مَن يحرص على تجنيب لبنان الحرب: السيد حسن نصرالله أم منتقدوه؟

يوليو 15, 2019

ناصر قنديل

– ظاهرياً يتلبّس منتقدو خطاب السيد حسن نصرالله ثوب الحرص على تجنيب لبنان تداعيات أي تطور دراماتيكي للمواجهة الأميركية الإيرانية، ويعتبرون تهديداته بالدخول على خطها تلميحاً وتصريحاً تعريضاً للبنان للخطر، وتخديماً لمصالح إيرانية على حساب لبنان وأمنه واستقراره. فيقولون، إن اتصالاتهم بالأميركيين ومن خلالها ما يردهم عن نتائج الاتصالات الأميركية بالإسرائيليين، فإن واشنطن وتل أبيب مستعدتان لتحييد لبنان عن أي مواجهة مع إيران إذا استجاب حزب الله لهذه الدعوة بالتحييد، وإن كلام السيد نصرالله وموقفه يسقطان هذه الفرضية ويضعان لبنان في دائرة الاستهداف، ويضيف هؤلاء أنهم نجحوا عبر الاتصال بواشنطن لضمان استعداد أميركي لفتح قناة اتصال مع حزب الله، رغم وجود العقوبات، لكن حزب الله لم يكتفِ بالرفض بل استعمل ذلك للتصعيد بوجه واشنطن.

– ظاهرياً، يبدو هذا الكلام منطقياً، لكن هناك ما هو أهم للكشف عن صدق وطبيعة النيات الأميركية العميقة من مساعي تحييد حزب الله، تكشفها مساعي الوساطة لترسيم حدود لبنان براً وبحراً التي قادها معاون وزير الخارجية الأميركية السابق ديفيد ساترفيلد، الذي تولى حديثاً مهام سفارة بلاده في تركيا، لتقول شيئاً لا علاقة له بما يقوله اللبنانيون الذين يتحدثون عن الحرص على تحييد لبنان من أي مواجهة أميركية إيرانية، ففشل مساعي ساترفيلد بعدما استهلكت وقتاً طويلاً أظهر أن المقصود منها كان تحييد حزب الله عن أي مواجهة إيرانية أميركية، دون أن يطلب من الحزب ذلك، بل بمحاصرته بمناخ لبناني متحفز للحصول على الحقوق اللبنانية من الثروات النفطية، وجعل المستوى الأول في لبنان ينظر بإيجابية للمساعي الأميركية، بحيث لن يتسامح مع أي موقف تصعيدي لحزب الله إذا ما تدهورت الأوضاع على جبهة طهران واشنطن بما يهدّد بالإطاحة بهذه الفرصة اللبنانية الذهبية، لكن التراجع الأميركي المفاجئ بلا مقدّمات عن جهود الوساطة الشكلية، كشف المستور بعدما تيقنت واشنطن من شراكة حزب الله بقرار واعٍ وواضح في أي مواجهة بينها وبين إيران بحسابات تعرف أنها لن تستطيع تغييرها.

– لدى حزب الله مقاربة مخالفة كلياً لما سبق، وهو يعتبر أن كلام السيد حسن نصرالله ترجمة لهذه المقاربة بكل حساباتها وتفاصيلها. فخطة تحييد حزب الله، هي خطة الحرب، وليست خطة الخروج منها وفقاً لرؤية الحزب، والفشل بتحييد حزب الله يعني سقوط خيار الحرب، لأن واشنطن لن تشنّ حرباً على إيران تعرّض أمن «إسرائيل» للاهتزاز، لكنها إذا نجحت بالفوز في الحرب على إيران، بعد النجاح في تحييد حزب الله، وبالتالي ضمان أمن «إسرائيل» أثناء الحرب على إيران، فلن تتردد بالارتداد نحو حزب الله لتدفيعه ثمن انتصاراته على «إسرائيل» وتغيير معادلات الردع التي بناها بوجه القوة الإسرائيلية، بعدما تكون إيران قد هُزمت وتمّ تغيير المناخ المعنوي والنفسي والمادي لظروف خوض الحرب على حزب الله، فيصير تحييد حزب الله وعبره لبنان مجرد تكتيك حربي مؤقت لجدول أعمال الحرب لا يقع في حبائله ولا يصدّقه إلا الأغبياء، الذين يربأ حزب الله بنفسه وباللبنانيين أن يُحسَبوا من ضمنهم.

– في حسابات حزب الله، معادلة واضحة لقوانين الحرب والسلم في المنطقة عنوانها، أن أمن «إسرائيل» هو الذي يدفع أميركا لخوض الحروب وهو الذي يجعلها تعيد النظر بخيارات الحروب، وأنه كما في الحرب على سورية، في الحرب على إيران، سؤال الأميركيين الأول، هو هل يرد احتمال أن يقوم حزب الله بتعريض أمن «إسرائيل» للخطر، فإن كان الجواب إيجابياً عدلت واشنطن عن الحرب وإن كان العكس مضت بها وإليها، وفي حسابات حزب الله أن واشنطن التي شكّل التحريض الإسرائيلي أحد الأسباب في حملتها العدائية لإيران نظراً لما للتأثير الإسرائيلي على معادلات القوى الناخبة في واشنطن، ستتأثر بما تتلقاه من الرأي العام الإسرائيلي حول خيار الحرب على إيران، وبالتالي فإن تهديد الأمن الإسرائيلي بأكلاف عائدات الحرب وجعل ذلك قضية الرأي العام الأولى في كيان الاحتلال يتكفّل بجعل التحريض الإسرائيلي لواشنطن معكوساً، فبدلاً من معادلة «اضربوا إيران كمصدر خطر على أمن إسرائيل كي نقف معكم»، يصير «لا تغامروا بأمننا في حرب مع إيران سندفع نحن ثمنها إن كنتم تريدون أن نقف معكم».

– معادلة حزب الله أنه لن يكون محيداً ومعه لبنان إذا قررت واشنطن الحرب على إيران، إلا مؤقتاً ضمن خطة تكتيكية للفوز بالحرب بكل مراحلها، ومنها مرحلة القضاء على حزب الله بعد الفوز بالحرب على إيران، وأن طريق منع الحرب على لبنان يبدأ من منع الحرب على إيران، وطريق ذلك واضح، جعل أمن «إسرائيل» في كفة موازية للحرب على إيران، وهو ما يضمنه التهديد بدخول حزب الله على خط الحرب، الذي يضمن على الأقل وبكل تأكيد تحفيز الرأي العام الإسرائيلي لرفض المغامرة بالحرب، فعدم الحياد من الحرب هو طريق تحييد لبنان من الخطر.

Related Videos

Related News

Advertisements

الجولان بيضة قبّان المنطقة ومعركة الساعة

الجولان بيضة قبّان المنطقة ومعركة الساعة

يوليو 9, 2019

ناصر قنديل

– ربما يغيب عن أذهان الكثيرين أن جوهر الصراع الدائر منذ تحرير حلب من الجماعات المسلحة المعدومة من تركيا، وانطلاق قطار الدولة السورية بدعم روسي إيراني لاسترداد كامل الجغرافيا السورية، هو الصراع على مستقبل الجولان، بين رؤيتين أميركية وروسية رؤية أميركية تربط الاعتراف بعودة سورية ببقاء الجولان تحت السيطرة الإسرائيلية، وتعتبر أن عودة باقي الجغرافيا السورية باستثناء الجولان يجب أن يكفي لعودة الاستقرار لسورية. وعلى هذه الخلفية قامت واشنطن بخطوتين مهمتين، الأولى عرض مقايضة الانسحاب الأميركي من سورية بانسحاب إيران وقوى المقاومة، والثانية تأييد قرار إسرائيلي سابق بضم الجولان، بما يعنيه من إسقاط للضمانة الأميركية كشريك في اتفاق فك الاشتباك عام 1974 وما يعنيه من تنطر للقرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن بإدانة قرار الضم، وإدانة قرارات الاستيطان، وتأكيد الهوية السورية للجولان المحتل.

– الرؤية الروسية كانت واضحة من لحظة التمسك باتفاقية فك الاشتباك كإطار للوضع على حدود الجولان ضمن مفهوم ارتباط الاتفاقية بالقرارات الدولية التي تنص صراحة على الانسحاب الإسرائيلي من الجولان، والضغط الروسي لتراجع أميركي وإسرائيلي أمام التقدم السوري نحو الجنوب قبل عامين. كان في هذا السياق، ومثله تجاهل عروض مقايضة الوجود الأميركي بوجود إيران وقوى المقاومة، ورفض الموافقة الأميركية على ضم الجولان، وصولاً لقناعة روسية بأن الحديث عن انسحاب جميع القوات غير السورية باستثناء روسيا يمكن أن يشمل إيران عندما يكون المطروح مقابله انسحاباً إسرائيلياً من الجولان، تقوم روسيا بعرضه مدخلاً للاستقرار في المنطقة في كل مناسبة وكل لقاء، وتبدي الاستعداد للبحث بالضمانات الأمنية لـ»إسرائيل» في حال قبول وضعه بنداً للبحث على الطاولة.

– مشروع صفقة القرن شكل الإطار الشامل للرؤية الأميركية وكانت روسيا تراه فاشلاً منذ أعلن الفلسطينيون إجماعهم على رفضه، وأعلنت التضامن معهم بمقاطعة مؤتمر المنامة. والرؤية الروسية لسياق تطور أوضاع سورية وامتداد سيطرة الدولة السورية على جغرافيتها لا يلحظ حاجة لوضع الوجود الإيراني على الطاولة لضمان انسحاب الأتراك والأميركيين. فسياق الرؤية الروسية يضمن مقايضتهما ببعضهما البعض، الأميركيون يفرجون عن مطالب الأمن التركي بإلغاء خطر الكيان الكردي، والأتراك يقايضون شراكتهم بالحل السياسي بالإفراج عن الجغرافيا السورية التي يحتلونها، والانسحاب التركي وإقلاع التسوية السياسية كفيلان بتسريع روزنامة الانسحاب الأميركي، والتجاذب الإيراني الأميركي مفيد للرؤية الروسية لأنه يضع الوجود الأميركي في سورية كواحد من الأهداف المعرضة لعمل عسكري في أي مناخ متوتر، بحيث يصير الانسحاب الأميركي من سورية ضمن مفهوم تسوية سياسية سورية مخرجاً يحفظ ماء الوجه، خصوصاً بربط الأميركي توقيعه الأخير على التسوية بإعادة الإعمار وليس بالانسحاب كما كان من قبل.

– الجولان في منظور «إسرائيل» وأمنها، مقنع للأميركيين الذين ليس بينهم وبين إيران ومعها قوى المقاومة من قضية تتقدم على قضية أمن «إسرائيل»، ليس باعتبارها خدمة لـ»إسرائيل» بل باعتبارها أهم عناوين القوة الأميركية في المنطقة والتخلي عن أسباب قوتها بمثابة إعلان هزيمة أميركية كاملة وخروج مهين من المنطقة الأهم في العالم، وسقوط لمكانة الدولة الأولى في صناعة السياسة والأمن عالمياً، لذلك تعرف «إسرائيل» أن الجولان ليس غزة ولا جنوب لبنان، وتعرف أن خروجها منه ولو بنقله لحماية دولية معزّزة بضمانات روسية أميركية لن يثني قوى المقاومة، التي تعرف خصوصية الجولان وموقف أهله كما تعرفهما «إسرائيل»، عن التمركز على ضفاف بحيرة طبريا في اليوم الثاني للانسحاب الإسرائيلي منه، وما يعنيه ذلك للأمن الاستراتيجي لـ»إسرائيل» الذي يبدأ وينتهي في الجليل ومستقبل الجليل يرتبط بمستقبل الجولان عضوياً ووجودياً.

– لا يمكن لأحد أن يطالب الدولة السورية بقبول تساكن هادئ على حدود الجولان مع قوات الاحتلال في ظل إعلان إسرائيلي مدعوم أميركياً بضمّ الجولان، وفي توقيت ما سيكون الجولان جبهة ساخنة وقد تنزلق للأشد سخونة ويصير السؤال عن كيفية تفادي نشوب الحرب، ولذلك يبقى الإيرانيون وتبقى قوى المقاومة وتريد سورية منهم أن يبقوا، ولا تمانع روسيا في بقائهم، لأن مصلحة سورية تكمن بطرح السؤال ومصلحة روسيا تتحقق بتقديم الجواب، وحتى ذلك الحين غير البعيد، تحاول «إسرائيل» القول إنها قادرة على فرض الابتعاد الإيراني بالقوة، وهي أمام مأزق كونها مضطرة للاختيار بين غارات توجع إيران وقوى المقاومة لتراهن عليها كبديل عن وضع الجولان على الطاولة. وفي هذه الحالة كل وجع يقابله وجع من نوعه وحجمه، وتبادل الألم قد يُخرج الأمور عن السيطرة، والعمل الذي يكتفي باللعبة الإعلامية دون التسبب بألم لا يمنع اقتراب لحظة يصير الوضع في الجولان هو الواجهة التي تتصدّر وضع سورية، وتبدأ السخونة ويصير السؤال مطروحاً عن كيفية منع الحرب ويطرح الروس الجواب.

– الجولان مفتاح المنطقة وبيضة القبان فيها، وجنوب سورية المتصل بالجولان ليس قضية طائفية يمكن أن يظنّ البعض، رغم فشل محاولاته السابقة، أن اللعبة فيها متداخلة بين لبنان وسورية وأنها لا تزال مفتوحة، ويمكن التجربة مرة أخرى ببعض التشجيع الخارجي والعبث الداخلي.

Related Videos

Related Articles

إيران تربح الجولة الثالثة بدقة الحسابات

ناصر قنديل

يوليو 8, 2019

– عندما قررت واشنطن الحزمة الأخيرة من الحرب الاقتصادية على إيران وأعلنت إلغاء الاستثناءات على العقوبات التي فرضتها على كل مَن يطبق قرار مجلس الأمن الدولي الذي صادق على الاتفاق النووي مع إيران، بما يتضمنه من إعلان إنهاء للمقاطعة الاقتصادية والتجارية والمصرفية لإيران، وقامت واشنطن بحشد قواتها في الخليج تحت شعار أنها ستجعل إيران تدفع الثمن غالياً إذا قام اي من حلفاء إيران باستهداف أي من حلفاء أميركا، ظن الكثيرون أن المنطقة بين خيارين لا ثالث لهما، إما استسلام إيران ولو تحت عنوان قبول التفاوض وفق شروط جديدة، أو الحرب التي لا يريدها الطرفان، لكن طهران قالت إن هناك خياراً ثالثاً، هو قلب قواعد الاشتباك بالتلويح بحرب لا تريدها، لكنها لا تخشاها مقابل خصم لا يريدها لكنه يخشاها. وبدأت الجولة الأولى بقيام أنصار الله باستهداف خطوط أنابيب النفط الأميركية في السعودية، ونجاحها بذلك رغم الحماية المكثفة والمكلفة التي توفرها شبكات الباتريوت الأميركية، ونجاحها الأهم بفرض قواعد اشتباك جديدة تربط أي عمل عسكري أميركي بإصابة أهداف أميركية فقط، وإعلان التخلي الكامل عن الشرط الذي لأجله القوات الأميركية هو حماية أنظمة الخليج.

– الجولة الثانية كانت مع استهداف إيران بصاروخ دفاع جوي جديد من صناعة إيران، للطائرة الأميركية الأهم في مجال الحرب الإلكترونية، ونجاحها في إسقاط طائرة التجسس الأميركية العملاقة التي جهزت للتجسس والتنصت فوق الصين وروسيا دون أن تقدر الدفاعات الجوية على التعامل معها أو الرادارات على اكتشافها، كما تقول الروايات الأميركية المنشورة عن هذه الطائرة. ورغم حجم المصاب الأميركي لم تجرؤ واشنطن على رد الضربة، وقامت بتبرير تراجعها مرة أولى بالحديث عن سقوط الطائرة بالخطأ ومرة ثانية بالقول إنه طالما لم يسقط ضحايا من العسكريين الأميركيين فلا مبرر للعمل العسكري. ومرة ثالثة بالقول ان الرد سيوقع الكثير من الضحايا من المدنيين الإيرانيين ورابعة بالحديث عن استدراج إيراني لأميركا لدخول الحرب لأن الأولوية الأميركية هي مواصلة الضغط الاقتصادي، الذي قال عنه الرئيس الأميركي إنه يدفع بإيران نحو الانهيار، قبل أن ينفضح كذبه باستعمال الوصف ذاته عن الاقتصاد الصيني الذي يسابق الاقتصاد الأميركي على المرتبة الأولى في العالم.

– الجولة الثالثة أعلنت عنها إيران قبل شهرين بالتزامن مع الإعلان عن حزمة الحرب الأميركية المالية بإلغاء الاستثناءات، ووضعت إيران مهلة الستين يوماً للخروج التدريجي من التزاماتها المنصوص عليها في الاتفاق النووي وفقاً لمعادلة نلتزم بالاتفاق بمقدار الالتزام الأوروبي بموجباته. ووضعت لذلك سلماً مقارناً لاثني عشر شرطاً متقابلاً من الالتزامات الإيرانية التي تضم نسبة تخصيب اليورانيوم وتخزين الكميات المخصبة، مقابل الالتزامات الأوروبية التي تضم شراء النفط وتحويل عائداته، وحرصت إيران على ضبط معادلاتها الجديدة تحت سقف معاهدة الحد من انتشار السلحة النووية التي لا تلزمها إلا بإبلاغ الوكالة الدولية للطاقة الذرية وقبول مراقبتها وتحققها من الخطوات الإيرانية طالما ليس بينها أي نشاط عسكري. وراهن الأميركيون كما في حرب الناقلات على مناخ يتيح إجماعاً دولياً ضد إيران، أن يتغير على الأقل الموقف الأوروبي من الاتفاق النووي عندما تعود إيران لتخصيب مرتفع النسبة لليورانيوم، وتخرج بذلك عن بنود الاتفاق، ولوّح الأوروبيون أنهم سيفعلون ذلك، لكنهم بعد اليوم الأول من الاختبار ها هم يهرولون وراء إيران لتحقيق تفاهم أفضل من الذي عرضوه عليها قبل العودة للتخصيب المرتفع كي لا تذهب لتخصيب أكثر ارتفاعاً.

– الجولة الثالثة ربح إيراني خالص، والرهان الأميركي على الزمن اللازم لتأثير الحرب الاقتصادية تستثمره إيران لتغيير قواعد الاشتباك، وإنتاج معادلات جديدة. ولتبسيط الأمر يمكن مقارنة الرهان الأميركي على صفقة القرن وإمكانية النجاح بجذب الفلسطينيين بالمال الخليجي، وثقة إيران بالمقابل بأن القدس ليست بعضاً من السلع التي يرتضي الفلسطينيون مقايضتها بالمال، وبالحصيلة واشنطن تخسر بالمفرق وبالجملة، وإيران تتفوّق في كليهما. صدّق أو لا تصدّق!

Related Videos

Related

ماذا بعد موقف رئيس الجمهورية من الكانتونات؟

يوليو 6, 2019

ناصر قنديل

– ربما يكون الموقف الذي صدر عن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون حول رفض السماح بتحويل لبنان إلى كانتونات مغلقة بعضها على البعض الآخر هو أهم المواقف التي تتمتع بالقيمة السياسية، ولا تندرج في سياسة التذرّع بالخطأ لتبرير الخطيئة، أو تقع في باب المجاملات التي تبلغ حدّ النفاق السياسي أحياناً بالجمع بين ادعاء الحرص على مشروع الدولة واتفاق الطائف ونسيان موجبات هذا الحرص عند مواجهة محاولة جديّة للانقضاض على فكرة الدولة، وتطيير اتفاق الطائف.

– ما جرى في الجبل ليس المقصود به الموقف من خطاب الوزير جبران باسيل المليء بانفعالات ومفردات يسهل انتقادها، خصوصاً عند التحدّث بلغة طائفية تستنفر مثيلاتها وتبررها. ولا المقصود به البعد الأمني المتضمّن في معنى جمع جمهرة حزبية مسلحة مكلفة من قيادتها بمهمة قطع طريق المرور أمام موكب رسمي ولو اقتضى الأمر بالقوة، والقوة تتضمّن إطلاق النار، ويبدو أنها تتضمن أيضاً إطلاق النار المسدّد نحو الرؤوس، ورغم ذلك ليس هذا هو ما جرى في الجبل، ما جرى في الجبل هو خروج مكوّن سياسي رئيسي في البلد شريك في لتفاق الطائف، ليعلن شروطه لتطبيق معدل لمفهوم دولة ما بعد الطائف، ولمفهوم معدل للطائف نفسه، بالكلام الصريح الذي كرّره أكثر من قيادي في الحزب التقدمي الاشتراكي عن نظرية «المناطق والأبواب والشبابيك».

– المضمون السياسي لما جرى في الجبل هو أن المصالحة المسيحية الدرزية التي جرت في الجبل لا تعني أبداً أن الجبل يقوم على تساوي الحقوق السياسية للمكوّنين الدرزي والمسيحي عبر القوى الأوسع تمثيلاً بينهما، أي الاشتراكي والتيار الوطني الحر، بل على التسليم بمرجعيّة درزية يمثلها الاشتراكي، وتجاهل أن قضاءي الشوف وعاليه وحدهما يمثلان في لبنان منطقة توازن عددي بين المكونين الرئيسيين الطائفيين للمسيحيين والدروز. فالتراجع العددي الإجمالي للمسيحيين أمام المسلمين لا ينطبق على التوزان العددي الدرزي المسيحي في قضاءي عاليه والشوف، ومضمون المعادلة الاشتراكية الجديدة أن الخصوصية الدرزية كأقلية ممثلة بحزبها الأبرز يجب أن تحظى بنسبة من الحصة المسيحية وربما غير المسيحية في الشوف وعاليه، من دون الذهاب لمنطق الدولة المدنية، بل في قلب الدولة الطائفية نفسها، تعبيراً عن الاعتراف بالخصوصية، ومراعاة للتوازنات. وهذا مغزى الخلاف الذي أشعل حرباً سياسية إعلامية بين الاشتراكي وتيار المستقبل، بسبب قيام مدير عام قوى الأمن الداخلي برعاية وحماية من رئيس الحكومة، بتعيين آمر لسرية بيت الدين وهو تقليدياً مسيحي يختاره الاشتراكي، من غير أصحاب الحظوة الاشتراكية، بل من الذين يستظلون اللون البرتقالي.

– الرسالة الاشتراكية واضحة أيضاً للشركاء الدروز في الجبل من غير أنصار الحزب الاشتراكي، بأن حدود وهوامش حضورهم مشروطة بابتعادهم عن شريك مسيحي وازن، يتطلع لحضور يناسب وزنه الطائفي في الجبل، وأنهم موضع ترحيب إذا رغبوا بالانضمام لمعادلة درزية داخلية بوجه المطالبة المسيحية التي يمثلها التيار الوطني الحر، وإلا فهم في عين الاستهداف السياسي وربما الناري، كما جرى في قبرشمون. والواضح أن الرسالة الاشتراكية تحظى بالتفهّم السياسي الواسع من خصوم التيار الوطني الحر ليس بداعي ما يسمّونه استفزازات خطاب باسيل، بل لأن التوازن السياسي القائم على قاعدة ما بعد الطائف حيث يشكل النائب السابق وليد جنبلاط أحد ركائز النظام الجديد يتعرّض للاهتزاز، ما بعد قانون الانتخابات النيابية الأخير ونتائجه التي قالت إن التمثيل المسيحي الذي توزعته بشكل رئيسي كتلتا المستقبل والاشتراكي خلال التطبيق السابق للطائف يتبدّل لونه، وأن ذلك سينسحب على التعيينات والتوظيفات، وأن تيار المستقبل الذي يحظى برئاسة الحكومة بموجب التسوية الرئاسية يجد تعويضاً عن هذه الخسائر، لكنه لا يستطيع تعويض الاشتراكي بدلاً عن خسائره، فعليه إما أن يتضامن مع الانتفاضة الاشتراكية أو ينتقل إلى جبهة الخصوم .

– مشكلة خطاب باسيل وضعفه أمام خطاب الاشتراكي أنه تشارك معه لغة الحساسيات والتوازنات والخصوصيات في مثال بلدة الحدث وقرارات بلديتها، وخطاب رئيس الجمهورية عن رفض الكانتونات مطالب بالتصرف العملي بعدما قال رئيس بلدية الحدث إن قراره البلدي الذي ينتهك الدستور يحظى بدعم رئيس الجمهورية. والقرار المناقض لمبدأ التساوي بين اللبنانيين أمام القانون وفقاً لمقدمة الدستور، لم يجد بالمناسبة أي منظمة مدنية أو هيئة حقوقية تطعن به قضائياً، رغم كثرة أدعياء الحرص على المدنية، وبدلاً من أن يقوم خطاب باسيل الساعي للتفوق على خطاب الاشتراكي على رفض الكانتونات، صارت معادلة الجيوش الإلكترونية المتقابلة «كانتوني أحلى من كانتونك».

– المشكلة التي لم يتمّ وضع الأصبع على الجرح فيها، هي أن زمن الحرب انتهى، ولن يعود، ولا يملك أحد القدرة على إعادته، وسيدفع كل مَن يحاول ذلك الثمن غالياً، لكن النظام الطائفي يحتضر، وهذه إحدى علامات موته، إنه لم يعد يتسع لأصحابه، فتطبيق الطائف وقيام دولة الطائف يمر على حساب بوابة الحزب الاشتراكي عملياً، وإسقاط الكانتونات يمرّ عبر إسقاط حدود جمهورية الحدث عملياً.

– الحوار حول تطبيق الطائف سيجد تعويضاً عن الكانتون في الجبل، بمراعاة جرى نقاشها في الطائف للخصوصية الدرزية، وفي قلبها الزعامة الاشتراكية، كان عنوانها رئاسة مجلس الشيوخ، مع السير بانتخابات نيابية خارج القيد الطائفي، وانتخاب مجلس للشيوخ على أساس تمثيل طائفي كامل، بمثل ما وجد في تثبيت المناصفة في وظائف الفئة الأولى وتخصيص بعضها المهم لمسيحيين والأهم بالحفاظ على رئاسة الجمهورية للمسيحيين تعويضاً عن التغيير الديمغرافي وتراجع حجم الحضور المسيحي العددي، لكن شرط ذلك كله التسليم بأن الدولة لن تقوم على قاعدة التقاسم الطائفي، «على السكين يا بطيخ»، إلا إذا شهر أركانها سكاكينهم بوجه بعض وطعنوا بها ظهور بعض وخواصر بعضهم للبعض، وقد آن الأوان للقول إن قيام دولة وإزالة الكانتونات يتفوقان على ما عداهما، وإن خطاب التفوق السياسي أو الطائفي هو مشروع حرب أهلية لن تقع، لكنها ستمنع لبنان من الحياة، ومَن لا يصدق فلينظر إلى موسم الصيف كيف تسقط أحلام اللبنانيين فيه سقوطاً مدوياً بسبب «الأبواب» و«الشبابيك»، والحكاية ستكون كحكاية إبريق الزيت، لأنه وفقاً لمنطق الطائف والطوائف والخصوصيات ومراعاة التوازنات، الكل يشعر أن لديه ما يكفي من القوة والحماية كي يضرب بيده على الطاولة، ويشعر أن له الحق بخصوصية ومراعاة ويمثل ركناً في توازنات، وقد تسقط الطاولة لكن أحداً لن يتراجع.

Related Videos

Related News

Decisive Sunday الأحد الحاسم

Political commentary by Nasser Kandil

يوليو 6, 2019

Google Translation

Tomorrow, Iran and the world will enter a new phase in dealing with the European evasion of the implementation of the nuclear agreement and limit its demand for Iran to implement its obligations without doing the same.

The agreement was based on an equation under which Iran would commit itself to providing additional safeguards under the NPT in response to the desire of its partners in the agreement as proof of good faith on its part to confirm its unwillingness to possess a nuclear weapon. The enrichment of uranium at any grade and the storage of enriched uranium is the right of all countries. Signatories to the Nuclear Non-Proliferation Treaty, the condition of reporting to the IAEA and accepting its control, and Iran accepted the additional commitments in return for economic incentives guaranteed by the agreement.

Iran won through the agreement some of its frozen funds and the abolition of sanctions for two years during which obtained good financial resources and most importantly, they got rid of the decision of the Security Council covering the sanctions and instead adopted a new resolution of the Security Council ratified the nuclear agreement, which calls for trading with Iran.

The American exit from the agreement and its return to sanctions Iran placed between my choice to stay in the agreement and get incentives from the remaining parties under his umbrella or get out of it in return for the exit of a key partner is America and Iran decided to stay and give other partners the opportunity to prove good faith.

Sunday, Iran will come out of the agreement and start exercising its rights as a signatory to the NPT and no one will be able to blame it or refer it to the UN Security Council or the UN Security Council or the Security Council.

From Sunday onwards, the Europeans who said that Iran will gain nothing from getting out of the agreement will count their words well because it will lose only a commitment to the Nuclear Non-Proliferation Treaty and there is no justification for additional obligations unless the partners of the nuclear agreement return to their obligations.

Biting fingers may come back after the agreement to see the light again or modified, but Iran will be like every time it has reached new ranks in its nuclear program and will find those who pushed it out that what was valid yesterday is no longer valid today and perhaps what happened during the negotiation provides the lesson …

التعليق السياسي

ـ يوم غد تدخل إيران ومعها العالم مرحلة جديدة في التعامل مع التهرّب الأوروبي من تطبيق الإتفاق النووي وحصر مطالبته لإيران بتطبيق إلتزاماتها من دون القيام بالمثل.

ـ قام الإتفاق على معادلة تلتزم بموجبها إيران بتقديم ضمانات إضافية عن تلك التي نصّت عليها معاهدة الحدّ من انتشار الأسلحة النووية تلبية لرغبة شركائها في الإتفاق كإثبات حسن نية من طرفها لتأكيد عدم رغبتها بامتلاك سلاح نووي، فتخصيب اليورانيوم على ايّ درجات وتخزين المخصّب منه حق لكلّ الدول الموقعة على معاهدة عدم امتلاك السلاح النووي شرط إبلاغ الوكالة الدولية للطاقة بذلك وقبول رقابتها وقبلت إيران الالتزامات الإضافية مقابل حوافز اقتصادية تضمّنها الإتفاق.

ـ فازت إيران عبر الإتفاق ببعض أموالها المجمّدة وبفكّ العقوبات لسنتين حصلت خلالها على موارد مالية جيدة والأهمّ أنها تخلصت من قرار صادر عن مجلس المن يغطي العقوبات وصار بدلاً منه قرار جديد لمجلس الأمن صادق على الإتفاق النووي الذي يدعو للمتاجرة مع إيران.

ـ الخروج الأميركي من الاتفاق وعودتها للعقوبات وضع إيران بين خياري البقاء في الإتفاق والحصول على الحوافز من الأطراف الباقية تحت مظلته أو الخروج منه مقابل خروج شريك رئيسي فيه هو أميركا فقرّرت إيران البقاء ومنح الشركاء الآخرين فرصة إثبات حسن النية.

ـ الأحد ستخرج إيران من الإتفاق وتبدأ ببمارسة حقوقها كدولة موقعة على معاهدة الحدّ من انتشار الأسلحة النووية ولن يكون بمستطاع أحد لومها ولا إحالتها غلى مجلس الأمن الدولي لا في الوكالة الدولية للطاقة الذرية ولا بين أعضاء مجلس الأمن.

ـ من الأحد وصاعداً سيحسب الأوروبيون الذين قالوا إنّ إيران لن تربح شيئاً من الخروج من الاتفاق كلماتهم جيداً لأنها لن تخسر شيئاً من الالتزام فقط بمعاهدة الحدّ من السلاح النووي ولا مبرّر لالتزامات إضافية إلا عندما يعود شركاء الإتفاق النووي إلى التزاماتهم.

ـ عضّ على الأصابع قد يعود بعده الإتفاق ليبصر النور مجدّداً أو معدلاً لكن إيران ستكون كما كلّ مرة قد بلغت مراتب جديدة في برنامجها النووي وسيجد الذين دفعوها للخروج أنّ ما كان صالحاً بالأمس لم يعد صالحاً اليوم ولعلّ ما حدث من قبل خلال التفاوض يقدّم العبرة…

Related Videos

Related Articles

طهران تتحدّث عن شروط التفاوض مع واشنطن وتعلن 7 تموز موعد تقليص التزاماتها النووية

 

يوليو 5, 2019

البناء

أكد وزير الاستخبارات الأمن الداخلي الإيراني محمود علوي، أن دخول بلاده في مفاوضات مع الولايات المتحدة مرهون برفع العقوبات الأميركية وموافقة المرشد الأعلى علي خامنئي.

وأكد علوي، «يمكن أن تعيد إيران النظر في إجراء محادثات مع أميركا، لكن ذلك في حالة رفع ترامب العقوبات وموافقة قائدنا الأعلى على إجراء مثل هذه المحادثات».

وأضاف: «كان الأميركيون مرعوبين من قوة إيران العسكرية، هذا هو السبب في تراجعهم عن مهاجمة إيران».

من جهته، أشار المتحدث باسم المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، كيوان خسروي، إلى أن انسحاب ترامب من الاتفاق النووي «أحدث جرحاً في طريق الدبلوماسية»، مؤكداً أن «أفضل ترياق لكل التهديدات هو المقاومة النشطة».

وحثّ الاتحاد الأوروبي إيران على «الالتزام ببنود الاتفاق»، لكن طهران تقول إن «التزامها به» سيتراجع تدريجياً إلى أن «تضمن بريطانيا وفرنسا وألمانيا أن يعود عليها بنفع مادي»، وهو ما كان الحافز الرئيسي الذي دفعها للتوقيع عليه.

فيما أعلن المتحدث باسم المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، كيوان خسروي، أمس، أن «إيران ستبدأ من 7 تموز تنفيذ الخطوة الثانية من تقليص التزاماتها النووية، وذلك في إطار الفقرتين 26 و36 من الاتفاق النووي «.

وردّ خسروي على التهديدات الأخيرة التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضدّ بلاده، قائلاً: «الدبلوماسية والطعن موضوعان متناقضان، ولا يمكن تواجدهما معاً إلا في المدرسة الترامبية».

وأضاف خسروي، قائلاً: « أميركا اتخذت في ما سبق استراتيجية التفرد والخروج من المعاهدات الدولية، وطعنت بمنطق الحوار والدبلوماسية وجرحت الأمن العالمي».

وأشار خسروي إلى أنه «منذ 40 عاماً تواصل أميركا لدغ الشعب الايراني، إلا أن ترياق المقاومة الفاعلة جعل إيران تمضي بصمود وأمل إلى الأمام».

من جهتها، دعت المفوضية الأوروبية، أمس، إيران إلى «التراجع عن زيادة مخزونها من اليورانيوم المخصب فوق الحد المسموح بالاتفاق النووي».

وقالت المتحدثة باسم المفوضية، مايا كوتشيانتيتس، في إحاطة لها، أمس: «في ما يخص إيران، موقفنا واضح وهو أننا ملتزمون بخطة العمل المشتركة والشاملة. ونُعرب عن أسفنا من قرار إيران لأنها ستخل بشروط من الاتفاق».

وأضافت: «ندعو إيران لعكس الخطوات التي أخذتها وتعود للالتزام بالاتفاق النووي».

بدوره، قال وزير المالية الفرنسي برونو لو مير، أمس، إنه يأمل في أن «تستكمل آلية تجارية خاصة جرى إنشاؤها مع إيران أول معاملة محدودة في الأيام المقبلة».

و»إنستيكس» التي أنشأتها فرنسا وبريطانيا وألمانيا هي آلية مقايضة تهدف إلى تفادي التحويلات المالية المباشرة.

وقال لو مير للصحافيين خلال اجتماع في بولندا «نريد أن تدخل إنستيكس حيّز النفاذ في غضون أيام قليلة ونأمل أن يكون بمقدورنا تشغيلها خلال أيام آمل أن يتم استكمال أول معاملة في غضون أيام قليلة».

وأضاف الوزير الفرنسي «أول معاملة ستكون محدودة لكن هذه نقطة بداية ونتوقع أن تكون إنستيكس أداة فعالة».

وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في حزيران الماضي، أنه تراجع عن توجيه ضربة عسكرية قبل دقائق من بدئها، رداً على إسقاط إيران طائرة أميركية مسيّرة فوق مضيق هرمز، مبرراً تراجعه بأن «الضربة كانت ستودي بحياة 150 شخصاً»، وأشار إلى أن «الباب مفتوح أمام إجراء محادثات مع طهران».

ورداً على العقوبات الأميركية التي تستهدف على وجه خاص المصدر الرئيسي للعائدات الإيرانية بالعملة الأجنبية متمثلاً في صادرات النفط الخام، قالت طهران في شهر أيار الماضي، إنها «ستقلّص التزامها بالاتفاق النووي».

Related Videos

Related News

ليست القضية بالإحالة إلى المجلس العدلي

يوليو 3, 2019

ناصر قنديل

– لم يعُد خطاب الأبواب والشبابيك حكراً على حزب سياسي واحد أو فريق سياسي واحد. فقد ظهر بوضوح أن هناك جبهة سياسية وطائفية تتبنّى النص القائم على اعتبار ما جرى في الجبل نتيجة للخطاب الاستفزازي لرئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل. والأمر بالتأكيد ليس في تحديد ما إذا كان الخطاب استفزازياً أم لا، ومعلوم أنه من السهل إيجاد ما يتيح وصف الخطاب الباسيلي بالاستفزازي، لكن القضية هي في تشريع ضمني لجعل الدخول إلى مناطق لبنانية مشروطاً بموافقات مسبقة من زعاماتها الطائفية، تحت التهديد بالأمن، وتحت شعار جديد صار هو عنوان الخطاب الرسمي، بدلاً من أن يتم وضع القادة السياسيين واللبنانيين بين حدّين، حماية حرية التعبير في الخطاب، وملاحقة مَن يلعب بالنار طائفياً بخطابه أمام القانون، أو محاسبته سياسياً، فصار الموقف الذي تمت صياغته بطريقة أخرى، أن أي طرف يستطيع قول ما يشاء لكن عليه تحمل المسؤولية، والمسؤولية هنا تتضمّن فرضية ظهور أحداث أمنية، فتصير لعبة الأمن جزءاً مشروعاً من الحياة السياسية، وبذلك يصير التحقيق القضائي والأمني محكوماً بإقامة نوع من التعادل بين سلاح حماية وزير وسلاح آخر في الشارع، ويتحول الرد بإطلاق نار قاتل على إطلاق نار في الهواء إلى اشتباك مسلح، تتساوى فيه المسؤوليات تحت شعار البدء بإطلاق النار أدى إلى خلط الحابل بالنابل وضياع الطاسة. والتعادل هنا ليس على صلة بالقانون بل هو امتداد للمعادلة الأهلية التي تحكم حرباً أهلية باردة.

– التسوية الهشة تُعاد صياغتها بطريقة أشد هشاشة من خلال معادلة، الجميع على حق، والجميع له حق، حق الذين سقطوا قتلى بملاحقة الفاعلين، و حق الذي حمل السلاح احتجاجاً على عدم دخول البيوت من أبوابها، بتثبيت معادلته، وحق الذي أراد لصاحب الخطاب الاستفزازي أن يدفع ثمن خطابه، بأن يكون الثمن بجعل منطقة لبنانية رهينة أمنية، ومحمية حزبية تدخلها الدولة بالتراضي. وضمن الشروط المتفق عليها بين أركان النظام الطائفي لعدم السماح بتغيير قواعد اللعبة السياسية لصالح تنمية فكرة الدولة على حساب الزعامات الطائفية، حتى لو لجأت هذه الزعامات إلى المحرّمات، والمحرّمات هنا يتعامل معها الجميع بصفتها من مكتسبات الزعامة، فجمهورية الحدث ولو بدون سلاح، كجمهورية قبرشمون المسلحة، والعنوان هو خصوصية القانون الذي يطبّق في كل جمهورية بخصوصية الزعامة وما تشرّعه ليصير قانوناً.

– التهديد بخطاب الحرب من الذي لم يكن جزءاً منها إلا في آخر جولاتها التي تباهى بها من الكحالة بهدف شدّ العصب وتثبيت القاعدة الطائفية، أو التلويح بأدوات الحرب ممن كان ركناً من أركانها وتمّ استحضارها في قبرشمون، بهدف الحفاظ على المكتسبات الحزبيّة والفئويّة، مشرَّعان بالتساوي والتوازي، والدولة تتكرس كضابط إيقاع بين المعادلات الطائفية وزعاماتها وليس على حسابها، والذي بات واضحاً هو أنه يستحيل لأحد هذين الخطابين أن يحقق شرعيته بدون أن يمنح الشرعية للخطاب الآخر. فخطاب الوزير جبران باسيل وطموحاته، الذي تشكلت جبهة في وجهه، كأداء النائب السابق وليد جنبلاط الذي تشكلت جبهة من حوله، والخاسر هو مشروع الدولة التي لا تقوم على خطاب الحقوق الطائفية، ولا على منطق المناطق المغلقة، فلا استعادة التوازن الطائفي في الجبل ممكنة تحت مظلة خطاب الحقوق الطائفية، دون إضعاف فكرة الدولة ومشروعها في مناطق أخرى ظهرت بلدة الحدث نموذجاً لها، ولا التمسك بالمكتسبات المحققة في ظروف تغيّرت، ممكنة بلا إضعاف هيبة الدولة وتهديد أمنها. وها هي الحصيلة أمامنا، الحفاظ على الاستقرار والسلم الأهلي يمران عبر إضعاف فكرة الدولة ومشروع قيامها، وعلى اللبنانيين تقبل أن تجاوز محنة الفتنة بحد ذاته كافٍ ليصفقوا للجميع، لأنهم فهموا أن القضية ليست قضية إحالة للمجلس العدلي، بل الحفاظ على التوازنات بين جبهتين متوازنتين أمام استحقاق رئاسي جرى استحضاره مبكراً، ومقتضيات التأجيل تستدعي الخروج من الأزمة وفق معادلة لا غالب ولا مغلوب، وتصبحون على وطن.

Related Videos

 

Related Articles

 

%d bloggers like this: