واشنطن تقايض الرياض بالقدس

واشنطن تقايض الرياض بالقدس

ديسمبر 15, 2017

ناصر قنديل

– تستطيع أي نظرة متفحّصة لما يجري في ملفي فلسطين وسورية تبيّن الخيط الرفيع الرابط، وهو المصالح «الإسرائيلية»، ومضمون هذه المصالح واضح بتجميد أي حلّ سياسي في سورية مبنيّ على حقائق الميدان العسكري، يسهّل عودة الدولة السورية وتعافيها، منعاً لما يشكّله ذلك من مكاسب فورية لمحور المقاومة كقوى وحكومات تستعدّ لجعل فلسطين أولويّتها، وإسقاط القرار الأميركي حول القدس عنوانها المباشر، فبقاء الارتباك والتشوش في مستقبل سورية هدف «إسرائيلي» دائم، ويصير أكثر حيوية في زمن المواجهة المتفجّرة في فلسطين ومساعي محور المقاومة للتفرّغ لهذه المواجهة.

– يعرف الأميركيون أن دوام الحال من المحال، وأن تعقيد مسار جنيف لن يُقفل طرق البدائل الميدانية والسياسية، لذلك فهم يبيعون إنجاز التعقيد للسعودية، كطرف يرعى وفد التفاوض للمعارضة بسقوف لا تراعي المتغيّرات، فمنح واشنطن للتغطية للتعقيد السعودي مبني على مصلحة انتقالية، يجري خلالها البحث بمستقبل الوجود الأميركي في سورية قبل أي تسهيل للحل السياسي. وهو في الوقت نفسه مسعى لمبادلة الوجود الأميركي بضوابط تقييد لقوى المقاومة في سورية بما يحقّق بعض الاطمئنان لـ«إسرائيل ، لكن الرهان الأصلي يبقى على إطلاق مسارات تطغى على قرار القدس الذي أطلقه الأميركيون، ومساعدة الإسرائيليين على هضم نتائجه في الميدان.

– التفاهم الأميركي السعودي الإسرائيلي عميق، ولا يُحرِج الرياض القول علناً إنها على ثقة بأن واشنطن وسيط إيجابي ومقبول في عملية السلام، رغم قرار القدس، وأنّ لديها خطة للسلام يجري إنضاجها بالتنسيق مع السعودية، كما قال وزير خارجيتها عادل الجبير، الذي غاب عن مؤتمر القمة الإسلامية في اسطنبول هو وملكه وولي عهده، ليمثلهم وزير الثقافة، باعتبار قرار اعتماد القدس عاصمة لـ«إسرائيل قراراً ثقافياً، يتصل بالتراث لا بالسياسة والسيادة، وكان الجبير في باريس لرشوة فرنسا بتمويل مشروعها السياسي في الساحل الأفريقي مقابل تقبّل عدم صلاحيتها كوسيط للعملية التفاوضية تتطلع إليه قمة اسطنبول، بقوله الصريح ومن باريس أثناء انعقاد القمة، إن اوروبا يمكنها أن تساعد، لكنها لا تستطيع الحلول مكان واشنطن التي تبقى وحدها المؤهلة لإدارة العملية التفاوضية، وفقاً لقول الجبير.

– المسار الذي تُعِدّه واشنطن وتستعدّ الرياض وتل أبيب للتعاون تحت ظلاله، كشفت النقاب عنه ممثلة واشنطن في الأمم المتحدة، نيكي هايلي، بقولها إن الأولوية الأميركية هي تشكيل حلف دولي للراغبين بمواجهة إيران، وسارعت كل من السعودية وإسرائيل للإعلان عن جهوزيتهما للانضمام لهذا الحلف ورهان الثلاثي الأميركي السعودي الإسرائيلي هو نجاح مزدوج، الأول بجعل العداء لإيران يتقدّم على العداء لـ«إسرائيل ومصير القدس، فيرى الشارع العربي أن إسرائيل التي تهوّد القدس وأميركا التي تبيعها شركاء وحلفاء، لأنّهم يرفعون لواء العداء لإيران، والنجاح الثاني هو في تمكّن الثلاثي الأميركي السعودي الإسرائيلي من احتواء الانتفاضة الفلسطينية بالجمع بين القوة الإسرائيلية والمال السعودي والتلاعب السياسي الاستخباري المشترك بأوراق القيادات الفلسطينية، والسعودية أمام إغراء تغطية مواصلة عدوانها على اليمن مقابل تغطية تهويد القدس جاهزة للمقايضة.

– قوى محور المقاومة تقرأ وتدرك ما يجري من حولها، وتضع الخطط مقابل الخطط، ولذلك عطّلت القنبلة المفخّخة في جنيف بفضح اللعبة. وهذه المهمة تولاها رئيس الوفد السوري المفاوض السفير بشار الجعفري، بينما الساحة الفصل التي ستقول كلمتها هي فلسطين، حيث سيثبت أن إسرائيل لا تزال هي العدو، والقدس هي العنوان، وأن ساحات المواجهة لن تهدأ، والمسارات المفتعلة ستُحرق أيدي أصحابها، والقطار السوري سيمضي من دون أن ينتظر طويلاً نضج الآخرين للركوب في المقصورة المخصّصة لهم، والوجود الأميركي في سورية ليس تحت حماية إلهية، طالما أن الحرب على الإرهاب قد انتهت مهمته المزعومة فيها، وصار احتلالاً مكشوفاً، وطالما أن الصواريخ اليمنية قد اختبرت قدرتها على إنشاء توازن رعب وردع في مواجهة الوحشية السعودية في الحرب على المدن اليمنية.

RelatedVideos

Related Articles

Advertisements

He is Nasrallah هذا نصرالله

He is Nasrallah

ديسمبر 14, 2017

Written by Nasser Kandil,

As a war leader the Secretary-General of Hezbollah Al Sayyed Hassan Nasrallah emerged to public at a historical moment which he waited for long, so he would not let it go uselessly, he would not let anyone deviate it from the track which it must follow towards the decisive moment. During the years after the July war the resistance headed by Al Sayyed Hassan Narsrallah prepared  for this confrontation, but when the war targeted Syria, it tried to avoid it, but when it was clear that is a part of the great war on Palestine it became the war of the resistance which its force became great, it asked how will it link the surplus of its power in its main front in fighting Israel, so it tried to prevent Israel from achieving any gain in the southern of Syria that will decrease the burden of its losses in the region wars, knowing that they were wars by proxy with Israel from the secession of Kurdistan to the war of Yemen and the Yemeni missiles, towards the war of the Syrian-Iraqi borders, and the war of strife through detaining the Lebanese Prime Minister and his resignation. The resistance has waged and won them all till Israel became face –to-face with the wall, so the option of the Suicidal war alone can face-saving, therefore the Israeli-American genius led finally to the last decision of Tramp to compensate morally the Israeli losses and demarcating of borders for the next confrontation from behind the wall of Jerusalem as an alleged Israel’s capital.

In such moments the resistance is not interested in answering a hypothetical question, is it the resistance’s interest to grant the honor of its war defending Jerusalem, rather than defending the existence of the resistance? Now the strife fell at the gates of Jerusalem before the war begins, along with the illusions of settlements and negotiations, the uprisings erupt, the resistances get unified. The main concern of the resistance as it was clear from the words of its leader is to preoccupy with what is occurring, and what should be and what will be, not with what could have been, so let Israel and America preoccupy to ask whether their wrong considerations make them always arrive late?

What is important is that the resistance is preparing for its war after it equipped with more readiness, victories, weapons, capabilities, alliance, and experiences. Now it is ending these wars before it gets involved in its great war which waited a long time. It draws its steps and its titles carefully through ensuring wider range of isolation around the enemy, its basis is those who were the parties of negotiation and settlement, and a wider popular participation in support of Jerusalem and Palestine, its pillars are those who were targeted with mobilization and the calls against the resistance under doctrinal and sectarian titles, but they discover their true identity with Jerusalem and who with it in the field after the masks have fallen. On the other hand to prepare the ranks of resisters and their factions, their armies, and their weapons for calm, reckless management that copes with the normal and the systematic gradual escalation in the confrontation. This requires the arrangement among the forces of the resistance and the reconciliation of its parties after what has happened, in addition to end the divisions. The axis of resistance has entrusted Al Sayyed to be the master of these three wars the diplomacy war, the street war, and the military war, he has determined a ceiling and a road map for each of these wars.

The speech of Al Sayyed Hassan Nasrallah is a road map of his war, as it is the Jerusalem road map. Here is Nasrallah…..he is the grandson of the Prophet Mohammed….. He is the promise of Jesus….Simply he is Nasrallah.

Translated by Lina Shehadeh,

هذا نصرالله

ناصر قنديل

ديسمبر 12, 2017

– كقائد حرب يُعدّ لها العِدّة ظهر الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، فهي لحظته التاريخية التي انتظرها طويلاً ولن يدعَها تضيع، ولن يسمح لأحد مهما كلّف الأمر أن يسرقها أو يحوّلها عن المسار الذي يجب أن تسلكه وصولاً للحظة الحاسمة. فخلال سنوات ما بعد حرب تموز استعدّت المقاومة والسيد نصرالله على رأسها لهذه المواجهة، ولما جاءت الحرب على سورية حاولت تفاديها، وكلما اتضح أنها جزء من الحرب الكبرى حول فلسطين صارت حرب المقاومة، حتى رسم نصرها، وتعاظمت قوة المقاومة، وهي تتساءل كيف ستربط تظهير فائض قوّتها في جبهتها الرئيسية لقتال «إسرائيل»، واكتفت بضمان لعبة التدافع عبر الجنوب السوري لتربحها في الدبلوماسية بحرمان «إسرائيل» من تحقيق أيّ مكسب يخفّف من وطأة خسائرها في حروب المنطقة، وكلها حروب بالوكالة مع «إسرائيل»، من انفصال كردستان إلى حرب اليمن والصواريخ اليمنية، وصولاً إلى حرب الحدود السورية العراقية، وما بينها حرب الفتنة التي صُمّمت من خلال احتجاز رئيس الحكومة اللبنانية واستقالته، وقد خاضتها المقاومة جميعها وربحتها حتى صارت «إسرائيل» وجهاً لوجه أمام الجدار، وصار خيار الحرب الانتحارية وحده يحفظ لها ماء الوجه، حتى تفتقت العبقرية الأميركية «الإسرائيلية» عن قرار ترامب الأخير تعويضاً معنوياً لـ»إسرائيل» عن الخسائر وربحاً معنوياً ظاهراً، ورسماً لحدود المواجهة المقبلة من وراء أسوار القدس بصفتها عاصمة «إسرائيل» المزعومة.

– في مثل هذه اللحظات لا تنشغل المقاومة بالمفاضلة للإجابة عن سؤال افتراضي، أليس هذا من مصلحة المقاومة أن تمنح شرف خوض حربها للدفاع عن القدس، بدلاً من أن تكون حرب الدفاع عن وجود المقاومة؟ وها هي الفتن تسقط على أسوار القدس قبل أن تبدأ الحرب، ومعها تسقط أوهام التسويات والمفاوضات، وتندلع الانتفاضات، وتتوحّد المقاومات. هنا يصير همّ المقاومة كما بدا في كلام سيدها، الانشغال بما هو كائن، وما يجب أن يكون وما سيكون، وليس بما كان يمكن أن يكون، فلتنشغل «إسرائيل» وأميركا بالسؤال عما إذا كانت حساباتهم الخاطئة تجعلهم دائماً يصلون متأخرين؟

– المهمّ أنّ المقاومة تستعدّ لحربها، وقد ترسملت من الحروب التي خاضتها مزيداً من الجهوزية والانتصارات والسلاح والمقدّرات والتحالفات، والخبرات. وها هي تُنهي هذه الحروب، قبل أن تدخل حربها الكبرى التي انتظرتها طويلاً، وفي الطريق إليها ترسم الخطوات بدقة، وعناوينها، أوّلها تأمين أوسع مروحة من العزلة للعدو، قوامها مَن كانوا أطراف التفاوض والتسوية معه، ويستشعرون بالصفعة التي تلقّوها منه اليوم، وبالتوازي ضمان أوسع مشاركة شعبية في نصرة القدس وفلسطين، وشارعها الذين كانوا مستهدَفين بالتعبئة والدعوات للتظاهر ضدّ المقاومة تحت عناوين مذهبية وطائفية، ويكتشفون هويتهم الحقيقية مع القدس ومَن معها في الميدان وقد سقطت الأقنعة عن الوجوه، وعلى ضفة موازية رصّ صفوف المقاومين وفصائلهم وجيوشهم وأسلحتهم، لإدارة هادئة غير متوتّرة، محسوبة غير متهوّرة، لتدرّج يواكب التصاعد الطبيعي والمنهجي في المواجهة، وهذا يستدعي ترتيب بيت قوى المقاومة وتصالح أطرافها بعد كلّ ما جرى، وطيّ صفحات الانقسام، وقد عقدت للسيد القيادة في محوره ليكون هو المايسترو لهذه الحروب الثلاثة، حرب الدبلوماسية وحرب الشارع وحرب العسكر، وقد حدّد لكلّ حرب سقفها وخريطة طريقها.

– خطاب السيد نصرالله خريطة طريق حربه، بمثل ما هو خريطة طريق القدس… هذا هو نصرالله… هذا حفيد محمد… هذا نشيد علي… هذا بشائر عيسى… هذا نصرالله.

 

Related Videos

Related Articles

قمة التورّط في الخطوة الأولى

ديسمبر 14, 2017

ناصر قنديل

– نجح الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله بخوض تكتيك لاعب سنوكر، فعبّأ الشارع الفلسطيني لصالح شعارين رئيسيّين، وهما قطع العلاقات مع «إسرائيل»، وإنهاء المسار التفاوضي، ولأنه يدرك درجة التوتّر في الشارع الفلسطيني ويدرك تأثير كلماته فيه ومكانته عنده، ويدرك حجم الإحراج الذي تعيشه السلطة الفلسطينية تجاه شعبها، الذي أخذته لأكثر من ثلاثة عقود إلى وهم التفاوض والتنسيق مع «إسرائيل» كمدخل مزعوم لاستعادة الحقوق، فكانت النتيجة قضم «إسرائيل» للضفة والقدس وتوسّع الاستيطان فيهما وتهويد أغلب القدس، وتوّجت بإقدام راعي التفاوض الأميركي على حسم هوية القدس خارج التفاوض، عاصمة لـ «إسرائيل». بسبب هذا كله تصير المعادلة أنّ ما يصير في الوجدان الفلسطيني سيشكل سقفاً ضاغطاً على القيادة الفلسطينية، في زمن مواجهة مفتوحة تحتاج هذه القيادة لتزخيمها ولتأكيد مكانة بديلة للمكانة التي استندت إليها في زمن التفاوض، حتى لو أرادت استعادة هذا الزمن فهي تحتاج عناصر القوة. وفي المقابل أغلب المشاركين في القمة الإسلامية لا يرغبون بالتصعيد مع أميركا ولا بكسر الجرّة معها، ولا يُحرجهم إلا الموقف الفلسطيني، فكلّ ضغوطهم ستكون قبيل القمة على السلطة الفلسطينية لطرح سقوف منخفضة لا تُحرجهم، لأنه في مثل هذه الحال وكلّ ما يحيط بها سيكون من الصعب رفض ما يطلبه الفلسطينيون.

– حمل الرئيس الفلسطيني في خطابه بعضاً مما ينتظره الشارع منه بصفة وعود لاحقة كالخروج من اتفاقات أوسلو، والدعوة لسحب الاعتراف بـ«إسرائيل»، وبعضاً من الذي يقبله المؤتمرون، فاكتفى بالشكوى لمجلس الأمن على قرار الرئيس الأميركي حول القدس، والدعوة للاعتراف بدولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية، كعنوان للمطلوب من القمة الإسلامية، ومدخل الهدفين والقدرة على تحقيقهما وقفٌ على التجاوب الأوروبي، وأوروبا المستهدفة هنا، لم يتمّ إحراجها بما هو أعلى، بل تمّ إغراؤها ضمناً بأن تكون هي من جرت تسميته بالوسيط النزيه البديل لأميركا، في رعاية المفاوضات، التي لم يتمّ إسقاطها كخيار، ولا سحبت المبادرة العربية للسلام عن طاولتها، رغم قول الرئيس اللبناني بأنّ التّمسك بها مشروط بوسيط نزيه، وإلا فلا بدّ من سحبها حينها، لتصير المعادلة اللبنانية واقعياً خريطة طريق حكمية. فالزمن ليس مفتوحاً والانتفاضة الفلسطينية هي مَنْ سيتكفّل بفرض الإيقاع، وبعد أوّل العام سيكون قد مرّ من الوقت ما يكفي للسؤال عما تحقق من خطوات القمة الإسلامية، والسيد نصرالله واثق من حيوية الانتفاضة وتعبئة قوى المقاومة لإبقاء سيف الزمن مسلطاً على قرارات القمة.

– بعد شهر سنكون مع كشف حساب، هل نجح التوجّه لمجلس الأمن بإسقاط القرار الأميركي، واعتباره باطلاً؟ وهل نجح التوجّه لأوروبا لدفعها للاعتراف بدولة فلسطين، وهل تجرؤ أوروبا على احتلال المقعد الأميركي في المفاوضات، وسيكون على السلطة الفلسطينية أن تفي بوعودها التي ستتجه نحوها الأنظار بعد الطريق المسدود للقرارات التي أقرّتها القمة، فإعلان سقوط معادلات أوسلو سيكون وراء الباب، وسحب الاعتراف بـ «إسرائيل» سيكون مثله حداً أدنى لمواكبة الشارع، والحفاظ على الحضور. وأوروبا التي يتوهّم الكثيرون أنّ معارضتها ستذهب أبعد مما قالته بصدد القرار الأميركي، ليست بوارد خوض معركة العرب والفلسطينيين ولا التغطية على عجز قياداتهم وضعف حكومات العالم الإسلامي. وهي تعلم أنّ دور الوسيط ليس وقفاً على قبول فلسطيني وعربي وإسلامي، بل على قبول «إسرائيلي» أيضاً، والجواب «الإسرائيلي» واحد ونهائي في زمن عدم اعتراف أميركا بالقدس عاصمة لـ«إسرائيل»، إما الوسيط الأميركي أو لا تفاوض، فكيف في زمن هذا الاعتراف؟

– ما أرادته القيادة الفلسطينية لتغطية عجز الحكومات العربية والإسلامية، والحصول على الممكن من دعمهم المادي والسياسي، لن يعيش لأكثر من شهر، والعيون مفتوحة بانتظار ماذا بعد، والشارع في ذروة الغليان والمواجهة، ولا بعد أقلّ من إنهاء أوسلو، وسحب الاعتراف بـ «إسرائيل»، ورفع السقوف الضاغطة على النظامَيْن العربي والإسلامي، فالمواجهة ليست خياراً إرادياً يمكن التحكّم بسقوفها، بل هي قانون صراع يفرض معادلاته. المهمّ أنّ السباق هو بين القدرة «الإسرائيلية» على سحق الانتفاضة وقدرة الانتفاضة على الصمود، وليس من كلمة لأيّ فريق فلسطيني مهما كان راغباً باللعبة السياسية بعد الذي جرى إذا سُحقت الانتفاضة، ولكن صمودها سيرسم سقوفاً قد لا تكون مرغوبة، لكنها ستكون قدراً، كما ورد على لسان الرئيس الفلسطيني، الحديث في القمة، عن إلغاء أوسلو وسحب الاعتراف بـ «إسرائيل».

– نجح التوريط بالخطوة الأولى، مقابل ما كان مقترحاً على القمة من وفد يزور واشنطن مفاوضاً على القرار مستوضحاً خلفياته، والفضل يعود للشارع الحي في فلسطين أولاً، وفي ما حولها ثانياً، وللبنان منه نصيب وافر.

Related Videos

Related Articles

Gebran Bassil, the Minister of Foreign Affairs of the Arabs جبران باسيل وزير خارجية العرب

 

Gebran Bassil, the Minister of Foreign Affairs of the Arabs

ديسمبر 13, 2017

Written by Nasser Kandil,

“When Lebanon carries a message of peace based on justice, it plays a natural role, and when it defends the people of Palestine it adds from its life style  to the eloquence of speech what is more eloquent”.

As right and justice have logic, wisdom has its logic too.

Let’s listen to it while it is assuring that violence is short-term, it is incapable of ensuring permanent peace, it is fruitless if it turned deaf ear to the main rights of people, as in the case of the people of Palestine, it is weaker than affecting the Palestinians’ determination to resist from inside the occupied territories and weaker than affecting the intention of continuing the pressure from outside for liberation, this is history in the movements of resistance and liberation”.

Those were the words of the late President Suleiman Franjieh before the General Assembly of the United Nations 14/11/1974.

These words used by the late Lebanese President Suleiman Franjieh half of a century ago to describe the position and the role of Lebanon towards the Palestinian Cause and the position of this cause in making stability in the world can be used to comment on the word recited by the Lebanese Foreign Minister Gebran Bassil at the meeting of the Arab Foreign Ministers devoted to discuss the US decision to adopt Jerusalem as a capital of Israel.

Bassil added to the legitimacy of resistance which was foreshadowed by the President Franjieh, the experience of  the resistance which Lebanon built its structure and raised it to the level of liberation and the law of deterrence. He addressed the Arab ministers as the President Franjieh addressed the world on the behalf of all the Arabs, but Bassil found himself talking in front of deaf people, so he just talked leaving the last judgment to the history as the President Franjieh did, so they gained the honor of talking on behalf of the right of the peoples will when the rulers abandoned, as in Lebanon, as in Palestine, as in everywhere. Violence, arrogance, and agony are expressions about narrow-minds when the matter is related to the issues of peoples and their essential rights “as the violence is short-term, it is weaker than affecting the people’s determination to resist”.

“We are here, because our Arabism does not give up Jerusalem, we are in Lebanon, we do not escape from our fate in confrontation and resistance till martyrdom”. Bassil added “Our identity is Jerusalem, and we will keep our dignity and our identity, we are here to regain our lost Arabism between Sunnis and Shiites, between East and West, between Arab-Persian conflict, and which is motivated by illusion to mutual Muslim-Christian intimidation”. He concluded ” we did not come here to raise our hands for the statement uselessly, so let us revolt for our pride, let’s avoid the curse of history and the questions of our grandsons about our negligence, because the uprising can only face-saving, and returns our rights, so either to move now or peace be upon Jerusalem ….where is no peace.

Worthily Bassil deserved to be the Foreign Minister of the Arabs who do not have foreign ministers. His scream did not pass in vain, it reached to where it must reach, the people of Palestine have heard it as all the Arabs, the oppressive occupier has heard it and who has granted him the authorization and the Judaization in Jerusalem. Those who must fear the US decision are still have hearts that beat with freedom and voices that express dignity, as the relationship between light and darkness, some light is enough to dispel all the darkness while  darkness cannot cover the light of right. Bassil’s word was the conference and he was the only minister where there is no need for other ministers and for other words. What must say has been said and who must hear has heard.

Translated by Lina Shehadeh,

جبران باسيل وزير خارجية العرب

ناصر قنديل

ديسمبر 11, 2017

– «عندما يحمل لبنان رسالة السلام مبنيّاً على العدل، إنّما يقوم بدور طبيعي. وعندما يدافع عن شعب فلسطين، فإنّه يضيف إلى بلاغة الكلام، من طريقة عيشه وتصرّفه، ما هو أبلغ من الكلام. وكما أنّ للحقّ والعدالة منطقاً، فللحكمة منطقها أيضاً.

– فلنستمع إليها تؤكّد أنّ العنف قصير الأجل، عاجز عن تأمين سلمٍ صحيح دائم، عقيم إذا تصدّى لحقوق الشعوب الأساسية، كما هي الحال بالنسبة إلى شعب فلسطين، «أضعف من أن ينال من عزم الفلسطينيين على المقاومة داخل الأراضي المحتلّة أو من تصميم على مواصلة الضغط من الخارج من أجل التحرّر. تلك هي سنّة التاريخ في حركات المقاومة والتحرير».

– من كلمة الرئيس الراحل سليمان فرنجية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة 14/11/1974.

– تصحّ هذه الكلمات التي استعملها الرئيس اللبناني الراحل سليمان فرنجية قبل نصف قرن تقريباً من منبر الأمم المتحدة لتوصيف موقع لبنان ودوره من القضية الفلسطينية وموقع هذه القضية في صناعة الاستقرار في العالم، للتعليق على الكلمة التي ألقاها وزير خارجية لبنان جبران باسيل في اجتماع وزراء الخارجية العرب المخصّص لمناقشة القرار الأميركي باعتماد القدس عاصمة لـ «إسرائيل».

– أضاف باسيل لشرعة المقاومة التي بشّر بها الرئيس فرنجية تجربة المقاومة التي شيّد لبنان بنيانها ورفعها إلى مستوى لاهوت التحرير وقانون الردع، وخاطب الوزراء العرب بما افترض الرئيس فرنجية أنه يخاطب العالم به نيابة عن العرب كلّهم، ليجد باسيل أنه يتلو مزامير داود على من بهم صممٌ، مكتفياً بالتحدث للتاريخ الذي ترك له الرئيس فرنجية الحكم الأخير، لينالا معاً شرف التحدث بالنيابة عن الحق وبلسان الشعوب التي لا تكلّ ولا تملّ من المقاومة عندما يتخاذل الحكام، كما في لبنان، كما في فلسطين، كما في كلّ مكان، والعنف والجبروت والعنجهية، تعبيرات عن قصر نظر عندما يتصل الأمر بقضايا الشعوب وحقوقها الأساسية، «حيث العنف قصير الأجل وأضعف من أن ينال من عزم الشعوب على المقاومة».

– «نحن هنا، لأنّ عروبتنا لا تتنازل عن القدس، ونحن في لبنان لا نتهرّب من قدرنا في المواجهة والمقاومة حتى الشهادة»، قال لهم باسيل، وأضاف «نحن من هوية القدس، كرامتنا لا تُمَسّ وهويتنا لا تُخطَف، بل تعود لتتحرّر فتنطلق من لبنانيتها إلى مشرقيتها إلى عروبتها. نحن هنا لنستعيد عروبتنا الضالة ما بين سنة وشيعة، والمهدورة بين شرق وغرب، والمتلهية بصراع عربي – فارسي، والمدفوعة وهماً الى تخويف إسلامي – مسيحي متبادل». وختم قائلاً، «لم نأت الى هنا لرفع اليدين لبيان رفع العتب، فتعالوا ننتفض لعزتنا ونتجنّب لعنة التاريخ وأسئلة أحفادنا عن تخاذلنا، لأنّ الانتفاضة وحدها تحفظ ماء وجهنا وتُعيد حقوقنا، فإما أن نتحرّك الآن، وإلا على القدس السلام… ولا سلام».

– استحقّ باسيل بجدارة أن يكون وزير خارجية العرب الذين لا وزراء خارجية لهم، وصرختُه لم تذهب هباء، ولا تبدّدت في الهواء، فقد وصلت إلى حيث يجب أن تصل، سمعها شعبُ فلسطين، وسائر العرب، وسمعها المحتلُّ الغاصب ومَنْ منحه تفويض التقويض والتهويد في القدس، فمن يجب أن يُصيبهم الذعر من القرار الأميركي لا زالت قلوبهم نابضة بالحرية وأصواتهم تنبض بالرجولة، ومَنْ يجب أن ينجحوا بالتعمية والتغطية والتورية فضحهم صدق الكلمات النابعة من الحق، وكما في العلاقة بين النور والظلمة، يكفي بعض النور لتبديد كلّ الظلمة ولا تكفي الظلمة كلّها للتعمية على نور شمعة منفردة، فكانت كلمة باسيل هي المؤتمر وكان هو الوزير، ولا حاجة لوزراء وكلمات، فما يجب أن يُقال قد قيل، ومَنْ يجب أن يسمع فقد سمع.

Related Videos

Related Articles

عندما ينقل سليماني غرفة العمليات

 

ديسمبر 13, 2017

ناصر قنديل

– الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني كثير التنقل والتحرّك على جبهات المواجهة التي يخوضها محور المقاومة. وهذا دأبه قبل تشكّل المحور كمحور، ومنذ كان يتابع العلاقة مع المقاومة الإسلامية في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، بالتنسيق مع الشهيد القيادي المقاوم الحاج عماد مغنية، ويبحثان معاً عن خلايا مقاومة أو راغبة بالانخراط في العمل المقاوم في فلسطين، كان شغلهما الشاغل استنهاض مقاومة فلسطينية لا ترهن مستقبل القضية بالتفاوض الذي كان السعي لنقل الفلسطينيين إلى خيمته آنذاك تحت تأثير ما رافق الاجتياح «الإسرائيلي» للبنان. ويعرف المعنيون بتلك المرحلة التواصل الذي حقّقه الثنائي مغنية ـ سليماني مع الشيخ الشهيد أحمد ياسين في سجنه آنذاك، والخطوات التمهيدية التي تشاركها الثنائي مع تلامذة الشيخ ياسين لتأسيس حركة المقاومة الإسلامية حماس ، وتالياً حجم التشارك الذي بذلاه مع الحركة الفتية قبيل الانتفاضة الأولى وبعدها، لبناء خلايا مسلحة لمقاومة الاحتلال. وفي ذروة هذه العلاقة وهذا الاهتمام لفت الدكتور فتحي الشقاقي نظر الثنائي سليماني ومغنية، وكانت حركة الجهاد الإسلامي آنذاك ثمرة هذا الثلاثي الذي رعاها وحرص على عدم وقوعها في فِخاخ التصادم مع حماس وفتح على السواء، وكانت قضية نقل الصواريخ والأسلحة والخبرات والمصانع وتقنياتها لاحقاً وتوطينها في فلسطين تتقدّم على كلّ قضية، وتجنّد في خدمتها كلّ علاقة. بما فيها العلاقة بالنظام في السودان، وعلاقته بإيران، ومع انتفاضة الأقصى في العام 2000 طوّر الثنائي سليماني ومغنية علاقتهما بكوادر حركة فتح وولادة كتائب الأقصى، ووضعا كلّ الدعم لكلّ مقاوم في فلسطين بلا شروط، شعاراً لهما.

– لم يدَع الجنرال سليماني جبهة قتال ولم يكن له فيها بصمة، وهو الحريص على الوجود في خط الاشتباك الأول، ففي عناقيد الغضب عام 1996 والعدوان الإسرائيلي على لبنان كان في جنوب لبنان. وفي حرب تموز كان مع المقاومة قلباً وعقلاً ودعماً وحضوراً مباشراً في الميادين. وفي حرب سورية عرفته جبهات الغوطة وحمص ومعارك تحرير حلب ودير الزور وأخيراً البوكمال. وفي العراق كان أوّل من نصب خط الدفاع الأمامي عن بغداد مع نشوء إمارة داعش، وأوّل من نصب خط الحماية دفاعاً عن أربيل آنذاك، وصولاً لمعارك الموصل وتلعفر، ودوره في تأسيس الحشد الشعبي ودعمه وتهيئته للدور التاريخي الذي أدّاه، وصولاً لدوره في إنهاء الانفصال الكردي من اجتماعات السليمانية، للتنسيق مع الاتحاد الوطني الكردستاني، وانتقاله لإدارة معركة استرداد كركوك التي كان فيها مع قادة الحشد الشعبي في الخطوط الأمامية، واليمن يعرف في تحدّياته الصعبة حضور الجنرال سلمياني من دون أن يعلم أحد ما إذا كان قد دخل اليمن أم اكتفى بالسعي لمؤازرة قضيته عن بُعد، ولا عن نوع وحجم هذه المؤازرة. فتلك أسراره اليمنية التي يمكن له ولهم الكشف عنها في الوقت المناسب.

– في كلّ هذا الترحال القتالي المحفوف بالمخاطر، بقيت فلسطين ومقاومتها، همّاً ملازماً لسليماني الذي حمل عن رفيق دربه الشهيد عماد مسؤولية مواصلة الشراكة، وحيث كان بقيت الأولوية لتلبية كلّ طلب يخصّ المقاومة في فلسطين، والاهتمام بالفصل التامّ بين استعدادات المقاومين وجدّيتهم في القتال كمعيار لحجم العلاقة بهم، وبين انتمائهم التنظيمي والسياسي. وهذا كان الذي جعل كتائب القسام كجناح عسكري لحركة حماس تحظى بكلّ ما تطلب رغم الخلاف العميق مع قيادة الحركة حول سورية، والذي بلغ أحياناً حدّ أن يستشعر سليماني بتلامذته يقاتلونه على الجبهة المقابلة، وفي كلّ تلك المرحلة حرص سليماني كقائد يؤدّي ما يعتقدها نذوره لفلسطين بتكليف من الإمام الخميني قبل رحيله، والإمام الخامنئي الذي تابع مسيرته من بعده، على عدم مساءلة أيّ فصيل فلسطيني عن تفاصيل عقائدية أو حزبية أو فصائلية، فعندما كان يتلقى الشكاوى حول لغة مذهبية على بعض المواقع والصفحات المحسوبة على حركة حماس كان يسأل، هل وجدتم ما يتصل بالتخلّي عن قتال إسرائيل على هذه الصفحات، فيُجاب بالنفي فيقول عندما تجدوا ذلك راجعوني، فسيكون حينها في الأمر ما يستحقّ.

– الجنرال سليماني القليل الكلام، والدقيق في التعامل مع الإعلام، تحسّباً وحساباً، وليس مجرد خجل وزهد يشكلان بعضاً من شخصيته، يتعمّد الإعلان عن حضوره أحياناً، إذا وجد في ذلك الإعلان رسالة يريدها مفتوحة لعدو، بمثل ما تبقى رسائل العدو مغلقة ولا يفتحها ليوجّه له رسالة معاكسة. وهذا يعني أنّ الإعلان عن اتصال من مئات الاتصالات بينه وبين قيادتي القسام وسرايا القدس، ليس خبراً عادياً، وأن يحدث ذلك بعد الإعلان الذي أطلقه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله عن قرار محور المقاومة بالذهاب إلى طريق لا رجعة فيه في معركة القدس، فهذا معناه أنّ الجبهة التي يتوق سليماني للقائها قد صارت على مرمى حجر، وهو الذي ينظر للسيد نصرالله كقائد للمقاومة من أجل فلسطين، ويتشارك ويتقاسم معه المسؤوليات في رعاية فصائل المقاومة، على مساحة العالمين العربي والإسلامي. فهذا يعني أنّ غرفة العمليات التي تنقّل بها سليماني على خطوط النار كلها قد آن لها أن تستقرّ على جبهتها الرئيسية، التي لأجلها تشكّلت يوم اشتغل سليماني ومغنيّة على تأسيسها.

Related Videos

 

Related Articles

قرار ترامب بين الأعمال بالنيات أم بالنتائج؟ سقوط صفقة القرن أعاد «إسرائيل» وراء الجدار

ناصر قنديل

ديسمبر 9, 2017

– يختلف الكثيرون بالحكم على الأعمال أخلاقياً بين القول إنّ الأعمال بالنيات أو القول إنّ الأعمال بالنتائج، فكثيرون يدعون لمغفرة أخطاء جسيمة بحقهم، إذا ثبت أنّ النية كانت صادقة للخير وكثيرون يقولون العكس إنّ التسبّب بالأذى واحد، ويستحق مسبّبه المعاملة ذاتها، أكان بنيّة حسنة أم سيئة. وفي السياسة تتفاوت الأحكام أيضاً بين ما يُسمّى بحساب الحقل وحساب البيدر، والقصد حساب الزرع وحساب الحصاد، فما ينويه صنّاع السياسة بأفعالهم هو خدمة مصالحهم وفقاً لرؤيتهم وحساباتهم، وكثيراً ما تكون النتيجة عكسية فتتضرّر المصالح المقصودة خدمتها، بسبب قصور الحسابات أو ضيق الخيارات، أو محاولة الجمع بين الضعف والتعجرف، بين العجز والإنكار. وفي مثل هذه الحالات كانت حروب أميركا و«إسرائيل» خلال العقد الماضي، النيات عكس النتائج، فهل يجب استبعاد أن يكون قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول القدس واحداً من هذه القرارات المحكومة بالمعايير ذاتها، للحرب على سورية وقبلها حرب تموز 2006، ومثلهما فرضية الانتصار بفرض الأحادية على العالم؟

– الأكيد أنّ الحسابات التي حكمت ترامب في تكرار فعل ما فعله الرؤساء الذين سبقوه، بتوقيع تأجيل تنفيذ قانون الكونغرس قبل ستة شهور، تمّت عكس وعده الانتخابي، فلا يفسّر هذا الوعد توقيع تنفيذ القانون الآن، فالحسابات التي أجريت وأفضت ليفعل ما فعله أسلافه، هي حسابات أسلافه ذاتها، وهي ما تغيّر، والتغيير عند من يُجري الحسابات وليس عند الرئيس، وكلّ أسلاف ترامب تشاركوا معه بالوعد ذاته ولم ينفذوه، وبقي مَن يجري الحسابات يوعز بتوقيع التأجيل ستة شهور بستة، ويستجيبون للإيعاز، وترامب فعل مثلهم قبل ستة شهور، حتى كان الإيعاز المعاكس وفقاً لحسابات جديدة. ولا يمكن التحدّث هنا عن خصوصية ترامبية، كان يفترض ظهورها برفض التمديد للتأجيل في المرة الأولى لو كانت هي السبب، وما خضوعه لما فعله أسلافه إلا الدليل على وجود مرجعية تحسب وتقرّر يلتزم بها الرئيس، في عهد ترامب وفي عهود أسلافه، فما هي الحسابات؟

– التوقيت هو الذي يفسّر التغيير، وهو توقيت يتصل بنتائج الرهان الأميركي على السعودية كمرجعية قادرة على إمساك معادلات المنطقة، تتوجّب مراعاتها، بحفظ ماء الوجه، طالما هي قادرة على تخديم المصالح الأميركية والإسرائيلية، وتثبت الأهلية لمزيد من القدرة، وهو رهان زادت أهميته بعدما ضعفت «إسرائيل» منذ تحرير الجنوب اللبناني عام 2000، وفشل حروبها على لبنان وغزة، وصولاً لعجزها عن خوض الحروب، بالتوازي مع فشل الحروب الأميركية في تطويع سورية وإيران، وصولاً لحروب الربيع العربي، والفشل المشترك الأميركي «الإسرائيلي» التركي السعودي في ربح الحرب على سورية، وما نتج عن ذلك من معادلات جديدة في المنطقة، وحجم التهديد الوجودي الذي تعيشه «إسرائيل» بنتيجة كلّ ذلك.

– خاضت السعودية كلّ مراحل إثبات الأهلية للأميركيين بقدرتها على تغيير المعادلات لتستحقّ بيعها حلاً يحفظ ماء الوجه في القضية الفلسطينية، وارتضت حلفاً معلناً مع «إسرائيل» بوجه المقاومة وإيران، فكان سقف ما تمكن الأميركيون و«الإسرائيليون» من تقديمه هو ما سُمّي بصفقة القرن، وتعلم السعودية أن لا ماء وجه في هذه الصفقة، فحاولت خلق مناخ يسهم بتمريرها حرق أوراق قوتها دفعة واحدة، ليكون دخان الحرائق الكبرى سبباً لانعدام الرؤية والانشغال عن الصفقة المهينة، وما فيها من تنازلات، أوّلها التنازل عن القدس، فخاضت انفصال كردستان وتفجير لبنان باستقالة رئيس حكومته بعد خطفه، وصولاً لتوريط الرئيس اليمني السابق بالانقلاب في صنعاء، وفشلت بها جميعاً. وضغطت على السلطة الفلسطينية لانتزاع قبول الصفقة، ففشلت، لأنّ الثمن الفلسطيني سيكون مكلفاً لكلّ من يبيع، وأمام أعين الفلسطينيين انتصارات محور المقاومة. فصار السؤال الأميركي ماذا يمكن أن نقدّم لـ«إسرائيل» في زمن استعصاء السلم واستعصاء الحرب، ولماذا علينا أن نبقى نقيم الحساب لحفظ ماء الوجه السعودي، وهل بقي لعملية السلام من موجب؟

– الجواب ببساطة، كان أنّ عملية السلام ماتت، لأنّ الطرف العربي الذي يمكن مواصلتها معه لم يعُد يملك قدرة منح الشرعية للاعتراف بوجود «إسرائيل» ولا منحها الأمن ولا التطبيع. وهذه كلها باتت بيد محور المقاومة الرافض منحها، وأنّ قيمة الشريك العربي في هذه العملية بعد فقدان قدرته على كلّ ذلك هو قدرته على تقبّل حدود الشرعية والأمن والتطبيع التي تسمح لـ«إسرائيل» بمواجهة التحديات التي يواجهها بفعل تعاظم قوة محور المقاومة، وليس بالشروط التي تحفظ ماء وجه هذا الشريك العربي، والمشهد الجديد يقول إنّ على «إسرائيل» أن تنتظر حروباً مقبلة، ليست راهنة الآن، لكنها مقبلة، ولذلك عليها ترسيم جدار الحماية العقائدي والسياسي والاجتماعي، لضمان تماسك جناحيها العلماني والديني، وخوض حروبها المقبلة من وراء هذا الجدار، والقدس في قلب هذا الجدار، والقدر الممكن من الشرعية يجب أن تمنحه واشنطن لقيام هذا الجدار.

– تدرك واشنطن أنّ هذه الجائزة لـ «إسرائيل» تحتاج لهضمها وتثبيت خطوط دفاعها خلفها، لتضحيات وأثمان ومواجهات، وسنوات، وهي السنوات ذاتها التي تعتبر أميركا و«إسرائيل» أنّ محور المقاومة سيستعملها لهضم انتصاراته في سورية ولبنان والعراق، وربما في اليمن، وتدرك أنّ هذه الجائزة هي الشيء الوحيد الذي يمكن تقديمه لـ«إسرائيل» بعد الفشل بضبط مضمون التسويات المعروضة حول سورية والعراق، بالشروط المطمئنة لـ «إسرائيل». وفي المقابل تدرك حجم التداعيات الناتجة عن ذلك، لكنها تقيس الأمر بقياس الزمن، فالتداعيات اليوم أقلّ من الغد، والغد أسوأ من اليوم، فإن كان على «إسرائيل» مواجهة أخطار مواجهة، فليكن ذلك بمراحل، وليكن في أفضل الظروف المتاحة، لأنّ البديل هو قبول «إسرائيل» بحلّ سياسي يؤدّي لتفكّكها، بانقسام جناحيها العلماني والديني، كما أشارت تجربة رئيس الحكومة السابق اسحق رابين الذي دفع حياته ثمناً للواقعية السياسية، في زمن كانت التوازنات أفضل بكثير لحساب «إسرائيل» من اليوم، وسبقت صدور قانون الكونغرس بشبه إجماع حول القدس بسنة فقط.

– القرار الأميركي هو تعويذة أخيرة، يزوّد بها الأميركيون «إسرائيل»، والنيات هي تعزيز القدرة على مواجهة القدر القاتم، والنتائج هي تقريب ساعة هذا القدر، كما تقول فلسطين، والسياقات التي يبشر بها التناغم التصاعدي بين محور المقاومة والشارع الفلسطيني ومقاومته، إذ يكفي أنّ الأوهام والفتن قد سقطت مع صدور القرار، وهي السلاح الأميركي الحاسم، وقيمة الأعمال والنيات هي بالنتائج، هكذا تقول السياسة. والسؤال، كيف يشعل القادة الكبار الحروب فينتصرون أو يهزمون، إذا كانت الحروب، وهي أعلى مراتب السياسة في الحسابات، لا تُخاض إلا بحسابات صحيحة، أليست حرب العراق وعدوان تموز 2006 أمامنا مثالاً؟

Related Videos

Related Articles

عيونُنا إلى القدس وعيون القدس إليك

 

عيونُنا إلى القدس وعيون القدس إليك

ديسمبر 8, 2017

ناصر قنديل

– تكفّل القرار الرئاسي الأميركي بوضع القانون الصادر عن الكونغرس باعتبار «القدس مدينة موحّدة غير قابلة للتقسيم عاصمة لإسرائيل» بإنهاء مرحلة عمرها أربعة عقود على المستوى الفلسطيني والعربي والإسلامي، عنوانه التفاوض طريق لنيل الحقوق وفي طليعتها القدس الشرقية، وللتفاوض شروط أوّلها إسقاط بندقية المقاومة وإنهاء عهود الاستقلال السياسي عن الهيمنة الغربية، والتخلّي عن كلّ توجه نحو الشرق بقطبيه روسيا والصين، والعداء لإيران التي رفعت منذ ذلك التاريخ، يوم ولدت ثورتها بالتزامن مع ولادة اتفاقيات «كامب ديفيد»، شعار اليوم إيران وغداً فلسطين. وللتفاوض شروط أهمّها خوض حروب «إسرائيل» بالوكالة عنها، ومنذ ذلك التاريخ تهوّدت القدس وضاعت معالمها، وسقطت مصر في قبضة «إسرائيل» سياسياً وقيّدت أمنياً، وسقط فيها مشروع الدولة الوطنية، وصارت السعودية سيدة القرار العربي، وصارت القواعد الأميركية على مساحة العالمين العربي والإسلامي، وانتشرت الفتن، والحروب الأهلية والداخلية، وها نحن اليوم من سورية إلى العراق إلى مصر إلى اليمن إلى ليبيا نشهد نتاج الحقبة الأميركية «الإسرائيلية» السعودية، وها هو الإرهاب الذي بدأ كأوّل استثمار لحساب الحروب الأميركية بالوكالة بشراكة إسلامية في أفغانستان ينهش لحمنا.

– في قلب هذه الحقبة ولدت المقاومة التي يقودها اليوم السيد حسن نصرالله ويشكّل عنوانها، ونجحت بفضل العزم وصدق النية والإخلاص للخيار، وعدم الالتفات للخلف، وبفضل الدعم السوري والإيراني، تمكّنت من تحرير جنوب لبنان عام 2000، ولاحقاً من هزيمة العدوان «الإسرائيلي» في تموز 2006، وسارت فلسطين على الطريق فتحرّرت غزة عام 2005، وشكلت هذه المقاومة بعد ذلك القيمة المضافة في توازن ردع منع الحروب «الإسرائيلية» الأميركية، وفي تشكيل رأس الحربة للنصر على الإرهاب. وها هو القرار الأميركي حول القدس يُسدل الستار على خيار التفاوض ووهم القدرة على حماية القدس من التهويد واستعادتها عاصمة لدولة فلسطينية، ويسقط الحقبة التي شكل هذا الشعار عنوانها، وبقدر ما تتجه عيون الفلسطينيين والعرب والمسلمين والمسيحيين وأحرار العالم نحو القدس، تتجه نحو سيد المقاومة، فهذه حقبته وهذه حربه، ولم يبقَ في الساحة سواه.

– المقاومة اليوم بقيادة السيد نصر الله قوة إقليمية مهيبة، وشريك في معادلات كبرى، ورمز لقوى شعبية وسياسية وعسكرية ممتدة عبر العالمين العربي والإسلامي، والقرار الأميركي يضعها أمام مسؤوليات صعبة في طبيعة القرار الاستراتيجي، هل تقدّم خطاب الوحدة الذي يدعو بعقلانية لمدّ اليد وبناء الجسور تحت شعار وقف الحروب البينية أملاً بالتوحد حول القدس، وتقديم لائحة مطالب متواضعة للنظامين العربي والإسلامي، فيتسنّى لها التمهيد لنهوض سياسي هادئ يراكم القوة لخط المقاومة، ويتيح فرصة هضم الانتصارات المحققة في سورية والعراق، ويتيح لهما النهوض والاستعداد للمرحلة الجديدة، ويمنح فرص لتسوية في اليمن، ولتعاون مصري جزائري تدعمه قوى المقاومة لإنهاء الحرب في ليبيا، ويحفظ للعلاقة مع روسيا معادلات تقدر على استيعابها ليُؤسَّس عليها بهدوء مزيداً من مصادر القوة، فتضيع لحظة الغضب أو تبرد، أم يستثمر لحظة الغضب ويرفع سقف الخطاب والموقف لحدّ الدعوة لإغلاق السفارات الأميركية واستهداف القواعد الأميركية في المنطقة، وتجريم الذين تعاونوا مع أميركا في حروبها ودمّروا المنطقة والسير بتدفيعهم فواتير ما فعلوا، وربما يؤدّي ذلك إلى مخاطرة بالمنجزات في سورية والعراق والعلاقة مع روسيا ومصر، ويأخذ المنطقة إلى استقطاب حادّ تقف فيه «إسرائيل» مع حلفائها وقوى المقاومة مع حلفائها في لحظة توازن رعب؟

– فلسطين وشرفاؤها كما كلّ أنصار خط المقاومة في المنطقة، ومعهم الأحرار في العالم ليس لديهم سوى أنت سيّد المقاومة ليتخذ القرار ويرسم وجهة البوصلة. وتلك هي اللحظة التاريخية لقرار مصيري سيرسم وجهة المنطقة وربما العالم كله، والكلّ ينتظر منك الجمع المبدع بين الخيارَيْن، خيار استثمار لحظة الغضب، لكنه يوظفها في سياق تراكم القوة وحماية المنجزات، وصولاً لبلوغ التوازن الحاسم اللازم لخوض الحرب التي يرسم خطتها وينتظر لحظتها.

Related Videos

Related Articles

%d bloggers like this: