يا شعب لبنان العظيم… تباً لنا!

 ابراهيم الأمين

 السبت 3 آب 2019

يقف اللبنانيون مشدوهين أمام من انتخبوهم وهم يقوّضون ما بقي من البلاد. محاضرات العفة تملأ الأرجاء. لم يبقَ من القتلة واحد إلا وقدّم لنا على مدى أربعة عقود شهادات في حسن تخريب كل شيء. العائلة والقبيلة والطائفة والدولة. وها هم اليوم، يرقصون على جثث ضحاياهم، ويبتسمون لعائلاتهم ويعدون الجميع بموت أفضل. لكن الجمهور لا يبدو أنه ملّ منهم ومن ألاعيبهم، ولذلك، سيكون على الناس الاستعداد لموجة موت جديدة، وهذه المرة الخيارات ستكون واسعة: بالرصاص أو الذبح لمن يرغب، بالمرض والسموم لهواة الصنف، وبالاكتئاب والسأم لمن بقي صامداً. أما الهجرة، فلا يبدو أنها علّمت الناس شيئاً. لأن الانقسامات القائمة خارج البحار لا تقلّ قساوة عمّا هو موجود هنا. والفارق، أنّ شرور اللبنانيين في الخارج يجري التعامل معها بقسوة من قبل مجتمعات لا تعترف بأمراض هذا الشعب المجنون الذي يسميه البعض «الشعبَ الجبّار والخلّاق والعظيم»!

ولأنّ الجميع يرفض فكرة المؤامرة، لا يمكن الحديث عن تلاعب بالمسرح اللبناني. في لبنان، لا يزال من يقول بحروب الآخرين على أرضنا. وفي لبنان، لا يزال من يقول إنها شرارات الإقليم التي تصيب جسدنا. وفي لبنان أيضاً، من يعتقد أنّ العالم ينام ويعيش على أخبار هذه القبيلة اللبنانية، ويتسلى بها، ولذلك لا يريد لها الفناء. ولذلك، من الجنون توهُّم تغييرات جدية على المشهد القائم. حتى ولو قتل الآلاف يومياً، لأنّ الزعران الذين يتحكمون بالبلاد، يعيشون اطمئناناً غير مسبوق. وهذا مهرّجهم الأول وليد جنبلاط يعطي المثال:

Related image

سأقتل من أبناء جلدتي مَن أرغب، وسأرفع الصوت والسلاح بوجه الآخرين، وسيلحق بي أنصاري، لا أحد منهم يسألني ماذا أفعل، أو يلومني على شيء، وهم سيثقون بما أقوله. ولا ضير من أن يقول الخصوم كل ما يقولونه. لقد نجحت وربطت مصير هذه القبيلة بي، وبأفراد عائلتي، ولن يجرؤ أحد على معارضتي، وهاكم الدليل، ما يحصل الآن!

هذه حقيقة. قاسية جداً، لكنها حقيقة. وهذا الحال موجود عند الآخرين:

هل يتوقع أحد أن يخسر حزب الله المقعد النيابي في صور؟

أو هل ينتظر أحد اعتذاراً شاملاً من حركة أمل وابتعاداً عن السلطة؟

أم هل تتصورون أنّ سمير جعجع سيترك مقعده لأحد قبل أن يقرر الله ما يريد؟

أم أن جبران باسيل سيترك أحداً يناقشه داخل التيار الوطني، قبل أن يجبر المسيحيين على استعادة شعور الخوف من الآخر، أي آخر لا يهم؟

أم هناك من يعتقد أن سعد الحريري سيخرج من القمقم ويعيد الأموال التي جمعها كل أركان تياره على مدى ربع قرن ولا يزالون؟

أم ستتوقعون أن يتبرع رياض سلامة وصحبه من كبار المصرفيين بفوائد ودائعهم لمعالجة ملف النفايات؟

نحن عنوان التفاهة الكاملة، حكومةً وشعباً ومؤسسات، زعامات وقيادات وجماهير

ماذا ينتظر الناس من هذه المجموعة التي لم تترك شيئاً إلا وقصدته بهدف الاستيلاء أو المصادرة أو الاستخدام؟ هل منكم من يعتقد أنّ المراجع الدينية التي نصبتها الزعامات السياسية هنا وهناك، سترفع الصوت دفاعاً عن وصايا الله؟ هل تسألون الكنيسة المارونية عن هذا العشق الإلهي لتملّك الأراضي ثم التوجه بعظات إلى الناس لئلا يتبادلوا أملاكهم مع غير المسيحيين؟ ومن تعثّر، سيجد الكنيسة وكل منتجاتها الرهبانية في الانتظار لتولي الأمر. أم يوجد بينكم من لا يعرف حال المجلس الشيعي الأعلى، الذي لم يبقَ منه شيء إلا يافطة، يقف تحتها رجال دين يريدون تقرير مصير العائلات باسم الإله الحكيم. وهل منكم من يعرف ماذا يفعل الدروز بأوقافهم، بينما يكاد يموت الناس في الجبل ووادي التيم جوعاً، وينتظرون يوم العطلة ليقصدوا هذا أو ذاك من الزعماء بحثاً عن صدقة آخر النهار؟ أم ترون في دار الفتوى معمل التفكير لمواجهة كل الأفكار النتنة التي نطقت باسم أهل السُّنة والجماعة، فكفّرت وسبَت وقتلت، ولم يخرج من الدار صوت يسأل عن أصل هذا الكلام؟ ثم ترى هذا الجمع من العمامات يقفز إن تعرض مسؤول سياسي لنقد من صحافي أو سياسي آخر؟

ماذا ينتظر الناس بعد؟

هل لأحد فيكم أن يجيبنا ماذا فعلت كل هذه المنظمات غير الحكومية، غير إيواء أفراد باسم الكفاءة ثم تعطيلهم وتحويلهم أدوات لا تنتج غير بيانات وشعارات، ولم يحصل قَطّ، على الإطلاق، إن حظي الناس بمشروع واحد منهم؟ ثم من منكم يسأل عن جيوش المنظمات الدولية المنتشرة في الوزارات والمؤسسات العامة، تغرقنا بالاستشارات التافهة ثم يقبض جنودها من جيوبنا الأموال المكدسة؟ وما بال الناس في حالة دهشة عندما يتجول دبلوماسي غربي، من أقذر خلق الله، موزعاً علينا نصائحه حول الإصلاح والقانون وحقوق الإنسان، بينما لا تترك طائراتهم وجواسيسهم مكاناً هادئاً في العالم؟ هل تصدّقون فعلاً، أنه يمكن العثور على خير في أميركا أو فرنسا أو بريطانيا؟ أم تراكم تتطلعون إلى الثورات العالمية الصادرة من آبار النفط والغاز في السعودية والإمارات والكويت وقطر، أم تصلّون الليل والنهار علّ مصر تستفيق من غفوتها لساعات… هاكم المنظر الجميل من حولكم: فلسطين لم يبقَ منها شيء، والدمار أتى على سوريا والعراق واليمن وليبيا، والأردن يعيش على حافة القبر، بينما يغلي المغرب العربي في انتظار انفجار عسى أن يتأخر.

أيها اللبنانيون، نحن عنوان التفاهة الكاملة. حكومةً وشعباً ومؤسسات. زعامات وقيادات وجماهير. نحن اللاشيء الذي لا يراه أحد بعين الغيرة أو الحسد. نحن لا نستحق الشفقة… تباً لنا!

Related Articles

Advertisements

حلّوا خلافاتكم بتطبيق الدستور وإعمال المؤسسات الدستورية

حلّوا خلافاتكم بتطبيق الدستور وإعمال المؤسسات الدستورية

يوليو 30, 2019

العميد د. أمين محمد حطيط

ملفان أدخلا لبنان في حالة من الشلل في الحكم والاضطراب، وأخلّا بالاستقرار في العلاقات السياسية، وأثرا على الانتظام العام في عمل الدولة، وجعلا هذا الطرف يصرخ وذاك يحتجب وغيرهما يحجم عن ممارسة صلاحياته، والنتيجة كانت شلل في الدولة وتعطل لمصالح الناس، ولو احتكم المسؤولون اللبنانيون الى الدستور والقانون والمؤسسات المعتمدة بموجبهما لكان أمر الحلول لكلّ ما يتوالد من مشاكل سهلاً وسريعاً، وحتى لكانت معظم المشاكل بمنأى عن الظهور أصلاً.

ولكن للأسف نجد أنّ معظم المسؤولين يرون أنفسهم فوق الدستور وفوق القانون وفوق المؤسسة، لا بل الأسوأ من هذا يرون في الدستور والقانون والمؤسسة مطية لنزواتهم وقيوداً يستعملونها لتقييد سواهم، أما هم فلهم الحصانة المطلقة التي على أعتابها تتوقف الدساتير وتتعطل القوانين وتشلّ المؤسسات، انها حصانتهم الطائفية التي هي فوق كلّ الحصانات وغرائزهم التي هي فوق كلّ الحقوق، فوق حقوق المواطن وفوق حقوق الإنسان بكلّ أنواعها السياسية والمدنية والوجودية معها.

فإذا عدنا الى الملفين اللذين يعطلان اليوم الدولة ويجمّدان مؤسساتها وينذران بأبشع العواقب لوجدنا انّ التفلت من الدستور والقانون هو ما أنتج المشكلة وهو ما يمنع الحلّ ويضع لبنان في حال القلق والاضطراب.

ولنبدأ بالملف الأول والمعروف باسم «الناجحين في مجلس الخدمة المدنية» بوظيفة من فئة ثالثة أو رابعة من الفئات الإدارية في الدولة، فنجد انّ السلطة السياسية امتنعت بحجة عدم التوازن الطائفي عن اعتماد ما صدر عن مجلس الخدمة المدنية الذي طبّق القانون الذي أناط به أن يتلقى حاجات الوزارات الى الموظفين وشروط الوظيفة ويعلن عنها وينظم مباريات مناسبة لاختيار من يملأ به الشواغر ثم يرفع النتائج الى المعنيين لتنظم مراسيم التعيين بالأخذ حرفياً بما أفرزته المباريات من نتائج دون التوقف عند أيّ معيار آخر، لأنّ المادة 95 من الدستور تحصر مراعاة التوازن الطائفي بوظائف الفئة الأولى حيث انّ نصها الحرفي يقول «… في المرحلة الانتقالية… تلغى قاعدة التمثيل الطائفي ويعتمد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة والمختلطة وفقاً لمقتضيات الوفاق الوطني باستثناء وظائف الفئة الأولى فيها وفي ما يعادل الفئة الأولى وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين…» المرحلة هي التي تبدأ من تاريخ اعتماد الدستور وتنتهي بتاريخ إلغاء الطائفية السياسية .

هذه المادة واضحة في عناصرها الرئيسية لجهة عدم مراعاة الانتماء الطائفي في التوظيف إلا ضمن شرطين اثنين: شرط المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في وظائف الفئة الأولى دون تخصيص أيّ وظيفة لأيّ طائفة، والشرط الثاني مراعاة «مقتضيات الوفاق الوطني» في باقي الوظائف بما يعني عدم استبعاد أيّ طائفة أو أيّ مذهب من سلة التعيينات بشكل عام، دون ان يصل الأمر الى تطبيق نص المناصفة في كلّ شيء. وقد نكون بحاجة الى تحديد جزئيات وتفاصيل تطبيق هذا الأمر.

وفي هذا النطاق نستبعد مطلقاً فكرة القول بالمناصفة خارج الفئة الأولى كما نرفض فكرة الإقصاء الكلي لأيّ طائفة عن أيّ وظيفة، ويبقى ان نحدّد النسبة المقبولة في التعيين التي تدور بين الصفر والـ 50 وهنا يمكن اختيار أحد معياريين: إما معيار النسبة المئوية للطائفة الى مجموع السكان اللبنانيين او معيار الحدّ الأدنى المعقول كالقول مثلاً بنسبة 10 او 15 ، بما يعني انّ الدولة وعبر مؤسساتها الدستورية بحاجة الى تعيين هذا المعيار المقبول للمحافظة على مقتضيات الوفاق الوطني في التوظيف وبهذا ننهي الإشكال القائم ونمنع قيام إشكال جديد ونتجنّب خرق الدستور من هذا وذاك.

أما الموضوع الثاني فهو موضوع الملاحقة الجزائية للمسؤولين عن «جريمة البساتين» أو ما اصطلح على تسميته «حادثة قبرشمون«، وهي التي نجمت عن إقدام مسلحين على إطلاق نار أدّى الى مقتل اثنين من مرافقي الوزير صالح الغريب وجرح آخرين، وطالب حزب الوزير بإحالة الموضوع على المجلس العدلي ورفض «المشتبه به الظاهر» هذا الطلب، وجرى اصطفاف سياسي بينهما ما عطل اجتماعات مجلس الوزراء حيث يمتنع رئيس الحكومة عن الدعوة إليه، فهل من حق أحد ان يعطل مجلس الوزراء او يشترط عليه؟ وكيف تلاحق الجرائم أمام القضاء.

قبل الغوص في الموضوع نذكر بانّ الملاحقة الجزائية في لبنان تتمّ أمام قضاء من ثلاثة: القضاء العادي وهو قضاء ذو ولاية وصلاحية شاملة تقوم في إطار المنظومة القضائية المرتبطة بوزارة العدل، وقضاء استثنائي يتجسّد في القضاء العسكري والمتمثل بالمحكمة العسكرية المرتبطة بوزارة الدفاع، وأخيراً القضاء الخاص المتمثل بالمجلس العدلي الذي يشكل ويضع يده على قضية محدّدة بقرار من مجلس الوزراء الذي يتخذ قراره إذا كان من شأن الجريمة ووفقاً لاستنسابه أو ردة الفعل الأولية عليها أن تشكل مساساً بهيبة الدولة وبالأمن العام.

وانطلاقاً من هذا يكون منطقياً ان تبدأ الملاحقة الجزائية فور وقوع الجريمة بتحرك النيابة العامة التمييزية التي لها ان تبقي القضية في إطار القضاء العادي الشامل او تحيلها الى القضاء العسكري انْ وجدت في الجرم عناصر نص قانون القضاء العسكري على اعتبارها من صلاحية هذا القضاء.

اما الإحالة الى المجلس العدلي فهي حصرياً كما تقدّم من صلاحية مجلس الوزراء، وهنا نعود الى نظام هذا المجلس وصلاحية الدعوة الى انعقاده وصلاحية تنظيم جدول أعماله فنجد انّ الدستور أعطى هذه الصلاحية حصرياً لرئيس الوزراء يمارسها بالتنسيق مع رئيس الجمهورية والوزراء النص الدستوري: «يطلع رئيس الجمهورية والوزراء مسبقاً على المواضيع التي يتضمّنها جدول أعماله وعلى المواضيع الطارئة التي ستبحث» ، كما لحظ الدستور لرئيس الجمهورية صلاحية خاصة بترؤس الجلسة وطرح مواضيع من خارج جدول الأعمال إذا رأى انّ المصلحة الوطنية تفرض ذلك.

أما رئيس الحكومة ورغم انه المحدّد حصراً في الدستور بالدعوة الى مجلس الوزراء ووضع جدول أعماله، فإنه ليس مطلق الصلاحية بالتحكم بهذا المسار، فرئيس الحكومة ليس هو السلطة التنفيذية بل يمارس دور المدير وليس دور القائد، بمعنى انّ عليه ان يأخذ بالاعتبار ما يرد اليه من طلبات من الوزراء ويدرجها في الجدول او يؤخرها لكن ليس له ان يسقطها ويهملها كلياً، ولنقل بوضوح أكبر انّ روح الدستور تفرض ان يجد كلّ طلب من وزير طريقه الى جلسة مجلس الوزراء ولا يكون لرئيس الحكومة ان يمتنع عن الدعوة الى مجلس وزراء بحجة الطلبات التي ترده او طبيعتها، كما ليس لرئيس الحكومة ان يسقط طلبات الوزراء لأنه ليس رئيسهم بل هو رئيس مجلس الوزراء الذي له ان يناقش كلّ الطلبات ويقرّر بشأنها. وعليه نرى التالي ان:

1 ـ من حق أيّ وزير أن يطلب إدراج أيّ موضوع على جدول أعمال مجلس الوزراء، دون أن يكون له اشتراط إدراج طلبه في جدول إعمال هذه الجلسة او تلك.

2 ـ من حق رئيس الحكومة ان يدرج طلب الوزير في هذه الجلسة او تلك ولكن ليس من حقه ان يسقط الطلب كلياً او يمنع طرحه على مجلس الوزراء نهائياً او يؤخر طرحه دون مبرّر تعسفاً او تسويفاً.

3 ـ من حق رئيس الجمهورية ان يرأس أيّ جلسة لمجلس الوزراء وان يطرح أيّ موضوع من خارج جدول الأعمال دون ان يكون من حق أحد بما في ذلك رئيس الحكومة ان بمنع الرئيس او يحول دونه ودون ممارسته صلاحيته تلك.

4 ـ من حق مجلس الوزراء مجتمعاً وحصرياً أن يتخذ القرار بشأن أيّ موضوع ورد في جدول الأعمال او يطرح من خارجه، ويقرّر مجلس الوزراء إما بالتوافق أو بالتصويت وليس هناك سبيل آخر.

فإذا طبّقنا هذه القواعد على حادثة قبرشمون نجد الحلّ، ويكون على رئيس الحكومة أن يدعو إلى جلسة لمجلس الوزراء، وعليه أن يسمع لطلبات الوزراء دون فرض او إملاء، وله أن يضع جدول أعمال المجلس دون أن يفرض عليه هذا الموضوع أو ذاك، ويكون لرئيس الجمهورية أن يحضر الجلسة إذا اكتمل نصابها وأن يطرح من خارج جدول أعمالها ما يشاء، ويكون للمجلس أن يقرّر في كلّ شأن يعرض عليه، قراراً يعتمد بالتوافق او بالتصويت… هذا ما ينص عليه الدستور ببساطة فهل يطبّق؟

أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

Related Videos

ضمّ الشويفات إلى قبرشمون نحو المجلس العدلي

يوليو 26, 2019

ناصر قنديل

– طرح رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ما وصفه بالمبادرة الجديدة عبر الموافقة على إحالة حادثة قبرشمون إلى المجلس العدلي شرط ضم حادثة الشويفات إليها. ومن الزاوية المجردة يبدو العرض منطقياً، فدعاة المجلس العدلي يأخذون عليه رفضه كقرينة على وجود ما يخشاه، وهو يقول إن رفضتم فلديكم إذن ما تخشونه، وإن قالوا إن الرفض عائد لعدم تماثل الحادثتين، قال لهم إذن هناك دماء أغلى من دماء فيسقطهم في حفرة الشويفات الشعبيّة والاستهانة بدم ابنها الذي سقط في الحادثة، بينما الذي يريده جنبلاط هو أبعد من ذلك وهو فعلاً لم يطرح عرضه الجديد لاستخدام رفضه من الغير في الترسمل السياسي، بل ليستخدم الموافقة إن تمّت، في القول إن حادثة قبرشمون هي مجرد حادثة، أو اشتباك مسلح كما هي حادثة الشويفات، وليست اعتداءً على أمن الدولة ولا تعريضاً للسلم الأهلي بالخطر، كما هو القصد الأصلي من طلب الإحالة إلى المجلس العدلي، ويكفي الربط في الإحالة المزدوجة لإسقاط هذا المقصد.

– يعلم جنبلاط أنه لو كان صحيحاً ما يقوله عن أن المجلس العدلي مؤامرة تستهدفه لوجب القبول بعرضه الجديد، مثلما وجب السؤال لماذا يضع المجلس العدلي حلاً في مبادرته الجديدة، وأين أصبح مشروع سورية وحزب الله باستهدافه عبر المجلس العدلي، كما قال بجعل قبرشمون سيدة نجاة جديدة. والمقصود الحادثة التي انتهت بحل حزب القوات ودخول رئيس الحزب إلى السجن، أليس الطبيعي لو كانت هناك مؤامرة ألا تعطله إحالة حادثة الشويفات التي سيتمّ عندها تعيين محقق عدلي خاص لها، مختلف عن المحقق العدلي الخاص بقبرشمون، وبعد الإحالة ستسلك كل منهما طريقاً مختلفاً، فكيف تبددت المخاوف الجنبلاطية من المؤامرة فجأة وصار الحل بالإحالة، بدلاً من أن تكون الإحالة كما قال أصلاً، هي المشكلة؟

– طلب الإحالة المزدوجة يكشف أمرين، الأول أن الحديث عن مؤامرة وراء المطالبة بالإحالة مفتعل بهدف الضغط السياسي وتعطيل المسار القضائي بعد حادثة كادت تذهب بالبلد إلى كارثة، والربط بينها وبين حادثة تسلك مساراً سياسياً وقضائياً يعرف جنبلاط أنه في طريق النهاية وخواتيمه الأخيرة، يجب أن يشكل مصدر راحة للمعنيين بها طالما أنهم جزء من مؤامرة فيجعلونها مزدوجة بالإحالتين، حيث يمكن البدء بالتحقيق في حادثة الشويفات من الصفر بمجرد الإحالة الجديدة أسوة بقبرشمون، ويمكن عندها للمؤامرة بلوغ نتيجة مزدوجة بالاستهداف، طالما هي مؤامرة، ولو كانت كذلك لما وافق أن يذهب إليها بقدمين بعدما كان اتهامه للغير أنهم يأخدونه إليها بقدم واحدة، أما الأمر الثاني فهو أن جنبلاط بالربط ينسف كل الرواية الاشتراكية السابقة عما جرى في قبرشمون بتوصيفه ردّ فعل على كلام الوزير جبران باسيل، ليقول بالربط ضمناً أنه ردّ على الشويفات، فينقل ما جرى من دائرة الوقوع العفوي رداً على ما حدث قبل ساعات عبر كلام باسيل، إلى دائرة التخطيط رداً على ما حدث قبل سنة ونصف تقريباً في الشويفات، وينقله من دائرة الاستهداف بالصدفة للوزير صالح الغريب إلى الاستهداف العمد.

– كل هذا يعني أن تهرب مجلس الوزراء من مناقشة قضية ما جرى في الشويفات كحدث وقع في قلب زمن ولاية الحكومة، قبل أسابيع، والتذرّع بالحاجة للتوافق المسبق على الحل لمناقشة الحادثة، هو الذي يعطل الحكومة، لأن التوافق يعني منح طرفي القضية حق الفيتو ودعوتهما لتسوية النزاع بينهما سياسياً من باب التوافق على الحل، وهذا يعني شيئاً واحداً، هو جعل المسار القضائي مجرد ستارة لتظهير التفاهمات السياسية بأحكام قضائية، ويبدو أن هذا هدف يستحق أن يبقى لأجله مجلس الوزراء معطلاً، لأن الإحالة إلى المجلس العدلي بدون الاتفاق سلفاً على الأحكام وأسماء المتهمين سابقة تفسد السلم الأهلي أكثر من حادثة قبرشمون. فالسلم الأهلي قائم على كونفدرالية طوائف وليس على دولة القانون، وحادثة قبرشمون تعزز هذه الكونفدرالية، بينما الاحتكام إلى القضاء يضعفها، ويعزّز دولة القانون، وأهل الحل والربط متفقون على حماية الكونفدرالية.

ماذا ينتظر الحكومة من الاصطفافات الجديدة؟

ماذا ينتظر الحكومة من الاصطفافات الجديدة؟

يوليو 19, 2019

ناصر قنديل

– قد يكون الأمر مقتصراً حتى الآن على الرسائل التي يمكن لمن يقرأها ويقرأ عبرها ما هو أعمق من كونها مجرد مجموعة مصادفات غير مترابطة، لكنها ستتلاحق وتتراكم وتصبح سياسات. فالمعطيات المتاحة تقول إن مصير الحكومة التي ولدت من رحم التسوية الرئاسية ونتائج الانتخابات النيابية قد وضع على الطاولة، بقرار أميركي سعودي ويتم الاستعداد لترجمته بخطوات لاحقة، تستفيد من عدم الوقوع في خطأ احتجاز رئيس الحكومة في فندق الريتز قبل عامين، لكنها تستعيد التحرك للأهداف ذاتها.

– في توقيت واحد تأتي الرسالة الأميركية بالعقوبات على نائبين لحزب الله، لتقول وفقاً لما ينشره الأميركيون ويروج له جماعتهم، أن الاقتراب من جسم الدولة على خلفية الدعوة للفصل بينها وبين حزب الله، بات هو الخطة الأميركية المقبلة، وأن واشنطن التي تخسر من التصادم المباشر مع إيران في الخليج كما ستخسر «إسرائيل» من أي صدام مباشر مع حزب الله في لبنان أو عبر سورية، قد بلورت بالتنسيق مع كل الرياض وتل أبيب خطتها الجديدة، بتفادي الصدامات المباشرة، وفتح صفحة اشتباك سياسي في لبنان عنوانها، لا علاقة مع حكومة يتمثل فيها حزب الله، وستجعل هذا العنوان موضوعاً مالياً وسياسياً واقتصادياً في المرحلة المقبلة ليكون ورقتها القوية على طاولة التفاوض المقبلة مع إيران. هذا التفاوض غير المباشر الذي يجري على أكثر من منصة أهمها المنصة الأوروبية، التي سعت واشنطن لإشراكها في سياستها الجديدة ولم تفلح بعد.

– من أجل الفوز بالمهمة يعرف الأميركيون ان عليهم حشد نسبة قوى لبنانية كافية لخوضها، ولذلك تنصبّ الضغوط على رأس رئيس الحكومة سعد الحريري لجذبه إلى قوى التحشيد لخوض المعركة. وفي هذا السياق يبدو لافتاً حجم الحراك الصاخب مؤخراً لكل من ركني التحالف السابق مع رئيس الحكومة، مرة بالتصادم معه ومرة بمحاولة احتوائه، فبعد أداء روتيني ممل للقوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي يتناسب مع حجم كل منهما بعد الانتخابات النيابية وتشكيل الحكومة، وعجزهما عن ضخ الدماء في شرايين قوى الرابع عشر من آذار، رأينا القوات ترفع بطاقة حمراء بوجه الموازنة في خطوة مفتعلة لا تشبهها إلا خطوة وزير العمل المحسوب عليها في قضية العمالة الفلسطينية في لبنان. وبالتوازي رأينا الحزب التقدمي الاشتراكي يعود لاستخدام الأمن في السياسة بعد غياب طويل ويرفع شعارات تقارب درجة المخاطرة لتغطيتها، من نوع للمناطق أبوابها، ويفرض الطرفان حضورهما كصناع سياسة في المرتبة الأولى، بما يوحي بوجودهما تحت أنوار كاشفة قوية تختبر درجة القدرة وحجم الحضور وقدرة التأثير، ضمن معادلة تقديم أوراق اعتماد للعبة كبيرة، لكنها وما رافقها سراً وعلناً في الكلام مع رئيس الحكومة رسائل تقول، إن التسوية الرئاسية تضع بينه وبينهم حاجزاً عليه أن يتخطاه حتى تستعاد العلاقة إلى ايامها الخوالي.

– في المقلب السعودي يجري تحضير لسياسة جديدة تجاه لبنان، تقلب صفحة القطيعة المالية والاقتصادية، لكنها تضع لها مقابلاً سياسياً سيبدأ بالظهور تباعا، فالحديث مع رؤساء الحكومات السابقين، الذين لم يغير مرورهم لمقابلة رئيس الحكومة قبل السفر شيئاً في طبيعة الاستدعاء الذي تلقوه طلباً لتفعيل التحشيد في شارعهم الطائفي تحت عنوان الدعوة للفصل بين الدولة وحزب الله، وما يعنيه ذلك من وضع التسوية الرئاسية على المحك، من بوابة الحديث المبالغ به عن صلاحيات رئيس الحكومة واتفاق الطائف، والقضية لن تكون قضية الصلاحيات بل قضية حزب الله، للقول لرئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر، ما دام التحالف مع حزب الله قائماً فسترفع بوجه التسوية الرئاسية قضية الصلاحيات.

– لا قضية العمالة الفلسطينية ولا قضية الموازنة ولا قضية الإحالة إلى المجلس العدلي لحادثة قبرشمون، هي قضايا بذاتها لدى القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي، بل هي رسائل واضحة لرئيس الحكومة أنه سيوضع امام امتحانات قاسية عليه أن يتلقى خلالها الضربات غير المتوقعة، ويرتبك من معسكر من كانوا حلفاء ويفرض عليه الصمت على تجاوزاتهم وتغطيتها، إن أراد للرضى السعودي الأميركي الاستمرار، وصولاً لوضع حكومته ومستقبلها فوق الطاولة، وعندها عليه أن يختار.

– كلما قدم الرئيس الحريري تغطية ستطلب منه أخرى، وكلما تخطى امتحاناً سيواجه امتحاناً أصعب وصولاً للحظة التي عليه ان يقول فيها، داخل كتلته وأمام الرئيس فؤاد السنيورة أنه مقتنع بالتسوية الرئاسية لكنه لم يعد قادراً على الاستمرار، ويذهب للرياض فيطلب إليه تسمية أحد الرؤساء السابقين الثلاثة لخلافته في رئاسة الحكومة، فؤاد السنيورة أو تمام سلام أو نجيب ميقاتي.

Related Pictures

Image result for ‫فؤاد السنيورة عميل اسرائيلي‬‎

 

Image result for ‫فؤاد السنيورة عميل اسرائيلي‬‎Related image

Related image

Image result for ‫فؤاد السنيورة عميل اسرائيلي‬‎

Related Videos

السعودية: العودة إلى لبنان لتعويض خسارة اليمن

العدد:2994 تاريخ:17/07/2019

ناصر قنديل

– كما هربت إسرائيل نحو الخليج تسعى لتحقيق مكتسبات تقدمها لجمهورها تعويضاً عن الفشل بوجه حزب الله والمقاومة في لبنان، والطريق المسدود أمام أي محاولة لتحسين الأوضاع على جبهة لبنان، تبدو السعودية مقتنعة ببلوغ الطريق المسدود في جبهة اليمن، ليصير لبنان وجهتها البديلة مجدداً. فالحرب في اليمن في سنتها الخامسة لم تعد فيها أي آمال لتحقيق تقدم عسكري يصرَف في السياسة، والمبادرة العسكرية صارت بيد أنصار الله في استهداف العمق السعودي وتعريضه للخطر، والتجارة العالمية في أسواق النفط التي تشكل السعودية أحد أكبر اللاعبين فيها باتت رهينة لمعادلة الحرب اليمنية بعدما وضع أنصار الله لدخولهم حرب الناقلات والأنابيب عنواناً هو الردّ على العدوان السعودي الإماراتي على اليمن، وجاء التراجع الأميركي عن حماية المصالح السعودية والإماراتية التي كانت مشمولة بمهام الحشود العسكرية الأميركية في الخليج قبل أن تتراجع واشنطن، وبعده الانسحاب الإماراتي من حرب اليمن، ليجعل السعودية تستشعر خطورة العناد بإبقاء نيران الحرب مشتعلة.

– تقول مصادر يمنية إن العمليات الانتقامية التي كانت تعقب كل صاروخ يطال العمق السعودي تراجعت كثيراً، وإن البلاغات العسكرية السعودية عن إحباط عمليات قصف يمنية في أغلبها مفبركة لكسب الرأي العام، وإن تفاوضاً يجري بين القيادة العسكرية الأميركية للمنطقة الوسطى وأنصار الله في مسقط عبر وساطة عمانية طلبها الجانب الأميركي تحت شعار صياغة قواعد اشتباك تمنع التصادم في الخليج، سرعان ما تطورت لأكثر من ذلك. ويعتقد العمانيون أن السعوديين يتوجّسون من تفاهمات أميركية يمنية على حسابهم، وأن استئناف مساعي المبعوث الأممي مارتن غريفيت في الحديدة وتمهيده لإنعاش فرص الحل السياسي لاحقاً يحظيان بتغطية أميركية للنجاح، وأن الرياض أعطت موافقتها على تفاهم لتطبيق اتفاق ستوكهولم بصورة رضائية لم يكن مقبولاً منها ومن مؤيديها اليمنيين في حكومة عبد ربه منصور هادي من قبل، لأن الرياض بدأت تقترب من قرار الخروج من حرب اليمن بأقلّ الخسائر، وأنها تفهم معنى الكلام الأميركي عن إخراج إيران من اليمن كتغطية أميركية على فرصة تسوية تمنح حلفاء إيران مكاسب في اليمن الجديد، وتحرج السعودية إذا عارضت ومؤيديها اليمنيين، بينما ستكون إيران قوة دعم لتحصيل حلفائها اليمنيين لمكاسب قاتلوا من أجلها طويلاً، وترتضي منح الأميركيين الاستعراض الإعلامي بادعاء تحقيق الأرباح، فما فعله أنصار الله في حرب الناقلات والأنابيب حقق لإيران الكثير، لكنه فرض أنصار الله لاعباً إقليمياً وازناً، وإيران ستدعم ترجمة ذلك الوزن في أي تسوية للحرب في اليمن.

– اليمن قد يشكل مخرجاً من التجاذب الضاغط في الملف النووي الإيراني، ويمنح الفرصة بفتح قنوات التسوية السياسية، وفقاً للرؤية الفرنسية التي تقول بالتسليم بمكانة لأنصار الله في الخليج وأمنه تشبه مكانة حزب الله في المشرق وأمنه، كي تبدأ التهدئة الأميركية الإيرانية، وينفتح الباب التفاوضي أمام الأوروبيين وفي طليعتهم الرئيس الفرنسي ومبادرته للتوسّط التي تحظى بدعم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتمنح إيران مطالبها الاقتصادية من أوروبا، بقبول أميركي، مقابل عودة إيران إلى التزاماتها في الإتفاق النووي، تمهيداً للدخول في التفاوض حول حدود تطوير البرنامج الصاروخي الإيراني، الذي كان شرط إيران للبحث فيه إيفاء أوروبا بالتزاماتها المتضمنة في الاتفاق النووي، وتعتبره واشنطن الثمن الذي يوفر لها فرصة العودة الضمنية للاتفاق النووي والنزول عن شجرة التصعيد.

– بالتوازي مع كل ذلك تظهر الحركة السعودية نحو لبنان، من تمويل صحف جديدة، واستدعاء رؤساء حكومات سابقين، والدفع بمواقف تصعيدية لمكونات قوى الرابع عشر من آذار، سواء حركة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي التي ظهرت مفاجئة في حادث قبرشمون الدموي وما تلاه في السياسة من شعارات عن المناطق والأبواب، أو في حركة رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع تحت عنوان الموازنة والاشتباك المفتوح بوجوه متعددة على التيار الوطني الحر. وهو هجوم تلاقيه الصحافة السعودية بصورة لافتة باستهداف التيار ورئيسه بمقالات نافرة، فتبدو هذه الحركة كتعويض عن خسارة اليمن، تحظى بغطاء أميركي لتسهيل التراجع السعودي في اليمن، كبند في أي تهدئة مطلوبة مع إيران، ووفقاً لبعض المصادر فإن العقوبات الأميركية الأخيرة على قيادات من حزب الله ليست منفصلة عن مسعى تزخيم العملية السعودية نحو لبنان، والتي لا يبدو رئيس الحكومة سعد الحريري جزءاً منها، بل ربما كانت تستهدفه قبل سواه، تحجيماً تمهيداً للترويض والتطويع، لأهداف عملية الريتز ذاتها قبل عامين، ولكن بوسائل وظروف مختلفة.

RELATED VIDEOS

RELATED NEWS

لماذا لن يستقيل الحريري؟

يوليو 16, 2019

د. وفيق إبراهيم

استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري احتمالٌ تدفع إليه فئات داخلية متطرّفة تعمل بالمباشر وفق توجيهات سعودية تحتاج إلى موافقات أميركية ضرورية.

اليوم أضيف إلى هذه الفئات ثلاثة رؤساء حكومات سابقون طلبتهم الدوائر السعودية الرسمية على عجل ليس للتداول معهم بالشؤون الدولية والاستراتيجية.

وهكذا ابتدأ السنيورة وميقاتي وسلام فور وصولهم بلقاءات شكلية مع ولي العهد محمد بن سلمان والملك، هذا ما تقوله البيانات الرسمية لإضفاء طابع معنوي على اللقاءات، لكن المنطق لا يستسلم لهذه التغطيات اللغوية، اسألوا الراحل الكبير هيكل الذي التقاه الملك السعودي السابق عبدالله لمدة ساعة ونصف الساعة، وقال الإعلام السعودي إنهما تناقشا في مسائل عربية واستراتيجية. واعترف هيكل في مراحل لاحقة أن الملك لم يسأله إلا كيف يسيّر نفسه في الليل مع النساء وهو في أرذل العمر!؟

رؤساء حكوماتنا إذاً هم بين أيدي متخصصين سعوديين في الشأن اللبناني في وزارة الخارجية والمخابرات، لذلك فهم حيث يجب أن يكونوا.

وبما أنّ لبنان يمرّ بأزمة داخلية صعبة تتفجّر فيه العلاقات بين مراكز القوى الداخلية المتسربلة باللبوس المذهبي والإقليمي للزوم الحماية الكاملة، فإنّ هناك استشعاراً في المملكة بأنّ الدور السعودي في لبنان ذاهب إلى مزيد من التقلص وربما أكثر ويريدون بالتالي حمايته بوسائل داخلية.

ولأنّ السنيورة هو رجل المهام الصعبة في مثل هذه المراحل فكان لازماً استشارته والاستئناس بوجهات زميليه، هكذا يقول «البروتوكول».

أما الحقيقة، فإنّ الخارجية السعودية المستنيرة بالأمن الخارجي السعودي، والطرفان معتمدان على النصائح الأميركية، هذه الخارجية استجلبت على عجل رؤساء حكوماتنا لسؤالهم عن أفضل الطرق لإعادة إنتاج شكل جديد من حركة 14 آذار يمنع انهيار الدور السعودي مشدّداً الخناق على حزب الله بوسيلتين:

الاستفادة من العقوبات الأميركية على قياداته وهذه مدعاة لدعوة الدولة اللبنانية إلى توقيف التعامل مع الذين تشملهم العقوبات الأميركية، وذلك ببراءة سنيورية تعقبها لامبالاة «سلامية» وتقطيب حاجبين على الطريقة الميقاتية.

أما الوسيلة الثانية فهي الالتفاف حول الوزير السابق وليد جنبلاط بما يؤدّي إلى شرخ داخلي مقصود يستند إلى تدخلات إقليمية ودولية عميقة، فتنفجر العلاقات الأهلية إلى ما لا يُحمد عقباه. وهذا يضع حزب الله في وضعية صعبة ومأزومة.

فهذه الاحتمالات تدفع إلى استقالة الحريري وانتصاب أزمة ميثاقية خطيرة لا تنتهي إلا بالعودة إلى دستور الطائف 1992 الذي يزعم حزب المستقبل أنّ العونية الصاعدة تأكل من نفوذه تدريجياً عبر الرئاسة القوية للعماد عون واستنهاض المسيحيين على الطريقة الباسيلية والتحالف مع حزب الله.

لذلك تعتمد السعودية أسلوباً تحشيدياً لتأجيج الصراع الداخلي بالزعم أنّ المسيحيين يلتهمون حقوق السنة وحزب الله يصادر سيادة لبنان لحساب النفوذ الإيراني.

ولا يوجد في السعودية مَن يسأل ضيوفهم رؤساء الحكومات الثلاث ماذا فعلوا لأكبر منطقة سنية لبنانية في طرابلس وعكار والضنية والمنية والمينا وهم المسؤولون في الدولة منذ 1992 من دون انقطاع، قد يسكتون لأنهم لم ينفذوا مشروعاً واحداً فيها مكتفين بتأمين منطقة السوليدير وبنيتها التحتية وهي مجالات عقارية يمتلكها آل الحريري وشركاؤهم.

لذلك يذهبون دائماً نحو التحشيد على أسس مذهبية صرفة معتمدة على قراءات دينية ذات بعد عثماني مملوكي عمل طويلاً على إثارة التباينات الداخلية لتوطيد سلطاتهم السياسية.

هذا ما يشجع على الاعتقاد بأنّ الرؤساء الثلاثة عائدون لتنفيذ حركة أساسية تركز على إعادة تركيب تحالفات لبنانية تعمل لتأجيج الوضع الداخلي وذلك لمنع الانهيار في الدور السعودي في لبنان ومحاصرة حزب الله بناء على أوامر أميركية.

لذلك فإنّ هناك سؤالين ينبثقان على الفور، الأول هو هل ينجح المشروع السعودي مع بعض أطراف المستقبل بتحويل أزمة قبرشمون خلافاً وطنياً عميقاً؟ وهل لدى هؤلاء قدرة على دفع الحريري إلى الاستقالة؟

الاحتمال الأول لا يمتلك عناصره الفريق المستقبلي المتطرّف ومن بينهم النائب السابق مصطفى علوش عضو قيادة حزب المستقبل الذي بدأ بتركيب خطة التأزيم عندما قال إنّ النائبين المتعرّضين لعقوبات أميركية يتحمّلان «بمفرديهما المسؤولية»، مضيفاً بأنّ على الدولة اللبنانية معرفة ماذا يفعلان خارج دوريهما في مجلس النواب؟ أيّ في اطار «المقاومة»!

ماذا الآن عن الاحتمال الآخر؟ هل يستقيل الحريري بطلب سعودي أو بنصيحة سنيورية لها أبعاد مختلفة؟

يعرف رئيس الحكومة أنّ استقالته تفتح أزمة وطنية، لكنها ليست مسدودة. فالميثاقية لا تعني احتكاراً جنبلاطياً للدروز وحريرياً للسنة، وكذلك الأمر على مستوى القوى المسيحية.

وحدهمها حزب الله وحركة أمل هما اللذان يسيطران على كامل التمثيل الشيعي وبإمكانهما إحداث «ازمة ميثاقية» في حالة تشكيل اي حكومة.

هذا لا يعني أبداً أنّ هذه الحالات صحيحة أو سليمة، وهذا هو الواقع الواجب التعامل مع حيثياته، حسب الطبيعة الطائفية الميثاقية للنظام السياسي المعمول به.

على المستوى السياسي يعرف الحريري انّ تحالف التيار الوطني الحر وحزب الله وحركة أمل والمردة والسنة المستقلين والتيار الأرسلاني لهم القدرة والدافعية على التجمّع والتناصر في المحن، وهؤلاء بوسعهم تأمين قوة دعم نيابية كافية لتشكيل أيّ حكومة جديدة برئاسات جديدة.

لذلك فإنّ استقالة الحريري في هذه الظروف لا تعني إلا تدمير الظروف المناسبة لعودته، كما انّ تحريض القوى المتطرفة لتفجير الاستقرار الداخلي لا يؤدّي إلا إلى عودة الإرهاب المختبئ على مقربة منهم، ولا قدرة له على النجاح.

هذا بالإضافة إلى أنّ المراهنة على حرب إقليمية أو هجوم إسرائيلي هي الوسائل المجربة سابقاً والتي لم تعطِ إلا مردوداً عكسياً، هذا ما يؤكد بأنّ الحريري لن يستقيل لأنه يعرف أنّ الطامعين برئاسة الحكومة من بين فريقه السياسي يتربّصون به ويكيدون له ربطاً بموازين القوى الداخلية والخارجية التي يمسك بها حزب الله تماماً.

هذا ما يؤكد على أنّ الحريري لن يستقيل وسط تأييد كامل من حزب الله والتيار الوطني الحر وحركة أمل، وبقي عليه أن يحتوي ما يحمله «ثلاثي السعودية» من تعليمات غير قابلة للتطبيق، وأولها دفع الحريري إلى الاستقالة عند إصرار الفريق الأرسلاني على إحالة فتنة قبرشمون إلى المجلس العدلي.

رؤساء الحكومة السابقون في السعودية: وساطة لـ«تحصين» الحريري

 

على وهج ترقب مصير الحكومة المعلقة اجتماعاتها، تأتي زيارة رؤساء الحكومة السابقين الى الرياض، والتي ستترك ارتدادات على المشهد اللبناني لكونها محاولة جديدة لإقناع المملكة بدعم الرئيس سعد الحريري على كل المستويات في مواجهة العهد وحزب الله

بشكل مُفاجئ، نشَطت حركة رؤساء الحكومة السابقين، بحثاً عن «تنفيسة» لغضب جمهورهم في لبنان. الأمر لم يعُد سرّاً. تحدّث عنه سعد الحريري في مؤتمر صحافي أخيراً. بدا هؤلاء، في الأشهر الماضية، كأنهم في سباق مع ما يجري من أحداث على الساحة الداخلية، لإحداث أي كوة في جدار التسوية الصلبة مع رئيس الجمهورية ميشال عون ووزير الخارجية جبران باسيل. وبعدَ اعتراف رئيس الحكومة بهذا الغضب، أصبحوا مستعجلين أكثر من أي وقت مضى إحياء خط دفاع قوي خلفه في وجه التسوية. وبِدافع الحاجة إلى ذلك، تقرّر أن تكون المملكة العربية السعودية هي  لوجهة، رغم كل التناقض في إدارتها للملف اللبناني.

الزيارة حصلت بعد التنسيق مع الحريري وبمساعدة السفير السعودي في بيروت(مروان طحطح)

الرئيس فؤاد السنيورة صاحِب الفكرة، ومعه الكاتب رضوان السيد. «نظريتهما» تنطلِق من مبدأ أن «الطائفة السنية في لبنان لم يُعد جائزاً تركها». حمل السنيورة والسيد هذا العنوان، ودارا به الى السفارات السعودية والإماراتية والمصرية في لبنان تمهيداً لزيارة الى المملكة. وفي إطار الترويج، حرص أبرز عضوين في «مجموعة العشرين» على تأكيد أن «لا بديل لسعد الحريري، وأن تحصينه يحتاج الى دعم على المستويات كافة». وتفرّع عن هذا العنوان الكبير ثلاثة عناوين أخرى على الشكل التالي:

أولاً، أن الحريري يضعف لأن الرياض لا تدعمه كما يجِب، ولا بدّ من ترميم وضعه لأن لا بديلَ منه، واحتضانه يجب أن يحصل على المستويات كافة.

ثانياً، إعادة الاعتبار لمكانة المملكة في لبنان، لا من جانبها الرمزي أو كونها تشكل محور التوازن مع إيران وحزب الله، وحسب، بل من منطلق أن خسارتها لبنان يُفقدها الطائفة السنية.

ثالثاً، إعادة الاعتبار لاتفاق الطائف، ليسَ لكونه يعبّر عن الشراكة الإسلامية – المسيحية وحسب، بل بوصفه الضمانة الوحيدة لصلاحيات رئاسة الحكومة ضد «الهيمنة» التي يُحاول وزير الخارجية جبران باسيل فرضَها.

هذه مجموعة من الأفكار التي رتّبها الرجلان منذ نحو 3 أشهر، وبدأ الترويج لها ضمن شبكة كبيرة ضمت إلى جانب «مجموعة العشرين» شخصيات في الخط الأوسع لـ«الحريري»، من بينها رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان الذي يعمل بالتوازي على تأسيس ما يُسمى «مجلِس حكماء» يُقال إن مهمته «وضع حدّ للاستمرار في تجاوز الدستور والتمادي في مخالفة ما نص عليه اتفاق الطائف».

السنيورة صاحِب الفكرة ومعه الكاتب رضوان السيد

حازت هذه الأفكار إعجاب السفراء، تحديداً السفير السعودي وليد البخاري، الذي بدأ يعدّ العدة للزيارة. وكان لافتاً أن الرياض لم تتأخر في توجيه الدعوة الى كل من السنيورة ومعه الرئيسان تمام سلام ونجيب ميقاتي.

مصادر مطلعة على أجواء حركة الرؤساء أكدت أن التحضيرات «حصلت بالتنسيق مع الرئيس الحريري، لذا سبَقت هذه الزيارة لقاءات بينه وبين الرؤساء الثلاثة للاتفاق على برنامج العمل وجدول الأعمال وعدّة الشغل». تحمِل الزيارة بحسب المصادر جرعة دعم، مفادها أن «سلام والسنيورة وميقاتي أصبحوا يشكلون حيثية تقِف على يمين الرئيس الحريري في المنعطفات الأساسية»، فيما دعم دار الفتوى «تحصيل حاصل». وبذلك يكون رئيس الحكومة قد أصبحَ «محصّناً بخط دفاع ضد اتجاهين: واحد يمثله عهد الرئيس ميشال عون للحدّ من محاولات المس بصلاحيات رئيس الحكومة، وآخر يمثله حزب الله لمنعه من استخدام الساحة اللبنانية لمصلحة إيران». وتعتبر المصادر أن هذه الخطوة «جاءت متأخرة لكن كان لا بدّ منها، لأن الحريري لا يستطيع المواجهة وحده من دون شبكة أمان داخلية وخارجية تعمل كجبهة متراصة تحقق توازناً مع العهد».

في هذا الإطار، أشار الرؤساء الثلاثة إلى أن «الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز أكد حرص السعودية القوي والثابت على لبنان واستقلاله وسيادته وصيانة اتفاق الطائف». وفي بيان مشترك لفتوا الى أن «الملك سلمان شدد على أهمية صيغة العيش المشترك بين جميع اللبنانيين بشتى طوائفهم وانتماءاتهم، وكل ذلك تحت سقف الدستور واحترام القوانين واحترام الشرعية العربية والدولية، وأن السعودية لن تدّخر جهداً من أجل حماية وحدة لبنان وسيادته واستقلاله».

%d bloggers like this: