معادلات هلسنكي للعالم الجديد

يوليو 19, 2018

ناصر قنديل

– إذا وضعنا جانباً ما يتصل بقراءة موازين القوى التي عبّرت عنها قمة هلسنكي بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، يمكن استخلاص المعادلات التي أسفرت عنها القمة، والتي ستشهد المزيد من التطوّر تمهيداً لمسار ربما يحتاج السنتين الباقيتين من عمر ولاية ترامب ليتبلور بإنجازات تمهّد له الولاية الثانية التي ستكون فرصة تظهير المعادلات الجدية بوضوح أشدّ وتحويلها قواعد حاكمة في المشهد الدولي وإدارة الاقتصاد والسياسة فيه.

– عملياً مع التقاسم الذي شهدته القمة لسوق النفط والغاز في أوروبا، وهي السوق الأكبر عالمياً لبلدين، أحدهما روسيا، بلد يعتمد اقتصاده على موارده من بيع النفط والغاز ونجح في استثمار موارده لتطوير شبكات أنابيب مكنته من تحويل قوّته في سوق الطاقة مصدر تحكم سياسي بحاجة أوروبا الحيوية لهذه الموارد، والآخر يخسر حرب الأنابيب التي خاضها في سورية ويسلم بالخسارة لحساب تفرّد روسيا بالسوق الأوروبية كعامل قوة في التفاوض، في ظلّ ركود اقتصادي أميركي فرض استثمارات هائلة في قطاع جديد هو النفط الصخري والغاز الصخري ولا يجد أسواقاً أمامه، بالمنافسة التي تمنح روسيا تفوّقاً بالقرب الجغرافي من السوق الأوروبي والكلفة المنخفضة لشبكات الأنابيب، والكلفة الأصلية المنخفضة للنفط والغاز الطبيعيين. فحرب الأسعار هنا خسارة أميركية محققة، والتقاسم بالتراضي تحت شعار تنظيم السوق وتحديد أسعاره، كما قال بوتين، هو ثمن تسدّده روسيا لأميركا، لتنعش اقتصادها، لكن على قاعدة التسليم بأمرين جديدين، الأول أنّ روسيا هي سيدة أسواق النفط والغاز في العالم، والثاني أنّ أوروبا هي مدى جغرافي حيوي روسي رغم المكانة التي تحتلها أميركا فيها أمنياً وسياسياً واقتصادياً، مقابل ضمان المصالح الأميركية الحيوية في هذا المدى الحيوي وفي قطاع النفط والغاز. وهاتان المعادلتان الجديدتان ستظهران في قضايا كثيرة مختلفة لاحقاً.

– في الحقائق المحيطة بالتفاهم حول سورية، بات واضحاً أنّ المعادلات تنقسم إلى أربعة عناوين: الأول يتصل بالسقف السياسي لمستقبل سورية بين معادلات إسقاط النظام والتقسيم والفدرالية والدولة الموحّدة برئيسها وجيشها، وقد حُسم بوضوح لصالح الخيار الروسي بالتوافق على الدولة السورية الموحّدة برئيسها وجيشها. والثاني يتصل بكيفية إدارة العملية السياسية في ظلّ هذا الخيار، بين استثمار الجغرافيا الواقعة خارج سيطرة الدولة السورية واستثمار ملف النازحين لترجيح كفة خيار الدولة الرخوة والضعيفة والمخلخلة، وبين الإفراج عن الجغرافيا والنازحين لصالح الاستثمار في مفهوم الدولة القوية، وقد حسم الخيار الثاني، وفقاً لمعادلة أن الدولة الرخوة لا تستطيع أن تضمن التزاماتها، والدولة القوية وحدها تفعل ذلك، وفي منطقة الزلازل التي تقع سورية في قلبها أثبت مفهوم الدولة القوية بعد كلّ الاختبارات أنه الأضمن حتى لخصومها من العبث بتماسكها والسعي لإضعافها، ولأنّ هذين العنوانين موضوع ربح كامل للرؤية الروسية توقع الأميركيون ربحاً موازياً في العنوانين الآخرين: وهما أولاً ضمان أمن «إسرائيل»، وعبر ثنائية العودة لفك الاشتباك وإبعاد إيران وحزب الله عن الجنوب لعشرات الكيلومترات، وثانياً منح الأميركيين فرصة إخراج إيران فريقاً خاسراً من سورية لتزخيم السعي الأميركي للفوز بالمواجهة الشاملة التي يخوضونها مع إيران، والحصيلة كانت واضحة بأنّ أمن «إسرائيل» كسب نصف المطلوب بقبول فك الاشتباك، لكن معطوفاً على تطبيق القرارات الأممية. وما يعنيه ذلك من تعطيل مشاريع ضمّ الجولان. وفي المقابل تعليق كلّ بحث بمستقبل وجود إيران وحزب الله، بصورة لا تمنح طمأنينة كاملة لـ «إسرائيل» ولا تمنح الأميركي الربح المرجو أصلاً. وهذا يعني أنّ المعادلة الجديدة في غرب المتوسط هي التسليم بالإدارة الروسية السياسية والأمنية. وهذا معنى التأكيد على مرجعية أستانة، مقابل ضمان تجنيب الأميركي الخسائر دون منحه فرصة تحقيق أرباح.

– المنطقتان اللتان قاتلت فيهما أميركا منذ سقوط جدار برلين، قبل ثلاثة عقود يوم تفرّدت بحكم العالم، ورمت فيهما بثقل مشاريعها، هما أوروبا وصولاً لحدود روسيا، وغرب آسيا وصولاً لحدود الصين، وفي هاتين المنطقتين تسلم بالدور المحوري لروسيا، على قاعدة ضمان الأرباح الأميركية في أوروبا ومنع الخسائر الأميركية في غرب آسيا. وهذا كله سينتظر نهاية الرهان الأميركي على مفعول التحالف السعودي الإسرائيلي بوجه إيران، وما يجري تحضيره في قلب هذا الرهان تحت عنوان صفقة القرن، وهو ما تعتقد موسكو أنّ مصيره الفشل، والمزيد من تصدّع وحدة الجبهة الأوروبية الأميركية. وبالتالي المزيد من مراكمة التأثير الروسي في أوروبا، والمزيد من التقارب الروسي الأوروبي، وفي المقابل المزيد من العقلانية الأميركية في فهم ماهية تعريف الخسائر، بصورة لا يبقى معها لـ «الإسرائيلي» فرص وهوامش للمناورة، تتيح التهرّب من استحقاقات تطبيق القرارات الأممية حول القضية الفلسطينية كسبيل وحيد لمنع الانفجار، الذي يشكل مجرّد منعه عنوان معادلة الحؤول دون المزيد من الخسائر الأميركية.

Related Videos

Related Articles

 

Advertisements

«إسرائيل» المحاصَرة تحاصِرُ نفسَها

يوليو 21, 2018

ناصر قنديل

– لا يحتاج القانون الإسرائيلي الخاص بتثبيت الهوية اليهودية لكيان الاحتلال إلى شرح بصفته قانونا عنصريا، أو بصفته قانوناً عدوانياً على الوجود العربي الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948 يمهّد لتهجيرهم كفائض سكاني مقلق لنقاء الهوية اليهودية، ويُسقط في آن أي حديث عن مبرر لقبول فلسطيني وعربي بمفهوم الدولتين كإطار للتسوية، الذي قام أصلاً على توافق ضمني بحقوق مدنية وسياسية للعرب الفلسطينيين في الأراضي المحتلة العام 48 مساوية للمستوطنين الصهاينة، حتى كان المتطرفون الصهاينة يبررون رفضهم قيام دولة فلسطينية، بالقول إن الفلسطينيين سيربحون دولة ونصفاً، دولة فلسطينية، ونصف دولة بمشاركة العرب الفلسطينيين في الكيان المقام على الأراضي المحتلة عام 48، بحيث صار ما بعد القانون الجديد يعني أن القبول الفلسطيني والعربي بتسوية الدولتين تتضمّن قبولاً بتهجير العرب الفلسطينيين من الأراضي المحتلة عام 1948، ليضاف هذا القانون لاعتماد القدس كعاصمة موحدة لكيان الاحتلال، واستبعاد مطلق للتفاوض على عودة اللاجئين، وحصر التفاوض بحجم السيادة في مدن الضفة وغزة، ما يعني شرحاً كاملاً لمفهوم عروض التسوية الإسرائيلية للقضية الفلسطينية المتبناة أميركياً وخليجياً مشروع مذبحة مفتوحة بشرياً وثقافياً وتاريخياً ودينياً ووطنياً.

– فهم خطورة القانون من جهة، والموقف المناهض له بقوة من جهة ثانية، وفضح مضمون صفقة القرن المذلّة والمهينة التي يتّجه حكام الخليج إلى تبنيها علناً، شيء، وتفسير الخلفية الفعلية للموقف الإسرائيلي شيء آخر. فهو حاجة ملحّة لفهم الموازين الحقيقية الحاكمة للصراع مع المشروع الصهيوني، بعد حرب مفتوحة منذ العام 2000، يخوضها محور المقاومة تسبّبت بتصدع هيبة كيان الاحتلال، وإفقاده القدرة على الذهاب لحرب، وأسقطت قوة ردعه التقليدية، لنقرأ ما إذا كان القانون الجديد عنصر تزخيم للقوة الإسرائيلية، وعلامة على نهوض جديد لمصادر قوة المشروع الصهيوني، أم هو واحدة إضافية من علامات المأزق الاستراتيجي، الذي دخله ولا يعرف كيف يخرج منه، والجواب يقدّمه المشهد المحيط بكيان الاحتلال، حيث في ما يخصّ المواجهة مع المقاومة على جبهة جنوب لبنان إجماع إسرائيلي على عدم اللعب بالنار، وتحذيرات إسرائيلية للحكومة والجيش من أن ارتكاب أي حماقة قد تنتهي بحرب مدمرة وهزيمة مدوية. وعلى الجبهة السورية التي كانت محور رهان إسرائيلي استراتيجي للخروج من المأزق بقيام حكم جديد لسورية يسيطر عليه حلفاء إسرائيل، وقد تبخّر الحلم و«إسرائيل» تعترف بأن انتصار الرئيس السوري بخياراته المعروفة صار كالقدر لا يردّ، ومحاولات الاستعانة بالصديق الأميركي تفشل بنيل ضمانة روسية بإخراج المقاومة وإيران من روسيا. وسقف الممكن هو نشر مراقبي الأندوف ضمن صيغة تمهّد لإنعاش الحراك نحو انسحاب إسرائيلي من الجولان بدلاً من ضمه، وفي غزة مع كل تصعيد تسقط القذائف على المستوطنات الصهيونية، وتذهب «إسرائيل» لنصف حرب، يأتي التراجع الإسرائيلي نحو هدنة، لأن قرار الحرب صعب ومكلف، وربما فوق طاقة «إسرائيل».

– إسرائيل المحاصرة من كل اتجاه، تقوم بحصار نفسها، بقوة الأيديولوجيا، والخوف من التاريخ والجغرافيا، بقانون الهوية اليهودية يُنقل الحصار إلى داخل الأراضي المحتلة العام 1948، ويوحّد النضال الوطني للعرب الفلسطينيين في كل الجغرافيا الفلسطينية ويفضح تفاهة ووضاعة كل مَن يتحدّث عن فرص للتسوية وجدوى للتفاوض، وفي أي مواجهة مقبلة، وهي مقبلة، سيجد كيان الاحتلال الذي فرح بالقدس عاصمة يعترف بها الأميركي، كما فرح بقانون الهوية اليهودية، ويفرح بصفقة العصر، أنه لا يفعل سوى تفخيخ الأرض التي يقف فوقها. فالأرباح على الورق شيء، والخسائر في الجغرافيا والديمغرافيا شيء آخر.

Related Videos

Related Articles

حزب الله فلسفة القوة:ناصر قنديل

قنديل سلّم عون كتابَه الجديد «حزب الله… فلسفة القوّة»

يوليو 20, 2018

استقبل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في قصر بعبدا، أمس رئيس تحرير جريدة «البناء» النائب السابق ناصر قنديل، وأجرى معه جولة أفق تناولت الأوضاع الراهنة والتطورات السياسية الأخيرة…

وخلال اللقاء قدّم النائب السابق قنديل للرئيس عون نسخة من كتابه الجديد «حزب الله… فلسفة القوة»، وسلّمه دعوة للمشاركة في حفل إطلاق الكتاب الذي سيُقام في قصر الأونسكو في بيروت يوم الإثنين 30 تموز الحالي، الساعة الخامسة بعد الظهر، وسيتحدّث خلاله رئيس المجلس التنفيذي لحزب الله السيد هاشم صفي الدين.

Related Videos

Related Articles

ترامب في مواجهة العاصفة

يوليو 18, 2018

ناصر قنديل

– قبل أن تطأ قدما الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأراضي الأميركية انطلقت حملة استهداف عنيفة بوجهه، تشارك فيها متطرفو الجمهوريين الداعين لمواصلة خيار الحروب الانتحاري، في ظل موازين اختبرها الجمهوريون والديمقراطيون بالتتابع خلال ولايتين لكل من الرئيسين جورج بوش وباراك أوباما، وتصدرها الديمقراطيون بخلفيات تنافسية وانتقامية، ولكن بصورة رئيسية تمهيداً للانتخابات الرئاسية المقبلة، والانتخابات النصفية للكونغرس. ومع هؤلاء الإعلام الغاضب من تغطرس ترامب في معاملته وقد وجد فرصة للتصيد بدرجة الحضور الباهت لترامب في القمة، وظهوره ضعيفاً أمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، واتهامه بقبول التجريح بالمخابرات الأميركية وعدم قيامه بالدفاع عنها، كما يفترض برئيس أميركي.

– العاصفة التي تهبّ على ترامب تقف وراءها قوى ولوبيات لها مصالح عميقة، منذ أيام باراك أوباما. وهي القوى التي دعمت حملة هيلاري كلينتون، ويتشكل قلبها من جماعات الاقتصاد الافتراضي المكوّنة من تكتلات الشركات التي يقوم استثمارها على العولمة وشركات الأسهم المتعدّدة الجنسيات وتتصدرها الشركات العملاقة في قطاعي الصناعات الحربية والنفط، والتي يحملها جماعات الأصول الثابتة في الاقتصاد الذين يقودون الصناعات التقليدية في المعادن والسيارات والمشاريع العقارية والمقاولات مسؤولية خراب الاقتصاد الأميركي، فيما يتكوّن من هؤلاء مركز الثقل لدعم ترامب بين التكتلات الاقتصادية داخل المجتمع الأميركي.

– السباق بين ترامب وخصومه يدور منذ البداية حول قطاعين رئيسيين، يحسم انحيازهما لصالح أي من الفريقين نصره على الآخر. وهما يقفان في منتصف الطريق بين التكتلين المتقابلين في المجتمع الأميركي، وهما أولاً قطاع الاستثمار في الطاقة البديلة ومحورها استخراج النفط والغاز الصخريين، الذي استقطب مئات المليارات من الاستثمارات، يتشارك فيها منتمون لقطاعَيْ الاقتصاد الافتراضي والأصول الثابتة، وثانياً اللوبي الداعم لـ«إسرائيل» والممسك بأوراق قوة كثيرة في المصارف والإعلام وصناعة الرأي العام والقدرة على التأثير الانتخابي.

– نجح ترامب في توقيت القمة وخوض غمارها، على ساعة مأزق هذين التكتلين، فـ»إسرائيل» تعيش قلق الانتصارات في سورية، وتستنجد بواشنطن للعودة إلى فك الاشتباك عام 1974، بعدما أقفلت دمشق أذنيها عن الإصغاء للدعوات، ولم تتفوّه موسكو بما يطمئن. فجاءت القمة الروسية الأميركية، لتمنح تل أبيب نصف اطمئنان. فالاتفاق قابل للتعويم، لكن ضمن صيغته الأصلية يفتح الباب لمفاوضات حول الانسحاب من الجولان، يعرف الإسرائيليون أنها لن تجري الآن ولا غداً، ولكنهم يعرفون أنها تقطع طريق أحلامهم بضم الجولان. ورغم عدم حصول الرئيس الأميركي على معادلة مقايضة الانسحاب الأميركي بانسحاب إيراني تبقى القمة ملاذاً وحيداً لـ«إسرائيل» بوجه مصادر القلق. وبالتوازي جاء ترامب لمستثمري النفط والغاز الصخريين بإنجاز كبير عنوانه تقاسم الأسواق الأوروبية مع روسيا من دون حرب أسعار خاسرة سلفاً، بسبب فوارق الكلفة بين النفط والغاز الصخريين ومنافسيهما النفط والغاز الطبيعيين. وهذا يعني بالتزامن مع إجراءات ترامب الضريبية على مستوردات الحديد والصلب والألمينيوم والسيارات، دفعاً قوياً لقطاعات اقتصادية كبرى ستخوض معركة الدفاع عن الرئيس ترامب وعن القمة الروسية الأميركية لن يقلّ عنها الدعم الإسرائيلي ممثلاً باللوبيات الناشطة في أميركا.

– سيصمد ترامب بوجه العاصفة، وربما يكون ذاهباً لولاية ثانية بقوة إنجاز، يحظى بدعم الرئيس الروسي يتمثل بحل أزمة السلاح النووي لكوريا الشمالية عشية الانتخابات الرئاسية بعد عامين.

Related Videos

Related Articles

هكذا خرج بوتين منتصراً من هلسنكي

 

يوليو 17, 2018

ناصر قنديل

– كان واضحاً أن أصل ما أراده صناع القرار الأميركيون من رئيسهم عندما أفرجوا عن عقد القمة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أن يتفادى مساعي بوتين لجذبه إلى ملعب تظهر فيه روسيا شريكاً كاملاً في الملفات الدولية العالقة والمتأزمة. فهذا اعتراف بسقوط الأحادية التي تدير عبرها واشنطن السياسة في العالم، والمطلوب الاكتفاء بالاعتراف بالشراكة الجزئية في ملفات تؤثر فيها روسيا وخصوصاً سورية وأوكرانيا، والسعي لمقايضات في الملفين، تسليم بنصر روسيا في سورية مقابل جعله خسارة لإيران، وبالمقابل التخلص من العقوبات مقابل التسليم بحل وفق الرؤيا الأميركية في أوكرانيا.

– المؤتمر الصحافي الذي عقده الرئيسان بعد القمة كشف بوضوح عن أن القمة كانت بين دولتين بين أيديهما كل ملفات العالم، بل بدت روسيا وريسها الدولة الأهم، والأشد تأثيراً، والشريك الذي لا يمكن تجاهله في كل السياسات الدولية. فالملفات التي جرى الحديث عنها في المؤتمر هي كل قضايا العالم، وما يعنيه ذلك من إقرار أميركي هو الأول منذ سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي بأن زمن الأحادية الأميركي قد سقط، وأن الحلف الذي جاء الرئيس الروسي لتمثيله في القمة هو شريك كامل في إدارة العالم، واقتصاداته وسياساته، وتحقيق الأمن والسلم فيه.

– نجح الرئيس الروسي بتفادي أي مساومة على ما يعتبره إنجازات روسية في الملف الأوكراني وخصوصاً ضم القرم، حافظاً للرئيس الأميركي فرصة القول أمام خصومه في الداخل الأميركي أنه أبدى رأيه المخالف. كما نجح الرئيس الروسي بفرض شراكته العلنية باعتراف أميركي في متابعة المفاوضات في الملف الكوري، الذي بدا بوضوح أن هناك ميلاً في الإدارة الأميركية لجعله أميركياً كورياً ثنائياً. كما نجح الرئيس الروسي بتثبيت التحالف الذي يربطه بإيران وبدفاعه عن التفاهم حول ملفها النووي، ووصفها بأنها الدولة الأشد احتراماً في العالم لمعايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وصولاً لعدم منح الرئيس الأميركي أي كلمة تفيد في التفاهم على تقييد الحضور الإيراني في الملفات الإقليمية خصوصاً في سورية، لينفرد الرئيس الأميركي بالحديث عن دعوته لتشديد الضغوط على إيران، كموضوع خلافي مع الرئيس الروسي.

– من الواضح في الشأن السوري أن التسليم الأميركي بالانتصار الروسي وانتصار الرئيس السوري، بقي بدون ثمن، وكان لافتاً الإصرار الذي أبداه بوتين في المؤتمر الصحافي على اعتباره انتصاراً روسياً سورياً إيرانياً، من بوابة الإشارة الواضحة لمعنى مواصلة السير بمعادلة أستانة برعاية روسية تركية إيرانية. وسقطت بذلك مشاريع المقايضة التي حملها الرئيس الأميركي، فلا قبول روسياً بخروج إيران مقابل التسليم بنصر سورية وروسيا ونقل إيران إلى ضفة الخاسرين، بل من الواضح أكثر أن حديث الرئيس الروسي عن فك الاشتباك في الجولان الموقع عام 1974، واعتباره إطاراً يهم روسيا، جاء ضمن الربط المباشر في كلام الرئيس بوتين بين فك الاشتباك وتنفيذ قرارات مجلس الأمن وخصوصا القرار 338 المتصل بالانسحاب الإسرائيلي من الجولان، في مواجهة مفهوم إسرائيلي أميركي يربط فك الاشتباك بإتاحة المجال لضمّ الجولان، فالتقاط بوتين لفك الاشتباك كإطار أممي لقضايا النزاع فتح الباب أمامه لربطه بالمفهوم الأشمل للإطار الأممي والقانون الدولي والقرارات الدولية في كل النزاعات، وخصوصاً في المنطقة، وهو المفهوم الذي حرصت روسيا على مواجهة سياسة التفرد الأميركي من خلاله.

– تبدو نقطة القوة التي استند إليها الرئيس بوتين في خوض مفاوضاته الناجحة، لرسم خريطة طريق تفاوضية مع واشنطن، وبلورة أطر وهيئات متعددة لها، تنطلق من إدراكه أهمية الأوراق التي يمسك بها، سواء في المأزق الأميركي في سورية أمام الخيارات الصعبة بين مواجهة تقدم الجيش السوري بالقوة أو الانسحاب أمامه بلا سقف تسوية تضمن الشراكة، أو في مخاطر الفشل في كوريا، لكن الملفين الأهم كما قال المؤتمر الصحافي اللذين يفسران تفوق بوتين، عدا منظومة القيم والمواهب الشخصية، هما المأزق الشخصي للرئيس الأميركي في قضية التحقيق حول التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية، وقدرة بوتين على تقديم مرافعة موفقة وشهادة ذات قيمة لصالح ترامب، من جهة، ومن جهة مقابلة المأزق الاقتصادي الأميركي، وقدرة روسيا على فتح أبوابها الاستثمارية الواعدة أمام الشركات الأميركية وهو ما سيترجم عبر مجلس رجال أعمال مشترك بين البلدين، والإعلان عن استعداد روسي لمنح أميركا حصة من السوق الأوروبية في النفط والغاز، من دون منافسة اسعار وحرب تجارية، وهو شأن رمى ترامب بثقله ليحصل على تفاهمات حوله في أوروبا وفشل، والتقط بوتين كلمة السر من هجومه على أنوب السيل الشمالي الذي يزوّد أوروبا بالغاز الروسي، فخاطبه كرجل أعمال يدافع عن مصالح شركات أميركية استثمرت مئات المليارات لاستخراج النفط والغاز الصخريين ودخول الأسواق العالمية عبرها.

– أسس بوتين عبر القمة لتشبيك يبدأ بهدوء من نقاط انطلاق صغيرة، ويسلك مساراً من التبريد للملفات الساخنة ليراكم الإنجازات بالتتابع مع سقوط الرهانات الأميركية على عزل الملفات، وعلى العقوبات، وعلى مواجهة بالتحالف مع إسرائيل والسعودية تضعف إيران وتجبرها على تقديم التنازلات، ليصير كل فك للاشتباك جزءاً من عملية التشبيك.

Related Videos

Related Articles

فك اشتباك دولي وإقليمي أم تشبيك؟

يوليو 16, 2018

ناصر قنديل

– لا تزال محاولة الإنكار لسقوط المشروع الإمبراطوري الأميركي تتحكم بالقرار الذي يصنع السياسة الخارجية، رغم امتلاء الحملة الانتخابية للرئيس دونالد ترامب بمعادلات من نوع نريد أن نعود الدولة العظيمة وسئمنا من دور الدولة العظمى، أو شعار أميركا أولاً، أو لسنا شرطي العالم، أو الحاجة لتفاهم عميق مع روسيا حول إدارة الأزمات الدولية. فالواضح أن السياسات الفعلية لإدارة الرئيس الأميركي، والتعيينات التي باتت عنوان إدارته، تقولان إن واشنطن محكومة برؤيا مخالفة هي الرؤيا التي يصر عليها القادة العسكريون ومعهم مجموعات الضغط التي تمثل الصناعات العسكرية، وهي رؤيا لا تزال تأمل بترميم موازين القوى المختلة ضد مصلحة واشنطن في ميادين المواجهة، رهاناً على الدور السحري لسياسة العقوبات.

– لا زال صناع القرار في واشنطن يعتبرون أن روسيا ليست دولة عظمى. والمعيار عندهم هو حجم الاقتصاد الروسي وحجم الطاقة الإنتاجية المنافسة في هذا الاقتصاد الذي لا يزال يشكل تصدير النفط والغاز والمواد الخام عماده الرئيسي. وهذا التوصيف الصحيح للاقتصاد الروسي تسطيح لفهم الموازين الدولية الجديدة، لأن واشنطن ذاتها ترفض الإقرار بمكانة الدولة العظمى للصين التي باتت منافساً لأميركا على مكانة الحجم الاقتصادي الأول في العالم وتتفوق عليها بثلاثة عناصر عظيمة الأثر، وهي عدد سكان يعادل خمسة أضعاف سكان أميركا، في ظل اكتفاء ذاتي استهلاكي لا تحلم أميركا بمثله، ونسبة نمو ثابتة لم تعرف مثلها أميركا منذ عقود، وطاقة مالية جعلتها المموّل الرئيسي لسندات الدين الأميركية. والحجة الأميركية لفرض الاعتراف بمكانة الدولة العظمى للصين هي أن الأثر الصيني في الملفات المتفجرة في العالم لا يزال محدوداً، وهذا صحيح، لكن تطبيق هذا المبدأ يجعل روسيا دولة عظمى بلا منازع. والجمع بين مكانتي الحليفين الروسي والصيني ومعهما حليف تتوهم واشنطن قدرتها على تحجيمه هو إيران، ليس مطلوباً أن يوصل الإدارة الأميركية لتوصيف أحد هؤلاء المنافسين والخصوم كدول عظمى، بل للإقرار بأن زمن الأحادية الأميركية قد ولى إلى غير رجعة، وأن ثمة محوراً دولياً يتكامل بقدراته الاقتصادية والعسكرية وتأثيراته في الملفات الحساسة في العالم يقول لا كبيرة للسياسات الأميركية، ويرتضي منح مقعده التفاوضي للرئيس الروسي بوجه الرئيس الأميركي الذي يقود حلفاً مقابلاً، لا يزال يفقد المنضوين تحت رايته. فهو خسر الدعم الأوروبي في الملف الإيراني، والدعم التركي في ملفات كثيرة، وبات يقود ثنائياً سعودياً إسرائيلياً، يتلقى الهزائم، وكان خير اختبار للوزن الأميركي الجديد، في التصويتين اللذين شهدهما مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة حول القرار الأميركي باعتماد القدس عاصمة لـ»إسرائيل».

– رغم الإنكار الأميركي لمكانة روسيا كمفاوض مكافئ بالمكانة والقدرة، يعترف الرئيس الأميركي بثلاثي الخصومة لبلاده، ويضع روسيا والصين والاتحاد الأوروبي في مكانة الأعداء. ويخرج الرئيس الروسي للقائه آتياً من قمة شانغهاي التي ضمته مع الرئيس الصيني وسجلت لأول مرة شراكة إيران وباكستان والهند. ويذهب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى قمة هلسنكي وفي جعبته، الانتصارات السورية، كتعبير عن حرب سنوات طوال بين حلفي موسكو وواشنطن، وهو يدير تموضعاً هادئاً لكل من تركيا والاتحاد الأوروبي إلى خط الوسط وربما أكثر.

– المسعى الأميركي في هلسنكي يشبه تماماً المسعى الإسرائيلي بعنوان فك الاشتباك. وهو فك للقوات على حدود الجولان تريده «إسرائيل» للحؤول دون فتح ملف احتلالها للجولان وتسييل فائض قوة الانتصارات والتحالفات التي واكبتها، وفي قلبها التحالف السوري مع روسيا وإيران وقوى المقاومة. لكنه فك اشتباك أوسع تريده واشنطن، بين الملفات التي هزمت فيها كحال سورية، وتلك التي تريد مواصلة المواجهة فيها أملا بتحقيق إنجاز كحال إيران، ومقابلهما ملفات تريد عوناً روسياً للفوز بها كحال كوريا، وملفات تلوح باستعمالها كحال أوكرانيا. بينما يذهب الرئيس الروسي حاملاً لمشروع التشبيك، ببناء قاعدة واحدة للملفات الدولية المعقدة، وهي العودة لإحياء دور المؤسسات الأممية وصيغ الشراكة والحوار والتسويات بدلاً من معادلات وهم القوة الذي لم تكن الهزيمة الأميركية في سورية إلا نموذجاً لسقوط رهان أوسع مدى من سورية بكثير.

– سيفشل ترامب في الحصول على فك اشتباك، وستسعى روسيا لتقديم تصور للحل في سورية يتيح تحولها نموذجاً لسائر الملفات، أسوة بما مثله النصر العسكري فيها من نموذج لفشل رهانات وأوهام القوة الأميركية. وبين التشبيك وفك الإشتباك مسار متعرّج وغامض يتيح حفظ ماء الوجه، وربما التأويل.

Related Videos

Related Articles

لا حلول في قمة بوتين ترامب بل حلحلة

يوليو 14, 2018

ناصر قنديل

– تشخص أنظار العالم نحو القمة التي ستجمع الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين في هلسنكي الإثنين المقبل. ويترقّب حلفاء الدولتين الأعظم في العالم المتموضعون على ضفتين متقابلتين في حرب مشتعلة على جبهات عدة، ما ستحمله القمة من جديد ينعكس عليهم بالتبريد أو التصعيد. وكثير منهم يخشى تفاهمات تتضمّن تسويات وربما مساومات على حسابه. وليس خافياً أنّ سورية التي ستحتلّ مكانة متقدّمة في القمة ليست موضوعها الوحيد، كما أنّ ما يتصل بها سينعكس حكماً على سواها.

– تتفاوت المقاربتان الروسية والأميركية للقمة بما هو أبعد من كون لكلّ منهما أولوية مطالب من الآخر، وإلا صارت سهلة مقايضتها أو البحث بمقايضتها. فالتفاوت هو في اختلاف الوظيفة التي تحتلّها القمة في كلّ من النظرتين. ففي النظرة الروسية هي محطة لترصيد التوازنات واستكشاف فرص التسويات بين حلفين بعد جولات مضنية من المواجهة، كانت سورية أبرزها وأخطرها بلا شك، وسعي لتحويل النصر في سورية تعبيراً عن توازن دولي إقليمي جديد يتيح رسم خريطة قوى ومصالحات، تمثل روسيا في قلبها حلفاً يضمّ الصين والهند وإيران وكوريا وسورية وسواها، بينما تنظر أميركا للقمة كما في كلّ تسوية بعد خسارة جولة مواجهة، كإطار ممكن لعزل النصر في ساحته ومنع تداعياته على سائر ساحات المواجهة. وبمثل ما تريد روسيا تحويل النصر السوري مدخلاً لتعويم التفاهم النووي مع إيران، تريد أميركا اختتام المواجهة في سورية بإخراج إيران منها، لتسوير الانتصار السوري عند حدودها، والانتقال للمواجهة مع إيران بجعلها، وهي المنتصرة في سورية، في موقع الخاسرين.

– روسيا تتطلّع للإجابة عن سؤال هو: هل نضجت واشنطن لتقبل التسليم بعالم متعدّد الأقطاب، والتعامل مع عالم جديد بقواعد جديدة؟ والجواب بالنفي واضح من تفاصيل العلاقات الأميركية الأوروبية، حيث الصلافة والتعجرف علامات واضحة لإنكار وجود شركاء في العالم، بل أعداء وأتباع فقط. وأمام روسيا معادلة واضحة هي أنّ واشنطن تقبل تسوية في سورية لا تنتج معادلة إقليمية جديدة، ولا تنتج خصوصاً ضعفاً لـ «إسرائيل» وقوّة إيران. وهذا يعني ربط التسليم بالنصر السوري بمعادلتي سور أممي حول الجولان المحتلّ تحت عنوان اتفاق فك الاشتباك، وانسحاب إيراني، بينما المقاربة الروسية تنطلق من النصر السوري لتقول لا استقرار في الإقليم بلا حوار شامل حول مشكلاته، والبحث عن تسويات منصفة لأزماته، والتخفف من أعباء الاستنزاف في سورية لاختبار التحالف السعودي «الإسرائيلي» تحت شعار مواجهة إيران وصفقة القرن، ليس ما يمكن أن يطلب من روسيا، الجاهزة لمفهوم التسويات الشاملة، وما عدا ذلك فمصير فك الاشتباك في الجولان كما الوجود الإيراني ووجود المقاومة في سورية شأن سوري سيادي، لا تملك روسيا قدرة الدخول على خطه إلا ضمن معادلات التسويات الشاملة التي تطال بحث مصير الاحتلال «الإسرائيلي» للجولان والتفاهم النووي مع إيران.

– لن تفشل القمة، لأنّ بديل المواجهة ليس حاضراً في الجعبة الأميركية، لذلك ستؤسّس لحوار طويل بين موسكو واشنطن لإحاطة الملفات المتفجرة. وفي سورية سيكون العنوان عاماً وغامضاً، تشجيع الحلّ السياسي من بوابة جنيف، وتشجيع انسحاب القوات الأجنبية من سورية، بانتظار أن تختبر واشنطن مشروعها لحصار إيران ولصفقة القرن، وبالانتظار لن تحصل واشنطن على طمأنة القلق «الإسرائيلي» في الجولان، ولا على مقايضة للانسحاب من سورية عندما تدق ساعة الشمال، وتبقى صيغة جنيف والتشاور الوزاري بين موسكو وواشنطن منصات صالحة لتلافي المفاجآت.

– المهمّ بعد القمة سينتهي الانتظار وسينطلق الجميع إلى الملفات المجمّدة، ومنها الحكومة اللبنانية.

Related Videos

Related Articles

%d bloggers like this: