هرطقة حصانات الرؤساء والوزراء والنواب

مارس 19, 2019

ناصر قنديل

– تشكل الحصانات طبقيّة فاضحة ومثيرة للاشمئزاز في أي بلد ديمقراطي يقوم على التساوي بين المواطنين أمام القانون، وتُمنح الحصانات في الديمقراطيات استثنائياً لحدود ضيقة، تتصل بضمان ممارسة النواب لمساءلة الحكومة دون القلق من التعرّض لضغوط تكوين ملفات مفبركة لسوقهم امام القضاء، أما الوزراء فلا يتمتّعون ربما في غير لبنان بالحصانة التي يمكنهم تجييرها لموظفيهم بمنع الملاحقة عنهم، ومنع مثولهم أمام القضاء وهو تدبير استثنائي عرفته بعض الديمقراطيّات خشية سيطرة الأمن على السياسة بتطويع الإدارات عبر استدعاء موظفيها للمثول امام الضابطة العدلية لتجنيدهم لحساب اجهزة المخابرات والتحكم عبرهم برؤسائهم والتجسس عليهم، أما الرؤساء فقد حصرت حصانتهم بحالات محاكمتهم بتهم الخيانة العظمى التي لا يجوز السير بها إلا امام هيئة خاصة تملك الأهلية والصفة للقيام بذلك، لكن في كل الديمقراطيات، لا تقف أي حصانة بوجه الملاحقة الخاصة بالجرائم المالية وتهم الفساد، وها هو رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو وسلفه إيهود أولمرت يواجهان تهماً ويتعرّضان لملاحقات ويُسجَن أحدهما بينما يستعدّ الآخر للسجن، وها هو الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولاي ساركوزي يلاحق وقبله الرئيس جاك شيراك، وها هي كوريا الجنوبية وماليزيا والفليبين وباكستان، حيث وزراء ورؤساء حكومات يقبعون في السجون بتهم وملاحقات بالفساد ومحاكمات أمام القضاء العادي.

– في لبنان الحصانة ليست موجودة إلا لمنع القضاء من الملاحقة بالفساد، فقد ولّى زمن القلق من ضغوط الحكومات على النواب، ومن زمن ضغط أجهزة الأمن على الموظفين الكبار في الدولة، وباتت الحصانات مجرد حماية من الملاحقة بجرائم ترتكب بحق المال العام للدولة، وبذلك يصير الخيار الوحيد المتاح لتلاقي حملة مكافحة الفساد نتائجها، هو إلغاء الحصانات وفي مقدمتها الحصانة النيابية وحق الوزراء بحجب موظفيهم عن المثول أمام القضاء، وحصر محاكمة الوزراء والرؤساء بالمجلس الأعلى الذي وضعت تشريعاته بطريقة تمنعه من محاكمة أحد، حيث الشروط المعقدة للاتهام والإدانة، وكي لا يقال إن المطلوب تعرية الذين يمارسون المسؤولية العامة من أي مهابة وجعلهم عرضة من خصومهم لما يسمّى «الجرجرة « إلى المحاكم، والتي يعتبرها بعض السياسيين تقليلاً من قيمتهم، يجب كحد أدنى جعل اللجوء للحصانة استثنائياً محدداً بشروط معقدة وليس العكس، بحيث يتمّ منحها في حالات بعينها، بعد النظر فيها، واعتبار الإباحة في الملاحقة هي الأصل وحجب الملاحقة هو الاستثناء، فبدلاً من أن يحتاج رفع الحصانة إلى تصويت مجلس النواب، وجب العكس، أن يمنح النائب الحق في طلب الحصانة بوجه ملاحقة قضائية باللجوء إلى المجلس النيابي بطلب التصويت على ذلك مرفقاً بالأسباب الموجبة التي تكشف الطبيعة السياسية التي تستهدف ممارسته لمهامه النيابية الرقابية وسواها وتعطيله عن القيام بواجباته النيابية، ومثلها تقييد المحاكمة امام المجلس الأعلى بطلب المتهم رئيساً أو وزيراً بنقل قضيته من القضاء المختص إلى المجلس الأعلى لوقوعها ضمن اختصاصه، فيبتّ المجلس الأعلى بالاختصاص، وفيما عدا ذلك يكون القضاء المختص طليق اليدين قادرا دون إذن على استدعاء أي مسؤول للمثول أمامه، والاستماع إليه كما في كل بلاد الدنيا، وملاحقته عند الضرورة، باستثناء الحالات التي يقرر مجلس النواب منح الحصانة لأحد النواب أو يقرر المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء اعتبار القضية من اختصاصه، وحجب يد القضاء عنها.

– أما فضيحة الفضائح فهي اشتراط السماح للقضاء باستدعاء موظف في الدولة بالحصول على موافقة وإذن الوزير المختص، وهذه قمة الهرطقة القانونية والتعطيل للمسارات القضائية، وقد أتحفنا وزير الاتصالات بنظرية عبقرية قوامها أن موظفي ومدراء المؤسسات التي تدر أموالاً للخزينة لا تجب ملاحقتهم لأن ذلك بداعي الحسد، فالريجي والجمارك والاتصالات والنفط، مؤسسات يحصل موظفوها على الحصانة تلقائياً بالولادة، أما الكهرباء مثلا فيجب إقامة فرع تحقيق مقيم فيها لأنها تتسبّب باستنزاف الخزينة، ودائرة الدين العام مثلاً، كذلك، وكل مجال للإنفاق لا لجني الواردات، وكأن عمل الموظفين هو الذي يحول قطاع الاتصالات أو الريجي او الجمارك أو دائرة الضريبة أو الداوئر العقارية من مصادر خسارة للمال إلى مزاريب للواردات، وكذلك عمل الموظفين يحول دائرة الدين العام ووزارة الصحة من مجالات للإنفاق إلى مصادر للدخل، والقضية ببساطة أن مغارة علي بابا الاتصالات ممنوع دق أبوابها، لأن فيها أسرار الآتي وليس ما مضى فقط، وهي التي قال عنها رئيس مجلس النواب ذات يوم أنها نفط لبنان، وهو نفط يراد نقله إلى جعله ملكية خاصة، وكي يكتمل ما يعدّه ويحضره الموظفون يجب منحهم الثقة بأن ما يقومون به لن يعرّضهم للملاحقة وأنهم يحظون بالحصانة من أي ملاحقة.

– ارفعوا الحصانات أو أوقفوا حملات مكافحة الفساد، فالضحايا سيكونون الصغار والضعاف، ولن يعلق في الشباك إلا سمك السردين، أما الحيتان وسمك القرش فلديهم أسنان تطحن الصنارة وتفتك بالشباك وتخرج حرة طالما نظام الحصانات يشتغل.

Related Articles

Advertisements

‫«المستقبل» يستخدم سلاح المذهبية لمنع المحاسبة: السنيورة هو الطائفة!

«المستقبل» يستخدم سلاح المذهبية لمنع المحاسبة: السنيورة هو الطائفة!

اتهم «المستقبل» التيار الوطني الحر بتقديم أوراق اعتماد جديدة لحزب الله (هيثم الموسوي)

في معركة «الدفاع» عن نهج «الحريرية السياسية»، يبدو تيار المستقبل مُستعدّاً لأن يُحرق كلّ الأوراق. بنى سور حماية حول فؤاد السنيورة، مانعاً أي تدقيق في حسابات الدولة، ومُخفياً عن اللبنانيين مصير أموالهم المفقودة والمسروقة. مستعيناً بمحطته التلفزيونية، للردّ على التيار الوطني الحرّ، رفع «المستقبل» الفيتو المذهبي: السنيورة هو الطائفة!

الإسفين الذي لم يتمكّن رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة من دقّه سياسياً بين التيار الوطني الحرّ وتيار المستقبل، منذ التسوية الرئاسية وحتى يوم الجمعة الماضي، نجح به من الباب المالي. انطلقت مواجهة بين التيارين الحليفين، قادتها المحطتان التلفزيونيتان التابعتان لهما. ومن غير المعلوم إن كان الخلاف سيُطوق، أم ستكون له ارتدادات أكبر من ساحته الإعلامية. افتتحت قناة «أو تي في» جولة الخلاف، بمقدمة اعتبرت فيها أنّ السنيورة «يخوض معركة استباقية بأسلحة الماضي ورجالات الماضي الغابر والربيع العابر الذين أضحوا في خريف المسيرة وسن اليأس السياسي. السنيورة يخشى سوء العاقبة وفتح الأوراق القديمة في عهد الأب بعدما تخلّى عنه الابن وأفرد من النيابة والوزارة ورئاسة الوزارة واستفرد في الفساد من دون سائر العباد (…) حزب الله الذي لم ينسَ دور السنيورة في حرب تموز وما تلاها من انهيار حكومي و7 أيار وما سبقها من تلاعب بالخيار وتوجيه القرار». فأتى الردّ أمس من مقدمة «المستقبل»، بالقول إنّ «الإبراء المستحيل، فيمكنهم أن يبلّوه ويشربوا المياه الآسنة التي نشأت عنه. تقديمٌ لحزب الله أوراق اعتماد جديدة للمعارك السياسية المقبلة. هذا شأنكم». أما الأخطر في مقدمة التلفزيون الأزرق، فهو اللعب على الوتر الطائفي، الطريق الأسهل للتجييش وشدّ العصب الشعبي وتحوير القضية عن مسارها الصحيح: «فؤاد السنيورة اليوم هو تيار المستقبل، وهو الحزب والموقع، وهو رئاسة الحكومة وهو الطائفة التي يمثلها إذا شئتم».

مقالات مرتبطة

يُصرّ تيار المستقبل وفؤاد السنيورة، على تحويل قضية الحسابات المالية للدولة، إلى معركة شخصية موجّهة ضدّهما. يُركّزان على مبلغ الـ11 مليار دولار التي أنفقتها حكومة الـ2005 – 2008 متجاوزة القاعدة الاثني عشرية، ويتجاهلان أن القضية هي قضية حسابات الدولة، منذ العام 1993. يريدان لهذه القضية الخطيرة أن تبقى في إطار «المناكفات الإعلامية»، أما حين تجهز الأوراق الرسمية ويُصبح بالإمكان تحويله إلى القضاء من أجل كشف الثغرات التي واجهت الحسابات منذ الـ1993 حتى الـ2013، فينبري «المستقبل» لمنع أي «إصلاح» و«مكافحة فساد».

وكان عضو المجلس المركزي في حزب الله الشيخ نبيل قاووق، قد أكّد أمس إن هدف حزب الله «التدقيق في الحسابات المالية، وليس تصفية الحسابات السياسية، فضلاً عن حماية المال العام، ونحن لسنا بوارد الانتقام من أحد». ولفت إلى أنّ حزب الله أعلن مشروعه في مكافحة الفساد «وهو يتوقع مسبقاً أنّ هناك متضررين سيحاولون أن يحرضوا ليحجبوا الحقيقة، ونحن نتوقع المزيد من الافتراءات لأجل حماية المفسدين».

من ناحية أخرى، قرّرت «القوات» استلحاق نفسها، بإطلاق مبادرة لعودة النازحين السوريين إلى أرضهم. طيلة سنتين في الحكومة السابقة، لم تُبادر «القوات» إلى أي خطوة من أجل حلّ هذه المسألة، بل على العكس من ذلك، تصرّفت بطريقة «تُرضي» المجتمع الغربي، معارضة نهج رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية والمغتربين وفريق 8 آذار السياسي، القائم على فصل العودة عن الحلّ السياسي في سوريا، وتشجيع العودة الآمنة وإعطاء المساعدات للنازحين في أرضهم وليس في البلدان المضيفة. وصلت «القوات» متأخرة، بعد أن عُيّن في وزارة الدولة لشؤون النازحين وزيرٌ من خلفية سياسية حليفة لسوريا، ويريد العمل مباشرةً معها لحلّ الملّف، مدعوماً من القصر الجمهوري. أعلن عن التوجه القواتي الجديد وزير الشؤون الاجتماعية ريشار قيومجيان، مُوضحاً بأنّ المبادرة أُطلقت «لأنّ موضوع النازحين السوريين بات يشكل أزمة وطنية كبرى، ولأنّ الخلاف السياسي على التطبيع والعلاقة مع النظام الحاكم في سوريا يجب ألا ينعكس على إرادتنا المشتركة لإيجاد الحلول الآيلة لعودة النازحين إلى بلادهم». وقد تضمنت المبادرة الآتي: «المكان الوحيد لبحث حلّ العودة هو مجلس الوزراء، تشكيل لجنة وزارية لمتابعة الموضوع، الإناطة بهذه اللجنة الوزارية بحث عودة النازحين بالتنسيق مع الجهات الدولية المعنية، لتحفيز السوريين على العودة عبر إمدادهم بالمساعدة داخل سوريا، كما التنسيق مع الدول الكبرى ولا سيما روسيا، صاحبة المبادرة، على الحكومة أن تطلب من المجتمع الدولي مزيداً من الضغط على النظام السوري لتسهيل العودة (تسمح «القوات» لنفسها بالتدخل في شؤون دولة أخرى، و«نصح» المجتمع الدولي بالضغط لإلغاء الخدمة العسكرية الإلزامية، وإعادة النظر بقوانين إثبات ملكية العقارات…)، الأمن العام اللبناني هو الجهاز الصالح لتنسيق عودتهم عبر الحدود. ولتحفيز العودة، تلغي الحكومة اللبنانية كل رسوم تسوية أوضاع الإقامة للسوريين العائدين، ستكون وزارة الشؤون الاجتماعية على استعداد، وفق الخطة التي ستقرها الحكومة، للطلب من الفرق العاملة في خطة الاستجابة للأزمة السورية، المساهمة أولاً في حث النازحين على العودة وثانياً أخذ أسماء العائلات الراغبة بذلك».

تقول مصادر القوات إنها ضدّ موقف الحريري المؤيد للعودة الطوعية

اللافت للنظر، أنّه في 3 شباط 2019، كان نائب القوات اللبنانية بيار بو عاصي، يختتم مسيرته كوزيرٍ للشؤون الاجتماعية، بالمشاركة في مؤتمر «خطة الاستجابة للنزوح السوري للعام 2019»، التي تهدف بشكل واضح إلى منع النازحين السوريين من العودة إلى بلدهم، وتوفير كلّ المُساعدات النقدية والعينية لهم وللبلدان المضيفة، من أجل أن يؤسّسوا لحياتهم خارج سوريا. فماذا فعلت وزارة الشؤون الاجتماعية، لمواجهة هذا المُخطّط؟ وهل حاولت «فرض هيبة» الدولة، برفضها دخول الأموال الغربية إلى البلد من دون المرور أولاً بالمؤسسات الرسمية، الواجب عليها أن تُشرف على كيفية إنفاق هذه المبالغ؟ «لا عمل» وزارة الشؤون الاجتماعية مع بو عاصي، لمواجهة مشكلة النزوح، كان جزءاً من سياسة القوات اللبنانية العامة، التي بدت مُتماهية إلى حدّ بعيد مع الرغبات الدولية في منع عودة النازحين إلى أرضهم، تحت ستار «عدم التواصل مع النظام السوري»، واختلاق أعذارٍ شتّى بدءاً من غياب الأمان في سوريا، وصولاً إلى نظرية أنّ الرئيس بشار الأسد لا يريد للنازحين أن يعودوا. كان ذلك، قبل أن تعتبر «القوات» أنّ العودة الطوعية للنازحين السوريين، «قرار غير سيادي». وترى ضرورة في عودتهم السريعة، فأفضل مئة مرّة أن يسكن المرء داخل خيمة في بلده من أن يسكن بخيمة خارجه، على حدّ قول نائب «القوات» فادي سعد خلال مناسبة حزبية يوم السبت. تُصرّ مصادر «القوات» على أنّها من أول المُتحدثين عن عودة آمنة، «إلى المناطق التي يغيب عنها النزاع المُسلّح»، فأتى القرار بأن تبدأ حملة «لتوضيح موقفنا حتى لا يستمرّ أحد في غشّ الرأي العام، ولنشنّ حملة ضدّ التطبيع مع النظام السوري، بعد أن ارتفع في الآونة الأخيرة الحديث عن ربط العودة بالتطبيع». دولتان تتبادلان البعثات الدبلوماسية، تتواصلان وزارياً، وتربطهما علاقات اقتصادية وتجارية، ولا تزال «القوات» تتحدّث عن رفض لـ«التطبيع»؟ تردّ المصادر بالقول: «فلتبقَ هذه حدود التواصل. نحن غير موافقين على تبادل السفراء وزيارات الوزراء، ولكن القرار ليس بيدنا. خلاف ذلك، سنواجه محاولات تعويم النظام السوري». مبادرة «القوات» فيها تناقض أساسي، وهو استنجادها من جهة بـ«المجتمع الدولي» للضغط على النظام السوري، وفي المقابل مطالبتها بتقديم المساعدات للنازحين في سوريا وتشجيع عودتهم غير الطوعية (حديث فادي سعد). تردّ المصادر بالقول: «لا نستنجد بالمجتمع الدولي، بل نُقدّم له رؤيتنا، وسنضغط من أجل إقناعه بها. كما أنّنا سنتحاور مع سعد الحريري، لأنّنا ضدّ موقفه المؤيد للعودة الطوعية، ليكون موضوع العودة مُتفق عليه داخل الحكومة».

Related Videos

Related Articles

سؤال برسم النواب الذين يريدون استرداد قرار الحرب

فبراير 14, 2019

ناصر قنديل

– سمعنا على مدى يومين عدداً من النواب يتحدثون عن معادلة قديمة جديدة في الحياة السياسية اللبنانية، عنوانها استرداد الدولة ما يسمّونه قرار الحرب، وباعتبار أنّ المقصود هو سلاح المقاومة، وليس في مفردات المقاومة الذهاب لسلم مع كيان الاحتلال كي نستعمل المصطلح الكامل الذي يقوله أصحابه وهو قرار الحرب والسلم، وبالعودة لقرار الحرب الذي يعتبر النواب ومعهم من خلفهم من قوى سياسية يفترض أنها تحسب كلامها ومعادلاتها وخطابها، من المهمّ بداية لفت النظر إلى أنّ أغلب المتحدّثين عنه، يربطون به قيام الدولة، وصولاً للفوز بخطط مكافحة الفساد، وهم يتساءلون باستغراب: «كيف يمكن لدولة لا تملك قرار الحرب والسلم فوق أرضها أن تتمكّن من الفوز في معركة مكافحة الفساد؟» مستنتجين أنها معركة سيادة الدولة التي ينفصل بعضها عن بعض. وما يعنيه الكلام بصورة مباشرة تشريعاً لفساد طالما لم تستردّ الدولة بنظرهم قرار الحرب.

– بالعودة إلى المعادلة نفسها، آملين بصدق أن نقرأ أو نسمع نقاشاً لما سنقوله، من أصحاب المعادلة ومسوّقيها، السؤال البسيط هو كيف يمكن إمساك الدولة بقرار الحرب، كي لا نقع في استعمال مصطلح مفخّخ يهدف لتظهير المقاومة كمغتصِب قرار الدولة بالحرب، والذي يستتبعه أصحاب المعادلة بالدعوة لسقف أدنى هو وضع سلاح المقاومة تحت إشراف الدولة، وسقفه الأعلى نزع هذا السلاح من يد المقاومة. وبالمنطق المصلحي البراغماتي وبعيداً عن مناقشة ما إذا كانت الدولة قادرة على القيام بدورها من جهة، وبالدور الذي تقوم به المقاومة من جهة أخرى، رغم التفاوت البنيوي بين الدولة والمقاومة والذي ينعكس حكماً على أهلية قيام أيّ منهما بدور الآخر، سنسير بمنطق أصحاب المعادلة تسهيلاً للنقاش وتبسيطاً لعرض الوقائع والمعادلات المنطقية عندما تكون الخلفية وطنية صادقة، وليست مجرد كيد سياسي، أو تحقيق رغبات خارجية يشكل مجرد تبنّيها طعناً بوطنية أصحابها وادّعائهم منطلقات سيادية لمعادلاتهم.

– مصلحياً، لا مصلحة للدولة ومكوّناتها التي تمثلها القوى السياسية، خصوصاً الممثلة في المجلس النيابي والحكومة، منح جيش الاحتلال الذي يتربّص بلبنان وحدوده البرية والمائية وينتهك أجواءه، ومن ورائه قيادته السياسية، أيّ مكسب من النقاش اللبناني والقرار اللبناني المتصل بإدارة الدفاع عن لبنان، طالما خلفيات المشاركين بالنقاش والقرار وطنية خالصة، وإذا كان المطلوب وقوف المقاومة عملياً وراء الجيش اللبناني كقوة دفاعية احتياطية في مواجهة أي عدوان، لا تقدّمها عليه. وهذا هو المفهوم العملي لما يسمّونه إمساك الدولة بقرار الحرب. فالمنطقي ليس البدء بالخطوة الأولى من عند المقاومة بمطالبتها بإعلان خضوعها لقرار الدولة في الحرب، وهو إعلان لن يفعل سوى إشعار كيان الاحتلال بتحقيق ربح مجاني، يتمثل بإشعار المقاومة بأنها محاصرة في داخل بلدها، ودفع الضغوط على لبنان والمقاومة للمزيد من التصعيد أملاً بتحقيق المزيد من القيود على المقاومة، بينما عندما تكون الخطوة الأولى عملياً وليس إعلامياً من طرف الدولة، فيصير مفعولها عكسياً على معنويات كيان الاحتلال وثقته بجدوى الضغوط، ومثله كلّ مَن يساند هذا الكيان، خصوصاً ما يمثله الموقف الأميركي ومن ورائه بعض الغرب والعرب.

– عملياً وواقعياً، يسهل على أيّ طرف تحرّكه الحسابات الوطنية فقط، أن يبدأ بالسؤال عن حقيقة وجود احتلال لأرض لبنانية ووجود تهديدات ونيات عدوانية إسرائيلية. وعندما يكون الجواب إيجابياً، يصير السؤال البديهي طالما أنّ الدولة هي المعنية بتحرير الأرض المحتلة وردّ الاعتداءات ووقف الانتهاكات للسيادة اللبنانية براً وبحراً وجواً، كيف يمكن للدولة فعل ذلك، والسير بالخطوات العملية التي تترجم تمكين الدولة من تحقيق هذا الهدف؟ وإذا تساهلنا مع أصحاب معادلة إمساك الدولة بقرار الحرب وقبلنا تأجيل البحث باستراتيجية وطنية للتحرير، وقد فشلت كلّ الرهانات على إنجازه دبلوماسياً منذ العام 2000، كما فشلت بعد القرار 1701 الذي نص على تكليف الأمم المتحدة بإنهاء قضية الأراضي اللبنانية المحتلة، ونكتفي مؤقتاً، بالتساؤل: ماذا يجب أن تفعل الدولة لمنع الانتهاكات وردّ العدوان، طالما أنّ الجهد الدبلوماسي اللبناني الضروري والمفيد ليس كافياً بدليل مواصلة كيان الاحتلال بناء الجدار الإسمنتي على الأراضي اللبنانية ولتهديد ثروة لبنان النفطية في المياه الإقليمية للبنان وانتهاك مستدام ومتمادٍ لأجوائه؟

– الجواب البسيط هو أن تقوم الدولة بامتلاك الأسلحة التي تمكّن جيشها من التصدّي للانتهاكات وردّ العدوان، وجعل جيشها قادراً على تولي المهمة، وعندما يقف مساندو خيار المقاومة لمنع ذلك، مواجهتهم باعتبار أنهم يحولون دون إمساك الدولة بحقها السيادي وهو قرار الحرب، والذي يحصل فعلياً أنّ أهل المقاومة وقادتها هم الذين يطالبون الدولة بفعل ذلك، ويعرضون استعدادهم للمساهمة في تمكين الدولة من الحصول على الأسلحة التي يحتاجها الجيش اللبناني لتتمكّن من وقف الانتهاكات للأجواء اللبنانية والاعتداءات على المياه والأراضي اللبنانية، وهي ببساطة عملية أيضاً معلومة جداً، شبكة دفاع جوي وصواريخ أرض أرض متقدّمة، وصواريخ أرض بحر فعّالة، وشبكة رادارات متقدّمة لرصد تحرّكات جيش الاحتلال براً وبحراً وجواً، ويعلم دعاة إمساك قرار الحرب، أنّ المترتّب طبيعياً على تمكين الجيش من القيام بهذه المهمة، سيجعل المقاومة تلقائياً قوة احتياطية تساند الجيش اللبناني عند الحاجة، وتقف وراءه في مواجهة قرار الحرب «الإسرائيلي» عندما يصير تدخّل المقاومة ضرورة، ويجب وفقاً لنظرية هؤلاء اعتبار هذا إنجازاً كبيراً في سعيهم إذا كانت خلفياتهم وطنية فقط.

– السؤال الطبيعي هو لماذا تقشعر أبدان هؤلاء كلما جرى الحديث عن امتلاك لبنان شبكة دفاع جوي؟ ولماذا يصيبهم الذعر إذا سمعوا بمصادر دولية مستعدّة لتزويد الجيش اللبناني بما يحتاجه في مواجهة «إسرائيل»؟ وهم يعلمون أنهم عندما يقولون إنّ الجيش اللبناني وحده يتولى مسؤولية الدفاع عن لبنان، يتحدثون عن إلقاء عبء مواقفهم السياسية الغامضة، على الجيش الذي يفترض بهم عندما يتحدثون عن مسؤوليته الدفاعية أن يوفروا له وسائل هذا الدفاع، وروسيا متاحة، وربما فرنسا، والمال الخليجي يفترض أن يتحمّس لتسديد متوجبات شراء هذا السلاح طالما أنّ التنافس مع إيران يحرّك الأوروبي والخليجي، واللبنانيون سمعوا عن هبة الثلاثة مليارات دولار من السعودية للبنان لتسليح الجيش، وعن صفقة مع فرنسا لهذا الغرض، قبل سحب العرض والصفقة، فلمَ لا يذهب هؤلاء إلى السعودية وفرنسا ليفقأوا حصرمة في عيوننا، بجهوزيتهم السيادية ودعم حلفائهم لها، ولبنان بالمناسبة بدون قوى مقاومة في الحكم كان أشدّ شجاعة في فعل ذلك قبل نصف قرن عندما قصد فرنسا لشراء شبكة صواريخ كروتال للدفاع الجوي، من دون أن تقيم حكوماته المتهمة بالتبعية والمطعون بوطنيتها، قياساً بحكومات اليوم، أيّ حساب لغضب واشنطن وغير واشنطن، فلماذا لا يفعل السياديون ذلك؟

– ببساطة هذه خارطة طريق سهلة وواضحة للإمساك بقرار الحرب، وهي خارطة طريق تشجعها المقاومة، ولا تحتاج سجالاً داخلياً، ولا تمنح كيان الاحتلال أيّ مكسب معنوي أو مادي، بل بالعكس يكفي حدوث ذلك ليكتشف حماة كيان الاحتلال أنّ المزيد من الضغوط على لبنان ستخلق نتائج عكسية على كيان الاحتلال وتُعقّد قدرته على العدوان، فهل من وطني سيادي لا يفرحه ذلك ويتفادى السجال الاستفزازي الداخلي الذي يُفرح العدو، إنْ كانت حساباته وطنية، ولا نقول فقط هذه المرة؟

Related Videos

Related Articles

لولا السادس من شباط

فبراير 5, 2019

ناصر قنديل

– ثمة أيام في تاريخ الشعوب تتحوّل تاريخاً ملهماً، وذكرى تستحق الإحياء لما يرتبط بها من تحولات، لكن نادراً ما يحتوي يوم واحد في تاريخين مختلفين ما احتواه يوم السادس من شباط، في عامي 1984 و2006، وفي المرتين يصحّ فيه القول، لولا السادس من شباط لما كنا هنا، ومخطئ من يعتقد أن الثاني كان ممكناً بدون الأول، أو مًن يعتقد أن الأول يحقق وصاياه وأهدافه بدون الثاني، ومخطئ أكثر من يتوهم أو يحب أن يعتقد أنه يمكن وضع أحد التاريخين بوجه الآخر.

– ببساطة شديدة، وقد كان لي شرف المساهمة المتواضعة في التاريخين، السادس من شباط 1984 هو تاريخ الانتفاضة التي أسقطت عهد الهيمنة الأميركية على لبنان وتوجها رحيل المارينز، وأنتجت إسقاط العصر الإسرائيلي بإطاحة اتفاق السابع عشر من أيار، وربطت بيروت بالجنوب، وبيروت بدمشق، فتنفّست المقاومة هواءها العربي وتمددت واشتد عودها، وصارت هي بتلك القوة التي صنعت التحرير تلو التحرير بفرض الانسحاب من صيدا في أيامها الأولى، وتلاه الانسحاب من الزهراني وصولاً إلى أطراف الشريط الحدودي المحتل منذ العام 1978، وهناك كان تفاهم نيسان وولادة قوة الدرع، والتأسيس للتحرير في العام 2000 والنصر التاريخي في تموز 2006.

– المقاومة التي تعملقت في السادس من شباط 1984 هي المقاومة التي شاركت بصناعة السادس من شباط 2006 القائم على معادلتي الوحدة الوطنية وحفظ المقاومة، وهما الوصيتان اللتان رسم أفقهما السادس من شباط بنسخته الأولى، التي وضعت المدماك الأساس لاتفاق الطائف، عبر مسلسل التسويات الذي بدأ بتفاهمات جنيف ولوزان عام 1984 ومر بالاتفاق الثلاثي عام 1985 لتكون النهاية باتفاق الطائف عام 1989 الذي أنهى الحرب وفتح طريق السلم الأهلي وإعادة بناء الدولة.

– لمن يهمهم التحدث بالأسماء والتفاصيل، من المهم التذكير أن انتفاضة السادس من شباط 1984 أسست لإعادة النظر بدور الجيش اللبناني، الذي حوله نظام الهيمنة الأميركية والسيطرة الإسرائيلية جزءاً من الحرب الأهلية، فكانت إعادة توحيده بقيادة العميد ميشال عون آنذاك بتعيينه قائداً للجيش بإقتراح من الوزير نبيه بري آنذاك، وهو العماد ميشال عون الذي كان المرشح الأبرز على مفكرة الوزير نبيه بري في نهاية الثمانينيات في مقابل مشروع التمديد للرئيس أمين الجميل يومها.

– في السادس من شباط 2006 التقت المقاومة بشحص الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، مع التيار الشعبي المسيحي الأبرز بقيادة العماد ميشال عون، فقطع الطريق على حصار المقاومة، وسقطت مشاريع الفتن الأهلية، وجاءت حرب تموز 2006 مصداقاً على صوابية الخيار وعظيم الإنجاز، ولا تزال، حيث تحقق ما فات انتفاضة السادس من شباط بغياب الشريك المسيحي الذي يمنحها صفة الثورة المكتملة، فبقيت ثورة لم تنته، حتى جاء السادس من شباط 2006 لإكمال ما بشرت به ودعت إليه، من وحدة.

– معنى التكامل بين المحطتين اللتين تحتلان اليوم ذاته في السادس من شباط، ليس في في كون إحداهما تتمة للأخرى فقط، بل في إدراك أطراف المعادلة التي ترتبط بهذا اليوم بالحاجة للتكامل بدلاً من التنافس بين المحطتين، فيدرك قادة وجمهور التيار الوطني الحر أن ما أنجزوه مع حزب الله في 2006 تأسّس في الإنجاز الذي قاده الرئيس نبيه بري عام 1984، ويدرك قادة وجمهور حركة أمل أن ما أنجزوه في عام 1984 توّجه إنجاز حزب الله مع التيار الوطني الحر في 2006 وجاءت حرب تموز لتظهر عمق معناه، ويدرك الفريقان أن ارتباط كل منهما من طرف بعلاقة لا فكاك فيها مع حزب الله يلزمهما بالتساؤل عن المعنى من البقاء بالمناداة بصيغة حليف الحليف، بينما تحويل الثنائيتين إلى ثلاثية يفتح مساراً تاريخياً جديداً لسادس من شباط ثالث تتكامل فيه معاني التحرير والعلاقة بسورية وحفظ المقاومة والإصلاح والتغيير.

– من موقعي المتواضع وبحدود ما أعلم أقول اللهم أشهد أني قد بلغت.

Related Videos

Related Articles

Hezbollah, Free Patriotic Movement Mark Memorandum of Understanding at St. Michael Church

Capture

February 5, 2019

Hezbollah and the Free Patriotic Movement on Tuesday marked at St. Michael Church the Memorandum of Understanding they concluded in 2006, stressing the importance of sustaining the agreement.

Hezbollah representative minister Mahmoud Komati said that the Memorandum of Understanding between the two sides would remain because it is based on honesty and loyalty, adding that it helps solving the main problems hindering the progress of the nation.

Komati stressed that the Understanding does not deny each party’s right to have a distinct identity, adding that other parties are invited to join the agreement in order to reinforce the national unity.

Head of the Free Patriotic Movement Minister Gebran Bassil said that the Understanding must be reinforced by setting the national balance, pointing out that having different attitudes towards certain domestic issues must not lead to major disputes.

“Had not Hezbollah been there, General Michel Aoun would not have become a President; had not the Free Patriotic Movement been there, Hezbollah would not have been able to defeat ‘Israel’ and the terrorist groups,” Bassil said.

Related Videos

RELATED ARTICLES

ولدت الحكومة… فهل ستنجح في مواجهة التحديات؟

فبراير 1, 2019

ناصر قنديل

– بعد تسعة شهور ولدت الحكومة اللبنانية، وبدت المحاصصة القائمة على الحساب الطائفي عنصر التعثر الأبرز، وستبقى تظلل المسار الحكومي عند كل منعطف، فتعطل أي أمل حقيقي بمكافحة الفساد الذي يحتمي أصلاً بالمحاصصة الطائفية، وستستقوي المحاصصة على كل وعود إصلاحية، في اعتماد الكفاءة بدلاً من المحسوبية في التوظيف، وستنجح المحاصصة الطائفية بتقاسم المشاريع والتلزيمات والأموال الموظفة من مؤتمر سيدر وغيره، وستنجح المصارف القائمة على المحاصصة ذاتها بنيل نصيبها الوافر من عائدات خدمة الدين وضخّ المزيد من سندات الخزينة، ويمكن تهنئة القيمين على تشكيل الحكومة بنجاحهم في استبعاد أي تمثيل للقوى غير الطائفية، والعابرة للطوائف، تأكيداً للشراكة في ارتكاب جرم المحاصصة الطائفية بكامل الوعي وعن سبق الإصرار.

– اللبنانيون يريدون أن يأملوا خيراً من الحكومة، وأن يقال لهم إنها ستطلق العجلة الاقتصادية وربما تنجح في حل مشاكل الكهرباء والنفايات، وستستفيد من الأموال التي ستضخها القروض لتحريك مشاريع مجدية تخلق المزيد من فرص العمل وتمنح المزيد من الآمال، لكن التجارب المشابهة منذ ثلاثة عقود تقول العكس، وبقوة. فهل سنشهد تغييراً في مقاربة ملفات الكهرباء والنفايات والاتصالات والنفط والغاز، ونحن نسمع عن شركات يجري تأسيسها هنا وهناك ووكالات لشركات أجنبية تسجل على قدم وساق، ومفاوضات على أشكال جديدة من التلزيم تتيح وضع اليد لحيتان مال قدامى وجدد على القطاعات القديمة والجديدة؟

– الحكومة ستعيش كما يفترض لأربعين شهراً، هي المدة التي تفصلنا عن الانتخابات النيابية المقبلة، وهي المدة الباقية لينجز عهد الرئيس ميشال عون بعضاً من الوعود ويحقق بعضاً من الآمال، وسيكون الرئيس ميشال عون وتياره السياسي وفريقه القيادي، وعلى رأسه الوزير جبران باسيل أكبر الخاسرين من فشل الحكومة، حيث سيكون لسان حال الناس في حال الفشل، أن التيار الذي لم يحقق وعوده في ظل وجوده في رئاسة الجمهورية وبحضور نيابي كبير وحجم وزاري وازن، لا يحق له أن يخاطب الناس طلباً لتجديد الثقة به نيابياً ورئاسياً بعد هذا الفشل، ولن يفيد في شيء الحديث عن تعطيل مارسه الآخرون، ففي لبنان دائماً هناك آخرون.

– الرئيس سعد الحريري المحاط بتراجع المكانة السعودية وتراجع مكانته فيها، وبتقدم مكانة سورية وتردّده بالتقدم نحوها، سيواجه ضغوطاً خارجية لربط التمويل بالموقف من سلاح المقاومة، وإغراءات تغطية الحصول على مشاريع تدر مالاً لرجال الأعمال المحيطين به، لكن معيار النجاح والفشل قبيل الانتخابات المقبلة سيكون في قدرته على تقديم وقائع تتصل بحياة الناس وخدماتها ومستوى معيشتها وثقتها بالدولة ومكان الكفاءة فيها ومكانتها بين دول المنطقة، وليس بقدرة ماكينته الانتخابية على التحرك وإنفاق المال. والفشل في هذه الحكومة سيعني مواجهة الحريري وتياره للإستحقاق الإنتخابي المقبل في ظروف أشد قسوة من الاستحقاق الذي مضى.

– ثلاثة أشياء يمكن لرئيسي الجمهورية والحكومة ولتياريهما والحكومة معهما فعلها، تعوّض الخلل في مقاربة الواقع السياسي المحلي والإقليمي، لها مفعولها وآثارها الاقتصادية المفصلية، وأولها السير بقانون انتخاب جديد خارج القيد الطائفي وفقا للتمثيل النسبي، عبر صيغة مجلسي النواب والشيوخ التي نص عليها الدستور، وذلك وحده يضمن بيئة سياسية متحررة من المحاصصة الطائفية يمكن فيها منح الكفاءات أملاً، وقطع الطريق على الفساد وفتح باب المساءلة والمحاسبة. وثانيها تخطي كل التعقيدات العربية وغير العربية في العلاقة مع سورية، والتوجه لمصلحة لبنانية عليا بالتكامل مع سورية، كرئة اقتصادية وفرصة ثمينة نادرة، وشريك في التاريخ والجغرافيا، وليس فقط تحت شعار حل قضية النازحين. وثالثها المجاهرة بأن أولوية لبنان الدفاعية ليست مناقشة مستقبل سلاح المقاومة بل الحصول على شبكة دفاع جوي أو تأمين حماية المظلة الجوية السورية أو الروسية السورية، لوضع حد للانتهاكات التي لن يفعل من يدعون لبنان لنزع سلاح المقاومة، في مواجهتها شيئاً، لبنان المنيع والمحصن بوجه العدوان الإسرائيلي والمتشارك مع سورية في خطط التكامل والإعمار، والذاهب لدولة لا طائفية تتيح مكافحة الفساد وتفتح طريق الأمل للكفاءات، هو لبنان الذي تستطيع هذه الحكومة اعتباره وعدها وجوهر بيانها الوزاري، إن أرادت وأراد القيمون عليها عدم الفشل، والوصول للاستحقاق الانتخابي المقبل بأقل المخاطر على لبنان، وعلى مستقبل الحياة السياسية والاقتصادية والأمنية، أمام فرضيات تعمق العصبيات والتوترات الطائفية وتآكل القوى الوسطية لحساب متطرفي الطوائف الأصليين.

Related Videos

Related Articles

ليس زمن العمل العربي المشترك… والحصاد مواقف

يناير 21, 2019

ناصر قنديل

– يكشف توقيت القمة العربية الاقتصادية بعيداً عن قضايا النقاش اللبناني حول دعوة سورية، والموقف من المشاركة الليبية، أنها لا تأتي في زمن العمل العربي المشترك، وأن الرهان على مبادرات يتقدم بها فريق عربي يفترض أن النأي بالنفس عن النزاعات التي تنتج الاهتراء في الوضع العربي، يمكّنه من تجسير الهوة والخروج بمقررات بناءة في مجال العربي المشترك، هو مجرد حلم أو وهم، وأن حضور قمة مخصصة لشأن اقتصادي تنموي يتحول قضية سياسية دولية تشكل قضية أساسية في زيارة وزير الخارجية الأميركية إلى المنطقة ولقاءاته مع حكامها. وتصير كل المقررات ذات الطابع الاقتصادي مجرد حبر على ورق لن تبصر النور لأنها تحتاج الإرادة السياسية التي تقرّر تمويلاً يبدو واضحاً أنه صار بغير يد أصحاب القرار العرب، في ظل التوجه الأميركي نحو إحصاء القرش الذي يخرج من أي صندوق عربي نحو البلدان التي تشتبه واشنطن بصلتها بقوى المقاومة، وربطه بشروط سياسية تتصل بالموقف من المقاومة نفسها. هذا هو حال الموقف من المصرف العربي لإعادة الإعمار سيكون، وخصوصاً في سورية، وهو حال المساهمات العربية في موازنة الأونروا.

– لبنان بعد القمة لا يستطيع التحدث عن حصاد عملي كمثل مصرف الإعمار أو تبني قضية النازحين السوريين وعودتهم إلى بلادهم، أو تمويل الأونروا التي قررت واشنطن منع التمويل عنها، والتعامل مع لبنان نفسه كافٍ ليقرأ اللبنانيون حال الوضع العربي، وأن يكتفوا بقراءة حصاد المواقف لا الأعمال والتوقعات، وفي المواقف لا يمكن إلا تسجيل مجموعة من النقاط سجلها لبنان والمعني بالقمة واحد وهو رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ووزير الخارجية جبران باسيل، وقد نجحا بقوة في تثبيت موقف لبناني متميّز من موقع العلاقة بسورية، ودورها العربي وخطورة غيابها عن المشهد العربي الرسمي، وتربط الغياب والحضور بقرار يصدر من الخارج، لدرجة يمكن القول إن كلمة وزير الخارجية في هذا المجال كانت غاية في القوة والوضوح والتعبير عن الخيار الثابت مع سورية، بحيث امتصت مواقفه كل التباينات التي سبقت القمة والموقف من عقد القمة بغياب سورية، وجاء كلام رئيس الجمهورية عن عدم معرفة موقف سورية من العودة إلى الجامعة ليثبت من جهة أن موقف لبنان ليس تعبيراً عن طلب سوري، بل ليقول لهم ربما تقرّرون عودة سورية ويكون لها شروط للعودة، مكمّلاً للكلام الذي قاله وزير الخارجية.

– في شأن دعم وتمويل عودة النازحين السوريين إلى بلدهم خاض لبنان صراعاً مريراً وفشل في الحصول على موقف عربي داعم لفصل العودة عن مسارات الحل السياسي وشروطه، ما أكد أن بمستطاع لبنان أن يستخدم منبر القمة أكثر مما يستطيع انتزاع مواقف وقرارات تنسجم مع رؤيته للمصلحة العربية، لأن القرار العربي في القضايا الحساسة ليس عربياً بكل أسف، لكن لبنان نجح في حشر العرب في الزاوية في قضية اللاجئين الفلسطينيين، حيث نجح بسبب فشل مشروع صفقة القرن وقوة حضور الفلسطينيين في ساحات المواجهة، فتضمّن إعلان بيروت الصادر عن القمة الذي تفادى دعم عودة النازحين السوريين إلى بلدهم بمعزل عن الحل السياسي، نصاً صريحاً عن دعم تمويل الأنروا وصولاً لعودة اللاجئين الفلسطينيين وفقاً للقرار الأممي 194، وهو أمر بلا شك يشكل إصابة في مرمى كل أصحاب المشاريع الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية.

– فريق الرابع عشر من آذار المراهن على تحويل الجدل حول حضور سورية ومشاركة ليبيا إلى مشروع ربح لخياراته السياسية يتجلى بانضباط رئيس الجمهورية ووزير الخارجية بالموقف السعودي أصيب بالإحباط، وزاده إحباطاً حضور أمير قطر والتعليق الرسمي على حضوره بالحديث عن حصار قطر وحصار القمة، وترميم العلاقة بين الحلفاء يحتل الأولوية طالما لا خسائر في جوهر المواقف.

%d bloggers like this: