ولدت الحكومة… فهل ستنجح في مواجهة التحديات؟

فبراير 1, 2019

ناصر قنديل

– بعد تسعة شهور ولدت الحكومة اللبنانية، وبدت المحاصصة القائمة على الحساب الطائفي عنصر التعثر الأبرز، وستبقى تظلل المسار الحكومي عند كل منعطف، فتعطل أي أمل حقيقي بمكافحة الفساد الذي يحتمي أصلاً بالمحاصصة الطائفية، وستستقوي المحاصصة على كل وعود إصلاحية، في اعتماد الكفاءة بدلاً من المحسوبية في التوظيف، وستنجح المحاصصة الطائفية بتقاسم المشاريع والتلزيمات والأموال الموظفة من مؤتمر سيدر وغيره، وستنجح المصارف القائمة على المحاصصة ذاتها بنيل نصيبها الوافر من عائدات خدمة الدين وضخّ المزيد من سندات الخزينة، ويمكن تهنئة القيمين على تشكيل الحكومة بنجاحهم في استبعاد أي تمثيل للقوى غير الطائفية، والعابرة للطوائف، تأكيداً للشراكة في ارتكاب جرم المحاصصة الطائفية بكامل الوعي وعن سبق الإصرار.

– اللبنانيون يريدون أن يأملوا خيراً من الحكومة، وأن يقال لهم إنها ستطلق العجلة الاقتصادية وربما تنجح في حل مشاكل الكهرباء والنفايات، وستستفيد من الأموال التي ستضخها القروض لتحريك مشاريع مجدية تخلق المزيد من فرص العمل وتمنح المزيد من الآمال، لكن التجارب المشابهة منذ ثلاثة عقود تقول العكس، وبقوة. فهل سنشهد تغييراً في مقاربة ملفات الكهرباء والنفايات والاتصالات والنفط والغاز، ونحن نسمع عن شركات يجري تأسيسها هنا وهناك ووكالات لشركات أجنبية تسجل على قدم وساق، ومفاوضات على أشكال جديدة من التلزيم تتيح وضع اليد لحيتان مال قدامى وجدد على القطاعات القديمة والجديدة؟

– الحكومة ستعيش كما يفترض لأربعين شهراً، هي المدة التي تفصلنا عن الانتخابات النيابية المقبلة، وهي المدة الباقية لينجز عهد الرئيس ميشال عون بعضاً من الوعود ويحقق بعضاً من الآمال، وسيكون الرئيس ميشال عون وتياره السياسي وفريقه القيادي، وعلى رأسه الوزير جبران باسيل أكبر الخاسرين من فشل الحكومة، حيث سيكون لسان حال الناس في حال الفشل، أن التيار الذي لم يحقق وعوده في ظل وجوده في رئاسة الجمهورية وبحضور نيابي كبير وحجم وزاري وازن، لا يحق له أن يخاطب الناس طلباً لتجديد الثقة به نيابياً ورئاسياً بعد هذا الفشل، ولن يفيد في شيء الحديث عن تعطيل مارسه الآخرون، ففي لبنان دائماً هناك آخرون.

– الرئيس سعد الحريري المحاط بتراجع المكانة السعودية وتراجع مكانته فيها، وبتقدم مكانة سورية وتردّده بالتقدم نحوها، سيواجه ضغوطاً خارجية لربط التمويل بالموقف من سلاح المقاومة، وإغراءات تغطية الحصول على مشاريع تدر مالاً لرجال الأعمال المحيطين به، لكن معيار النجاح والفشل قبيل الانتخابات المقبلة سيكون في قدرته على تقديم وقائع تتصل بحياة الناس وخدماتها ومستوى معيشتها وثقتها بالدولة ومكان الكفاءة فيها ومكانتها بين دول المنطقة، وليس بقدرة ماكينته الانتخابية على التحرك وإنفاق المال. والفشل في هذه الحكومة سيعني مواجهة الحريري وتياره للإستحقاق الإنتخابي المقبل في ظروف أشد قسوة من الاستحقاق الذي مضى.

– ثلاثة أشياء يمكن لرئيسي الجمهورية والحكومة ولتياريهما والحكومة معهما فعلها، تعوّض الخلل في مقاربة الواقع السياسي المحلي والإقليمي، لها مفعولها وآثارها الاقتصادية المفصلية، وأولها السير بقانون انتخاب جديد خارج القيد الطائفي وفقا للتمثيل النسبي، عبر صيغة مجلسي النواب والشيوخ التي نص عليها الدستور، وذلك وحده يضمن بيئة سياسية متحررة من المحاصصة الطائفية يمكن فيها منح الكفاءات أملاً، وقطع الطريق على الفساد وفتح باب المساءلة والمحاسبة. وثانيها تخطي كل التعقيدات العربية وغير العربية في العلاقة مع سورية، والتوجه لمصلحة لبنانية عليا بالتكامل مع سورية، كرئة اقتصادية وفرصة ثمينة نادرة، وشريك في التاريخ والجغرافيا، وليس فقط تحت شعار حل قضية النازحين. وثالثها المجاهرة بأن أولوية لبنان الدفاعية ليست مناقشة مستقبل سلاح المقاومة بل الحصول على شبكة دفاع جوي أو تأمين حماية المظلة الجوية السورية أو الروسية السورية، لوضع حد للانتهاكات التي لن يفعل من يدعون لبنان لنزع سلاح المقاومة، في مواجهتها شيئاً، لبنان المنيع والمحصن بوجه العدوان الإسرائيلي والمتشارك مع سورية في خطط التكامل والإعمار، والذاهب لدولة لا طائفية تتيح مكافحة الفساد وتفتح طريق الأمل للكفاءات، هو لبنان الذي تستطيع هذه الحكومة اعتباره وعدها وجوهر بيانها الوزاري، إن أرادت وأراد القيمون عليها عدم الفشل، والوصول للاستحقاق الانتخابي المقبل بأقل المخاطر على لبنان، وعلى مستقبل الحياة السياسية والاقتصادية والأمنية، أمام فرضيات تعمق العصبيات والتوترات الطائفية وتآكل القوى الوسطية لحساب متطرفي الطوائف الأصليين.

Related Videos

Related Articles

Advertisements

الأميركيون يعلنون الحرب على لبنان!

يناير 12, 2019

د. وفيق إبراهيم

هل بات نزعُ التغطية الدولية والإقليمية عن لبنان مسألة وقت لم يعد بعيداً؟ سؤال في موضعه الدقيق بعد «المطوّلات» التي أطلقها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في العاصمة المصرية القاهرة، ومن على منبر جامعتها الأميركية.

جزم بأن بلاده تحضر لانسحاب وشيك لقواتها من شرق الفرات والشمال السوريين، إلا أنها تتهيأ ايضاً لمواصلة قتال إيران «بالسبل الدبلوماسية» و»داعش» بوسائل أخرى لم يحددها، لعلها تشبه حربها على منظمة «النصرة» الارهابية التي اجتاحت مؤخراً الشمال وإدلب السوريين وسط صمت وتجاهل أميركي وتركي وأوروبي وخليجي. وحدها الدولة السورية دفعت بقسم من قواتها لمجابهة النصرة وبعض بؤر التنظيمات الموالية لتركيا وداعش ذات الولاء المتنوّع.

ما شكل تغييراً عن نمط الضغط الدبلوماسي الأميركي الذي أشار اليه بومبيو، هو إعلانه عن تنسيق أميركي إسرائيلي لضرب حالة التضخم العسكري السياسي لحزب الله في لبنان متحدثاً عن عشرات آلاف الصواريخ المخبوءة في منازل القرى والبلدات التي تهدد الأمن الاستراتيجي الإسرائيلي، مؤكداً العمل الأميركي الإسرائيلي على إزالتها، وهذه الإزالة غير ممكنة بالفرشاة أو الممحاة.

وتحتاج الى حروب عسكرية كبيرة ومتعدّدة على مستوى لبنان بكامله ومدنييه وقراه ومدنه.

وليس أكيداً نجاحها بتحقيق أهدافها مع حزب بمستوى حزب الله يقاتل منذ 1982 وحتى 2006 في حروب غوار شعبية ويحارب منذ 2011 على الأراضي السورية بالشكلين الشعبي والتقليدي مكتسباً مهارات احترافية تضعه في مستوى أهم جيوش المنطقة مضيفاً اليه الالتزام الايديولوجي الذي يضفي على مقاتليه إمكانات إضافية قد تكون أكثر أهمية من الحديد والنار.

يتبين بالاستنتاج الدقيق أن جماهيرية حزب الله في لبنان وانتشاره على معظم مساحته الجغرافية تجعل من الصعب استهدافه من دون اصابة التجمعات المدنية لكل الطوائف والمذاهب فيه.

لمزيد من التفسير يمكن القول وبصوت عالٍ إن بومبيو يعلن الحرب الإسرائيلية الأميركية على لبنان من دون أن يرف له جفن، وهذه فرصة تتلقفها العدوانية الإسرائيلية المستفيدة من الصراخ الأميركي لتحشيد المنطقة العربية ضد إيران وتحالفاتها.

ماذا يعني إعلان الحرب الأميركية على حزب الله من منبر مصري؟ هذا يدلّ على وجود تغطية عربية خليجية متنوعة، تذهب حالياً نحو تشكيل قوة إسناد عسكرية للحلف الإسرائيلي الأميركي كما أكد بومبيو في كلمته في مصر بمشاركة وزير خارجيتها سامح شكري.

وعندما تجتمع الأطراف الأميركية والعربية والإسرائيلية على ضرورة الانتهاء من ظاهرة حزب الله. فهذا له تفسير وحيد وهو رفع الغطاء الغربي العربي عن لبنان وإعلانه ساحة لكل أنواع الصراعات العسكرية والسياسية.

وإذا كان الصراع العسكري مختزلاً بإعلان الحروب المتنوعة فإن الحرب السياسية تتضمن جانبين:

الأول وقف التعامل مع مؤسساته السياسية والثاني وضعه في دائرة العقاب الاقتصادي.

قد يقول «متفلسف» إن الأميركيين يريدون بهذه المواقف فتح جبهات داخلية لبنانية، في إطار فتنة تتهم فيها أطراف لبنانية أخرى ذات ولاء سعودي وأميركي حزب الله بأنه سبب خراب لبنان، فتؤجج الوضع الداخلي وتدفعه الى احتراب داخلي يدفع باتجاه حرب أهلية.

ولم يهمهم الأمر، يمكن تأكيد أن الساعين المحليين الى الفتنة حاضرون، لكن ما يتمتعون به من امكانات لا يصل الى مستوى إعداد حروب عصابات على شاكلة المافيا وشبيهاتها.

فحزب الله ذو مستوى إقليمي يحارب العدو بقدرة المتمكن ويتعامل مع اللبنانيين بأسلوب الشقيق المتواضع، والجميع في لبنان مُلمٌ بهذه القاعدة، لذلك يكتفي الآخرون بشن حروب إعلامية هدفها رفع سعرهم في التحاصص الداخلي والصفقات.

تدفع هذه المعطيات الى الربط بين الهجوم الأميركي على حزب الله من مصر وبين الانسداد الكبير في حركة تشكيل حكومة جديدة حتى أن المسؤولين يفكرون بإعادة الاعتبار لحكومة تصريف الاعمال الموجودة حالياً لادارة البلد، بشكل اوسع مما يبيحه الدستور لحكومة مستقيلة.

وهنا يجب الربط المباشر والواضح بين عجز القوى السياسية اللبنانية عن تشكيل حكومة جديدة وبين الاستهداف الأميركي الإسرائيلي الخليجي لحزب الله.

فكيف يمكن لقوى وثيقة الصلة بالخارج ان تقبل بحكومة يمتلك حزب الله وتحالفاته فيها وزناً كبيراً في وقت تعمل مرجعياتها الخارجية على ضرب هذا الحزب؟

هذا هو التفسير المنطقي لحالات رفض تمثيل القوى الحليفة لحزب الله في الحكومة الجديدة بموازاة الإصرار الإضافي على تمثيل محدود للحزب في الحكومة.

وكيف يمكن تشكيل حكومة حتى لو كانت ميثاقية من دون الاستناد الى نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة؟

وهل يستطيع رئيس الوزراء المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري التمرّد على السياسة السعودية والقبول بحكومة متوازنة تُجسّد كل الأطراف؟

والجواب يعرفه كل اللبنانيين المتابعين لعلاقات السعودية بالحريري الذي أعلن أنه «بَيْ السنة» فيما كان مطلوباً منه ان يكون رئيساً لمجلس وزراء كل كل لبنان.

واذا كان رئيس المجلس النيابي نبيه بري المعروف باعتداله نعى الحكومة قبل أسبوع، معتبراً انها في «خبر كان» فإنه لم يعد يبحث إلا عن طرق «لإدارة الخلاف» وذلك بالابتعاد النسبي عن صراعات الإقليم وتجميد المواضيع التي تتسبب باندلاع خلافات، فهل ينجح؟

هناك سباق بين ادارة أميركية إسرائيلية لتفجير الأوضاع في لبنان وبين محور المقاومة المصرّ على تجنيبه هذا المصير والرابح هو المنتصر في ميادين سورية وليست جماعة من المتوهمين الذي يبنون سياساتهم على قياس ما يريده الخارج حتى لو أدت الى خراب البلاد.

Related Videos

Related Articles

أجّلتم الحكومة لتمرّروا القمة… فلتأجّلوا القمة لتشكّلوا الحكومة

يناير 10, 2019

ناصر قنديل

– الأجواء الآتية من كواليس المشاورات العربية حول دعوة سورية لحضور القمة العربية الاقتصادية في بيروت، تكشف حجم التلاقي بين لائحة من الأطراف الداعية للتمهل في عودة سورية إلى الجامعة العربية ودعوتها إلى القمم العربية، وحيث تحمل التمنيات الأميركية رائحة الحسابات الإسرائيلية، تحت شعار «أن الأهم ألا يبدو أن خصوم سورية قد هزموا وأن سورية قد انتصرت»، تسمح بفهم حجم لائحة الذين يجمعهم هذا الشعار، والتدقيق باللبنانيين من بينهم، ولكن خصوصاً ما تبرزه الأجواء من مساعٍ حثيثة بذلها الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة سعد الحريري، لطلب عدم إحراجه وفريقه وحلفائه بدعوة سورية، وتقديم غياب حكومة فاعلة كعذر للعجز عن اتخاذ قرار لبناني موحّد، يكشف العلاقة بين تشكيل الحكومة وانعقاد القمة ودعوة سورية لحضورها.

– خلال ثمانية شهور نجح الرئيس المكلف بتأجيل ولادة الحكومة، متنازلاً عن صفته كصاحب صلاحية أولى في إنتاج التشكيلة الحكومية، بهدف رمي المسؤولية بالفشل الحكومي، الشبيه بالفشل الكلوي في الأجساد البشرية، على سواه، فهو مرّة غير معني لأن القضية بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، ومرّة بين القوات ورئيس الجمهورية حول منصب نائب رئيس الحكومة أو حول الحقيبة السيادية، ومرّة بين رئيس الجمهورية والحزب التقدمي الاشتراكي حول المقعد الدرزي الثالث، وبعد حين يكشف أنه تجاهل طلب ثنائي حركة أمل وحزب الله بتمثيل نواب اللقاء التشاوري، والتجاهل لتظهير المطلب كعقدة في طريق التشكيل، وترك البلد بلا حكومة، وبقاء الرئيس المكلف بلا مسؤولية، وصولاً للقول إن العقدة هي في الثلث المعطل الذي يطلبه رئيس الجمهورية ورئيس التيار الوطني الحر، بينما يحتفظ الحريري وحده بالثلث المعطل مرتاحاً، متفرجاً تاركاً البلد بلا حكومة، وطريق ولادتها سهل وستظهر سهولته عند ولادتها ويكون السؤال مشروعاً: لماذا تمّ هذا الآن ولم يتم من قبل، كما في كل مرة؟

– نصب الحريري ومن وراءه فخاخاً للجميع، ويجب الاعتراف أنهم وقعوا فيها، عندما أوحى لهم أنه يتنازل عن دوره في تشكيل الحكومة لهم، وهو في كل مرة يؤكد أنه يفعل ذلك ليحمل سواه مسؤولية عدم ولادة الحكومة، لا أن يمنحه شرف حل عقدها، فتهرّب الحريري من معادلة عادلة لتوزيع المقاعد بين فريقي 14 و8 آذار وفاز مع حلفائه في 14 آذار بضعف عدد مقاعد خصومه في 8 آذار تقريباً، وتبادل مع رئيس الجمهورية مقعداً سنياً بمقعد ماروني ليحمله مسؤولية تمثيل اللقاء التشاوري، ويحتفظ بحق الفيتو في التمثيل ليضمن الفشل، والحصيلة أمامنا، تنازلات من الجميع والحريري رابح، لكن الآخرين يحملون مسؤولية بقاء البلد بلا حكومة، وهو هنا رابح مرة ثانية، لأن القضية أن تبقى البلد بلا حكومة حتى تنعقد القمة العربية، بحضور سورية فيغيب كرئيس حكومة تصريف أعمال، أو بغيابها فيحضر، وفي الحالين تولد الحكومة بعد القمة.

– المعادلة التي أعلنها رئيس المجلس النيابي نبيه بري بالدعوة لتأجيل القمة بسبب غياب حكومة في لبنان، تجيب على كل الأسئلة وتقول ضمناً، أجلتم الحكومة لتمرّروا القمة، فلتأجّلوا القمة حتى تشكلوا حكومة.

– هل يتلقف رئيس الجمهورية دعوة بري، لوضع النقاط على الحروف؟

Related Videos

Related Posts

كي يكون لبنان القوي وتكون الجمهورية القوية

 

يناير 4, 2019

ناصر قنديل

– سيطرت خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي نظرية عنوانها قوة لبنان في ضعفه على السياسة الرسمية للدولة اللبنانية ومؤسساتها، وكان جوهرها يقول إن أي مصادر قوة للبنان ستجعله هدفاً للعدوان الإسرائيلي أسوة بحال الدول العربية الأخرى، وكان ذلك مخالفاً بالطبع لتحذيرات أطلقها من يمكن تسميتهم بفلاسفة لبنان الاستقلال من أمثال شارل مالك وميشال شيحا، من كون الخطر الإسرائيلي نابعاً من الأطماع بمياه لبنان ودوره الاقتصادي، وكانت النتيجة التي يعرفها الجميع بوقوع أغلب الأراضي اللبنانية تحت الاحتلال عام 1982، بعد سلسلة اعتداءات بدأت على نهر الوزاني عام 1964 ومطار بيروت عام 1968 قبل أن يكون في لبنان أي سلاح يتحدى السيطرة الإسرائيلية، وبقي الاحتلال لأكثر من عشرين عاماً رغم زوال السلاح الذي تذرعت به إسرائيل لشن عدوانها، وخلال الفترة الممتدة بين العدوان الأول ونهاية الاحتلال سقطت نظرية قوة لبنان في ضعفه سقوطاً مدوياً، حيث كان يقوم شقها الثاني على اعتبار العلاقات الدولية للبنان كفيلة برد الخطر الإسرائيلي عنه، فبقي القرار 425 معلقاً بلا تنفيذ حتى نجحت مقاومة الشعب اللبناني الممتدة منذ عام 1982 والتي نظّمتها وقادتها الأحزاب اللبنانية المنبوذة والملاحقة من دولتها، مثبتة مقولة معاكسة قوامها قوة لبنان بمقاومته ووحدة شعبه ، وصولاً للمعادلة الذهبية التي ظهرت بقوة مع التصدي لعدوان تموز 2008 بصيغة الشعب والجيش والمقاومة .

– اليوم رغم الخطاب السياسي لبعض القوى المناوئة لخيار المقاومة، الداعي لمناقشة وضع سلاحها ومستقبله، لا يوجد منطق لدى أصحاب هذا الخطاب يستطيع إعادة إنتاج نظرية قوة لبنان في ضعفه. فسقف ما يتحدث عنه هؤلاء هو أن الجيش اللبناني قادر على صد أي عدوان أو أن ضمّ سلاح المقاومة لمقدرات الجيش سيجعله قادراً على ذلك، ما يعني أن السقوط النهائي لنظرية قوة لبنان في ضعفه، وبقاء تردّداتها ضمن دائرة اللعب السياسي لإضعاف المقاومة لحساب معادلات خارجية يمثلها أصحاب الخطاب العدائي للمقاومة، إلا أن أحداً في الدولة ومؤسساتها لم يعد يجرؤ على التحدث عن قوة لبنان في ضعفه، بل لم يعد أحد يجرؤ على الحديث عن قوة للبنان بلا المقاومة، ولو من خلال الرد على التحديات التي تمثلها التهديدات الإسرائيلية، أو من خلال رفض اعتبار سلاح المقاومة مصدراً للخطر على لبنان، أو على الأقل اعتباره شأناً يمكن التعايش معه على قاعدة ما يسمونه بربط النزاع.

– لا ينتبه الكثير من اللبنانيين إلى خطورة الانزلاق لمظهر جديد لنظرية قوة لبنان في ضعفه، مبني على وهم فرضية أن يكون لبنان قوياً إذا كان ضعيفاً في تماسك نسيجه الداخلي، أو إمكانية أن يصير لبنان قوياً إذا ضعفت الدولة أمام الطوائف والتشكيلات والحسابات الطائفية، فلبنان القوي والجمهورية القوية، مرادفان لقوة الدولة قياساً بقوة الطوائف واستقواء كياناتها السياسية على الدولة، والثابت من عمر لبنان السياسي أن طريق بناء الدولة القوية لا يمكن أن يمر إلا على حساب إضعاف حضور الطوائف وكياناتها السياسية الذي ينهش من هيبة الدولة ويأكل خيراتها، ويحولها هيكلاً شكلياً لتساكن بارد أحياناً وحار أحياناً أخرى ومشتعل بحرب أهلية أحياناً ثالثة، بين دويلات غير معلنة أو شبه معلنة أو معلنة أحياناً، والدستور في أي دولة هو خريطة طريق لقوتها، وقد قام دستور ما بعد الطائف على معادلة تقوية الدولة تدريجياً على حساب الانقسام الطائفي الموروث من الحرب الأهلية، وصولاً لإلغاء الطائفية كهدف نهائي رسمه الدستور، ولم يف بتحقيقه المؤتمنون على هذا الدستور بعد، بوضع الآلية التنفيذية التي نصت عليها المادة 95 من الدستور قيد التنفيذ، وخارج الدستور لا دولة قوية، وبتنمية العصبيات الطائفية لا دولة قوية، وبتقاسم وظائف الدولة وخيراتها على اساس طائفي لا قيام للبنان قوي. والأهم بقانون انتخابات يعيد إنتاج الحياة السياسية على أساس مفرط في الطائفية، تضعف الدولة ويضعف لبنان وتتجه الجمهورية نحو السقوط، لأن البديل الذي ينمو في رحمها، هو دويلات وجمهوريات، ومرادف إدارة الظهر للدستور، وتجاهل روحه وجوهره ونصوصه الواضحة، بداية تآكل مشروع الدولة وانهيارها، أليس هذا ما نحن فيه اليوم؟

– المأزق الحكومي ولو تم تجاوزه بتسوية، كشف ما لم يعد ممكناً ستره حول ما أنجبه قانون الانتخابات النيابية الذي لم يحترم المادتين 22 و95 من الدستور، رغم مرور قرابة ثلاثين عاماً على وضع هذا الدستور، وبالمناسبة ليس هناك بلد في العالم غير لبنان يتحدث دستوره عن موجبات ملزمة لاحقة بقيت لاحقة ومؤقتة تنتظر من ينفذها ولم تنفذ. وجاء قانون الانتخابات ليكشف عبر المأزق الحكومي حجم الاستيقاظ الطائفي الذي ينهش الدولة، ونوع القضايا التي تحكم تشكيل الحكومات، بحيث لن تكون أي حكومة ينتجها هذا القانون الانتخابي إلا حكومة تصريف أعمال بأحسن الأحوال، ومنصة لفض النزاعات الطائفية حول المحاصصة، والاعتماد على المزيد من الديون في تحريك الاقتصاد، فاللا دولة تفليسة غير معلنة، والاقتصاد الوطني مشروط بوجود دولة، تضعف فرص وجودها يوماً فيوم، فيكفي لها أن تكون قوية لتنهض بالاقتصاد، وكيف لوعد مكافحة الفساد أن يتحقق وللفساد محميات طائفية ممنوع الاقتراب منها، والتوظيف في الدولة من أعلى مراتب الوظيفة إلى أدناها يقوم على الولاء للطائفة وزعيم الطائفة وحزب الطائفة ومحازبي الطائفة، وعلى حساب الولاء للدولة ومؤسسات الدولة ومواطني الدولة، وكيف لدولة أن تنتظر من مواطن تعامله كزبون يمر عبر وكالة حصرية طائفية، أن يعاملها كمرجع وهي تتهرّب من طبابته وتعليمه وإسكانه وتوفير الخدمات له كمواطن. والمواطنة مصطلح غائب عن الحياة السياسية، ومساواة المواطنين أمام القانون نص في الدستور لكنه مهمل لحساب نص مضمر، اللبنانيون طوائف متساوية في الحق بعائدات الدولة ووظائفها .

– ألفباء لبنان القوي، والجمهورية القوية، هي الدولة القوية، وإذا كانت قوة الأطراف اللبنانية هي قوة البعض بوجه البعض الآخر، تبدأ بقياس عدد النواب والوزراء وتنتهي بما لا تحمد عقباه على حساب الوطن والدولة، والاستقواء استعداد مضمر لحرب أهلية وإلا لماذا يستقوي بعضنا على بعض، إلا أن قوة الدولة تقاس بدرجة قوتها ككائن مستقل على جميع الأطراف حكماً، وهي لم تكن يوماً ولن تكون بمجموع قوتهم منفردين فقوتهم مأخوذة من قوتها بالأساس. والدولة القوية لها خريطة طريق هي السير نحو دولة المواطنة. فقوة لبنان ليست في ضعفه، لأن النسيج الاجتماعي الهش ينتج حرباً أهلية وفي أحسن الأحوال فدرالية دويلات، لكنه لا ينتج دولة قوية، والنسيج الاجتماعي المتماسك شرطه الواجب المواطنة، والدستور هو وثيقة الوفاق الوطني وهو المرجع الحاكم لبناء الدولة، والعقد الاجتماعي المتاح للانطلاق منه نحو الأفضل، والأمر بات وجودياً، فهل علينا أن ننتظر اختبار قوة لبنان في ضعفه داخلياً بكارثة تشبه كارثة الاحتلال التي جلبتها نظرية قوة لبنان في ضعفه خارجياً، حتى نستدير نحو مصدر القوة الحقيقي بالخروج من كهوف العصبيات إلى رحاب الوطن؟

– يحب اللبنانيون أن يسمعوا خطاباً عن حقوق اللبنانيين بدلاً من أن تصم آذانهم بخطاب يتحدث عن حقوق المسلمين وحقوق المسيحيين.

Related Videos

Related Posts

الرئيس و«الثنائي» يحمون الحريري من الأجنحة السعودية!

ديسمبر 13, 2018

د. وفيق إبراهيم

تبدو هذه المعادلة متناقضة لأنّ رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري حليفٌ بدوره للسعودية، فكيف يحميه العماد ميشال عون وحزب الله وحركة أمل منها؟

يوجد في لبنان فريقان ينتميان الى السياسة السعودية فيتنافسان مع القوى اللبنانية الأخرى، ويتصارعان أيضاً مع بعضهما على ما يعتقدان انه الأفضل لآل سعود.

وكلما توغّل فريقٌ منهم في البحث عما يربط لجام السياسة اللبنانية بإرهاصات آل سعود يزداد موقعه في بلاط الأمراء من أصحاب المناشير مقابل تراجع الجهة الثانية الموالية للجهة نفسها التي تجهد بدورها لوضع الممكن في السياسة اللبنانية في خدمتهم أيضاً إنما مع محاولات تحييد المختلف عليه لتأمين استمرار المعادلة الداخلية في لبنان والرضوخ أحياناً لموازنات القوى الكثيرة البروز لمصلحة السياسات الأخرى.

موضوع الأنفاق الذي أثارته «إسرائيل» في جنوب لبنان هو نموذج مطابق للمشروع المطلوب، لقد عرض الإعلام السعودي لهذا الموضوع وكأنه جريمة كبرى يقترفها «حزب الله الإرهابي والسياسات الإيرانية المجوسية المعادية للعرب» بحسب مفهومهم، أما وزير الخارجية السعودي عبد الله الجبير فذهب بعيداً بإصراره على رفض أيّ دور لإيران وحزب الله في حكومة لبنان المرتقبة.

تلقف «لبنانيو السعودية» هذا الموقف حسب مواقعهم السياسية، فالقوات اللبنانية وفارس سعيد وأشرف ريفي والمرعبي الكبير والضاهر اتهموا حزب الله بتدمير الدولة مطالبين الأمم المتحدة بتوسيع صلاحيات «اليونيفيل» لتشمل الإشراف على القرى الجنوبية القريبة.

على مستوى حزب المستقبل الذي يترأسه السعد فقسّم حركته السياسية بين رئيس حكومة ووزراء وبين نواب ومدنيين: الفريق الأول أعلن أنّ «إسرائيل» تعتدي على لبنان وتخترقه براً وجواً وبحراً بشكل يومي وسط لامبالاة من الأمم المتحدة، وتسرق ثرواته من الغاز في الحدود البحرية المتحاذية مع فلسطين المحتلة وتعتبر أنّ الأنفاق مفبركة إسرائيلية لم يجرِ إثباتها بعد.

لجهة نواب «المستقبل» ومنهم الحجار وكبارة وفتفت والمرعبي الإبن هؤلاء تحدثوا عن أهمية وقف المغامرات غير المحسوبة وأثرها السيّئ على مستقبل لبنان، مناشدين «اليونيفيل» التثبّت من مزاعم «إسرائيل» من الجهتين الإسرائيلية واللبنانية منتقدين الدور التخريبي للميليشيات الإيرانية في لبنان وسورية والعراق واليمن.

يتبيّن أنّ ثلاثة مواقف صدرت عن فريق محسوب بكامله على السياسة السعودية، فلماذا هذا التباين؟

الفريق الأول يقدّم كلّ ما عنده من خطابات لإرضاء الفريق الحاكم في السعودية، خصوصاً جناح ولي العهد محمد بن سلمان فيحظى بتمويل إضافي وتَقدُّم في «الاعتماد» عند أولياء الأمور، فقد تتغيّر الأحوال دولياً وإقليمياً بما يمكن آل سعود من طرح أحدهم لرئاسة الجمهورية وآخر لرئاسة الحكومة وثالث لموقع وزاري وهكذا دواليك.

على مستوى حزب المستقبل فيلعب لعبة تقسيم الأدوار، الفريق النيابي فيه متحرّرٌ من ضغوط الحكومة والتزاماتها، لأنّ مسؤولياته تشريعية، يجري تكليفه بتقمّص الحدّ المقبول من الموقف السعودي مع اتجاه الى التطرف، بما يسمح للسعد بالتعبير عن موقف الدولة اللبنانية إنما بتصرّف. والدليل أنه يؤكد على دور الجيش اللبناني في التصدّي لـ«إسرائيل» مطالباً اليونيفيل وقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وثرواته، فلا يشير إلى حزب الله لا سلباً ولا إيجاباً لكنه يتصدّى لـ«إسرائيل».

وللتخفيف من وقع موقفه ضدّ «إسرائيل» في أروقة قصور آل سعود يتعمّدُ بعد ساعات فقط من إطلاقه لهذا الموقف استغلال أيّ مناسبة لمهاجمة الدور الإيراني في البلاد العربية لتهدئة الخواطر السعودية.

وبما أنّ حزب المستقبل هو الفريق الأقوى في الطائفة السنية المتسلحة دستورياً لرئاسة مجلس الوزراء، فكان طبيعياً تأييد الأقوى لتشكيل الحكومة وهو حزب المستقبل بكامل تياراته.

لقد وجد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وحزبه التيار الوطني الحر برئاسة الوزير جبران باسيل وحزب الله وحركة أمل أن «السعد» هو أقرب تيارات «المستقبل» السعودي الى المنطق المتوازن للدولة اللبنانية. وكان من الطبيعي أن يختاروه في مرحلة مشاورات التكليف عند رئيس الجمهورية.

وكانت هذه الخطوة الأولى التي يفترض انها عززت موقع الرئيس المكلف بين تيارات حزبه وكسرتها أمام عودة نفوذه إلى الصعود بخلفية إعادة تكليفه لتشكيل الحكومة، كما أنّ خطوة تكليفه سمحت له بالضبط النسبي لقوى لبنانية مرتبطة مباشرة بالأجهزة السعودية كحال القوات اللبنانية وآخرين من فريق الوزير جنبلاط وإعادة «صقور المستقبل» الخارجين منه والناقمين عليه إلى دائرته بالإرغام وليس بالحوار.

ماذا الآن عن الخطوة الجديدة؟

ضاعف الانسداد الكامل في تشكيل الحكومة من احتمالات الانهيار الكبير. فالحريري الذي لا يزال مقبولاً لا يستطيع توزير سني متحالف مع حزب الله لاعتبارات داخلية تتعلق بمنافسيه في التيارات السنية والقواتية المحسوبة على السعودية. فهؤلاء لن يوفروا تهمة وإلا ويعرضوها على معلميهم في الرياض لإثارة نقمتهم على الحريري، وربما أوغروا صدور الأميركيين عليه ايضاً، وقد لا يحتاج ولي العهد إلى من يحرّضه على السعد إذا قبل بسني حليف للمقاومة من وزرائه.

هذا ما أدّى إلى اجتماع «لحماته السرّيين» في القصر الجمهوري ضمّ الى جانب العماد عون حزب الله الذي يعكس أيضاً وجهة نظر بري.

ويبدو أنّ الخوف على الوضع عجّل باحتمال فرج قريب يقوم على استعداد الرئيس بتقديم وزير للكتلة السنية يُحتَسب من حصته، وكان هذا الاقتراح مرفوضاً في أوقات سابقة.

انما يبدو أنّ حزب الله تكفل بالجزء الثاني من خطة الحماية وتتعلّق بإقناع كتلة السنة المستقلين القبول بالعرض بعد استقبالهم في القصر الجمهوري والاعتراف بتجمّعهم ككتلة مستقلة.

الأمر الذي يمنع الانهيار محافظاً في الوقت نفسه على منع تشكل أزمة نظام خطيرة، قد تنعكس شعبياً ويحمي في الوقت نفسه الحريري من الحاقدين عليه في الداخل والناقمين عليه في السعودية.

وهكذا يعيد محور «الرئيس عون حزب الله» التأكيد مجدّداً على أدوارهما في حماية لبنان من «إسرائيل» والذين يطلُون عليها من الداخل ويظهرون قوّتهما في المحافظة على المعادلة اللبنانية.

بقي أنّ على رئيس الحكومة ان يتعامل مع هذه الحلول «برشاقة وطنية» تفرضه قائداً وطنياً وليس «بي السنة» فقط أو مجرد مسؤول عن فريق منهم.

Related Videos

Related Articles

في الموقف اللبناني على هامش قضية الأنفاق

ديسمبر 12, 2018

ناصر قنديل

– يسارع الكثيرون مع سماع الكلام الإسرائيلي المرافق لأي إجراء أمني أو عسكري، يتهم حزب الله بالقيام بما يزعج «إسرائيل» او يربك أمنها أو يقلق قادتها، إلى وضع أيديهم على قلوبهم، وتنفجر الأسئلة فوراً للاطمئنان عما إذا كانت هناك نيات حرب إسرائيلية. وهذا القلق المشروع جداً في الماضي بقياس القدرة الإسرائيلية، والمشروع نسبياً في الحاضر بقياس الطبيعة العدوانية الإسرائيلية. لكن من غير المشروع أن يطغى على كل تحليل ومحاولة لفهم الحركة الإسرائيلية، أو مناقشة مندرجاتها، بخلفية سيادية وطنية لبنانية، وكأن على لبنان رغم مصادر القوة التي يمتلكها لبنان ومقاومته، وحال التآكل النفسي التي يعيش كيان الاحتلال وجيشه تحت وطأتها، أن يبقى في سياسة سحب الذرائع التي لم تحمه يوماً ولا ردت له حقاً سليباً.

– يجب امتلاك شجاعة القول إننا نرفض سياسة سحب الذرائع ولم نعد نرتضي في زمن المقاومة القوية والشعب المقاوم والجيش المساند، إلا الحق، ولا نقصد الحق المطلق الذي لا يستقيم مع وجود كيان الاحتلال كله، بل الحق القانوني للدولة اللبنانية وفقاً للقوانين الدولية والاتفاقيات والقرارات التي ترعى الحال عبر الحدود، كما يجب التخلص من عقد النقص والخوف لامتلاك القدرة على التفكير في كيفية تحويل التحدّي فرصة، في ظل الحال المتهالك لداخل الكيان وحال الذعر التي يجلبها مجرد الإحساس بأن العبث الذي تقوده إليه قيادته قد يجلب مواجهة غير محسوبة مع المقاومة عبر الحدود.

– من الزاوية التقنية ثمّة ملاحظات جوهرية تقوم على التمييز بين النفق والخندق، يجب أن يسمعها قائد قوات اليونيفيل من المسؤولين اللبنانيين، فعندما تقول اليونيفيل إنها وثقت وجود نفق عليها أن تثبت ثلاثة أشياء، لم تثبت منها إلا واحداً فقط، والثلاثة هي فوهة للنفق في الأراضي المحتلة ويحق لليونيفيل القول إنه قد تمّ إثباتها، لكنها تتحوّل إلى فوهة خندق لا يعني لبنان، ما لم يتم إثبات الثانيتين وهما فوهة موازية في الأراضي اللبنانية ومسار سالك بينهما قابل للعبور، وهو ما لا يمكن الادعاء أن أحداً قام بإثباته.

– من الزاوية القانونية السيادية، ثمة سؤال على رجال القانون الدولي الخوض فيه بعمق، فربما تتحوّل سياسة حفر الأنفاق استراتيجية مشروعة للبنان ومقاومته وشعبه وجيشه، بصورة تنشئ معابر تحت الأرض بين الأراضي اللبنانية وفلسطين المحتلة، والسؤال هو ببساطة، يبدأ من توصيف عملية حفر الأنفاق بمفهوم القانون الدولي، وليس بمفهوم الحق المطلق للمقاومة التي لا تعترف بكيان الاحتلال، وتعتبر فلسطين بعضاً منها وتعتبر نفسها بعضاً من فلسطين، ولا بمفهوم أدوات الردع النفسي أو الاستعداد لخطوات حربية تقتضيها أي مواجهات مقبلة، بل فقط بمفهوم القانون الدولي بين قوتين متقابلتين يعترف القانون الدولي لهما بحق السيادة في حيزين جغرافيين متجاورين، وبينهما تنتظم حال وقف الأعمال العدائية بموجب القرار الأممي 1701، الذي تناول جيش الاحتلال وقوات المقاومة، واعتبر انتشار الجيش اللبناني ووحدات اليونيفيل ضامناً للأمن، على رجال القانون الدولي طرح جدول مقارن بين دخول الطائرات الحربية الإسرائيلية إلى الجو اللبناني خلسة بدون موافقة لبنان ولا قوات اليونيفيل، والقيام بالاستطلاع وتجميع المعلومات عن المقاومة، وأحياناً القيام باستعمال الأجواء اللبنانية لتنفيذ غارات على الأراضي السورية تقول «إسرائيل» إنها تستهدف أعمالاً استباقية لمنع حزب الله من إكمال تحضيراته للمواجهة المقبلة، وبالمقابل فرضية حفر أنفاق من لبنان إلى داخل فلسطين المحتلة أي الدخول براً مقابل الدخول جواً، ولغرض الاستطلاع وتجميع المعلومات، والقيام بأعمال استباقية لمنع إكمال الاستعداد لجولات مواجهة مقبلة.

– ألا يضيع لبنان فرصة ذهبية لحماية سيادته، عبر المطالبة بتفاهم على نمط تفاهم نيسان عام 1996، يقايض وقف حفر الأنفاق، حتى لو كانت وهماً اخترعه الاحتلال، بوقف الطلعات الجوية الإسرائيلية، وهي حقيقة عدوانية نعيشها كل يوم، فلمَ لا يكون عنوان الموقف اللبناني توقفوا جواً وبحراً نتوقف براً، بدلاً من الإسراع للدخول في لعبة فرضها الاحتلال عنوانها: نريد المعطيات والإحداثيات لنتصرّف!

Related Videos

Related Articles

«لعبة الأنفاق» لا تُعوِّض الخسائر

 

ديسمبر 8, 2018

د. وفيق إبراهيم

تُثيرُ «إسرائيل» منذ أسبوع تقريباً «مسألة أنفاق» تقول إنّ حزب الله حفرها من داخل قرى لبنانية مواجهة لحدودها الشمالية مع لبنان لاستخدامها في «أعمال إرهابية» على أراضيها.

بداية، ليس هناك عربي باستثناء حكام الخليج وبعض سياسيّي لبنان من ذوي التاريخ الإسرائيلي يدين حزب الله على عمل مشابه مع عدو سلب كامل فلسطين المحتلة مُشرّداً شعبها ويحتلّ أراضي سورية ولبنانية مهاجماً قطاع غزة كلّ أسبوع وملتهماً الضفة الغربية تدريجياً ويجول في لبنان جواً وبحراً وبراً من دون انقطاع ولا يلقى أيّ اعتراض او استنكار من الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية المزعومة. فإذا كان الحزب هو الذي حفرها فلا يمكن إلا الدعاء بالخير لسواعد مجاهديه، فهل ينسى أحدٌ الغارات الإسرائيلية على مواقع الجيش السوري وحلفائه في معظم الأراضي السورية؟

بأيّ حال، فإنّ قراءة التوقيت في توجيه الاتهام لحزب الله بحفر الأنفاق مريب ومشكوك فيه، لأنها تعقب مباشرة تنفيذ العقوبات على إيران ومسارعة الأميركيين للإصرار على وقفٍ لإطلاق النار مع الإرهاب في منطقة إدلب.

تُرى هل توافق الشرطة الأميركية على تنظيم وقفٍ لإطلاق النار مع العصابات في شيكاغو؟

وتعمل أيضاً على «كنتنة» شرق الفرات بتوزيعه على أفخاذ من عشائر متورّطة ومموّلة خليجياً وبين المشروع الكردي الضائع بين جرافات المشاريع الكبرى والقواعد الأميركية المنتشرة حتى الشمال. كما تدغدغ أحلام الأتراك بضمّ قسم من الشمال السوري إليهم بمزاعم عثمانية، هذا الى جانب انكفاء الدور الأردني الداعم للإرهاب داخل حدود بلاده وإرغام الكيان الإسرائيلي الغاصب على العودة الى خطوط الهدنة في 1974.

هذا ما يؤكد انّ الانعاش الإسرائيلي لمسألة الأنفاق يلي سلسلة تراجعات في المشروع الإرهابي المدعوم أميركياً وأردنياً وخليجياً وتركياً، ويصيب الدور الأميركي في المنطقة بعطب شديد ومعه الدور الإسرائيلي الذي كان يضرب في سورية ولبنان ساعة يشاء ومن دون عواقب.

يتبيّن أنّ الأميركيين يحاولون عرقلة انتصار المحور السوري الإيراني الروسي وحزب الله فصنعوا لكلّ واحد من هؤلاء ما يربكه بدءاً من مشاريعهم التفتيتية في شرق الفرات وإدلب والعقوبات على إيران وافتعال خلاف أوكراني روسي حول حرية الملاحة في بحر أزوف بمواكبة تهديد أميركي بالانسحاب من معاهدة «الصواريخ» النووية القصيرة المدى والمتوسطة. وفجأة تظهر لعبة الأنفاق في لبنان…

هناك تتابع في استهداف كامل أعضاء المحور الذي انتصر على الإرهاب المدعوم أميركياً في سورية بشكل لم يستثنِ أحداً منهم، فهل هذا مصادفة؟

قد تظهر هذه التحركات الأميركية وكأنها عقاب ناتج من غضب، لكن لدى التدقيق فيها يكتشف أنها خطة أميركية جديدة لإرباك أعضاء المحور المنتصر تمهيداً لإعادة تشكيل آليات جديدة.

ضمن هذا الإطار تندرج لعبة الأنفاق الإسرائيلية شمال الكيان الغاصب وجنوبي لبنان.

وتنبثق على الفور ثلاث نقاط:

الأولى من رئيس وزراء «إسرائيل» السابق إيهود باراك الذي كشف أنّ الكيان الغاصب على علم، بهذه الأنفاق منذ سنوات عدة، فلماذا يعلنون عن اكتشافها اليوم؟

الثانية من وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني التي اتهمت رئيس وزراء «إسرائيل» نتنياهو بتسييس الموضوع.

أما النقطة الثالثة فتتعلق بمحاولة الأميركيين إدانة منظمة حماس بالإرهاب في الأمم المتحدة، لكن مشروع الإدانة سقط، كان يحتاج لبضعة أصوات فقط ليصبح نافذاً. وها هم الأميركيون أنفسهم يصرّون على «تجريم» حزب الله في الأمم المتحدة أيضاً واعتباره ميليشيا إرهابية تحاول تفجير الوضع في الشرق الأوسط بكامله.

فما هي الاعتبارات القانونية والأخلاقية التي تستند اليها واشنطن لاتهام حماس وحزب الله بالاعتداء على السلم العالمي، وهما منظمتان تدافعان عن أراضيهما في وجه كيان غاصب دمّر لبنان وملتهماً فلسطين ومحتلاً أراضي سورية ومحاولاً تخريب غزة والضفة بهجمات وحشية؟

ما يمكن استخلاصه أنّ هناك حلقة متكاملة يحاول الأميركيون فيها توجيه اتهامات وإدانات وهجمات على المحور المنتصر في سورية والذي تسبّب بالصمود اليمني والنصر العراقي مع المحافظة على القضية الفلسطينية مستمرة ودائمة في وجه صفقة القرن، هذا الى جانب الدور الإسرائيلي الخطير بدعم الإرهاب في سورية لتفتيتها إلى جانب الدور الأميركي والخليجي.

لذلك لا تخرج «لعبة الأنفاق» عن هذا المدى، لكنها تريد ايضاً تجميد دور حزب الله في لبنان لأنها تخشى ان يؤدي حجم الحزب الإقليمي الى تقليص أوزان حلفاء الأميركيين والخليجيين في لبنان من الرئيس المكلف «السعد» وحزبه المستقبل الى الحزب التقدمي الاشتراكي وزعيمه الوزير جنبلاط الى سمير جعجع رئيس حزب القوات المعروف بعلاقاته الإسرائيلية التاريخية.

فهل تنجح لعبة الأنفاق في تعويم هذه القوى وإعادة الاعتبار اليها في الميدان اللبناني بما يؤدي الى منع حزب الله من السيطرة عليه؟

ليس لدى حزب الله طموح بالسيطرة على لبنان بقدر ما يريد دعم جبهة داخلية تؤمن بالدفاع عن لبنان في وجه مخططات «إسرائيل» وواشنطن.

فهل معقول أن يمنع الأميركيون لبنان من الموافقة على أسلحة روسية معظمها هدايا ولا تقبل ببيعه سلاحاً موازياً؟ وتمنع عنه الأسلحة المضادة للطائرات الجوية الإسرائيلية؟

«مسرحية» الأنفاق هي إذاً جزء من خطة أميركية لعرقلة دور حزب الله في الإقليم العربي، ولبنان وذلك بإثارة الخلافات الداخلية فيه على قاعدة أن تحرّشات الحزب بـ»إسرائيل» قد تؤدي الى تدمير الاستقرار الداخلي مع تعطيل تشكيل حكومة جديدة.

وإذا كانت هذه الأنفاق قديمة او حفرتها «إسرائيل» حديثاً، فإنها لن تؤدي الى حرب تعرف «إسرائيل» أنها لن تربحها، على قاعدة أنها جربتها في 2006 ولم يكن حزب الله بهذه القدرات التي اكتسبها من حروبه ضد الإرهاب في سورية، فكيف الحال معه اليوم، وكيف تحاسب «إسرائيل» حزب الله على أنفاق غير مستعملة وهي التي تستبيح لبنان براً وبحراً وجواً وتسرقُ بعض ثرواته من الغاز والنفط في المناطق المتاخمة.

غداً تقفل «إسرائيل» مهرجان «الأنفاق» السياسي لتبحث عن العاب جديدة.. وغداً يستمر حزب الله في حماية بلده في وجه الأطماع والسياسة الأميركية الإسرائيلية الخليجية غير مبالٍ بثرثرات من الخارج والداخل تتطاير في الهواء من دون صدى وفاعلية مؤكداً أن الميدان هو المحور المحدد الفعلي لموازين القوى والتجربة خير برهان.

Related Articles

%d bloggers like this: