مَنْ يقدر على اللعب على حافة الهاوية؟

يونيو 20, 2019

ناصر قنديل

– إذا كان قرار كل من واشنطن وطهران هو تفادي المواجهة العسكرية المكلفة والتي تفرض سياقاً لا يرغب به أحد منهما، ومقابله العجز عن التراجع لدى كل من الفريقين عن مواقفه وبلوغهما مرحلة الانسداد السياسي، فهذا يعني أننا في مرحلة تصعيد للتوتر لا يمكن فهمها إلا بالرهان المتبادل عند كل من الفريقين بقدرته على خوض ما يعرف سياسياً وعسكرياً باستراتيجية اللعب على حافة الهاوية. وهي الاستراتيجية التي وصف بها وزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كيسينجر الأسلوب التفاوضي للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد خلال مفاوضات فك الاشتباك في الجولان عام 1974، وملخص ما قدّمه كيسنجر من توصيف لهذه الاستراتيجية أنها تقوم على الذهاب في التصلب عند الهدف المرسوم للتفاوض إلى طريق اللاعودة، والاستعداد لتقبل فشل التفاوض والذهاب إلى المجهول، في ظل وضوح النتائج المدمّرة لأي مواجهة، ويلزم خصمه المفاوض على الاختيار بين السقوط معه إلى الهاوية أو تقبل التراجع عن حافتها.

– عملياً هذا ما يفعله كل من الأميركيين والإيرانيين، فالتصعيد الأميركي بالتمسك بالعقوبات المشدّدة على إيران، قابلته ردود إيرانية مضمونها، اضطراب الملاحة النفطية في الخليج وعودة خطر امتلاك إيران لكمية من اليورانيوم المخصب كافية لإنتاج قنبلة نووية، وهو ما كان السعي لمنعه خلف القبول المستعجل للرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بالتوقيع على الاتفاق النووي مع إيران. والواضح أن واشنطن لم تحصد المناخ الدولي الذي كانت تأمل به من وراء دخول إيران هذه المرحلة، فبدلاً من التجاوب الروسي والصيني والأوروبي مع دعوة واشنطن لتجريم طهران وقبول الفصل بين التأزم القائم بينها وبين واشنطن وبين توصيف خطواتها بالتهديد للأمن والسلم الدوليين، جاءت مواقف موسكو تحمّل واشنطن مسؤولية إسقاط القرارات الأممية والاستهتار بالقوانين الدولية، عبر معاقبة من يلتزم بقرار أممي صدّق بموجبه مجلس الأمن الدولي على التفاهم النووي مع إيران، وتحركت أوروبا للقول إن الحفاظ على التفاهم النووي يشكل الأولوية الراهنة لمنع المزيد من التصعيد، وما يعنيه ذلك من سعي أوروبا لتقديم حوافز تجارية لإيران تلبي طلباتها للعودة عن خيار مواجهة التصعيد الأميركي بتصعيد مماثل.

– الواضح أن هذا لم يدفع واشنطن للتراجع وقبول دعوات التهدئة للوصول إلى حلول وتسويات ولو مؤقتة، قبل حلول نهاية مهلة الستين يوماً التي حدّدتها إيران للخروج من الاتفاق النووي والتزاماتها بموجباته، فواشنطن تواصل اللعب على حافة الهاوية، وهي تراهن أن المزيد من التصعيد، في ظل التزام أميركي بعدم التورط بأي مواجهة عسكرية سيجعل إيران الفاعل الوحيد على المسرح، لأن العقوبات غير مرئية بينما سيكون مشهد الاضطراب في الملاحة النفطية مرئياً وسيكون ذهاب إيران للتخصيب المرتفع موضع تقارير صادرة عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وهذا يدفع واشنطن للاعتقاد بأن المناخ الدولي سيكون عندها قابلاً للتغيير، لصالح مناقشة ما تسميه التجاوزات الإيرانية في مجلس الأمن وسيتيح انتقال الضغط على إيران للحد من خطواتها التصعيدية دون تنازلات أميركية في مجال العقوبات، التي تراهن واشنطن على أن استمرارها لزمن يتخطى اول العام المقبل سيجعل إيران تقترب من اللحظة الحرجة لقبول التفاوض بشروط جديدة.

– ما لم يضعه الأميركيون في حسابهم هو أنه ما لم يتم التوصل إلى تسوية مقبولة في الأيام المتبقية من المهلة الإيرانية للخروج من الاتفاق النووي فإن المنطقة ستكون ذاهبة إلى مواجهات متعددة وليس إلى تسخين تفاوضي. فالقراءة الإيرانية ومعها قراءة حلفائها الذين يعتقدون أن إضعاف إيران يستهدفهم قبلها، وهذا واضح في التصريحات الأميركية، حول المطلوب من إيران وأغلبه يتصل بقوى المقاومة وتمويلها. وبناء عليه فإن الشهرين المقبلين سيضعان المنطقة على حافة الحرب، وسيكون لكل الجبهات التي يعرف الأميركيون أنها تعنيهم نصيب من بلوغ هذه الحافة، ويكفي عدم بلوغ تسوية تنهي التصعيد حتى يكون آخر شهر آب موعد إقفال مضيق هرمز، وربما اشتعال جبهات عديدة في شمال المنطقة وجنوبها وشرقها وغربها، وعندها سيكون على الأميركيين أن يقرروا ماذا سيفعلون؟

Related Videos

Related Articles

Advertisements

توازن دولي جديد حققته الدبلوماسية الإيرانية

يونيو 19, 2019

ناصر قنديل

– حقيقتان بارزتان تتوقّف أمامهما مراكز الدراسات المعنية بالشؤون الاستراتيجية والدبلوماسية في العالم. الأولى صعود الدور الإيراني بالتزامن مع ما بدا أنه حرب عليها بالوكالة من بوابة سورية، كانتقام منها ومن سورية لدورهما في دعم قوى المقاومة، وما نتج عنه من تراجع إسرائيلي بدأ عام 2000 بالانسحاب من جنوب لبنان وتواصل عام 2005 بالانسحاب من غزة وتوّج بالفشل العسكري في حرب تموز 2006 على لبنان وحرب 2008 على غزة، والثانية أن النظر إلى هذا الصعود لا يجوز أن يرتبط بالتنبؤات حول الاتجاه الذي ستسلكه التوترات الناجمة عن الانسحاب الأميركي من التفاهم على الملف النووي الإيراني والعودة لنظام العقوبات ضد إيران، سواء انتهت بتصادم مباشر إيراني أميركي أو بتسوية او بتهدئة. فالقضية هي أن اللاعب الإقليمي الأقوى بات إيران على حساب تراجع كل من تركيا ومصر والسعودية و إسرائيل .

– الحديث يجري عن نجاح إيراني بتوظيف التموضعات التركية الهادفة لتخفيف الخسائر من الفشل في الحرب على سورية، بتعزيز المكانة الإيرانية عبر الفراغ الناتج عن خروج تركيا من المحور الخليجي الإسرائيلي وعجزها عن تشكيل محورها الخاص، وعن نجاح موازٍ بتوظيف تراجع مكانة السعودية في الخليج أمام اليمنيين لتصير إيران وسيطاً ضرورياً لأي استقرار في الخليج. وبالتوازي نجاح إيران بإدارتها ملفها النووي دبلوماسياً بوضع روسيا والصين في مكانة دولية متقدّمة يستدعي الدفاع عنها دعماً متزايداً لإيران، باعتبار التفاهم أول إنجاز متعدّد الأطراف يكسر الأحادية الأميركية التي تشكل العودة إليها هاجس الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ويشكل دعم إيران الطريق الوحيد لتحويلها نموذجاً قابلاً للتعميم، وبالمقابل فإن أوروبا التي اعتادت السير وراء أميركا وجدت نفسها مع التفاهم النووي الإيراني ونتائج الحرب على سورية مدعوّة لقراءة أمنها القومي المهدّد بالقرب الجغرافي من المنطقة، بعيون غير أميركيّة، خصوصاً في قضايا الإرهاب والصواريخ والنازحين، ولو عجزت عن ترجمة التمايز بالتمرّد على المشيئة الأميركية، فيكفي إيران أن تجد واشنطن عزلة دولية في مبادراتها مقابل مكانة مرموقة لإيران في الحياة السياسية والدبلوماسية الدوليّة.

– تقدم القضية الفلسطينية نموذجاً كافياً لقراءة المسارين الدبلوماسيين لكل من واشنطن وطهران، فأميركا الراعي الدائم والوحيد لمشاريع التسوية للقضية الفلسطينية، تطلق مبادرتها لما سُمّي بصفقة القرن وتكاد لا تجد أكثر من عشر دول في العالم، تجاهر بتأييدها، مقابل معارضة واسعة تشترك فيها الدول الكبرى، وإيران التي كانت بنظر العالم مسؤولة عن محاولات تخريب مساعي التسوية، تقف اليوم في قلب صف دولي عريض يعترض على المبادرة الأميركية، والفلسطينيين الذين كانت أغلبيتهم السياسية تراعي الحسابات الأميركية بصفتها المرجعية الوحيدة القادرة على صناعة التسوية يتوحّدون اليوم بالقرب من إيران في مواجهة السياسات الأميركية.

– خرجت واشنطن من الاتفاق النووي لتضع إيران بعيداً عن المكاسب الموعودة وفي اعتقادها أنها نهاية المطاف، تبقى إيران مقيدة نووياً ومعاقبة مالياً، فصبرت إيران سنة كاملة وهي تخاطب الشركاء في التفاهم النووي مطالبة بالتصرف، لتقف بعد سنة وتعلن عزمها الخروج من الاتفاق، ويكون الحصاد بخروجها أنها عادت إلى ما كان الوضع عليه عشية توقيع التفاهم، لكن دون فرص عقوبات أممية عليها في ظل فيتو روسي صيني مؤكد، ودون قطيعة مع أوروبا. بينما واشنطن تعود إلى عشية توقيع التفاهم وقد خسرت الفرصة بعقوبات أممية على إيران وخسرت دعم أوروبا.

– مؤتمر المنامة مقابل يوم القدس العالمي، معادلة تكفي لمقارنة حجم النجاح الإيراني وحجم الفشل الأميركي.

– إنه الفرق بين حائك السجاد ولاعب البورصة.

Related Videos

Related Articles

النأي يالنفس Self-distancing

رهانان أميركيّان استراتيجيّان يسقطان… وتفوّق تكتيكي لمحور المقاومة

 

يونيو 17, 2019

ناصر قنديل

– بات واضحاً أن الأميركيين عندما وضعوا حزمة العقوبات المشدّدة على إيران بنوا رهانهم على سياقين متكاملين: الأول هو الرهان على تأثير العقوبات على جعل القيادة الإيرانية بعد مرور زمن كافٍ يتراوح بين سنة وسنتين، مضطرة للاختيار بين تمويل حاجاتها الاقتصادية الضرورية وتمويل برامج أمنها القومي، أي البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي ودعم حركات المقاومة، والرهان الثاني هو خلق إجماع دولي على اعتبار الخروج الإيراني من الاتفاق النووي مساساً بالأمن والسلم الدوليين، يحمّلها تبعات عودة العقوبات من مجلس الأمن الدولي على قاعدة ان موقعها في الاتفاق مختلف عن موقع أميركا. فهي الجهة التي تقع على عاتقها التزامات نووية تمس الأمن والسلم الدوليين والخروج الأميركي من الاتفاق لا يقع تحت هذا البند ولو اختلف معها الشركاء الدوليون في الموقف من خروجها وعودتها الأحادية للعقوبات، وبالتوازي خلق إجماع دولي على اعتبار أي تهديد لأمن أسواق النفط من معابر وممرات الخليج تهديداً للملاحة الدولية، وتحميل إيران تبعات ذلك بالعقوبات وسواها.

– في سياق موازٍ راهن الأميركيون الذين أعلنوا الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران قبل أكثر من عام على خلق دينامية إقليميّة تحاصر إيران عبر حلف أميركي خليجي إسرائيلي يتمكن من فرض حل للقضية الفلسطينية، يرضي أمن «إسرائيل» ويغدق الأموال على الفلسطينيين. وبالتالي وقتوا الحزمة القاتلة من عقوباتهم مع التوقيت الافتراضي لإطلاق كائنهم العجيب المسمّى بصفقة القرن، وكانت الحسابات الأميركية أن يتزامن خلق الإجماع الدولي بوجه خطر خروج إيران من الاتفاق النووي والعودة للتخصيب المرتفع لليورانيوم، مع الإجماع الدولي بوجه أي نشاطات مؤثرة على أسواق النفط العالمية تثبت مقولة إيران بأن نفط الخليج لن يكون متاحاً ما لم تصدر إيران نفطها، مع إطلاق مبهر لصفقة القرن يقف فيه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي وضعت واشنطن كل ثقلها لتمكينه من البقاء قوياً، ويقف مثله رئيس السلطة الفلسطينية ومعهما الرئيس الأميركي وقادة الخليج لإعلان نهاية القضية الفلسطينية، وجنباً إلى جنب كان السعي لهدنة طويلة بين حماس وجيش الاحتلال في غزة، تدعمه مجموعة إغراءات اقتصادية، يحيّد أي تأثير لقدرات المقاومة عن إمكانية تعطيل صفقة القرن.

– اليوم يقف الأميركيون أمام لحظة الاستحقاق، فيكتشفون أنهم يحصدون الفشل الاستراتيجي على الرهانين الكبيرين، العقوبات القاتلة على إيران دون تمكينها من العودة للتخصيب المرتفع ودون تبعات على أسواق النفط، من جهة، وإطلاق صفقة القرن بالتزامن بغطاء فلسطيني وحضور إسرائيلي قويّ، من جهة مقابلة. فالرهانان يسقطان سقوطاً مدوياً. العقوبات التي يحتاج الأميركيون لسنتين كي يبدأ حصادها السياسي تنتج مسارات وتحديات تضع الأميركيين امام استحقاقات كبرى سقفها ستة شهور مقبلة، تكون معها أسواق النفط تشتعل في ظل تحوّل المناخ الدولي للوساطة بين واشنطن وطهران، وتكون إيران قد امتلكت من اليورانيوم المخصب على درجة عالية ما يكفي لإنتاج قنبلة نووية في ظل تفهم روسي وصيني وارتباك أوروبي، وبالتوازي يشهدون إجماعاً فلسطينياً على رفض صفقة القرن، وتهاوياً إسرائيلياً سياسياً، يجعلان المشروع عاجزاً عن الإقلاع.

– الفشل الاستراتيجي الأميركي يمنح إيران وقوى المقاومة تفوقاً تكتيكياً. فالمواجهة أظهرت المكانة المميّزة التي تمكن أنصار الله من احتلالها في مشهد الخليج، بصورة ربطت أي تهدئة بتسوية تحفظ مطالب اليمنيين ومكانتهم، والتحالف الروسي السوري الإيراني مع قوى المقاومة ينجز تفوقاً في إدلب، ويجعل ساعة الحسم في سورية أقرب، فتتراجع الأوهام الأميركية حول قدرة البقاء في شرق سورية حتى ساعة المقايضة بين الانسحاب وانسحاب موازٍ لإيران وقوى المقاومة.

Related Videos

Related Article

موسكو تمتلك تصوّراً للحل… وتنتظر قمة العشرين

يونيو 15, 2019

ناصر قنديل

– ترفض موسكو على أعلى مستويات القرار فيها التعامل مع ما يشهده الخليج من تصعيد وتوتر بصفته شأناً أميركياً إيرانياً. فالذي يجري هو من تداعيات الانسحاب الأميركي من التفاهم الدولي مع إيران حول ملفها النووي مقابل رفع العقوبات عنها، وروسيا الشريك في الاتفاق ليست غير معنية، ولا تستطيع التسليم بأن الاتفاق النووي مع إيران هو اتفاق أميركي إيراني، وأن الآخرين هم مجرد شهود عليه، وبالتالي يسقط الاتفاق لأن أحد طرفيه قد قرّر الخروج منه، والعقوبات الأميركية التي تدفع ثمنها ومثلها الصين ودول أخرى، تمثل في الملف النووي الإيراني أضعف حلقاتها القانونية، لأنها عقوبات تنتهك قراراً أممياً صدّق التفاهم حول الملف النووي الإيراني.

– تدرك موسكو أن العروض الأميركية السخية التي قدمت لها مراراً للتخلي عن مواقف وتحالفات، ليست حرصاً على شراكة ولا اعترافاً بدور، بل محاولة للعب بالدور الروسي لتجريد موسكو من حلفاء وعزلهم وبعد إضعافهم العودة لتصفية الحساب مع روسيا، لذلك روسيا لا تشتري العروض الأميركية، وهي كما فعلت في المسألة السورية ستفعل في المسألة الإيرانية، والعقوبات الأمميّة على إيران التي أزيلت بموافقة أميركية بقرار أممي لن تعود مهما حاولت واشنطن تقديم الإغراءات. فموسكو وبكين هما العدو الأول بنظر واشنطن كما ترى القيادة الروسية، وإيران عقدة محورية تستنزف الأحادية الأميركية وتقوّي موقع روسيا والصين. وتفكيك العقدة الإيرانية سيسهل التقدم الأميركي نحو خط الاشتباك مع روسيا والصين.

– موسكو تتمسك بدور الشريك الكامل في السياسة الدولية، والشراكة لا تعني شراكة معالجة نتائج القرارات الأميركية الأحادية، بل الشراكة في القرارات. وموسكو لم يشاورها أحد من الأميركيين بالانسحاب من التفاهم النووي مع إيران، فلا يستطيع أحد أن يطالبها بتحمّل تبعات قرارات أحاديّة بعروض شراكة متأخرة، ومَن يريد الشراكة يشاور قبل القرار ويربط قراره بحاصل التشاور، خصوصاً أن الملف المعني هو حاصل تعاون دولي امتدّ لسنوات كانت روسيا وأميركا والدول الدائمة العضويّة في مجلس الأمن الدولي وألمانيا شركاء كاملين فيه، وكان الحد الأدنى من مقتضيات احترام هذه الشراكة التي قامت وراء التفاهم مع إيران على ملفها النووي، يستدعي أن تأتي واشنطن لدعوة الخمسة زائداً واحداً إلى اجتماع تعرض خلاله مآخذها وتطرح مطالبها وتترك مجالاً أمام الشركاء للقيام بما يرونه مناسباً لحماية التفاهم من داخل أحكامه، ويتوافق الشركاء على كيفية التعامل مع هذه الملاحظات وتلك المطالب، لكن الذي حدث أن واشنطن انسحبت من التفاهم وقررت عقوبات أحادية على إيران والشركاء في الاتفاق إن هم واصلوا الالتزام بهذا الاتفاق المصادق عليه بقرار أممي، ومجاراة واشنطن في فعلتها يعني نهاية دور روسيا دولياً ونهاية دور مجلس الأمن، وسيادة منطق العقوبات كبديل قليل الكلفة عن التدخل العسكري في تنفيذ السياسات الأميركية.

موسكو تجد أن اللحظة مناسبة بوجود قوة بحجم إيران مستعدّة للمواجهة، لتقويض سياسة العقوبات، كما وجدت في سورية شريكاً مستعداً للمواجهة لتقويض سياسة التدخل في رسم مستقبل أنظمة الحكم في بلدان العالم، ومثلما نجحت روسيا في الفوز بمعركة الدفاع عن مفهوم السيادة الوطنية للدول، بفعل ثبات الدولة السورية في خط المواجهة، تثق روسيا بثبات القيادة الإيرانية في مواجهة محاولات الترويض والتطويع بقوة العقوبات، كما تثق بالطريق المسدود الذي ستبلغه واشنطن في محاولة جرّ طهران للتفاوض من موقع الضعف، وعليها أن تتحمل نتائج التوتر والتصعيد الناتجين عن سياساتها، وتقديم الأجوبة حول كيفية حمايتها أسواق النفط واستقرارها، ومدى جهوزيتها لخوض حرب يعرف الجميع نتائجها الكارثية وتعرف واشنطن أن كلفتها فوق قدرتها على التحمل.

موسكو تملك تصوراً يقوم على تقاطعات مصالح بالتهدئة بعدما تكتشف واشنطن محدودية تأثير سياساتها، وتطلب الوساطة، والتصور يأخذ بالاعتبار صعوبة عودة واشنطن للاتفاق النووي كما يأخذ بالاعتبار جهوزية الشركاء الآخرين لإيجاد مخارج لتفادي العقوبات الأميركية، لكن المطلوب ألا يتم ذلك بالتصادم مع واشنطن، وهذا ينتظر القراءة الأميركية لكيفية التعامل مع التدهور الحاصل في الخليج، واقتراب مهلة خروج إيران من الاتفاق النووي وعودتها للتخصيب المرتفع لليورانيوم، وإمكانية التفكير الجدي بفرص العودة إلى ما قبل الأول من أيار الماضي، تتراجع واشنطن عن إلغاء الاستثناءات من العقوبات وتتراجع إيران عن الخروج من الاتفاق النووي لستة شهور، ويدور خلالها حوار هادئ حول التسويات الإقليمية وضمان الملاحة الإقليمية والنفطية، والمهلة قابلة للتجديد لأكثر من مرة طالما أن الحلول كما الحروب مستبعَدة.

في قمة العشرين ستكتشف موسكو ما إذا كانت واشنطن جاهزة، أم أن مواجهة كالتي شهدتها سورية ولو بأشكال مختلفة، ستكون ضرورية لنضج الموقف الأميركي للبحث بمبادرات قليلة الكلفة لتفادي أثمان باهظة؟

هذا بعض ما قالته مصادر سياسية معنية بأوضاع المنطقة تسنى لها الاطلاع على الموقف الروسي على هامش قمة شانغهاي التي شارك فيها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف.

Related Videos

Related News

ماذا لو نجحت واشنطن بخنق إيران وإضعافها؟

يونيو 13, 2019

ناصر قنديل

– تؤكد حال اللاحرب واللاتفاهم التي تسود ويرجّح أن تسود العلاقات الأميركية الإيرانية أن واشنطن لا تملك خريطة طريق لما بعد الانسحاب من التفاهم النووي سوى الرهان على الفوز ببلوغ مرحلة تختنق فيها إيران اقتصادياً وتضعف داخلياً، فتضطر لوقف برنامجها النووي وبرنامجها الصاروخي وتوقف دعم حركات المقاومة، لحاجتها للإنفاق بالأولوية على حاجات المجتمع الإيراني، وينشأ ميزان قوى جديد سيكون الأفضل معه لطهران القبول بالتفاوض من موقع مختلف للوصول إلى تفاهمات جديدة، بشأن دورها الإقليمي وبرنامجها النووي وقدرتها الصاروخية، وهي الشروط الأميركية للتفاوض.

– كثيرة هي مراكز الدراسات الأميركية والأوروبية التي تجزم بأن الطريق مسدود أمام الرهان الأميركي، حيث تعيش إيران الاكتفاء الذاتي الزراعي والصناعي في كل المواد الاستهلاكية الأساسية لمواطنيها، بمواد أولية محلية ويد عاملة محلية، ولذلك لا يشكل النفط أكثر من 20 من الناتج المحلي الإيراني. وتقول التقارير الدولية إن إيران التي تملك حدوداً برية بآلاف الكليومترات مع سبع دول وحدوداً مائية مع أكثر من عشر دول تربطها بأغلبها علاقات تجارية تبادلية لا تحتاج المرور بالأقنية المصرفية التي تتحكم بها واشنطن، هي دولة عصية على الحصار، وقد بقيت تتاجر بنفطها في الثمانينيات خلال الحرب مع العراق عندما كان الحصار عليها عسكرياً وليس مالياً فقط.

– تقارير أخرى تتناول المدى الزمني اللازم لنضوج اللحظة الحرجة في كل من الخطتين الأميركية والإيرانية، فتصل إلى استنتاج أن خطة إيران التي يشكل الانسحاب من الاتفاق النووي أحد مفرداتها، وما يعنيه من العودة إلى التخصيب المرتفع لليورانيوم وتخزين الكميات المخصبة يعني بلوغ إيران لحظة امتلاك ما يكفي لإنتاج قنبلة نووية في غضون مدة تتراوح بين ثلاثة شهور وستة شهور، وهي مهلة تبدأ بالسريان من مطلع تموز مع نهاية مهلة الستين يوماً التي أعلنتها إيران مطلع أيار الماضي. وبالتوازي فإن إيران أعدّت نفسها لتحمل العقوبات لما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية خريف العام المقبل، بينما خطة واشنطن لخنق إيران لا تطمح ببلوغ نتائجها قبل سنوات، تكون معها اللحظة الحرجة التي مثيلتها امتلاك إيران ما يكفي لإنتاج اول قنبلة نووية قد فات عليها الكثير ولحق بها الكثير من لحظات حرجة أخرى لا تستطيع واشنطن الوقوف مكتوفة الأيدي أمامها، بينما هي لا تملك جواباً على ما يجب فعله ولا ما تستطيع فعله. وما يجري على الجبهة السعودية اليمنية، مثال على المسار التصاعديّ الذي تسلكه أوضاع الخليج في ظل الوجود الأميركي الذي وعدت واشنطن بأنه مخصّص لجعل إيران تدفع ثمن أي استهداف لحلفائها من أي من حلفاء طهران.

– بعض التقارير الأخرى طرحت السؤال، ماذا لو نجحت واشنطن بخنق طهران وإضعافها، لتصل إلى استنتاج مفاده أن بلوغ إيران وحلفائها نصف الطريق الذي يشكل الاختناق نهايته، لن يكون في صالح واشنطن وحلفائها، فالذي سيحدث هو معاكس للتوقعات الأميركية الافتراضية، وأولى النتائج ستكون ضعف قبضة إيران وحلفائها في سورية والعراق بوجه تنظيم داعش الذي يملك من الخلايا النائمة ما يكفي لإعادة امتلاك بنية تحتية وقاعدة ارتكاز للتوسع في الجغرافيا الصحراوية بين سورية والعراق، واستئناف الهجمات في الدول الغربية. والنتيجة الثانية ستكون أن الاحتكاكات ستتصاعد بين زوارق الحرس الثوري والسفن الأميركية ومثلها سيتصاعد الوضع بين السعودية واليمن وبين المقاومة في لبنان وغزة مع «إسرائيل»، وستصل السخونة حد الغليان حيث سيكون على واشنطن أن تختار بين التقدم خطوة إلى الأمام نحو الحرب أو التراجع.

– واشنطن عالقة في نصف البئر الذي ذهبت إليه مختارة، لسبب واحد، لأنها وضعت مصالح «إسرائيل» والحصول على ضمانات لأمنها، فوق المصالح الأميركية، والوساطات التي تجري ما كانت لتتم لو كانت أميركا مرتاحة ومطمئنة إلى أوضاعها، وها هم الوسطاء الكبار يأتون بالمصادفة، بعد لقاءات تجمعهم بكبار المسؤولين الأميركيين.

Related Videos

 

 

Related Posts

ماذا سيفعل الأميركيون لضمان أسواق النفط؟

يونيو 14, 2019

ناصر قنديل

– ليس من إثبات قانوني على مسؤولية إيران عن أي من الحوادث التي تصيب سوق النفط وتتسبب بالمزيد من التدهور في استقراره والمزيد من الصعود في أسعاره، لكن الأكيد أن ما تشهده منطقة الخليج من حوادث تستهدف سوق النفط يتمّ على خلفية النظر إلى مشهد التوتر الناتج عن الاستهداف الأميركي لقدرة إيران على تصدير نفطها من جهة، والرد الإيراني القائم على معادلة، إذا لم نستطع تصدير نفطنا فإن غيرنا لن يستطيع ذلك أيضاً، والعالم كله ينظر للتصعيد القائم الآن وفقاً لمعادلة أبعد من كيف تثبت واشنطن قوتها، أو كيف تردّ واشنطن على ما تتهم إيران به، فالسؤال الكبير دولياً هو مَن يضمن عودة الاستقرار إلى سوق النفط وإلى أسعاره؟

– إذا سلكت واشنطن طريق الاستهداف العسكري المباشر أو غير المباشر، الضيّق والمحدود أو الأوسع، فإن ذلك سيعني تصاعد الوضع أكثر واستدراج ردود على الردود من نوعها، مباشرة أو غير مباشرة، محدودة أو واسعة النطاق، لكن الأكيد هو أن سوق النفط ستبلغ المزيد من الاضطراب والأسعار ستبلغ المزيد من السقوف العالية، وإذا سلكت واشنطن طريق التجاهل واكتفت بالتحذير والسعي لردود دبلوماسيّة، فإن ذلك يقول إن الخط البياني للأحداث التي استهدفت سوق النفط سيتصاعد وبات هو الحاكم المسيطر على معادلات هذا السوق، وعنوانها، إن لم تستطع إيران تصدير نفطها فإن غيرها لن يستطيع.

– بالتوازي تتبقى ثلاثة أسابيع أمام نهاية مهلة الستين يوماً التي ستبادر إيران بنهايتها إلى التخصيب المرتفع لليورانيوم والتخزين لليورانيوم المخصب، وصولاً لامتلاك ما قالت واشنطن ودول الغرب إنه نقطة الخطر، اي امتلاك إيران ما يكفي لإنتاج أول قنبلة نووية، رغم قرارها بعدم فعل ذلك. والسؤال الموازي ماذا ستفعل واشنطن عندها، أو ماذا ستفعل واشنطن قبلها لمنع بلوغ تلك اللحظة، وبمعزل عن المسؤوليات القانونية التي لا تفيد في مثل هذه الحالات تواجه واشنطن أخطر اختبار لمشهد قوتها على الساحة الدولية حيث تبدو كل الخيارات صعبة، ويبدو الزمن الذي تحتاجه واشنطن لاختبار فعالية إجراءاتها الاقتصادية التصعيدية بوجه إيران أكبر بكثير من الزمن الذي وضعت فيه طهران واشنطن أمام اللحظات الحرجة لضمان استقرار سوق النفط ومواجهة مستقبل ملفها النووي.

– الطريق السالك الوحيد أمام واشنطن لتفادي الأسوأ هو استغلال الوقت المتبقي قبل دخول مهلة الستين يوماً حيّز التنفيذ في الشق النووي، والذهاب إلى قمة العشرين في نهاية الشهر الحالي بخريطة طريق، لتأجيل متبادل أميركي وإيراني للحزمة الأخيرة من الخطوات التصعيديّة لستة شهور تمنح خلالها الوساطات الفرص المناسبة للوصول إلى مبادرات سياسية بديلة. وهذا يعني تراجع واشنطن عن كل ما صدر عنها من عقوبات منذ نهاية شهر نيسان الماضي عندما قامت بإلغاء الاستثناءات الممنوحة على شراء النفط والغاز من إيران لثماني دول، وما تلاها من عقوبات على المعادن والبتروكيماويات الإيرانية، مقابل تراجع إيران عن مهلة الستين يوماً، وتوصل الدول المعنية لضمانات للتعاون في منع أي استهداف لأسواق النفط، وسيتلقف الروس والصينيّون والأوروبيّون واليابانيّون هذه المبادرة وتتجاوب معها إيران، التي كان مدخل خيارها التصعيدي التصعيد الأميركي الجديد.

– تبريد التصعيد سيفتح الطريق للبحث عن سقوف منخفضة لتسويات واقعية في سورية واليمن بعيداً عن المطالب الأميركية الوهمية والخيالية. ويفتح طريق تجميد النزاع حول الملف النووي الذي لا يزعج إيران خروج واشنطن منه ولا يريح واشنطن عودتها إليه، ويصعب على الطرفين التنازل في بنوده، وإلا فإن الرعونة الأميركية التي كانت وراء الخطوات الأخيرة في التصعيد تحتاج لخريطة طريق نحو الحرب والفوز بها، وادعاء واشنطن بامتلاكها كذبة ستفضحها كل محاولة للعب بالنار في منطقة تقف على برميل بارود، ربما تكون كلفة الحروب فيه أعلى بكثير من كلفة التسويات، مع فارق أن بين خاسر وخاسر سيختلف الوضع كثيراً. فهناك مَن سيخسر مكانته العالمية كحال أميركا ووجوده كحال «إسرائيل» ونظام حكمه كحال أنظمة الخليج، فوق الخسائر البشرية والمادية المؤلمة التي سيتساوى فيها مع إيران وحلفائها.

Related Videos

RELATED NEWS

%d bloggers like this: