أسباب الحرب على إيران… أسرارها في البحرين؟

مايو 21, 2019

د. وفيق إبراهيم

قمة البحرين المرتقبة الأسبوع الأخير من حزيران المقبل تُلخصُ الأبعاد الفعلية للتوتر العسكري الكبير الذي يُخيمُ على منطقة الخليج وصولاً الى أعالي اليمن.

فالقوى الأميركية والخليجية والإسرائيلية التي يهددُ الرئيس الأميركي ترامب باسمها بمحو إيران هي نفسها الدول والقوى التي تستضيفها مملكة البحرين في قمّة لها هدف أساسي. وهو تأمين استثمارات «للأراضي الفلسطينية» و«السلام من أجل الازدهار» والشراكة الاستراتيجية مع الأميركيين، فيما تختص القمة الخليجية في أواخر أيار الحالي بما يزعمون أنه «الإرهاب الإيراني».

التقاطعات الحادة اذاً واضحة بين الحصار الحربي والاقتصادي غير المسبوق حول إيران وبين قمتين إحداهما تريد خنق إيران وثانية تذهب نحو خنق فلسطين والعرب والعالم الإسلامي بكامله.

وإذا كان غياب «إسرائيل» عن القمة العربية أمراً طبيعياً، لأنها كيان غير عربي فإن وزير ماليتها موشيه كحلون مدعو للمشاركة في قمة البحرين إلى جانب وزير الخزانة الأميركي ستيغين منوش ووزراء وقادة من الدول الإسلامية والعربية والأميركية واقتصاديين عالميين من أصحاب الشركات الكبرى، ولتمرير هذه القمة بأقل قدر ممكن من الاعتراضات مع كثير من التأييد جرى طرح شعارات جاذبة على مستوى الاقتصاد منها: فرصٌ مثيرة للفلسطينيين، استثمارات كبيرة «للأراضي الفلسطينية»، أفكار واستراتيجيات لدعم الاستثمارات، الدعم الاقتصادي للفلسطينيين والأردنيين والمصريين وخلق اقتصاد إقليمي ناجح.

وأرسل مستشار ترامب وصهره جاريد كوشنر اليهودي الأميركي والقائد الفعلي للقمة شكراً كبيراً لدولة البحرين على «الاستضافة»، فيما اكتفى وزير المال البحريني سلمان بن خليفة بوصف القمة بأنها تجسّد الشراكة الاستراتيجية بين العرب والأميركيين.

للتنبّه فقط فإن مساحة البحرين تزيد قليلاً عن خمس مئة كيلومتر مربع وفيها قواعد عسكرية أميركية وبريطانية وفرنسية وسعودية وأخرى لمجلس التعاون الخليجي والقوات البحرينية وحضور عسكري إسرائيلي، ودرك أردني لقمع التظاهرات الداخلية، فماذا يبقى بعد كل هذا الانتشار العسكري العلني لإقامة السكان المحليين؟

وهل هذه شراكات استراتيجية عسكرية أم احتلال لأسباب أخرى تحت مسمّى حماية العائلة الحاكمة؟

البحرين إذاً، وكما يظهر واضحاً، موقع استراتيجي يوفر حماية للانظمة السياسية في الخليج إنما في وجه مَن؟ فـ»إسرائيل» ليست هناك وروسيا بعيدة والصين في أقصى الارض وهذا بمفرده دليل ساطع على ارتباط هذا الانتشار العسكري بالسياسات الإيرانية التي ترفض الهيمنة الأميركية وتؤيد تحرير فلسطين من باب العمل الفعلي من أجلها في غزة ولبنان وسورية وليس على مستوى الخطابات والابتهالات.

على المستوى العملي والواضح تريد قمة البحرين تحقيق الجزء الثاني من صفقة القرن، وذلك عبر أمرين: الجمع بين معظم المسؤولين العرب وبين وزير المال الإسرائيلي وتأمين استثمارات لتمويل مشاريع في «أراضٍ فلسطينية» والتعويض على الأردن ومصر وربما لبنان بأموال خليجية وشركات غربية كالعادة، وتشكيل محور عربي إسلامي إسرائيلي برعاية أميركية معادٍ بالمطلق لإيران، فيتحقق الجزء الأخير من صفقة القرن بالإنجاز العملي للجزء الثاني الحالي الناتج من قمة البحرين المرتقبة وأساسها الحلف الإسرائيلي العربي على اساسين: إنهاء القضية الفلسطينية نهائياً والاستعداء الدائم لإيران.

البحرين اذاً هي القاعدة العسكرية الأميركية لحماية العائلات الخليجية الحاكمة من مخاطر الداخل والخارج.

وهذا هدف استراتيجي لحماية سيطرة واشنطن على خطوط النفط حالياً والغاز في العقود المقبلة والاستمرار في فرض مستوى من التخلف التاريخي لمواصلة تصدير السلع الغربية من «الإبرة» حتى الصاروخ، الى بلدان خليجية لا تصنّع شيئاً.

هناك دلائل اضافية تؤكد ان إيران لم تهاجم بلداً عربياً منذ الفتوحات الإسلامية والتاريخ خير شاهد، أما في بدايات القرن العشرين فلم تحارب أي دولة خليجية لأنها لم تكن قد تأسست بعد، فمعظم هذه الإمارات والممالك تعود الى الستينيات والسبعينيات من القرن الفائت باستثناء السعودية التي ابتكرتها المخابرات البريطانيّة والعقيدة الوهابية وآل سعود في ثلاثينيات القرن العشرين وتمتّعت هذه الإمارات بأفضل علاقات ممكنة مع إيران في المرحلة الشاهنشاهيّة، لأن الطرفين كانا تحت التغطية الأميركية، ما وفّر لهم قواسم مشتركة بما يؤكد أن الاستعداء الخليجي لإيران يعود الى رفضها الهيمنة الأميركية وتدمير القضية الفلسطينية، فهل حكام الخليج والدول العربية ذاهبون الى البحرين من خارج هذا السياق؟ إنهم في قلب حركة الانحطاط العربية، التي تخلّت حتى لغة التهديد بالخطابات فاستسلمت فعلياً ولغوياً وأصبحت تشكل رأس حربة النفوذ الأميركي في الشرق والشرق الأوسط والعالم الإسلامي.

فهل تنجح قمة البحرين في مشاريعها؟ هناك ثلاثة أهداف: الأولى تدمير إيران وهي فاشلة سلفاً، لأن ترامب اعترف بأنه لا يريد الحرب العسكرية بل الخنق الاقتصادي. وهذا يصيب حكام الخليج و«إسرائيل» بإحباط وجدت واشنطن له دواء بنشر مرتقب لعشرات آلاف الجنود الأميركيين في الخليج وعلى حساب دوله.

أما الحلف مع «إسرائيل» فقائم منذ أعوام عدة ولن يتمدد نحو دول جديدة في ضوء استمرار إيران بمقاومة الحصار وبموازاة تحرّك حلفائها ومنهم أنصار الله في اليمن الذين يمسكون الآن بقسم من الأمن النفطي العربي.

فلسطينياً فإن تنفيذ صفقة القرن أصبح مرتبطاً بالقدرة على خنق إيران.

فهل تنتظر إيران خنقها؟ هناك صمود إيراني داخلي يتقاطع مع حركة حلفاء يعرفون أن إسقاط إيران لا يعني إلا القضاء على القوى التي تحارب الأميركيين والخليجيين والإسرائيليين في سورية والعراق واليمن، ما يجعل من فكرة خنق إيران أداة تخويف أميركية للخليج ووسيلة لربطه بحلف مع «إسرائيل» لا يخدم في حقيقة الأمر إلا دعم أُحادية النفوذ الأميركي في العالم.

 

Advertisements

«Deal of Century»: An Arab NATO in the Making

By Staff, Agencies

“The enemy of my enemy is my friend” is and ancient proverb that is never outdated when it comes to politics and geostrategic policies. Given the light of the situation in the region, the “Israeli” entity is literally in its pursuit.

“Israel” is smart enough not to tarnish its hands with its dirty work against Iran and have others do that on its behalf. But this time, it’s not the United States – its best friend and long supporting ally – instead, it has been focusing on our side of the globe: the Middle East.

Not long back, the “Israeli” entity has been engaged in normalization efforts with various Arab nations among which are Bahrain, Saudi Arabia, the UAE and Oman; the same countries which are also part of a Saudi Arabian initiative called the so-called “Arab NATO” – the Middle East Strategic Alliance [MESA] – to combat Iran in the region.

The kingdom on April 8 hosted a meeting with the high-level participation of Saudi Arabia, the United States, the United Arab Emirates, Bahrain, Kuwait, Oman, Qatar and Jordan. According to the Saudi WAS news agency, the meeting was “an important step to launching the alliance, which aims to strengthen the security and stability of the region and the world.”

Sulaiman al-Oqaily, a Saudi political analyst, says there must be one strategy among the Arab nations that form the alliance, as well as a clear target in order for such an endeavor to succeed.

First, al-Oqaily points out that there must be one united Arab bloc that has agreed that the “Arab NATO” would protect the Arab world from all kind of threats and security challenges. “Its members’ motives and determinants have to be the same,” he says.

Al-Oqaily says that the sectarianism with which Iran targets the Middle East is more dangerous than Israel.

“Iran is taking advantage of its culture and religious links to the Arab world to expand there and destroy it,” he claims. “‘Israel’ can’t violate the Arab society like Iran, but through its intelligence services.”

He also speculates that if Iran weren’t involved in Iraq, the latter would have peace by now.

The US administration has since last year been exploring the creation of a new security body comprising Middle Eastern countries that would be geared toward countering Iran. Reportedly, MESA member-states would seek deeper cooperation in the realms of missile defense, military training and counter-terrorism, while strengthening broader political and economic ties.

“It would serve as a bulwark against Iranian aggression, terrorism, extremism and will bring stability,” a spokesperson for the White House’s National Security Council alleged in reference to the potential association last year.

“It’s not a new project. However, its implementation is what matters,” says Qassem Qaseer, a Lebanese political analyst. He confirms that the US has been working with Arab states for a while now to form such a body, noting that “the issue remains with the different agendas and political approach of its member of states.”

For example, Qaseer says that the Arab countries don’t agree on more than one critical issue, pointing out that the Arab NATO is still an idea with no structure.

“They aim to pressure Iran on the ground by such initiative, although, they need to make it a reality first,” Qaseer says. It is noteworthy that the Idea of an Arab NATO coalition is one of the results of the Arab-Islamic summit hosted by Riyadh in May 2017.

Over the past year, senior American officials, including President Donald Trump’s adviser Jared Kushner and international negotiator Jason Greenblatt, have conducted shuttle diplomacy among Middle East capitals. These visits have laid the foundation for MESA, although the notion reportedly was first raised by Saudi Arabia.

Regarding the “Israeli” entity, its relations with regional Arab nations are by most accounts improving, primarily the result of a shared interest in curbing Iran.

Related Videos

RELATED NEWS

 

الأميركيون يناورون بفلول داعش والعراق منصة متجدّدة

مارس 28, 2019

محمد صادق الحسيني

لا يزال الأميركيون غير قادرين على تجرّع كأس الهزيمة المرة بسهولة، ويسعون بجهد بالغ للإيحاء بأنهم لم ينكسروا بعد رغم تصدّع استراتيجياتهم الواحدة بعد الأخرى..!

وفي هذا السياق فقد قامت قبل عدة أشهر غرفة عمليات التنف الأميركية بإصدار نداء لعناصر التنظيمات المسلحة، بمختلف تسمياتها، في منطقة التنف مطالبة إياها بالالتحاق بوحدات التشكيلات الكردية، التي يسمّيها الأميركيون ووسائل الإعلام العميله بقوات قسد، وذلك تحت عنوان مقاتلة داعش في شرق الفرات، كما ادّعى البيان الأميركي آنذاك…!

وعلى الرغم من الحملة الإعلامية الواسعة، التي أطلقتها آلة الإعلام الأميركية والإعلام العميل التابع لها، حول ما قيل إنه هجوم بدأته قوات «قسد» على جيوب داعش شرق الفرات وما أشيع حول عمليات إسناد جوي أميركي وغربي لها، فإنّ ما حصل لم يعدُ كونه عملية هوليودية أميركية هدفت إلى ما يلي:

1 ـ تنفيذ أكبر عدد ممكن من الغارات الجوية في أرياف دير الزّور والبوكمال الشرقية بهدف تدمير ما تبقى من البنى التحتية السورية المدنية في تلك المناطق.

2 ـ إخلاء مسلحي داعش من شرق الفرات، سواء بواسطة المروحيات العسكرية الأميركية، التي نفذت مئات عمليات الإخلاء الجوي لهؤلاء العناصر خلال الأشهر الثمانية الماضية، أو عبر فتح ممرات آمنة لهم والسماح لهم بالانتقال من شريط الباغوز/ هجين الى القواعد الأميركية في منطقة الشدادي والرميلان، في محافظة الحسكة، وتجميعهم في معسكرات يخضعون فيها لبرامج إعادة تدريب وتسليح، تمهيداً لإعادة انتشارهم في مواقع جديدة، سواء في سورية أو العراق.

3 ـ كما هدفت تمثيلية هوليوود، التي نفذتها القيادة المركزية الأميركية في الدوحة CENTCOM، إلى كسب المزيد من الوقت، لتنظيم عمليات إعادة انتشار القوات الأميركية الواسعة النطاق، في كلّ من سورية والعراق والأردن وفلسطين المحتلة.

وقد قامت هذه القيادة وفِي هذا الإطار بما يلي:

أ ـ تقليص عديد قواة قواعدها ونقاط ارتكازها العسكرية شرق الفرات السوري، ضمن خطة تكتيكية لتنفيذ عملية إعادة الانتشار المُشار إليها أعلاه.

ب ـ تعزيز تواجد قواتها في كافة قواعدها في العراق، تحت حجة استقدام قوات أميركية لـ «حماية» القوات المنسحبة من سورية. وهو أمر لا يثير الكثير من الريبة، بل الكثير من الضحك لأنّ المراقبين لما يجري ليسوا بالمغفلين، كي يصدّقوا أنّ حماية انسحاب كتيبة عسكرية، من أيّ مكان في العالم، يحتاج إلى فرقة كاملة 15 ألف جندي لتأمينه…!

ونحن نتحدث هنا عن قوات أميركية محمولة جواً تابعة للفرقة 82 والفرقة 101 الأميركيتين، والتي تمّ نشرها في قاعدة كركوك وعين الأسد الجويتين وفي قاعدة الرمادي وقاعدة التنف الأميركية الشهيرة.

ج ـ وإذا ما نظر المراقب الى مواقع هذه القواعد الأميركية، في سورية والعراق، فلن يكون من العسير عليه اكتشاف الهدف من تواجدها، ألا وهو السيطرة على محاور الطرق الدولية، التي تربط بغداد بكلّ من طهران ودمشق وعمّان، وذلك بهدف قطع التواصل الجغرافي البرّي بين هذه العواصم عند الضرورة. الأمر الذي قد يحصل بصورة مباشرة، عبر تحرّك وحدات قتالية أميركية للسيطرة على قواطع بعينها من هذه المحاور، او من خلال تحريك عصابات فلول داعش وغيرها من العصابات المسلحة، التي تقوم القيادة المركزية الأميركية، عبر غرف عملياتها الميدانية في عين الأسد والتنف، بإعادة نشرها في غرب الأنبار باتجاه الرطبة جنوباً والنخيب ووادي القذف شرقاً هذا المحور يهدّد النجف وكربلاء بشكل مباشر .

د ـ ولا يخفى على أحد أنّ كلّ هذه الإجراءات جميعها تهدف الى التأثير على قدرات حلف المقاومة من جهة وتنفيذ عملية مشاغلة، أو حرب استنزاف طويلة الأمد، لقواته سواء في سورية أو العراق. أيّ أنّ هذا التكتيك هو نفسه الذي اتبعه البنتاغون في فيتنام، إبان الحرب الأميركية عليها في ستينات القرن الماضي، إذ عمدت الى فتنمة الحرب لتخفيف الضغط العسكري، من قبل ثوار الفيتكونغ الفيتناميين، على قواتها العسكرية في فيتنام الجنوبية.

وكما كان الفشل والهزيمة الساحقة هو مصير القوة العسكرية الأميركية في فيتنام آنذاك فإنّ مصير قواتها وقواعدها في الدول العربية لن يختلف كثيراً عن مصيرها في فيتنام، حيث سيأتي اليوم الذي سيفرّون فيه من بلداننا ومعهم مستوطنو القاعدة العسكرية الأميركية في فلسطين المحتلة والمسماة إسرائيل ، وذلك عندما تحين الساعة الصفر لتنفيذ المرحلة الأخيرة من الهجوم الاستراتيجي الذي تنفذه قوات حلف المقاومة على مراحل والذي لن يتوقف الا بدخول القدس وتحريرها تحريراً تاماً من الاحتلال ومستوطنيه. وما قيام نتن ياهو بقطع زيارته لواشنطن والعودة مسرعاً الى فلسطين المحتلة وطلبه المستعجل من القيادة المصرية للتوسط سريعاً مع فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة لوقف إطلاق النار، الا دليل قاطع على عجز رئيس العصابة هذا وجيشه عن مواجهة أيّ هجوم محتمل لقوات حلف المقاومة في المستقبل…!

4 ـ أما الهدف الآخر من التمثيلية الأميركيه شرق الفرات، والتي قلنا إنها هدفت لكسب الوقت لتنفيذ عمليات إعادة انتشار، سواء على الصعيد التكتيكي، كما أوضحنا أعلاه، او على الصعيد الاستراتيجي كما سنوضح الآن.

إذ قامت القيادة المركزية الأميركية في الدوحة CENTCOM، قبل عدة أسابيع، بنشر المنظومة الصاروخيه المضادة للصواريخ، المسماة ثاد THAAD، في قواعد جيش الاحتلال «الإسرائيلي» في جنوب ووسط فلسطين المحتلة. وهو الإجراء الذي لا يمكن اعتباره موجهاً ضدّ إيران فحسب، وإنما ضدّ روسيا وبشكل مباشر ومكمّل لمثيلات هذا النظام الذي نشرته الولايات المتحده في كلّ من رومانيا وبلغاريا قبل حوالي عام.

5 ـ كما انّ القيادة العسكرية الأميركية، ومن خلال تعزيز قواعدها في العراق، خاصة قاعدة عين الأسد، تدرس حالياً إمكانية نقل عدد من قاذفات القنابل الاستراتيجية الأميركية، من طراز /ب 52/ المنتشرة في بريطانيا، الى قاعدة عين الأسد العراقية، كي تكون هذه القاذفات مكملاً للأسطول الجوي الاستراتيجي الأميركي الموجود في قاعدة جزيرة دييغو غارسيا Diego Garcia الأميركية، الواقعة جنوب الهند في المحيط الهندي، وذلك في مواجهة كلا من الصين وروسيا على المدى الاستراتيجي، وهذا بالضبط هو جوهر كلام الرئيس الأميركي حول تركيز قواته في العراق من أجل «مراقبة إيران» وتنفيذ عمليات عسكرية في سوريّة عند الضرورة. أيّ انه يسعى الى تعزيز قواته، من أجل تقطيع أوصال حلف المقاومة، تمهيداً للتفرّد بكلّ ساحة من ساحاته على حدة، وصولاً الى ضرب إيران وإنهاء نظام الجمهورية الإسلامية في هذا البلد. الأمر الذي سيؤدّي، إذا ما تمّ ذلك حسب الخطط الأميركية لا سمح الله، الى انقلاب في ميزان القوى الاستراتيجي، وذلك من خلال وصول القوات الأميركية الى الحدود الجنوبية لروسيا واقترابها من غرب الصين، بكلّ ما يعنيه ذلك من تهديد استراتيجي لهذين البلدين الصديقين للدول المعادية لسيطرة القطب الأميركي الواحد على مقدرات شعوب العالم.

6 ـ بناء على ما تقدم، وبالنظر الى استمرار المحاولات الأميركية الرامية الى سلخ العراق كلياً عن محور المقاومة، تلك المحاولات التي كان آخرها القمة الثلاثية في القاهرة، والتي تمّت بطلب أميركي مباشر، لكلّ من الأردن ومصر، بإقناع رئيس الوزراء العراقي بالانتقال الى المحور السعودي مقابل تكفل السعودية بتكاليف إعادة إعمار العراق وتعويض كلا من مصر والسعودية والأردن عن مشاريع إعادة الإعمار في سورية بمثيلاتها في العراق.

لذا فإنّ أولى الأولويات، في مواجهة هذه المخططات الأميركية في المنطقة، كما يرى المتابعون من أهل الشأن تتمثل في ما يلي:

ـ العمل بكلّ الوسائل على منع الحكومة العراقية من الانزلاق للانخراط في هذا المخطط الأميركي التدميري.

ـ مواجهة التحرك الاستخباراتي السعودي الأردني مع رؤساء العشائر في غرب وجنوب غرب الأنبار.

ـ الحذر الشديد من التواصل القائم بين تيار عراقي معلوم الحال والسلطات الأردنية…!

ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.

بعدنا طيبين قولوا الله…

لبنان والأردن وتركيا والتكتل الإقليمي الجديد؟

مارس 20, 2019

ناصر قنديل

– لم تعد ثمّة حاجة لوضع التساؤلات او رسم الشكوك حول وجود قرار إيراني سوري عراقي ببناء تكتل إستراتيجي جديد يستوعب التمايزات في أوضاع الدول الثلاث وتباينات تكوينها السياسي لصالح تكامل قطاعاتها الاقتصادية والخدمية، وتناغم سياساتها الأمنية، وربطها بشبكات نقل متعدّدة من طرق دولية وسكك حديد، وربط شبكاتها الكهربائية، وتشبيك وسائط الاتصالات بينها، وتكامل منتوجاتها الصناعية والزراعية والخدمية مع أسواق بعضها البعض وحاجاتها. وعندما يستند هذا التكتل الجديد إلى عدد سكان يقارب مئتي مليون، وقدرات اقتصادية وموارد طبيعية هائلة، وأيادٍ عاملة متنوّعة الخبرات، وأسواق واسعة وحاجات سياحية واستهلاكية تلبي بعضها البعض، فمن الطبيعي أن تشكل ولادته بالإضافة لما توفره لشعوب هذه الدول وحكوماتها، مصدر خلاص من الكثير من تعقيدات التبادل المالي التي تفرضها العقوبات الأميركية.

– الولادة التدريجية لهذا التكتل الذي بدأ يبصر النور بعد قمّتين واحدة سورية إيرانية وأخرى إيرانية عراقية، وتجسّدت أولى خطواته باجتماع رؤساء أركان جيوش الدول الثلاث، ومقرراتهم بتأمين التواصل الجغرافي الآمن بين بلدانهم من جهة، وتعاون جيوشهم في إنهاء الحرب على الجماعات الإرهابية، خصوصاً في سورية. من جهة مقابلة، سيطرح تحديات عاجلة ومتصاعدة أمام دول الجوار الثلاث الأهم، البعيدة بدرجات مختلفة على الصعيد السياسي عن هذا التكتل الجديد، والمحكومة بلغة المصالح والجوار بحسابات لا مفرّ من إقامتها، تجاه كيفية التعامل مع هذه الولادة. فتركيا التي تقيم تبادلاً تجارياً واسعاً مع إيران وتملك حدوداً مشتركة يتداخل فيها الأمن والسياسة مع هذه الدول، وتتشارك مع الدول الثلاث الهمّ الكردي، ستجد نفسها معنية بالبحث الجدي في شراكة لتوسيع هذا التكتل بصورة تجعلها شريكاً نوعياً لتكبير حجم السوق أمام بضائعها، وتوسيع نطاق التدفقات السياحية إلى أسواقها، وضمان معاملة موحّدة مع المسألة الكردية، ومثلها الأردن المعني حكماً بحاجته للموارد النفطية والمتطلع لاكتساب المزيد من السياح، ومثلهما لبنان الهادف لتسويق بضائعه الزراعية والصناعية، ولاستقطاب كتلة من السياح الذين يوفرهم هذا التكتل، سيجد نفسه، رغم التذاكي السياسي لدى بعض اللبنانيين والكيدية لدى بعضهم الآخر، معنياً من موقع المصالح بالمبادرة في البحث عن سبل التشبيك مع هذا التكتل الجديد.

– عملياً وبسبب غياب مركز عالمي قادر على قيادة العام اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، بعد التراجع الأميركي المشهود، ستنمو التكتلات الإقليمية. وهذا هو الحال على المقلب الآخر للحدود الإيرانية مع كل من باكستان وافغانستان، وصولاً إلى الصين وروسيا والتعاون في أفغانستان سياسياً وأمنياً، والتعاون في مجالات الطاقة وتبادل البضائع. لكن الطبيعي أن يجذب هذا التكتل مع فرصه بالاتساع ليضمّ تركيا ولبنان والأردن اهتماماً خاصاً من روسيا والصين، فالأولى مهتمة بأنابيب النفط والغاز وبتوليد الكهرباء من الطاقة النووية وبيعها، والثانية معنية بشبكات سكك الحديد وتوسيع الأسواق لبضائعها، وتكتل مرشح لبلوغ الثلاثمئة مليون بهذه المقدرات الاقتصادية سيعادل حجم أوروبا، وأميركا، ويزيد عن حجم روسيا، ما يجعله مرشحاً للتأثير على شكل الخريطة التجارية والاقتصادية للعالم، وفرض معادلات جديدة لا بدّ لأوروبا الجارة من أخذها بالحساب.

– عملياً العقوبات الأميركية تلعب دوراً عكسياً. فهي تشكل اليوم الحافز لنجاح هذا التكتل، وهي ستشكل مصدر آليات تعامل مالي تتخطى المرور بالعملة والمصارف الأميركية، وعملياً هي سترتب تراجع المكانة التي تحتلها أميركا في الاقتصاد العالمي كمركز، ولو بقيت تمثل الاقتصاد الأول تقنياً وهي المرشحة لخسارة موقع الاقتصاد الأكبر حجماً امام الصين. فعلاقة أوروبا بهذا التكتل الجديد ستكون مختلفة عن علاقتها بإيران وحدها، ومنطق المصالح يقول إن هذا التكتل سيكون فرصة أوروبا الوحيدة لمواجهة خطر الركود الاقتصادي والكساد الصناعي، وعندما نقول إن عالماً جديداً يولد، لا نقصد فقط سياسياً وعسكرياً بل اقتصادياً أيضاً.

Related Videos

Related Posts

سذاجة التوقعات اللبنانية لحماسة روسية سورية

مارس 9, 2019

ناصر قنديل

– يتوقع الكثير من متعاطي الشأن العام والسياسيين والإعلاميين اللبنانيين حماسة روسية وسورية في تلبية الطلبات اللبنانية، خصوصاً الآتية من رئاسة الجمهورية والفريق المساند للمقاومة، باعتبارهما حليفين، ويمكن رغم شلّ قدرة الدولة اللبنانية عن التعاطي مع الدولتين الروسية والسورية بلغة المصالح التي تحكم علاقات الدول، أن يتخيل هؤلاء أن تبقى الحماسة الروسية والسورية على قاعدة وهم وجود مصالح لكل من موسكو ودمشق عنوانها استعمال لبنان منصة لتعويم الدور والحضور، لأن التخيل اللبناني السائد لا يزال ينظر بعين الوهم نحو قوة واشنطن وقدرتها واعتبارها محور العالم وربما الكون، والنظر لمن يواجهونها وينتصرون عليها خلال السنوات التي مضت، كمجرد باحثين عن اعتراف أميركي بهم وبدورهم، متجاهلين وعاجزين عن الاقتناع بأن العالم قد تغير وأن المعادلات الجديدة التي تحكم العالم والمنطقة ليست كما يفترضون، وأن عليهم أن يستفيقوا من حلم ليلة صيف يعيشونه في استقبال الموفدين الأميركيين والاستماع إلى توجيهاتهم.

– كثير من هؤلاء يظن أن المبادرة الروسية لحل قضية النازحين تجمّدت بسبب الضغوط الأميركية والأوروبية، لربط العودة بالحل السياسي، لأن العودة ترتبط بإعادة الإعمار، والمال اللازم لها يملكه ويملك قراره الأميركيون والأوروبيون. وهذا يعني ضمنا تخيل سذاجة روسية سورية بطرح المبادرة، فالروس يعلمون قبل طرح مبادرتهم أن هناك مصالح عليا أميركية أوروبية بالسعي لتعطيل عودة النازحين وربطها بموافقتهم وشروطهم بعدما فقدوا أوراق الضغط العسكرية التي بنوا عليها آمالهم في رسم مستقبل سورية قبل ثماني سنوات، وهذا كان واضحاً بقوة قبل المبادرة، فهل فكر هؤلاء بطريقة أخرى لماذا طرحت المبادرة ووفقاً لأي حسابات ولماذا تجمّدت؟

– يؤكد الروس كما يؤكد السوريون أنهم يعتقدون بتباين يكبر تدريجياً بين المصالح الأميركية المحكومة بالحسابات الإسرائيلية أساساً، وحسابات كل من حلفاء واشنطن في لبنان والأردن وتركيا، الواقعين تحت ضغط ملف النازحين، وبنسبة كبيرة أيضاً أوروبا التي تعاني من ترددات السياسات الأميركية في المنطقة بسبب النازحين وملف الإرهاب الذي يهدد أمنها، والسياسات الأميركية لإذكاء التوترات بما في ذلك تعاملها مع العقوبات على إيران، وبنسبة معينة أيضاً دول الخليج ومصر التي تستشعر تقدم الحضور التركي على حسابها في سورية وعبر سورية في المنطقة، وتتحرّك موسكو ومعها بدرجة اقل دمشق على إيقاع ملاقاة هذه التغيرات تدريجاً وبمبادرات محسوبة ومدروسة، كان اولها السعي لاستقطاب تركيا خارج خطة الحرب الأميركية وقد حققت نتائج باهرة، بمعادلة العصا والجزرة، وليست روسيا ولا سورية جمعيات تخديم مجاني للملتحقين بالسياسات الأميركية لنيل إعجابهم بأنها ذات مبادرات خيرة.

– قوبلت المبادرة الروسية بتردد أوروبي وتركي وأردني، وهي الدول المعنية بملف النازحين، لحاجة كل من هذه الدول لاستخدام هذا الملف في حسابات خاصة، وبقي لبنان، وانتظرت موسكو ودعت دمشق للانتظار معها لسماع موقف لبناني رسمي كدولة ذات سيادة يقلقها هذا الملف بالاستعداد للسير قدماً وبقوة في ترجمة هذه المبادرة لجعل عودة النازحين من لبنان إلى سورية نموذجاً يحتذى في الملف برمته. وجوهر المبادرة هنا ليست بنودها، بل بقيام لجنة عليا روسية لبنانية سورية، فقوبلت بالتذاكي اللبناني، تحت شعار لجنة هنا ولجنة هناك، مراعاة للشروط الأميركية والخليجية في العلاقة بالدولة السورية، فتجمّد التعاون السوري، وتجمّد الروس عن السير بالمبادرة. وهذا سينسحب سورياً على ملفات كثيرة، فبقاء الموقف الأردني مثلاً تحت سقف أميركي وخليجي في التعامل مع الدولة السورية، لن يسهل الطلبات الأردنية بالقضايا الاقتصادية في العلاقة مع الدولة السورية، ويجب التذكير للذين نسوا أن الدولة السورية قابلت وهي في ذروة الاستهداف، وقبل أن تحقق ما حققت من انتصارات، الطلبات الرسمية الألمانية والفرنسية والإيطالية بتعاون مخابراتي بالرفض متمسكة بأولوية التعامل من دولة إلى دولة، وبعدها ينطلق التنسيق الفرعي أمنياً كان أم اقتصادياً، ولن تقابل الدولة السورية طلبات لبنانية أو اردنية بغير هذا الموقف، سواء بما يخص النازحين أو غير النازحين.

– يتصرّف كثير من اللبنانيين أن بمستطاع الدولة اللبنانية أن تضع فيتو على السلاح الروسي باستجابة مهينة ومذلة للتعليمات الأميركية، وهو ما لم تفعله دول أعضاء في الناتو مثل تركيا، ومن ثم أن تنتظر من الدولة الروسية تقديم الخدمات المجانية للبنان، بينما ما يفعله اللبنانيون، أو بعضهم السياسي، هو تعطيل سيادة الدولة وقرارها المستقل، وبيعه لأميركا وانتظار الإيجابيات من غير الأميركي، وخصوصاً من الذين يضعهم الأميركي على لائحة الأعداء كحال الدولتين الروسية والسورية. وهذه قمة السذاجة في العلاقات الدولية، وما لم يكن لبنان جاهزاً للتصرف بمنطق مصالحه وبقوة قرار مستقل في مقاربتها وتلمس موسكو ودمشق ذلك في مفردات حسية واضحة، لن يحصل لبنان على غير المجاملات التي تمتلئ بها مفردات الدبلوماسية والعلاقات الدولية.

Related Videos

Are tensions at al-Aqsa reaching another boiling point?

Ben White is the author of ‘Israeli Apartheid: A Beginner’s Guide’ and ‘Palestinians in Israel: Segregation, Discrimination and Democracy’. He is a writer for Middle East Monitor, and his articles have been published by Al Jazeera, al-Araby, Huffington Post, The Electronic Intifada, The Guardian’s Comment is free, and more.
A new conflict has emerged amid intensifying efforts by Israeli authorities and settlers to change the status quo at the holy site

Israeli police detain a Palestinian demonstrator at al-Aqsa Mosque compound in Jerusalem’s Old City on 18 February (AFP)

Below the Western media’s radar, tensions have been escalating in Israeli-occupied Jerusalem.

In the last week, a new confrontation has emerged over al-Aqsa Mosque compound, in the context of intensifying efforts by Israeli authorities and settlers to change the status quo and take over Palestinian properties in and around the Old City.

The Jordanian government recently decided to expand the composition of the Waqf – the body charged with managing al-Aqsa Mosque compound – to include a number of high-ranking Palestinians, alongside the long-standing Jordanian members.

Gates shuttered

The move came in response to what International Crisis Group’s Ofer Zalzberg described to Haaretz as “the erosion of the status quo” at the site, including the tolerance by Israeli occupation forces of “quiet worship” by Jews in the compound – “a relatively new development”, the paper noted.

Last Thursday, the newly expanded council inspected, and prayed at, a building located at the Gate of Mercy (Bab al-Rahma), shuttered by Israeli occupation authorities since 2003. At the time, the closure was justified on the grounds of alleged political activities and links to Hamas – but the building has remained closed ever since.

What is taking place in Jerusalem is ‘an organised and systematic campaign of settlers, with the assistance of government agencies, to expel entire communities in East Jerusalem’

Overnight on Sunday, Israeli forces put new locks on metal gates that lead to the building. When Palestinian worshippers attempted to open the gates, clashes broke out, and a number of Palestinians were arrested by Israeli police.

Tuesday night saw renewed confrontations and arrests, while an Israeli court on Wednesday banned a dozen or so Palestinians from entering the compound. Both the Palestine Liberation Organisation and Hamas have condemned the developments, and warned of the “volatility” of the situation.

New facts on the ground

Events in the compound cannot be viewed in isolation from the bigger picture in Jerusalem, and in particular, what Israeli NGO Ir Amim has called an “accelerated, intensifying chain of new facts on the ground”, including “a mounting number of state-sponsored settlement campaigns inside Palestinian neighbourhoods”.

One expression of such campaigns is the eviction of Palestinian families from their homes so that settlers can take possession of the properties. Last Sunday, the Abu Assab family was expelled from their home in the Muslim Quarter of the Old City, a fate facing hundreds more Palestinian families in occupied East Jerusalem.

What is taking place in Jerusalem is “an organised and systematic campaign of settlers, with the assistance of government agencies, to expel entire communities in East Jerusalem and to establish settlements in their stead”, in the words of an Israeli settlements’ monitor.

A Muslim man checks a gate closed by Israeli police at al-Aqsa Mosque compound in Jerusalem’s Old City on 18 February (AFP)
A Muslim man checks a gate closed by Israeli police at al-Aqsa Mosque compound in Jerusalem’s Old City on 18 February (AFP)

“It is very clear what they want: a Jewish majority here and in East Jerusalem,” Silwan-based activist Jawad Siyam told the Independent recently. His community is blighted by the presence of the settler-run “City of David” compound, which is set to receive a further boost from Israeli occupation authorities in the form of a planned cable-car station.

Jerusalem has largely been out of the headlines for awhile, with most attention – understandably – being paid to the Great March of Return protests in the Gaza Strip and the bogged-down efforts to secure relief from the blockade. Israeli elections are also on the horizon, and speculation continues over what precisely the Trump administration has got in store by way of a “peace plan”.

In the background, however, accelerated Israeli colonial policies in occupied East Jerusalem could be leading to a new boiling point.

Grassroots activism

The Waqf has stated that it seeks the opening of the Bab al-Rahma site, a demand that has the potential to become a focus for the kinds of mass protests witnessed in the summer of 2017. Then, metal detectors introduced by Israeli occupation authorities outside al-Aqsa Mosque compound sparked spontaneous demonstrations, with the devices ultimately removed.

Whether or not the Waqf chooses such a path, it could also find its hand forced by the pressure of grassroots activism; there is considerable concern among Palestinians that the Israeli government – along with the so-called “Temple movement” activists – are ultimately working towards a spatial division of, and establishment of formalised Jewish prayers within, al-Aqsa Mosque compound.

How Israel is ‘cleansing’ Palestinians from Greater Jerusalem

Meanwhile, the United States is proceeding with the closure of its consulate in East Jerusalem, and relocation of Palestinian “affairs” to an office within the new embassy – a potent symbol, were one needed, that the Trump administration’s vision will be a stark departure from even the pretence of a “two-state solution”, and a rubber-stamp for Israel’s de-facto, single state.

This week’s events – however they develop – are a reminder, however, that while Israel and the US see Jerusalem as fair game for an accelerated process of colonisation and deepening imposition of Israeli sovereignty, the city’s Palestinian residents are experienced spoilers of Israeli designs, and may well soon reprise such a role.

The views expressed in this article belong to the author and do not necessarily reflect the editorial policy of Middle East Eye.

من مذكّرات حكيم الثورة [3/4]: حركة القوميين العرب: امتدادها ونشاطها في الأردن [١]

في الذكرى الحادية عشرة لرحيل المناضل والقائد الفلسطيني والعربي جورج حبش (26 كانون الثاني/ يناير 2008)، أحد أبرز مؤسسي حركة القوميين العرب، والأمين العام المؤسس للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، يُصدر «مركز دراسات الوحدة العربية»، مذكّرات جورج حبش في كتاب بعنوان «صفحات من مسيرتي النضالية»، في تغطية لأبرز محطات تجربته النضالية. خصّ المركز «الأخبار» ببعض فصول الكتاب، تولّى تقديمها ومراجعتها الكاتب سيف دعنا وستُنشر تباعاً في حلقات.

تمكّنتُ عن طريق الأهل والأصدقاء من حل المشكلة الأمنية التي كانت تواجهني في الأردن، بسبب اتهامي بالإعداد لاغتيال الملك عبد الله. هكذا سافرت إلى الأردن لنبدأ بعد ذلك مرحلة جديدة من العمل عام 1952. في عمّان، بدأت أولاً بالإعداد لفتح عيادة أعمل فيها أنا والدكتور وديع بعد تخرجه، ويمكن أن تكون هذه العيادة مكان إقامة لحامد الجبوري الذي كان من المقرر أن يلتحق بنا؛ فضلاً عن جعلها مركزاً لاجتماعاتنا وأنشطتنا؛ وقد حصلت على ترخيص لمزاولة مهنة الطب هناك. وبدأت الاتصال بأصدقاء كانوا معي في الجامعة في فترة النكبة وما تلاها، وتحديداً علي منكو ونزار جردانة وحمد الفرحان، ومن خلالهم بدأت أتعرف إلى مجموعة أوسع من الشباب العربي والشباب الفلسطيني في مدينة عمان وفي الأردن بوجه عام انتظاراً لمجيء وديع وحامد كي نبدأ العمل بصفة جماعية. كما أود أن أذكر أصدقاء لي في الجامعة من الأردن، وخصوصاً الأخ علي منكو ونزار جردانة اللذين كان لهما دور في بداية عملنا في الأردن.

في هذه الأثناء، بدأت أمارس مهنة الطب. وفي ضوء محبتي لهذه المهنة، من ناحية، والمستوى الطبي للجامعة الأميركية وتفوقي في الدراسة فيها من ناحية ثانية، نجحت في علاج الكثير من الحالات الصعبة، وهو ما بنى لي سمعة طيبة. وفي هذه الأثناء، كان والدي ووالدتي وأهلي في عمان، وهو ما أتاح لي أن أعيش في جو عائلي نسبياً بعد انقطاع طويل عن مثل هذا الجو.

بعد أشهر قليلة بدأت تجربتنا الجماعية في الأردن، إذ حضر الدكتور وديع وحامد وبدأنا العمل النشط. كنا أولاً نتابع اجتماعاتنا نحن الثلاثة للمطالعة والبحث السياسي واستعراض ما نقوم به من أنشطة تنظيمية وغيرها. وفي الوقت نفسه كنا نعمل في الميدان الجماهيري كالاتصال بالناس ومحاولة تعبئتهم وتجنيدهم للتيار السياسي الذي نؤمن به: القومية العربية، والوحدة العربية، والتحرر، وتحديداً تحرير الأرض الفلسطينية المحتلة. أعتقد أننا قمنا بتجربة خاصة على هذا الصعيد تتمثل بتعبئة الناس من خلال تقديم خدمات إليهم. ساعدنا ذلك في العمل كثيراً، وكنا نقدم عليه بحيوية وحماسة، فذلك يتمشى مع طباعنا وأخلاقياتنا. هنا، على وجه التحديد، أسسنا مدرسة لمكافحة الأمية في نادٍ اجتماعي اسمه «المنتدى العربي» كان قائماً قبل حضورنا إلى الأردن، فانتسبنا إليه عن طريق علي منكو ونزار جردانة، وبدأنا نتخذه مسرحاً لبعض الأنشطة. وإلى جانب مدرسة مكافحة الأمية، نظمنا في المنتدى نفسه يوماً للعلاج المجاني. وكنا من خلال العيادة نجتذب الكثير من الناس إلينا من خلال معالجتهم مجاناً ومحاولة الحصول على أدوية مجانية لهم أيضاً، إضافة إلى زيارة المرضى وأهاليهم في بيوتهم.

كنا في غاية السعادة والانسجام ونحن نرى نتائج مثل هذه الأنشطة عن طريق التفاف الناس حولنا، وبسرعة نسجنا علاقات في المخيمات، كمخيم الوحدات، في ضواحي عمّان، ومخيم الحسين. لم يكن المناخ السياسي في تلك الفترة مناخاً قمعياً، وهو ما مكننا من القيام بكل هذه الأنشطة من دون مطاردة أو ملاحقة تجعل الناس يتهيّبون من التعاطي معنا. لم يكن حامد قادراً على مشاركتنا بكل هذه الأنشطة نظراً إلى طبيعته، إذ إن العمل بالطب كان هو المدخل لي ولوديع للاتصال بالناس، فلم يكن حامد قادراً على المشاركة في ذلك لأن دراسته الجامعية كانت في مجال العلوم السياسية.

في موسكو عام 1980

هذه الدائرة من العمل التي كنت أقودها، والتي تشمل الدكتور وديع وحامد الجبوري، كانت تستهدف تجسيد ما كنا نطمح إليه من إيجاد تنظيم متين وحديدي يختلف عن التنظيمات السياسية القائمة في ذلك الوقت، بما في ذلك حزب البعث، وذلك بجديته ومستوى متطلباته من الأعضاء واستعدادهم للتضحية والسعي للقتال ضد إسرائيل التي اغتصبت أرضنا وأذلت الأمة العربية. لكنْ، إلى جانب هذه الدائرة وجدنا أنفسنا نعمل في الوقت نفسه في دائرة أخرى تنسجم مع الوضع السياسي الذي أصبحت تعيشه ساحة الأردن بعد اغتيال الملك عبد الله. فقد جاء الملك طلال الذي كان انطباع الناس عنه أنه يختلف كثيراً عن والده من حيث كراهيته للمستعمر البريطاني ورغبته في بناء بلد حديث، بحيث كان الانطباع العام لدى الناس حين مرض الملك طلال بأن هذا المرض مؤامرة رتّبها رئيس الوزراء توفيق أبو الهدى بالاتفاق مع غلوب باشا، القائد البريطاني للجيش الأردني في ذلك الوقت.

تسلم الملك طلال العرش فترة قصيرة جداً، نحو سنة تقريباً، وبعد ذلك أُعلن عن مرضه رسمياً، ونُصِّب ولي العهد الأمير حسين ملكاً للبلاد. ويبدو أن الحكم كان حريصاً على أن يبدأ الملك حسين عهده بنوع من الديموقراطية الليبرالية التي تبعث الارتياح في النفوس. فجيء برئيس جديد للوزراء هو فوزي المُلقي، وسُمح بالحياة الحزبية والحريات بما في ذلك حرية الصحافة. وفي هذه الأثناء، وجدت نفسي، كما أشرت سابقاً، أعمل في دائرة أخرى من النشاط الذي يصب في إطار إيجاد حزبٍ ثوريٍّ عالي المتطلبات. فمن خلال معرفتي بعلي منكو ونزار جردانة تعرفت أيضاً إلى مجموعة من الشباب الأردني والفلسطيني المثقف والوطني الراغب في الإفادة من هذا الوضع السياسي الجديد الذي يعيشه الأردن. ومن بين هؤلاء الأخ حمد الفرحان الذي تعرفت إليه أول مرة في صيدلية نزار جردانة، وكان في منصب وكيل وزارة الاقتصاد واسمه معروف على مستوى الأردن ولديه من يحبه بقوة، وفي المقابل من يكرهه بشدة. وقد وجدت فيه مع الوقت إنساناً على درجة عالية من الكفاءة والإخلاص ويترك أثراً قوياً في سامعيه. ومن هؤلاء أيضاً محمد طوقان الذي كان قاضياً، وهو صديق حميم لحمد، إلى درجة أنهما لا يفترق أحدهما عن الآخر. ومن خلال حمد، تعرفت إلى مجموعة أخرى من الرجال من الأردن، وبخاصة محمد الرشدان، الذي كان يحتل مرتبة عالية في سلك القضاء الأردني، والدكتور أحمد طوالبة، الذي كان يعمل طبيباً في مدينة إربد. إلى جانب هذه المجموعة من الضفة الشرقية، كانت هناك مجموعة أخرى من المثقفين الفلسطينيين، منهم الدكتور صلاح العنبتاوي ومحمد العمد وممدوح السخن وآخرون من ذوي الكفاءات والسمعة الطيبة والاستعداد للعمل الوطني.

في هذا الجو العام، وفي ضوء الظرف السياسي الذي أشرت إليه، طرحت بقوة فكرة تأسيس حزب عربي. هنا وجدت نفسي مع وديع حداد في وضع صعب. فهذه المجموعة لا ترتقي إلى مستوى الانضباط والفاعلية والانصهار في العمل والتضحية التي تتجاوز أي تفكير بالذات، لكنها في الوقت نفسه مجموعة وطنية، ومخلصة، ومستعدة إلى حد معين للعمل على مستوى ما كان يؤديه على سبيل المثال قياديو حزب البعث وكوادرهم. وقد وجدت في النهاية أن عملنا، أي أنا ووديع، من خلال هذه المجموعة، يُسهِّل علينا أموراً كثيرة ويوفر لنا إطاراً نستطيع من خلاله أن نسرع في تثبيت وجودنا السياسي ونجد مدخلاً لعملنا على صعيد وطني. كان القرار بيني وبين نفسي، ثم مع وديع وحامد، ألا نترك الإخوة خارج الأردن، أعني اتفقت معهم على عملية التأسيس لتنظيم سياسي جديد، وأقصد هنا هاني الهندي، والدكتور أحمد الخطيب، وصالح شبل. كنت شبه واثق من أنه سيكون بإمكاني إقناعهم بسلامة القرار والخيار الذي اتخذناه نحن في الأردن.

وبالتالي يمكن القول إن عملنا في الأردن أصبح في إطار أوسع يضم كل هذه الأسماء الكبيرة التي ذكرتها، إضافة إلى أسماء أخرى مثل الشيخ إبراهيم قطان. في وسط هذه المجموعة، طُرحت فكرة إصدار مجلة أسبوعية، فرحبتُ بتلك الفكرة بقوة وشعرتُ بأنها تشكل بداية جيدة لعمل سياسي شعبي في الأردن. وقد كان واضحاً أنني، من الناحية العملية، سأكون أنا والدكتور وديع المسؤولين عن هذه المجلة وأنها ستشغل الكثير من وقتي. المعادلة بوجه عام كانت مريحة بالنسبة إلى المشروع الذي جئنا إلى الأردن من أجله. ونتيجةً للجو الليبرالي الذي رافق مجيء الملك حسين إلى الحكم، سُمح لنا بإصدار مثل هذه المجلة، التي أطلقنا عليها اسم الرأي، والتي أصدرناها باسم الدكتور أحمد الطوالبة، الذي كان على استعداد للانضمام والمشاركة في العمل الوطني. وراحت افتتاحياتها تلهب المشاعر الوطنية، وشعاراتها تحرير الأردن من السيطرة البريطانية، وهو ما جعل الإقبال عليها رائعاً منذ أعدادها الأولى. بدأت الرأي تصدر عام 1953. كانت مجلة أسبوعية تصدر كل يوم اثنين، فأصبح يوم الاثنين حدثاً بالنسبة إلينا وإلى والمحيطين بنا وكذلك بالنسبة إلى الجماهير، أو هكذا كنا نشعر على الأقل. وذكريات مجلة الرأي ذكريات حبيبة إلى القلب. لا أزال أذكر الصعوبة التي كان يعانيها علي منكو لدى كتابته موضوعاً للمجلة، ولكن حين ينجز الموضوع أشعر بأني أمام إنتاج ممتاز. كذلك أذكر مظهر النابلسي، الذي كان يأتينا بمجموعة من الأخبار المثيرة كانت سبباً في رواج المجلة، كما كان حمد الفرحان يكتب بعض الافتتاحيات بأسلوب جذاب جداً. ولا أزال أذكر سهرة ليلة الأحد التي كنا ننجز فيها العدد ونرسل آخر الموضوعات للطباعة. وفي هذه الليالي، كنا نسهر حتى الثانية أو الثالثة بعد منتصف الليل، وحين أعود، وبرفقتي الدكتور وديع حداد، إلى العيادة للنوم، كنت أشعر بأنني غفوت وأنا ما زلت في طريقي إلى الفراش، لأستيقظ صباحاً وأسأل عن صدور العدد وعن أي تعليقات سريعة من جانب الناس حول المانشيت الرئيسي.

هذه الدائرة من العمل التي كنت أقودها، والتي تشمل الدكتور وديع وحامد الجبوري، تستهدف تجسيد ما كنا نطمح إليه من إيجاد تنظيم متين يختلف عن التنظيمات السياسية القائمة

لا أزالُ أحتضن ذكريات هذه الأيام بحب شديد لأنها تثير في نفسي أسعد اللحظات. صداقات حميمة صادقة ومخلصة، جمهور من الناس يقدّر عملنا ويلتف حولنا، ونشاطنا في أوساط الجماهير وحد أدنى من الحياة العائلية، حيث كنت في بعض الأوقات أترك وديع وحده ينام في العيادة وأذهب أنا للنوم في البيت، حيث ألقى من والدتي كل العناية والترحاب.

بدأنا نعمل في هذه الفترة ضمن إطارين محددين: إطار أول يتخذ شكل خلايا وحلقات حزبية في أوساط مخيمات النازحين أو الفقراء خارج المخيمات؛ ومثل هذه الحلقات والخلايا كنا نحرص على أن نقودها أنا ووديع بأنفسنا، حتى ندربهم على مستوى من الانضباط والاستعداد للتضحية والجرأة في القيام بكل الواجبات المطلوبة. كنا نحرص على أن نعيش معهم ونأكل معهم في حياة تحمل الكثير من المساواة والتفاني. أما الإطار الثاني من العمل، فكان يضم المثقفين والموظفين الكبار والأطباء والصيادلة. كان هذان الإطاران متشابكين ومترابطين حيناً ومتنافرين حيناً آخر. وكانت تقع على عاتقي مهمة التوفيق بين هذين الإطارين، فكنت صلة الوصل بينهما. لم يستطع حامد أن يبقى معنا في هذه التجربة، فقد كان أهله في العراق ينتظرون لحظة تخرجه، فلم يكن من السهل أن يبتعد عن أهله إلى هذا الحد الذي أردناه. يضاف إلى ذلك أنه لم يكن منهمكاً في العمل كما كنا أنا ووديع. بالنسبة إليّ، كانت هناك العيادة والأهل والمعارف والعمل الوطني والتنظيمي، أما بالنسبة إلى حامد، فلم يكن أمامه فرصة للعمل إلا من خلال المطالعة والاجتماعات التي كنا نعقدها، فأصبح هذا ينعكس سلباً على نفسيته. سألته مرة عن الموضوع فصارحني بشعوره وعدم قدرته على الاستمرار؛ فاتفقنا على أن يترك ويعود إلى العراق، إذ إن عملنا في أساسه يقوم على الاختيار الحر لا على الإكراه.

في هذه الفترة نفسها، أذكر أننا بدأنا نؤدي دوراً في تحريك الشارع في بعض المناسبات القومية. ففي تظاهرة تضامن، وكانت المناسبة تتعلق بالاحتلال الفرنسي للمغرب وما كان قائماً هناك بين عامي 1953 و1954، نظمنا تظاهرة تضامن في وسط عمان، اعتقلت في إثرها. لكن اعتقالي لم يزد على يوم أو يومين حسبما أذكر. ففترة الديموقراطية التي كان يعيشها الأردن في ذلك الوقت جعلت بعض المحامين، منهم راتب دروزة، يتطوعون للدفاع عني، فأفرج عني إما بدون محاكمة وإما نتيجة محاكمة حكمت عليّ ببضعة أيام فقط. في ذلك الوقت الذي أشير إليه، كانت هناك ثلاث قوى أساسية تُحرك الشارع في الأردن: حزب البعث، والشيوعيون، ونحن، وكنا نسمي أنفسنا في ذلك الوقت «الشباب القومي العربي».

وفي مناسبة أخرى عام 1954، لم أعد أذكر ما هي بالضبط، وكان قد حصل تغيير حكومي، قُدتُ تظاهرة، فاعتقلنا في إثرها، وكانت حصتي من السجن هذه المرة تزيد على أربعين يوماً، وكان مدير السجن يعاملني بلطف شديد. أذكر بعض الذين سجنوا معي في تلك الفترة وفي المناسبة نفسها. كان يسمح بزيارة المساجين يوم الجمعة؛ فكان يزورني عدد من الأصدقاء. أما وجبات الطعام التي كانت تصلني من مطعم جبري وأحياناً من البيت، فكان ينتظرها زملائي من المساجين ممن كانوا معي في الغرفة بشوق ونهم.

إلى جانب هذه الأنشطة السياسية والجماهيرية والتنظيمية، لم أنس ذلك العدو الجاثم على الصدور وضرورة إيجاد عمل مسلح داخل فلسطين المحتلة. فأحضرت صديقاً لي كان يعمل قبل النزوح مع الهيئة العربية العليا والحاج أمين الحسيني، وكنت قد تعرفت إليه في بيروت أثناء اعتنائي بالشهيد إبراهيم أبو دية، وهو يُدعى محمد خليفة، وكنا نسميه أبو عبد الله. حضر محمد إلى عمان ووجد مكاناً للإقامة في العيادة، التي كان يسميها والدي، رحمه الله، «القيادة». كان هذا الصديق يعرف أناساً وطنيين كانوا يتعاملون مع الحاج أمين الحسيني؛ وقد طلبت منه أن يجدد معرفته بهؤلاء الناس وبخاصة الذين يسكنون قرى حدودية أصبحت تفصل بين الضفة الغربية والمناطق الفلسطينية المحتلة عام 1948. وقد بدأت بالتعرف إلى هؤلاء الذين لا أزال أذكر منهم مختاراً من مخاتير قرى رام الله اسمه أبو إسماعيل الذي زار العيادة أكثر من مرة، وأصبحت أتصل به وبأبي عبد الله مباشرة، وأحثّه على إيجاد مجموعات قادرة على النزول إلى الأرض المحتلة والقيام بأعمال ضد إسرائيل؛ أذكر منهم أيضاً شاباً اسمه نمر، كان يسكن قرية من قرى نابلس أو في المخيمات القريبة من نابلس. وقد أخذت أبحث معه تلك الفكرة. وفي بداية التجربة، كانت هذه المجموعات تنجح في الدخول إلى الأرض المحتلة وتقوم ببعض العمليات البسيطة نسبياً ضد الصهاينة، لكنها، على بساطتها، كانت تنعشنا كثيراً وتشعرنا بأننا نفعل شيئاً ضد العدو الذي اغتصب أرضنا، لكنْ بعد مضيّ بضعة أشهر أصبحت هذه العمليات أصعب وأكثر وتعقيداً، فلم تعد عمليات التسلل إلى المناطق المحتلة عام 1948 سهلة كما كانت في بداية التجربة، وذلك بسبب تشديد الحراسة التي كان يقوم بها الجيش الأردني على تلك المناطق الحدودية. وعند نجاح شخص ما أو مجموعة ما في التسلل إلى داخل مناطق الكيان الصهيوني ونجاحها في توجيه ضربة، كانت عملية العودة إلى الضفة الغربية أصعب كثيراً مما كانت عليه سابقاً. وهو ما جعلنا نعتقد بأن هناك تنسيقاً بين دولة العدو وقيادة الجيش الأردني، ممثلة بغلوب باشا، بحيث يخبر العدو قيادة الجيش بحدوث عملية ما في منطقة محددة فيتخذ الجيش الأردني الإجراءات المشددة لإلقاء القبض على الفدائيين في طريق عودتهم إلى الأردن .

مع إبنته ميساء

ويوماً بعد يوم ازدادت هذه العمليات تعقيداً، وهو ما عمّق إيماننا بأن تحرير فلسطين لا بد من أن تسبقه عمليات تحررية ووحدوية في الوطن العربي. كنا نكتشف بعد فترة أن البعض ممن يبدون استعدادهم للانخراط في مثل هذا العمل كانت لديهم دوافع نفعية ومادية. وإذ لم نكن نمتلك في تلك الفترة آلاف الدنانير، ولا حتى مئاتها، كانت عشرات الدنانير، بل أقل منها، تغري البعض للعمل لمصلحة نفعية. المهم أن عدم نجاحنا في مثل هذه التجربة بسبب سياسة الأردن الرسمية، وبخاصة قائد الجيش غلوب باشا في ذلك الوقت، جعلنا نركز عملنا على النشاط التنظيمي والجماهيري والسياسي الذي كنا نقوم به بنجاح كبير في عامي 1952 و1953 وبداية عام 1954 في الأردن.

لقد رأيت أن لمصلحة وجودنا وانتشارنا بين أوساط الجماهير ولمصلحة عملنا التنظيمي، كان علينا ألا نبقى أنا ووديع في عمّان معاً؛ فخطرت في بالنا فكرة هي أن يعمل وديع في عيادات الأونروا (وكالة الغوث)، حيث اكتظاظ الجماهير وهمومهم ومشاكلهم. وكنا نفضل ألا يكون عمل وديع في الأونروا في عمان لأني موجود فيها. فسعينا ليعمل في عياداتها في الضفة الغربية وعلى وجه التحديد في مخيمات أريحا. كنت أزوره أحياناً وكان يأتي هو إلى عمان كل أسبوع تقريباً لكي ننسق العمل معاً. أخذ عملنا التنظيمي يمتد ويتسع؛ فإضافة إلى وجودنا في عمان، أصبح لدينا امتداد تنظيمي في إربد وقرى الشمال، وكذلك في نابلس وقضائها، وفي طولكرم. وفي الواقع لم أعد أذكر المناطق كافة التي استطعنا الامتداد إليها في ذلك العام، أي عام 1953.

لقد رتبنا أيضاً، إضافة إلى صدور مجلة الرأي، وصول نشرة الثأر (التي كانت لا تزال تصدر في بيروت إلى ذلك الحين والتي كانت تتناول الموضوع الفلسطيني تحديداً والكيان الصهيوني وتستهدف تحريض الجماهير العربية على ضرورة مقاومة الكيان الصهيوني واقتلاعه، تلك النشرة التي أدت دوراً في الحماسة والتعبئة والتنظيم، وكنت أشعر بعد توقفها عن الصدور في عام 1958 كم كان يتشوق قراؤها إلى إعادة صدورها. في هذه النشرة، كنا نتبنى شعار الوحدة طريقاً لتحرير فلسطين (كان هذا الشعار أبرز من شعار الكفاح المسلح)، وكانت الثأر تتناول كل قضايا الأمة العربية التحررية، وبخاصة قضايا المغرب وثورة الجزائر. لا أزال أذكر تلك الزوايا في النشرة التي تهدف إلى تعريف القارئ بفلسطين، قراها، ومدنها، وتراثها العربي، وبالمعارك البطولية التي خاضها العرب في تاريخهم. في تلك الأيام، كنا نشدد على أن كلَّ يهوديٍّ إنما هو صهيوني، وأن التمييز بين اليهودية والصهيونية خرافة، وأن معركتنا موجهة ضد كل يهود العالم. وكانت لدينا بعض الأرقام والدراسات التي نحاول من خلالها إثبات هذا المفهوم الذي بقي من صلب مفاهيمنا حتى عام 1959، حين طرأ تغيير وتعديل على هذا المفهوم، إذ إنه ليس بالضرورة أن يكون كل يهودي صهيونياً وإن كان أغلبية اليهود يلتفون حول الصهيونية ويؤمنون بها ويساندونها. إن الدور الذي أدته مجلة الثأر هو الذي استوجب مني الحديث عنها ببعض الإسهاب.

رغم انغماسي مع الدكتور وديع في التأسيس لعملنا في ساحة الأردن، إلا أني كنت أصرف قسطاً من الوقت في الاهتمام والاطلاع على سير عملنا في الأقاليم العربية الأخرى، ولا سيما في لبنان، حيث كان يقود التجربة صالح شبل، وفي سوريا هاني الهندي، وفي الكويت الدكتور أحمد الخطيب، ولم أعد أذكر بالضبط التاريخ الذي انتقل فيه صالح شبل إلى بغداد (ليبدأ تجربتنا في العراق) بعدما تسلم مسؤولية لبنان الأخ عدنان فرج، رحمه الله.

عقدنا بضعة اجتماعات دورية في عمان للإشراف على فروع عملنا في البلدان العربية، وقد اغتنمت الفرصة في أحد هذه اللقاءات لأذهب مع الدكتور أحمد الخطيب إلى الضفة الغربية، حيث زرنا مدينة القدس، كما زرت أهلي وأقاربي هناك، إذ كان عمي عيسى يسكن ويعمل في مدينة القدس في التجارة، وهو والد هيلدا، التي أصبحت في ما بعد زوجتي وشريكتي في ذلك الدرب الطويل من النضال والتضحيات.

كانت تلك اللقاءات تتناول دوماً ما كنا نسميه البعد النظري والفكري. وكنا دائماً نطرح على أنفسنا أسئلة من نوع: ما هي فلسفتنا، وما هي نظريتنا؟ وهل نرفع الاشتراكية كشعار أم أن هذا الشعار يُرفع بعد مرحلة التحرر الوطني؟ ثمة مجموعة كبيرة من الأسئلة من هذا النوع. وكنا نحدد لأنفسنا برامج مطالعة ننجزها بين وقت وآخر. كما كنا أحياناً في هذه اللقاءات نستعرض كتاباً معيناً ونناقشه. كنا نحث أنفسنا على مطالعة تراثنا وتاريخنا والإلمام بتجارب العالم التحررية والوحدوية. ونظراً إلى أن ألمانيا وإيطاليا كانتا مجزأتين ومقسمتين إلى دويلات، ثم قامت الوحدة في كل منهما، كنا نرى أن دراسة هاتين التجربتين هي موضوع أساسي من الضروري الإلمام به. وعلى هذا الصعيد، كان يتضح لي كفاءة صالح شبل وهاني الهندي ورغبتهما في تناول هذه الموضوعات النظرية وشعورهما بأهميتها. في المقابل، كان رفاق آخرون يميلون إلى الاهتمام بالجانب العملي الكفاحي والنضالي. في هذه اللقاءات، كنا نستعرض كيفية سير تجربتنا التنظيمية في لبنان وسوريا والكويت، كما نُطلع بقية الإخوة على سير تجربتنا في الأردن. من الجدير بالذكر أن الرفاق الذين كانوا يقودون العمل في المخيمات آنذاك كانوا حمدي مطر وعلي سرحان وأبو علي مصطفى الزبري (مصطفى علي الزبري) وأحمد محمود إبراهيم (أبو عيسى).

كانت تجربتنا في الأردن فريدة في نوعها، تبدو غريبة بالنسبة إلى بقية الإخوة المسؤولين عن الفروع الأخرى للتنظيم. ففي الفروع الأخرى، كان معظم عملنا التنظيمي في القطاع الطلابي، إضافة إلى المخيمات الفلسطينية. لقد كان مستوى المتطلبات من العضو عالياً جداً، أي كان يتطلب مستوى عالياً من الانضباط. فكنا نستعمل تعبير «تنظيم حديدي»، إذ كان تنظيماً نخبوياً بطبيعة الحال. أما في الأردن، فقد توسعنا بسرعة وانضمت إلينا مجموعة من المثقفين والموظفين الكبار كانت مستعدة للعمل وتريد أن تؤسس تنظيماً سياسياً تقوده بنفسها؛ وكان الإخوة الذين يأتون من سوريا ولبنان والكويت يشككون في نجاح مثل هذه التجربة وقدرتنا على السيطرة عليها، أو الارتقاء بها إلى مستوى البناء الحزبي الذي اتفقنا عليه حين كنا معاً في بيروت. بينما كنت أنا ووديع نراهن على هذه التجربة ونرى أهميتها وضرورتها في ذلك الوقت. كنا مشدودين إلى ما تفرزه هذه التجربة من امتداد وإمكانيات وفعل وطني بالمعنى العام.

مع ابو جهاد

أصبحت المشكلة أن النواة المؤسسة التي عملت معاً في بيروت، قبل أن تتوزع في البلدان العربية، تعتبر نفسها هي التي تشكل القيادة المؤسسة لهذا العمل، بما فيها قيادة تجربة الأردن. وهذا بطبيعة الحال كان رأيي ورأي الدكتور وديع. أما المجموعة التي عملنا معها في الأردن من المثقفين والموظفين، فكانت تنظر إلى نفسها على أنها هي الأساس وأن العمل القومي العربي القائم في لبنان وسوريا والكويت يمكن أن ينضم إليها في المستقبل، كوننا أنا ووديع وهم الأساس لهذا العمل والتنظيم في الأردن وأن العمل القومي في المناطق الأخرى تابع لتجربة الأردن. كان هذا الوضع يسبب نوعاً من الإحراج لي ولوديع، بوجه خاص، ولكننا كنا قادرين على تجاوزه وضبطه.
لم يدم طويلاً شهر عسل الحريات الليبرالية التي عاشتها ساحة الأردن، على مستوى مجلة الرأي على الأقل، فلم تعد السلطات قادرة على تحمل موضوعات ومقالات وتحريضات المجلة، فبدأت الدولة بإجراءات من نوع إيقاف عدد من الأعداد، أو إيقاف المجلة لمدة شهر، ومحاكمات ترفعها الدولة على المجلة، وقضايا نرفعها نحن ضد الدولة، إلى أن صدر قرار بمنع الرأي من الصدور. كان السبب المباشر لإغلاق المجلة يومها مانشيت تقول «فليعد الجيش إلى ثكناته».

كان هناك إصرار على استمرار صدور الرأي نظراً إلى الدور الذي بدأت تؤديه في التعبئة الجماهيرية باتجاه أفكارنا وخطنا السياسي. وكان تأثير المجلة في الساحة الأردنية كبيراً، بل أكبر مما كنا نتوقع، لذلك حرصنا على استمرار صدورها. وحين تم إغلاقها من جانب السلطات الأردنية، كان لا بد من البحث عن سبل أخرى لاستمرارها، فكانت الساحة السورية مهيأة لذلك. فبعد إطاحة نظام الشيشكلي في شباط/ فبراير 1954 وعودة هاشم الأتاسي إلى الحكم، توافر جو ليبرالي أفسح مجالاً لعمل الأحزاب. وكانت أحزاب سوريا الرئيسية في تلك الفترة هي الحزب الوطني بقيادة صبري العسلي، وحزب الشعب بقيادة رشدي الكيخيا وناظم القدسي، كذلك حزب البعث والحزب الشيوعي. كان النهج السياسي العام للدولة في تلك الفترة، بحكم وجود العسكريين الوطنيين يحمل بذور المعاداة لمشاريع الأحلاف التي كانت تشكل العنوان الرئيسي في تلك المرحلة. فقد كان مطروحاً في ذلك الوقت مشروع حلف بغداد الذي كانت تسعى بريطانيا من خلاله إلى ضم أكبر عدد ممكن من الدول العربية وغير العربية إليه بهدف منع النفوذ السوفياتي من الامتداد.

انتقلت عام 1954 إلى سوريا بعدما رتبت مع الرفاق، ولا سيما الدكتور وديع، كيفية استمرار عملنا في الأردن والشؤون الأخرى كافة، وبذلك استمر إصدار المجلة من سوريا باسم الرأي؛ ولا أزال أذكر كيفية إرسالها إلى الأردن عن طريق التهريب.

* الحلقة السابقة:

«الأخبار» تنشر فصولاً من مذكّرات حكيم الثورة [2/4] 

من ملف : مذكّرات حكيم الثورة

%d bloggers like this: