراستها خصوم المقاومة منذ ثلاثة عقود. وهي الجبهة الاقتصادية والمالية والاجتماعية، ووفقاً لكلامهم هم، لم تكن النتيجة إلا فاتورة دين يبلغ مرحلة الخطر، ووضعاً اقتصادياً يصفونه هم بشديد الخطورة، وحافة الانهيار، وعلى هؤلاء أن يتعظوا من الخبرة العظيمة التي تقولها تجربة المقاومة في ما تولته من مسؤولية وفازت فيه بالنصر العظيم، ويعرفوا أنه قابل للتكرار في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وعنوان الخبرة هو الثقة بالشعب واحترامه، وعدم السماح بربط مصيره بتسديد فواتير للخارج، أي خارج.

Related Videos

Related Articles

بعد كلام السيّد: المعاملة بالمثل بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة

نوفمبر 12, 2018

ناصر قنديل

– خلال الشهور التي أعقبت تسمية الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة سعد الحريري تعطّل تشكيل الحكومة لشهور بسبب واضح تكشفه الحلحلة التي تمّت لعقدتي تمثيل كل من حزب القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي، حيث تراجع الاشتراكي عن مطلب غير محق ومضخّم بنيل ثلاثة مقاعد، وتراجعت القوات عن مطلب شديد المبالغة في التضخم نحو مكسب مضخم بدرجة نسبية لكن برضا شريك التمثيل في الطائفة الذي يمثله التيار الوطني الحر وبتنازل عن منصب نائب رئيس الحكومة من قبل رئيس الجمهورية، فبقيت القوات تحتل بـ15 نائباً 4 مقاعد وزارية وصار الاشتراكي ممثلاً بوزيرين. وهذا معناه عملياً تمثيل 24 نائباً بستة مقاعد وزارية، ومعيار التمثيل يكون هنا هو وزير لكل أربعة نواب، لكن رئيس الحكومة الذي قاتل بكل قواه لرفع نسبة تمثيل حلفائه وسعى لتحصيل مطالبهم الشديدة التضخم، لم يمتنع ولا منع حلفاءه من توجيه الاتهام مراراً خلال شهور التعطيل، لرئيس الجمهورية بالسعي للنيل من صلاحيات رئيس الحكومة، كما لم يمتنع ولا منع حلفاءه من رفع متاريس طائفية في قلب هذا الاتهام جامعاً رؤساء الحكومات السابقين ومستصدراً منهم بيانات داعمة لما أسماه معركة الصلاحيات، ومن دون التردد في إقحام دار الفتوى في هذه المعركة المفتعلة.

– بالمقابل بقي رئيس الجمهورية حريصاً على تأكيد احترامه لصلاحيات رئيس الحكومة كشريك كامل في تشكيل الحكومة، وكصاحب الحق الوحيد بعرض التشكيلة الحكومية مقابل حق رئيس الجمهورية بالاعتراض وطلب إدخال التعديلات عليها. وفي ذروة دفاع رئيس الجمهورية عن محاولات مكشوفة للنيل من صلاحياته وتحويله إلى مجرد بريد رسمي لإعلان تشكيلة رئيس الحكومة لحكومته، لم يستنفر رئيس الجمهورية حلفاءه ولا زجّ بالمرجعيات الدينية في معركة محقة هي الدفاع عن صلاحيات رئيس الجمهورية، كشريك كامل في تشكيل الحكومة وفقاً للدستور الذي خرج من اتفاق الطائف، وفي ذروة اندفاع رئيس الحكومة لتحصيل ما ليس محقاً لحلفائه، تعامل رئيس الجمهورية بلغة الاحتواء بدلاً من المواجهة، وأظهر حرصه على تدوير الزوايا فتولى حلحلة عقدة الحزب الاشتراكي، بما لم يكن رئيس الحكومة راضياً عن نتيجته، وتولى التنازل عن منصب نائب رئيس الحكومة لحساب القوات اللبنانية من حصته، ورئيس الحكومة يضغط خلال كل هذه الفترة على فريق رئيس الجمهورية لتقديم التنازلات لحساب حلفائه، بما لا تخوّلهم مقاعدهم النيابية بنيله.

– خلال الأيام القليلة الماضية ظهرت صعوبة ولادة الحكومة من دون تمثيل النواب السنة الذين يمثلون ثلث ناخبي طائفتهم ويحتلون ثلث مقاعدها النيابية، ويحق لهم ثلث مقاعدها الوزارية، ويرفض رئيس الحكومة منحهم مقعداً واحداً بدلاً من حقهم بمقعدين، ويشنّ عليهم حملة ظالمة ويطلق عليهم أوصافاً لا تليق برئاسة الحكومة، ولا بزعامة وطنية، يفترض أنها تحترم إرادة الشعب الذي يمنح النواب مقاعدهم في العملية الديمقراطية ومنه تستمدّ عبر مجلس النواب كل حكومة شرعيتها الدستورية، ومعها رئيسها، ورغم ذلك حاول رئيس الجمهورية أن يمون على حلفائه عبر ضغط نفسي ومعنوي وأدبي، بإعلان تضامنه مع رئيس الحكومة ورفض التسليم بحق النواب السنة، وتوصيف تمسك حزب الله بتمثيلهم خطأ تكتيكياً يصيب الاستراتيجية الوطنية.

– لأن رئيس الجمهورية فعل كل ما فعله في السابق لتسهيل ولادة الحكومة، وحاول أن يضغط للتسهيل، ولكنه وجد موقفاً لا مجال للتراجع فيه لدى حزب الله بعد كلام السيد حسن نصرالله، وصار أمام معادلة استعصاء فهو معنيّ من الموقع ذاته بالسعي لتذليل العقدة بغض النظر عن رغبته بكيفية تذليلها، وقد بات لذلك طريق واحد يعرف الرئيس أنه ليس السعي للضغط على حزب الله للتراجع عندما يكون مقتنعاً بأنه يقوم بعمل وطني، كما كان الحال يوم جمّد حزب الله تشكيل الحكومة الأولى للرئيس سعد الحريري شهوراً بانتظار توافق الحريري مع رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل عام 2009، وكما كان الحال يوم تحمّل حزب الله الاتهامات بتعطيل الانتخابات الرئاسية والتسبّب بالفراغ الرئاسي ليقينه بأحقية العماد ميشال عون بالرئاسة. وهو اليوم بلسان السيد نصرالله، يعلم أن الإجحاف السياسي بحق فريق الثامن من آذار في التشكيلة الحكومة بالمقارنة مع تمثيل الرابع عشر من آذار لا يمكن تبريره إلا بالضعف وليس بالتواضع. وحزب الله ليس ضعيفاً ليقبل بتمثيل فريقه بسبعة وزراء مقابل إثني عشر وزيراً لقوى الرابع عشر من آذار، وهما بحجم نيابي واحد، فإذا كان المعيار المعتمد وفقاً لتمثيل القوات والاشتراكي هو وزير لكل أربعة نواب، فلذلك نتيجة أولى أن يكون لتيار رئيس الحكومة خمسة وزراء فقط بدلاً من ستة، والفارق كافٍ لحل مشكلة تمثيل سنة الثامن من آذار، ونتيجة ثانية هي نيل فريق الثامن من آذار وفقاً للمعيار ذاته، لكن بالمقابل يرتضي فريق الثامن من آذار بتواضع، أن يطبق عليه معيار مزدوج بحيث يكون لكل 4 نواب من 14 آذار وزير ولكل ستة نواب من 8 آذار وزير، لأنه إذا طالب بالمعيار ذاته لتمثيل قوى الرابع عشر من آذار مقابل 45 نائباً يمثلهم فستكون حصته 11 عشر وزيراً كما هي حصة الرابع عشر من آذار، بينما هو يرتضي التمثيل بـ8 وزراء فقط إذا تم تحصيل مقعد وزاري للنواب السنة في اللقاء التشاوري.

– المعاملة بالمثل مع رئيس الحكومة تستدعي من رئيس الجمهورية مطالبته بالتنازل عن مقعد من طائفته ليحل المشكلة، علماً أن هذا المقعد حق ثابت، يريد رئيس الحكومة وضع اليد عليه بغير حق، بعدما لبّى رئيس الجمهورية طلب رئيس الحكومة بمنح مقعد غير مستحق من طائفته لحساب القوات اللبنانية وفوقه صفة نائب رئيس الحكومة، تحت عنوان التعاون لتسهيل ولادة الحكومة. وعسى ألا يقبل رئيس الحكومة بالتمني ليفتح باب تشكيل الحكومة من جديد، وفقاً لمعادلة التمثيل بمعيار واحد لأنه الأمثل والأكثر استقراراً وفقاً لكلام رئيس الجمهورية المتكرر، فإما حكومة بـ 36 وزير لتتسع لـ11 وزيراً لكل من 8 و14 آذار وتكون حصة التيار الوطني الحر وتكتله بـ 7 وزراء، وفقاً لمعيار وزير لكل 4 نواب، ووزير لكل من حزب الكتائب وتكتل الرئيس نجيب ميقاتي إذا رغبا وإلا تؤول حصتهما بوزير لكل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إضافة لـ 5 وزراء محسومين لرئيس الجمهورية. وهكذا تتمثل الأقليات ويتمثل العلويون، أو حكومة بـ 30 وزيراً وفقاً لمعيار وزير لكل خمسة نواب يكون فيها 9 وزراء لكل من 8 و14 آذار و6 وزراء للتيار الوطني الحر وتكتله و6 وزراء لرئيسي الجمهورية والحكومة 5 بـ 1 ، والنصيحة بلا جميلة وبلا جمل، لكن لا تضيّعوا وقتاً بغير هذا التفكير.

– اللهم اشهد أني بلغت.

Related Videos

Related Articles

اليمن سيبقى مصدر الكلمة الفصل

نوفمبر 10, 2018

ناصر قنديل

– خلال عشرة أيام ماضية تزامن الحديث الأميركي عن وقف النار في اليمن في مهلة أقصاها نهاية الشهر الحالي، مع خطة عسكرية وضعها الأميركيون وقدموا كل مستلزماتها اللوجستية والاستخبارية للجيشين السعودي والإماراتي للسيطرة على مدينة الحديدة ومينائها، لتكون ورقة القوة التي تبرّر الذهاب للتفاوض من موقع مختلف. وخلال الأيام العشرة تلقت مدينة الحديدة وما حولها آلاف الأطنان من المتفجرات، ودمرت فيها المباني والجسور، وقتل فيها المئات من الأبرياء، وأحرقت صوامع الغذاء والمحروقات، وتقدّمت وحدات النخبة في الجيشين السعودي والإماراتي على مجموعة من المحاور وحققت في بعضها تقدماً جدياً. وبدأت الاحتفالات بالنصر في قيادة حلف الحرب على اليمن.

– من الزاوية الاستراتيجية بات قرار السيطرة على اليمن من أضغاث الأحلام وصار السقف تفاوضياً بوضوح في خطة الحرب الأميركية السعودية الإماراتية، ومن الزاوية السياسية الدولية والإقليمية في ظل ما يطال السعودية من مستقبل رسم الدور، في ضوء سقوط الرهان على صفقة القرن بغياب الشريك الفلسطيني الموعود، لا أمل بمواصلة الحرب على اليمن، وهذه الجولة هي آخر الجولات. ويجب مع نهاياتها ترسيم التوازنات قبل الذهاب للمفاوضات، وبعدها سيكون حجم السعودية والإمارات بحجم المنجزات، أو الخيبات، خصوصاً مع الارتباط العضوي بين مواصلة العقوبات على إيران وبين قدرة السعودية على تشكيل ركيزة لرسم توازن خليجي متين بوجه إيران يشكل ركناً من أركان سياسة العقوبات بعدما سقط الرهان على دور إسرائيلي عسكري يستهدف إيران في سورية، وسقط الرهان على صفقة القرن والحلف الخليجي الإسرائيلي المعادي لإيران تحت رايات السلام في فلسطين.

– تدرك القيادة اليمنية كل هذه الحقائق، ولذلك هي تتصرّف على قاعدة أن هذه الجولة ستقول الكلمة الفصل في الكثير من معادلات المنطقة، وخصوصاً في رسم مستقبل الدور السعودي والإماراتي وحدوده، كما في مستقبل التوازنات التي ستحكم المفاوضات المقبلة حول مستقبل اليمن، كما تدرك القيادة اليمنية أهمية الساحل الغربي في هذه المعادلة وفي قلبه مدينة الحديدة ومينائها، لكن القيادة اليمنية تدرك أيضاً حجم ما تمّ حشده من مقدرات لهذه المعركة الفاصلة، وما أعدّ لها من خطط قتل ودمار، لذلك تصرّفت القيادة اليمنية بقلب حار وعقل بارد مع تطورات الأحداث، فشككت بصدق الحديث الأميركي عن وقف الحرب منذ البداية ووضعت شروطها بفك الحصار أولاً، ولذلك أعادت القيادة اليمنية نشر قواتها وترتيب وضعياتها بما يخفف الخسائر في الأيام الأولى للجولة العسكرية في الساحل الغربي، لكنها أعدّت خطط الكمائن والاستدراج والفخاخ ولاحقاً الهجوم المعاكس.

– ليست المرة الأولى التي يختبر فيها اليمنيون جولة مواجهة في الحديدة، رغم أن الجولة السابقة كانت تمريناً بالقياس لضراوة الجولة الراهنة، إلا أنها كانت أيضاً تمريناً لليمنيين لفعالية تكتيكاتهم، وقدراتهم على المناورة الحربية. قبل يومين وبعدما بلغ الهجوم السعودي الإماراتي ذروته وبدأ التقدم البري، بدأت الكمائن اليمنية بالظهور، وبدأت الفخاخ وعمليات الاستدراج إلى نقاط الرمي الصاروخي المركز، وبدأت أرقام القتلى بالمئات بين المهاجمين بالظهور، وبدأت التراجعات العشوائية للمهاجمين هرباً من الموت بالتكرار من محور إلى آخر، وخلال أيام يظهر الهجوم المعاكس الذي يفرض معادلاته الجديدة كما في المرة السابقة.

– وضع اليمنيون خطتهم على ساعة التوقيت التي أعلنها وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، بحيث سيجعلون الشهر الذي حدّده بوقف الحرب شهراً إلزامياً لوقف الحرب بالنتائج التي سيحققونها، وليست تلك التي كان يأمل أن يحققها مع حلفائه.

Related Videos

Related Articles

%d bloggers like this: