الأميركيون يعلنون الحرب على لبنان!

يناير 12, 2019

د. وفيق إبراهيم

هل بات نزعُ التغطية الدولية والإقليمية عن لبنان مسألة وقت لم يعد بعيداً؟ سؤال في موضعه الدقيق بعد «المطوّلات» التي أطلقها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في العاصمة المصرية القاهرة، ومن على منبر جامعتها الأميركية.

جزم بأن بلاده تحضر لانسحاب وشيك لقواتها من شرق الفرات والشمال السوريين، إلا أنها تتهيأ ايضاً لمواصلة قتال إيران «بالسبل الدبلوماسية» و»داعش» بوسائل أخرى لم يحددها، لعلها تشبه حربها على منظمة «النصرة» الارهابية التي اجتاحت مؤخراً الشمال وإدلب السوريين وسط صمت وتجاهل أميركي وتركي وأوروبي وخليجي. وحدها الدولة السورية دفعت بقسم من قواتها لمجابهة النصرة وبعض بؤر التنظيمات الموالية لتركيا وداعش ذات الولاء المتنوّع.

ما شكل تغييراً عن نمط الضغط الدبلوماسي الأميركي الذي أشار اليه بومبيو، هو إعلانه عن تنسيق أميركي إسرائيلي لضرب حالة التضخم العسكري السياسي لحزب الله في لبنان متحدثاً عن عشرات آلاف الصواريخ المخبوءة في منازل القرى والبلدات التي تهدد الأمن الاستراتيجي الإسرائيلي، مؤكداً العمل الأميركي الإسرائيلي على إزالتها، وهذه الإزالة غير ممكنة بالفرشاة أو الممحاة.

وتحتاج الى حروب عسكرية كبيرة ومتعدّدة على مستوى لبنان بكامله ومدنييه وقراه ومدنه.

وليس أكيداً نجاحها بتحقيق أهدافها مع حزب بمستوى حزب الله يقاتل منذ 1982 وحتى 2006 في حروب غوار شعبية ويحارب منذ 2011 على الأراضي السورية بالشكلين الشعبي والتقليدي مكتسباً مهارات احترافية تضعه في مستوى أهم جيوش المنطقة مضيفاً اليه الالتزام الايديولوجي الذي يضفي على مقاتليه إمكانات إضافية قد تكون أكثر أهمية من الحديد والنار.

يتبين بالاستنتاج الدقيق أن جماهيرية حزب الله في لبنان وانتشاره على معظم مساحته الجغرافية تجعل من الصعب استهدافه من دون اصابة التجمعات المدنية لكل الطوائف والمذاهب فيه.

لمزيد من التفسير يمكن القول وبصوت عالٍ إن بومبيو يعلن الحرب الإسرائيلية الأميركية على لبنان من دون أن يرف له جفن، وهذه فرصة تتلقفها العدوانية الإسرائيلية المستفيدة من الصراخ الأميركي لتحشيد المنطقة العربية ضد إيران وتحالفاتها.

ماذا يعني إعلان الحرب الأميركية على حزب الله من منبر مصري؟ هذا يدلّ على وجود تغطية عربية خليجية متنوعة، تذهب حالياً نحو تشكيل قوة إسناد عسكرية للحلف الإسرائيلي الأميركي كما أكد بومبيو في كلمته في مصر بمشاركة وزير خارجيتها سامح شكري.

وعندما تجتمع الأطراف الأميركية والعربية والإسرائيلية على ضرورة الانتهاء من ظاهرة حزب الله. فهذا له تفسير وحيد وهو رفع الغطاء الغربي العربي عن لبنان وإعلانه ساحة لكل أنواع الصراعات العسكرية والسياسية.

وإذا كان الصراع العسكري مختزلاً بإعلان الحروب المتنوعة فإن الحرب السياسية تتضمن جانبين:

الأول وقف التعامل مع مؤسساته السياسية والثاني وضعه في دائرة العقاب الاقتصادي.

قد يقول «متفلسف» إن الأميركيين يريدون بهذه المواقف فتح جبهات داخلية لبنانية، في إطار فتنة تتهم فيها أطراف لبنانية أخرى ذات ولاء سعودي وأميركي حزب الله بأنه سبب خراب لبنان، فتؤجج الوضع الداخلي وتدفعه الى احتراب داخلي يدفع باتجاه حرب أهلية.

ولم يهمهم الأمر، يمكن تأكيد أن الساعين المحليين الى الفتنة حاضرون، لكن ما يتمتعون به من امكانات لا يصل الى مستوى إعداد حروب عصابات على شاكلة المافيا وشبيهاتها.

فحزب الله ذو مستوى إقليمي يحارب العدو بقدرة المتمكن ويتعامل مع اللبنانيين بأسلوب الشقيق المتواضع، والجميع في لبنان مُلمٌ بهذه القاعدة، لذلك يكتفي الآخرون بشن حروب إعلامية هدفها رفع سعرهم في التحاصص الداخلي والصفقات.

تدفع هذه المعطيات الى الربط بين الهجوم الأميركي على حزب الله من مصر وبين الانسداد الكبير في حركة تشكيل حكومة جديدة حتى أن المسؤولين يفكرون بإعادة الاعتبار لحكومة تصريف الاعمال الموجودة حالياً لادارة البلد، بشكل اوسع مما يبيحه الدستور لحكومة مستقيلة.

وهنا يجب الربط المباشر والواضح بين عجز القوى السياسية اللبنانية عن تشكيل حكومة جديدة وبين الاستهداف الأميركي الإسرائيلي الخليجي لحزب الله.

فكيف يمكن لقوى وثيقة الصلة بالخارج ان تقبل بحكومة يمتلك حزب الله وتحالفاته فيها وزناً كبيراً في وقت تعمل مرجعياتها الخارجية على ضرب هذا الحزب؟

هذا هو التفسير المنطقي لحالات رفض تمثيل القوى الحليفة لحزب الله في الحكومة الجديدة بموازاة الإصرار الإضافي على تمثيل محدود للحزب في الحكومة.

وكيف يمكن تشكيل حكومة حتى لو كانت ميثاقية من دون الاستناد الى نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة؟

وهل يستطيع رئيس الوزراء المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري التمرّد على السياسة السعودية والقبول بحكومة متوازنة تُجسّد كل الأطراف؟

والجواب يعرفه كل اللبنانيين المتابعين لعلاقات السعودية بالحريري الذي أعلن أنه «بَيْ السنة» فيما كان مطلوباً منه ان يكون رئيساً لمجلس وزراء كل كل لبنان.

واذا كان رئيس المجلس النيابي نبيه بري المعروف باعتداله نعى الحكومة قبل أسبوع، معتبراً انها في «خبر كان» فإنه لم يعد يبحث إلا عن طرق «لإدارة الخلاف» وذلك بالابتعاد النسبي عن صراعات الإقليم وتجميد المواضيع التي تتسبب باندلاع خلافات، فهل ينجح؟

هناك سباق بين ادارة أميركية إسرائيلية لتفجير الأوضاع في لبنان وبين محور المقاومة المصرّ على تجنيبه هذا المصير والرابح هو المنتصر في ميادين سورية وليست جماعة من المتوهمين الذي يبنون سياساتهم على قياس ما يريده الخارج حتى لو أدت الى خراب البلاد.

Related Videos

Related Articles

Advertisements

أجّلتم الحكومة لتمرّروا القمة… فلتأجّلوا القمة لتشكّلوا الحكومة

يناير 10, 2019

ناصر قنديل

– الأجواء الآتية من كواليس المشاورات العربية حول دعوة سورية لحضور القمة العربية الاقتصادية في بيروت، تكشف حجم التلاقي بين لائحة من الأطراف الداعية للتمهل في عودة سورية إلى الجامعة العربية ودعوتها إلى القمم العربية، وحيث تحمل التمنيات الأميركية رائحة الحسابات الإسرائيلية، تحت شعار «أن الأهم ألا يبدو أن خصوم سورية قد هزموا وأن سورية قد انتصرت»، تسمح بفهم حجم لائحة الذين يجمعهم هذا الشعار، والتدقيق باللبنانيين من بينهم، ولكن خصوصاً ما تبرزه الأجواء من مساعٍ حثيثة بذلها الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة سعد الحريري، لطلب عدم إحراجه وفريقه وحلفائه بدعوة سورية، وتقديم غياب حكومة فاعلة كعذر للعجز عن اتخاذ قرار لبناني موحّد، يكشف العلاقة بين تشكيل الحكومة وانعقاد القمة ودعوة سورية لحضورها.

– خلال ثمانية شهور نجح الرئيس المكلف بتأجيل ولادة الحكومة، متنازلاً عن صفته كصاحب صلاحية أولى في إنتاج التشكيلة الحكومية، بهدف رمي المسؤولية بالفشل الحكومي، الشبيه بالفشل الكلوي في الأجساد البشرية، على سواه، فهو مرّة غير معني لأن القضية بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، ومرّة بين القوات ورئيس الجمهورية حول منصب نائب رئيس الحكومة أو حول الحقيبة السيادية، ومرّة بين رئيس الجمهورية والحزب التقدمي الاشتراكي حول المقعد الدرزي الثالث، وبعد حين يكشف أنه تجاهل طلب ثنائي حركة أمل وحزب الله بتمثيل نواب اللقاء التشاوري، والتجاهل لتظهير المطلب كعقدة في طريق التشكيل، وترك البلد بلا حكومة، وبقاء الرئيس المكلف بلا مسؤولية، وصولاً للقول إن العقدة هي في الثلث المعطل الذي يطلبه رئيس الجمهورية ورئيس التيار الوطني الحر، بينما يحتفظ الحريري وحده بالثلث المعطل مرتاحاً، متفرجاً تاركاً البلد بلا حكومة، وطريق ولادتها سهل وستظهر سهولته عند ولادتها ويكون السؤال مشروعاً: لماذا تمّ هذا الآن ولم يتم من قبل، كما في كل مرة؟

– نصب الحريري ومن وراءه فخاخاً للجميع، ويجب الاعتراف أنهم وقعوا فيها، عندما أوحى لهم أنه يتنازل عن دوره في تشكيل الحكومة لهم، وهو في كل مرة يؤكد أنه يفعل ذلك ليحمل سواه مسؤولية عدم ولادة الحكومة، لا أن يمنحه شرف حل عقدها، فتهرّب الحريري من معادلة عادلة لتوزيع المقاعد بين فريقي 14 و8 آذار وفاز مع حلفائه في 14 آذار بضعف عدد مقاعد خصومه في 8 آذار تقريباً، وتبادل مع رئيس الجمهورية مقعداً سنياً بمقعد ماروني ليحمله مسؤولية تمثيل اللقاء التشاوري، ويحتفظ بحق الفيتو في التمثيل ليضمن الفشل، والحصيلة أمامنا، تنازلات من الجميع والحريري رابح، لكن الآخرين يحملون مسؤولية بقاء البلد بلا حكومة، وهو هنا رابح مرة ثانية، لأن القضية أن تبقى البلد بلا حكومة حتى تنعقد القمة العربية، بحضور سورية فيغيب كرئيس حكومة تصريف أعمال، أو بغيابها فيحضر، وفي الحالين تولد الحكومة بعد القمة.

– المعادلة التي أعلنها رئيس المجلس النيابي نبيه بري بالدعوة لتأجيل القمة بسبب غياب حكومة في لبنان، تجيب على كل الأسئلة وتقول ضمناً، أجلتم الحكومة لتمرّروا القمة، فلتأجّلوا القمة حتى تشكلوا حكومة.

– هل يتلقف رئيس الجمهورية دعوة بري، لوضع النقاط على الحروف؟

Related Videos

Related Posts

كي يكون لبنان القوي وتكون الجمهورية القوية

 

يناير 4, 2019

ناصر قنديل

– سيطرت خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي نظرية عنوانها قوة لبنان في ضعفه على السياسة الرسمية للدولة اللبنانية ومؤسساتها، وكان جوهرها يقول إن أي مصادر قوة للبنان ستجعله هدفاً للعدوان الإسرائيلي أسوة بحال الدول العربية الأخرى، وكان ذلك مخالفاً بالطبع لتحذيرات أطلقها من يمكن تسميتهم بفلاسفة لبنان الاستقلال من أمثال شارل مالك وميشال شيحا، من كون الخطر الإسرائيلي نابعاً من الأطماع بمياه لبنان ودوره الاقتصادي، وكانت النتيجة التي يعرفها الجميع بوقوع أغلب الأراضي اللبنانية تحت الاحتلال عام 1982، بعد سلسلة اعتداءات بدأت على نهر الوزاني عام 1964 ومطار بيروت عام 1968 قبل أن يكون في لبنان أي سلاح يتحدى السيطرة الإسرائيلية، وبقي الاحتلال لأكثر من عشرين عاماً رغم زوال السلاح الذي تذرعت به إسرائيل لشن عدوانها، وخلال الفترة الممتدة بين العدوان الأول ونهاية الاحتلال سقطت نظرية قوة لبنان في ضعفه سقوطاً مدوياً، حيث كان يقوم شقها الثاني على اعتبار العلاقات الدولية للبنان كفيلة برد الخطر الإسرائيلي عنه، فبقي القرار 425 معلقاً بلا تنفيذ حتى نجحت مقاومة الشعب اللبناني الممتدة منذ عام 1982 والتي نظّمتها وقادتها الأحزاب اللبنانية المنبوذة والملاحقة من دولتها، مثبتة مقولة معاكسة قوامها قوة لبنان بمقاومته ووحدة شعبه ، وصولاً للمعادلة الذهبية التي ظهرت بقوة مع التصدي لعدوان تموز 2008 بصيغة الشعب والجيش والمقاومة .

– اليوم رغم الخطاب السياسي لبعض القوى المناوئة لخيار المقاومة، الداعي لمناقشة وضع سلاحها ومستقبله، لا يوجد منطق لدى أصحاب هذا الخطاب يستطيع إعادة إنتاج نظرية قوة لبنان في ضعفه. فسقف ما يتحدث عنه هؤلاء هو أن الجيش اللبناني قادر على صد أي عدوان أو أن ضمّ سلاح المقاومة لمقدرات الجيش سيجعله قادراً على ذلك، ما يعني أن السقوط النهائي لنظرية قوة لبنان في ضعفه، وبقاء تردّداتها ضمن دائرة اللعب السياسي لإضعاف المقاومة لحساب معادلات خارجية يمثلها أصحاب الخطاب العدائي للمقاومة، إلا أن أحداً في الدولة ومؤسساتها لم يعد يجرؤ على التحدث عن قوة لبنان في ضعفه، بل لم يعد أحد يجرؤ على الحديث عن قوة للبنان بلا المقاومة، ولو من خلال الرد على التحديات التي تمثلها التهديدات الإسرائيلية، أو من خلال رفض اعتبار سلاح المقاومة مصدراً للخطر على لبنان، أو على الأقل اعتباره شأناً يمكن التعايش معه على قاعدة ما يسمونه بربط النزاع.

– لا ينتبه الكثير من اللبنانيين إلى خطورة الانزلاق لمظهر جديد لنظرية قوة لبنان في ضعفه، مبني على وهم فرضية أن يكون لبنان قوياً إذا كان ضعيفاً في تماسك نسيجه الداخلي، أو إمكانية أن يصير لبنان قوياً إذا ضعفت الدولة أمام الطوائف والتشكيلات والحسابات الطائفية، فلبنان القوي والجمهورية القوية، مرادفان لقوة الدولة قياساً بقوة الطوائف واستقواء كياناتها السياسية على الدولة، والثابت من عمر لبنان السياسي أن طريق بناء الدولة القوية لا يمكن أن يمر إلا على حساب إضعاف حضور الطوائف وكياناتها السياسية الذي ينهش من هيبة الدولة ويأكل خيراتها، ويحولها هيكلاً شكلياً لتساكن بارد أحياناً وحار أحياناً أخرى ومشتعل بحرب أهلية أحياناً ثالثة، بين دويلات غير معلنة أو شبه معلنة أو معلنة أحياناً، والدستور في أي دولة هو خريطة طريق لقوتها، وقد قام دستور ما بعد الطائف على معادلة تقوية الدولة تدريجياً على حساب الانقسام الطائفي الموروث من الحرب الأهلية، وصولاً لإلغاء الطائفية كهدف نهائي رسمه الدستور، ولم يف بتحقيقه المؤتمنون على هذا الدستور بعد، بوضع الآلية التنفيذية التي نصت عليها المادة 95 من الدستور قيد التنفيذ، وخارج الدستور لا دولة قوية، وبتنمية العصبيات الطائفية لا دولة قوية، وبتقاسم وظائف الدولة وخيراتها على اساس طائفي لا قيام للبنان قوي. والأهم بقانون انتخابات يعيد إنتاج الحياة السياسية على أساس مفرط في الطائفية، تضعف الدولة ويضعف لبنان وتتجه الجمهورية نحو السقوط، لأن البديل الذي ينمو في رحمها، هو دويلات وجمهوريات، ومرادف إدارة الظهر للدستور، وتجاهل روحه وجوهره ونصوصه الواضحة، بداية تآكل مشروع الدولة وانهيارها، أليس هذا ما نحن فيه اليوم؟

– المأزق الحكومي ولو تم تجاوزه بتسوية، كشف ما لم يعد ممكناً ستره حول ما أنجبه قانون الانتخابات النيابية الذي لم يحترم المادتين 22 و95 من الدستور، رغم مرور قرابة ثلاثين عاماً على وضع هذا الدستور، وبالمناسبة ليس هناك بلد في العالم غير لبنان يتحدث دستوره عن موجبات ملزمة لاحقة بقيت لاحقة ومؤقتة تنتظر من ينفذها ولم تنفذ. وجاء قانون الانتخابات ليكشف عبر المأزق الحكومي حجم الاستيقاظ الطائفي الذي ينهش الدولة، ونوع القضايا التي تحكم تشكيل الحكومات، بحيث لن تكون أي حكومة ينتجها هذا القانون الانتخابي إلا حكومة تصريف أعمال بأحسن الأحوال، ومنصة لفض النزاعات الطائفية حول المحاصصة، والاعتماد على المزيد من الديون في تحريك الاقتصاد، فاللا دولة تفليسة غير معلنة، والاقتصاد الوطني مشروط بوجود دولة، تضعف فرص وجودها يوماً فيوم، فيكفي لها أن تكون قوية لتنهض بالاقتصاد، وكيف لوعد مكافحة الفساد أن يتحقق وللفساد محميات طائفية ممنوع الاقتراب منها، والتوظيف في الدولة من أعلى مراتب الوظيفة إلى أدناها يقوم على الولاء للطائفة وزعيم الطائفة وحزب الطائفة ومحازبي الطائفة، وعلى حساب الولاء للدولة ومؤسسات الدولة ومواطني الدولة، وكيف لدولة أن تنتظر من مواطن تعامله كزبون يمر عبر وكالة حصرية طائفية، أن يعاملها كمرجع وهي تتهرّب من طبابته وتعليمه وإسكانه وتوفير الخدمات له كمواطن. والمواطنة مصطلح غائب عن الحياة السياسية، ومساواة المواطنين أمام القانون نص في الدستور لكنه مهمل لحساب نص مضمر، اللبنانيون طوائف متساوية في الحق بعائدات الدولة ووظائفها .

– ألفباء لبنان القوي، والجمهورية القوية، هي الدولة القوية، وإذا كانت قوة الأطراف اللبنانية هي قوة البعض بوجه البعض الآخر، تبدأ بقياس عدد النواب والوزراء وتنتهي بما لا تحمد عقباه على حساب الوطن والدولة، والاستقواء استعداد مضمر لحرب أهلية وإلا لماذا يستقوي بعضنا على بعض، إلا أن قوة الدولة تقاس بدرجة قوتها ككائن مستقل على جميع الأطراف حكماً، وهي لم تكن يوماً ولن تكون بمجموع قوتهم منفردين فقوتهم مأخوذة من قوتها بالأساس. والدولة القوية لها خريطة طريق هي السير نحو دولة المواطنة. فقوة لبنان ليست في ضعفه، لأن النسيج الاجتماعي الهش ينتج حرباً أهلية وفي أحسن الأحوال فدرالية دويلات، لكنه لا ينتج دولة قوية، والنسيج الاجتماعي المتماسك شرطه الواجب المواطنة، والدستور هو وثيقة الوفاق الوطني وهو المرجع الحاكم لبناء الدولة، والعقد الاجتماعي المتاح للانطلاق منه نحو الأفضل، والأمر بات وجودياً، فهل علينا أن ننتظر اختبار قوة لبنان في ضعفه داخلياً بكارثة تشبه كارثة الاحتلال التي جلبتها نظرية قوة لبنان في ضعفه خارجياً، حتى نستدير نحو مصدر القوة الحقيقي بالخروج من كهوف العصبيات إلى رحاب الوطن؟

– يحب اللبنانيون أن يسمعوا خطاباً عن حقوق اللبنانيين بدلاً من أن تصم آذانهم بخطاب يتحدث عن حقوق المسلمين وحقوق المسيحيين.

Related Videos

Related Posts

«لعبة الأنفاق» لا تُعوِّض الخسائر

 

ديسمبر 8, 2018

د. وفيق إبراهيم

تُثيرُ «إسرائيل» منذ أسبوع تقريباً «مسألة أنفاق» تقول إنّ حزب الله حفرها من داخل قرى لبنانية مواجهة لحدودها الشمالية مع لبنان لاستخدامها في «أعمال إرهابية» على أراضيها.

بداية، ليس هناك عربي باستثناء حكام الخليج وبعض سياسيّي لبنان من ذوي التاريخ الإسرائيلي يدين حزب الله على عمل مشابه مع عدو سلب كامل فلسطين المحتلة مُشرّداً شعبها ويحتلّ أراضي سورية ولبنانية مهاجماً قطاع غزة كلّ أسبوع وملتهماً الضفة الغربية تدريجياً ويجول في لبنان جواً وبحراً وبراً من دون انقطاع ولا يلقى أيّ اعتراض او استنكار من الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية المزعومة. فإذا كان الحزب هو الذي حفرها فلا يمكن إلا الدعاء بالخير لسواعد مجاهديه، فهل ينسى أحدٌ الغارات الإسرائيلية على مواقع الجيش السوري وحلفائه في معظم الأراضي السورية؟

بأيّ حال، فإنّ قراءة التوقيت في توجيه الاتهام لحزب الله بحفر الأنفاق مريب ومشكوك فيه، لأنها تعقب مباشرة تنفيذ العقوبات على إيران ومسارعة الأميركيين للإصرار على وقفٍ لإطلاق النار مع الإرهاب في منطقة إدلب.

تُرى هل توافق الشرطة الأميركية على تنظيم وقفٍ لإطلاق النار مع العصابات في شيكاغو؟

وتعمل أيضاً على «كنتنة» شرق الفرات بتوزيعه على أفخاذ من عشائر متورّطة ومموّلة خليجياً وبين المشروع الكردي الضائع بين جرافات المشاريع الكبرى والقواعد الأميركية المنتشرة حتى الشمال. كما تدغدغ أحلام الأتراك بضمّ قسم من الشمال السوري إليهم بمزاعم عثمانية، هذا الى جانب انكفاء الدور الأردني الداعم للإرهاب داخل حدود بلاده وإرغام الكيان الإسرائيلي الغاصب على العودة الى خطوط الهدنة في 1974.

هذا ما يؤكد انّ الانعاش الإسرائيلي لمسألة الأنفاق يلي سلسلة تراجعات في المشروع الإرهابي المدعوم أميركياً وأردنياً وخليجياً وتركياً، ويصيب الدور الأميركي في المنطقة بعطب شديد ومعه الدور الإسرائيلي الذي كان يضرب في سورية ولبنان ساعة يشاء ومن دون عواقب.

يتبيّن أنّ الأميركيين يحاولون عرقلة انتصار المحور السوري الإيراني الروسي وحزب الله فصنعوا لكلّ واحد من هؤلاء ما يربكه بدءاً من مشاريعهم التفتيتية في شرق الفرات وإدلب والعقوبات على إيران وافتعال خلاف أوكراني روسي حول حرية الملاحة في بحر أزوف بمواكبة تهديد أميركي بالانسحاب من معاهدة «الصواريخ» النووية القصيرة المدى والمتوسطة. وفجأة تظهر لعبة الأنفاق في لبنان…

هناك تتابع في استهداف كامل أعضاء المحور الذي انتصر على الإرهاب المدعوم أميركياً في سورية بشكل لم يستثنِ أحداً منهم، فهل هذا مصادفة؟

قد تظهر هذه التحركات الأميركية وكأنها عقاب ناتج من غضب، لكن لدى التدقيق فيها يكتشف أنها خطة أميركية جديدة لإرباك أعضاء المحور المنتصر تمهيداً لإعادة تشكيل آليات جديدة.

ضمن هذا الإطار تندرج لعبة الأنفاق الإسرائيلية شمال الكيان الغاصب وجنوبي لبنان.

وتنبثق على الفور ثلاث نقاط:

الأولى من رئيس وزراء «إسرائيل» السابق إيهود باراك الذي كشف أنّ الكيان الغاصب على علم، بهذه الأنفاق منذ سنوات عدة، فلماذا يعلنون عن اكتشافها اليوم؟

الثانية من وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني التي اتهمت رئيس وزراء «إسرائيل» نتنياهو بتسييس الموضوع.

أما النقطة الثالثة فتتعلق بمحاولة الأميركيين إدانة منظمة حماس بالإرهاب في الأمم المتحدة، لكن مشروع الإدانة سقط، كان يحتاج لبضعة أصوات فقط ليصبح نافذاً. وها هم الأميركيون أنفسهم يصرّون على «تجريم» حزب الله في الأمم المتحدة أيضاً واعتباره ميليشيا إرهابية تحاول تفجير الوضع في الشرق الأوسط بكامله.

فما هي الاعتبارات القانونية والأخلاقية التي تستند اليها واشنطن لاتهام حماس وحزب الله بالاعتداء على السلم العالمي، وهما منظمتان تدافعان عن أراضيهما في وجه كيان غاصب دمّر لبنان وملتهماً فلسطين ومحتلاً أراضي سورية ومحاولاً تخريب غزة والضفة بهجمات وحشية؟

ما يمكن استخلاصه أنّ هناك حلقة متكاملة يحاول الأميركيون فيها توجيه اتهامات وإدانات وهجمات على المحور المنتصر في سورية والذي تسبّب بالصمود اليمني والنصر العراقي مع المحافظة على القضية الفلسطينية مستمرة ودائمة في وجه صفقة القرن، هذا الى جانب الدور الإسرائيلي الخطير بدعم الإرهاب في سورية لتفتيتها إلى جانب الدور الأميركي والخليجي.

لذلك لا تخرج «لعبة الأنفاق» عن هذا المدى، لكنها تريد ايضاً تجميد دور حزب الله في لبنان لأنها تخشى ان يؤدي حجم الحزب الإقليمي الى تقليص أوزان حلفاء الأميركيين والخليجيين في لبنان من الرئيس المكلف «السعد» وحزبه المستقبل الى الحزب التقدمي الاشتراكي وزعيمه الوزير جنبلاط الى سمير جعجع رئيس حزب القوات المعروف بعلاقاته الإسرائيلية التاريخية.

فهل تنجح لعبة الأنفاق في تعويم هذه القوى وإعادة الاعتبار اليها في الميدان اللبناني بما يؤدي الى منع حزب الله من السيطرة عليه؟

ليس لدى حزب الله طموح بالسيطرة على لبنان بقدر ما يريد دعم جبهة داخلية تؤمن بالدفاع عن لبنان في وجه مخططات «إسرائيل» وواشنطن.

فهل معقول أن يمنع الأميركيون لبنان من الموافقة على أسلحة روسية معظمها هدايا ولا تقبل ببيعه سلاحاً موازياً؟ وتمنع عنه الأسلحة المضادة للطائرات الجوية الإسرائيلية؟

«مسرحية» الأنفاق هي إذاً جزء من خطة أميركية لعرقلة دور حزب الله في الإقليم العربي، ولبنان وذلك بإثارة الخلافات الداخلية فيه على قاعدة أن تحرّشات الحزب بـ»إسرائيل» قد تؤدي الى تدمير الاستقرار الداخلي مع تعطيل تشكيل حكومة جديدة.

وإذا كانت هذه الأنفاق قديمة او حفرتها «إسرائيل» حديثاً، فإنها لن تؤدي الى حرب تعرف «إسرائيل» أنها لن تربحها، على قاعدة أنها جربتها في 2006 ولم يكن حزب الله بهذه القدرات التي اكتسبها من حروبه ضد الإرهاب في سورية، فكيف الحال معه اليوم، وكيف تحاسب «إسرائيل» حزب الله على أنفاق غير مستعملة وهي التي تستبيح لبنان براً وبحراً وجواً وتسرقُ بعض ثرواته من الغاز والنفط في المناطق المتاخمة.

غداً تقفل «إسرائيل» مهرجان «الأنفاق» السياسي لتبحث عن العاب جديدة.. وغداً يستمر حزب الله في حماية بلده في وجه الأطماع والسياسة الأميركية الإسرائيلية الخليجية غير مبالٍ بثرثرات من الخارج والداخل تتطاير في الهواء من دون صدى وفاعلية مؤكداً أن الميدان هو المحور المحدد الفعلي لموازين القوى والتجربة خير برهان.

Related Articles

كلام مباشر لدولة الرئيس المكلف

ديسمبر 8, 2018

ناصر قنديل

– يدرك دولة الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة سعد الحريري أن ما أنتج الصيغة الفضفاضة المقترحة في تأليف الحكومة، الذي يتحمل وحده مسؤوليته، كصاحب صلاحيات دستورية «حصرية» لا ينازعه عليها أحد ولا يتحمل عنه تبعاتها أحد. نتجت عن الصيغ الفضفاضة التي اعتمدها عندما منحه الإضافات الوزارية بغير وجه حق لتياره وحلفائه بينما مارس الإجحاف بحق خصمه السياسي الرئيسي المتمثل بقوى الثامن من آذار، في لعبة تذاكٍ لا تُخفى على أحد، فمنح مقاعد وزراية غير مستحقة لمن يهمه أمرهم وحرم مقاعد وزارية مستحقة لمن يخالفهم الرأي، فنالت الكتل حقها ونالت أشلاء بعضها حصصاً إضافية للمستوزرين. وهذا يكفي لتبيانه الخروج من تذاكي توزيع الكتل وإعادة تدويرها للإيحاء بتمثيل مزدوج مخادع تتم المطالبة به، ففي البلد ثلاث كتل كبرى، واحدة يمثلها رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر نالت حقها بـ11 وزيراً في صيغة صاحب الصلاحية «الحصرية» بتأليف الحكومة، هي 7 وزراء للتيار وفق معادلة وزير لكل 4 نواب و4 وزراء للرئيس، وتكتل قوى الرابع عشر من آذار وقد نال 12 وزيراً لقاء حجمه المتمثل بـ 44 نائباً وفق معادلة وزير لكل 4 نواب أما تكتل الثامن من آذار الممثل نيابياً بـ 45 نائباً أي المساوي لتكتل الرابع عشر من آذار، فقد منح ظلماً وعدواناً فقط 7 مقاعد وزارية، اي أقل بخمسة وزراء عن نظيره وخصمه السياسي وهما متساويان في الحجم النيابي، والخمسة الزائدة و»الفضفاضة» التي حازتها قوى الرابع عشر من آذار هي المقاعد الإضافية للمستوزرين من أشلاء الكتل، وليس المقعد الذي تطلبه قوى الثامن من آذار لأحد مكوناتها، بدلاً من خمسة تستحقها زيادة أسوة بنظيرتها قوى الرابع عشر من آذار.

– يعلم الرئيس المكلف أن كل البحث عن مساعي تسويات بالصيغ التي يسمّيها بـ «الفضفاضة» أو بسواها ليس نابعاً من البحث عن مقاعد لمستوزرين، لأن من حق قوى الثامن من آذار وليس طلباً لصدقة أو منة من دولته، أن تتمثل وفقاً لمعادلته بتمثيل كل القوى ما عداها، أي وزير لكل 4 نواب، أن تكون حصتها 11 وزيراً إذا اعتبرنا الوزير الثاني عشر في تمثيل قوى الرابع عشر من آذار حصة لرئيس الحكومة أو منصبه الواقع خارج توزيع المقاعد، كما يعلم أن تطبيق قاعدة وزير لكل 5 نواب سيتيح نيل كل من قوى 14 و8 آذار 9 وزراء وعليه بذلك شطب وزيرين من حصته وحصص حلفائه، ويمكن له تعويضهما بالتفاهم مع رئيس الجمهورية كحصة له كرئيس للحكومة، لكن تبقى حصة 8 آذار 9 وزراء تغنيها عن الحديث بتمثيل اللقاء التشاوري منفرداً، فالـ 9 وزراء هم 6 شيعة و2 مسيحيين و1 سني كتحصيل حاصل لتكوينها، ويعلم دولته أن قوى الثامن من آذار لم تفعل ذلك مراعاة لدولته، فاكتفت بطب مقعد واحد إضافي لحصتها المجحفة بـ 7 وزراء.

– يعلم دولة الرئيس أن الصيغ التي أحب تسميتها بـ «الفضفاضة» تم التداول فيها بحثاً عن مخارج تراعي مزاجه الانفعالي وعناده غير المبرر والذي لا يستقيم مع كون الأزمة ناتجة عن سوء تدبيره في إدارة صلاحياته «الحصرية» في مساعي تأليف الحكومة، ومنعاً للوقوع في «جاهلية» دستورية أخرى في تشكيل الحكومة، وبمراجعة بسيطة لما جرى في الجاهلية يعلم دولته أن أحداً لم يكن متضامناً مع كلام الوزير السابق وئام وهاب، بمن في ذلك الوزير وهاب نفسه، لكن أحداً لم يكن يتوقع أن يكون في مقام رئاسة الحكومة من يجرّد حملة عسكرية لسوق شخصية سياسية مخفورة وذليلة، لمجرد أن دولته قد غضب، من دون مراعاة الأصول القانونية والمعايير القضائية، ولا الحسابات السياسية والأعراف التي راكمتها تجارب مماثلة لدولته مع حالات أشدّ إلحاقاً للأذى بشخصيات ومرجعيات لا تقلّ عنه مكانة، ومن مواقع واضحة الخلفية المعادية للسلم الأهلي والوفاق الوطني، وطلب دولته التريث سنوات في التعامل معها خارج المعادلات القانونية والقضائية ومذكرات الإحضار، وقاد السعي للحوار معها والبحث عن تسويات ترضى بها، كحالة أحمد الأسير أو حالة مسلحي عرسال، حتى اقتنع دولته بخلاف ذلك، ولم يعارضه أحد ولم يضغط عليه أحد ولم ينازعه في صلاحياته «الحصرية « أحد بينما الحالة هنا واضحة ومحددة قانوناً، وما تم ليس إلا إستعمالا غير موفق وغير محق للصلاحية «الحصرية» لدولته، والنتائج كارثية، وكانت ستصير كارثية أكثر لولا اللجوء لصيغ يمكن تسميتها هي الأخرى بالفضفاضة، لكن ليس لحجز مقاعد للمستوزرين من أشلاء الكتل، بل لمنحه طريقاً للتراجع يناسب شخصيته الانفعالية وغضبه وعناده، ولعل هذا هو الحال أيضاً في ما يسمّيه بالصيغ «الفضفاضة» حكومياً ولأهداف طرحها، فليجنّبنا دولته جاهلية حكومية مستمرة تجلب الكارثة المتمادية على البلاد بغياب الحكومة، وليستعمل صلاحياته «الحصرية» ويُنهي العقدة بأحد الحلول غير «الفضفاضة».

Related Videos

Related Articles

المقاومة بين مناورة نتنياهو المأزوم ومناورات الداخل: التحكيم وخطيئة التخلي عن صيغة الثامن من آذار

 

ديسمبر 5, 2018

ناصر قنديل

– لم تتوقف «إسرائيل» منذ انسحابها من جنوب لبنان عن الإعلان عن اكتشاف ما تسميها اختراقات حزب الله لكيان الاحتلال، والتباهي بتفكيك خلايا استخبارية قام حزب الله بتشكيلها في الداخل الفلسطيني أو في قلب مؤسسات الكيان العسكرية والأمنية، والإعلان عن اكتشاف عمليات تم إعدادها والتباهي بالقضاء عليها استباقياً، وعملية السعي لكشف أي محاولات لبناء أنفاق عابرة للحدود نحو فلسطين المحتلة كانت دائماً ضمن هذا الإطار، وكثيراً ما حفلت وسائل الإعلام الإسرائيلية بنقل أحاديث للمستوطنين عن القلق من أعمال حفر يسمعونها تحت منازلهم في إطار التسويق لهذه العمليات، أما التسويق لمشروع اسمه حملة الكشف عن الأنفاق فهو ابتكار إعلامي استعراضي لا قيمة عسكرية ولا أمنية، له مهما كانت البيانات التي ستلي مليئة بالتحدث عن إنجازات موجّهة لاسترضاء الداخل الإسرائيلي، واللعب بمشاعره أسوة بالاستعراض الفاشل لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو من منبر الأمم المتحدة والذي عرض خلاله صوراً قال إنها لمستودعات صواريخ حزب الله قرب مطار بيروت وسرعان ما تحوّل الإعلان إلى فضيحة، يريد نتنياهو تجنب مثلها في احتفال اليوم.

– المقاومة التي أظهرت قدرة عالية ومهنية احترافية في التعامل مع الاحتلال ومخابراته وجيشه تدرك الموازين الاستراتيجية التي صنعتها، وتعرف حجم تأثير الحروب التي خاضتها، والتحالفات التي صنعتها، وتعرف أن «إسرائيل» فاقدة للقدرة على اتخاذ قرارات كبرى بحجم عمليات عسكرية نوعية أو عمليات سياسية جدية، وتعرف أن حكومة كيان الاحتلال بعد معادلة الردع الصاروخي في سورية التي تنتظر سلاحها الجوي، تبحث عن بدائل تكتيكية لإثبات الحضور، خصوصاً بعد الفشل في تحويل غزة ساحة فعل عسكري لجيش الاحتلال، ولم يتبقّ إلا الاستعراضات طريقاً للحضور الذي تراقبه المقاومة وتعرف متى يتخطى حدوده ويصير واجباً التعامل معه بجدية ليحصد نتائج مأساوية للعبث والحماقة، ومتى يجري تحويله مسرحية هزلية.

– الوظيفة الفعلية لحركة جيش الاحتلال وإعلامه ليس جنوب الحدود اللبنانية، بل بإطلاق مواقف وأحداث يمكن أن يتمّ توظيفها في سياق يقوده فريق لبناني تحت عنوان «حزب الله يجلب المخاطر على لبنان»، وهو السياق نفسه الذي يجري خلاله طرح التعقيد الحكومي ورمي أثقاله على عاتق حزب الله. وفي قلبه يجري تظهير الأزمة الاقتصادية والمالية والنفخ فيها للقول إنها من نتاج حزب الله. وهو السياق الذي تتمّ ضمنه عملية التلويح بخطر على الوضع الأمني تُنسَب لحزب الله، ويعرف الاحتلال كما يعرف حزب الله أن لا خلل في الموازين عبر الحدود يتيح للاحتلال تغيير المعادلات، بينما الرهان هو على إحداث خلل في الداخل يتيح الرهان على تحجيم المعادلات لأن تغييرها فوق طاقة الجميع من الداخل والخارج.

– تكتشف المقاومة اليوم خطيئة التخلي عن صيغة الثامن من آذار، سواء لمراعاة بعض أوضاع حلفائها في الفترة الأولى للحرب على سورية، والرغبة بتخفيف التشنجات التي رافقتها، وعنوان الثامن من آذار «شكراً سورية»، أو مراعاة لتظهير التحالف الناشئ مع التيار الوطني الحر، أو لوهم زرعته قوى الرابع عشر من آذار مع تفكك حلفها بسبب تباين مواقف أطرافه، سواء في مرحلة زيارة الرئيس سعد الحريري لسورية، أو في مرحلة التفاوض على الاستحقاق الرئاسي بين الحريري والتيار الوطني المستقبل، بالإضافة للخصوصية التي احتفظ بها لنفسه النائب السابق وليد جنبلاط منذ اتفاق الدوحة، إلا أن الحقيقة السياسية التي لم تغب يوماً هي أن لا وجود لانقسام سياسي لبناني ثابت إلا حول الخيارات الكبرى التي يمثلها عنوان سلاح المقاومة وعنوان العلاقة مع سورية، وهما محور الانقسام بين معسكري الثامن والرابع عشر من آذار، وما عدا ذلك من مواقف فهي تكتيكات عابرة مهما بدت جوهرية في حينها كحال الاستحقاق الرئاسي، أو التفاهمات داخل الحكومة والمجلس النيابي، حيث التفاهمات التكتيكية متنقلة وغير ثابتة وتتم بالمفرق وعلى القطعة، بينما يبقى الانقسام على عناوين الثامن والرابع عشر من آذار غير قابل للتزحزح.

– القدرة على اللعب بالوضع الداخلي من قبل الحلف المناوئ للمقاومة مستمدّة من غياب صيغة الثامن من آذار، فلو كانت هذه الصيغة قائمة، لكان التفاوض على الوضع الحكومي سهلاً وبسيطاً وقوياً، تكتل نيابي ضخم يملك تمثيلاً بـ45 نائباً في كل الطوائف مقابل تكتل موازٍ للرابع عشر من آذار يملك تمثيلاً بـ44 نائباً، وعنوان التفاوض أعطونا بمثل ما تنالون ونحن نتدبّر أمرنا. ولو كانت صيغة الثامن من آذار قائمة وحية وفعلية لكان الاستعداد للانتخابات تمّ بطريقة مغايرة، تتوحّد فيها الجهود لدعم مرشحين متفق عليهم في كل الطوائف، ويجري حشد التحالفات لصالحهم، فكان التمثيل الدرزي مختلفاً والتمثيل السني مختلفاً والتمثيل المسيحي مختلفاً، ولم يكن بلوغ ثلثي المجلس النيابي لتحالف الثامن من آذار مع التيار الوطني الحرّ بالمستحيل، ولكانت تسمية أي مرشح لرئاسة الحكومة ستأتي بعد تفاوض على التفاصيل الخاصة بالتمثيل والبيان الوزاري والاستحقاقات التي تنتظر الحكومة من مكتب تنفيذي للتكتل الكبير يترأسه الرئيس نبيه بري ويضم النائب محمد رعد والوزير علي حسن خليل والوزير السابق سليمان فرنجية والوزير طلال إرسلان والنائب أسعد حردان والوزير السابق عبد الرحيم مراد والوزير السابق فيصل كرامي.

– أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً، فالعودة الآن خير من البقاء في ملعب تحكمه قواعد اللعبة الطائفية والمذهبية، وفضيلة الانقسام بين قوى الثامن والرابع عشر من آذار أنها عابرة للطوائف وتتم على أساس السياسة، ولأن التخلي عن صيغة الثامن من آذار كان أشبه بتفاهم داخلي عنوانه تعالوا نخرج من اصطفاف الثامن والرابع عشر من آذار، فخرجت قوى الثامن من آذار من إطارها وبدلاً من أن تخرج قوى الرابع عشر من آذار من صيغتها تشبثت بها، لكنها أعادت الانتشار، على طريقة ما فعل عمرو بن العاص بأبي موسى الشعري في لعبة التحكيم بعد معركة صفين بين أنصار الإمام علي ومعاوية، وما تضمنه التفاهم بينهما من إعلان كل منهما أمام الملأ لخلع موكله من الحكم كما يخلع خاتمه من إصبعه، ففعل الأشعري، ولما جاء دور إبن العاص وكيلاً لمعاوية، أمسك الخاتم ووضعه في إصبعه وقال أثبّت موكلي في الحكم كما أثبّت هذا الخاتم في إصبعي.

Related Videos

هذا هو اللعب بالنار

ديسمبر 3, 2018

ناصر قنديل

– عندما تحدّث الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله عن التحذير من اللعب بالنار، كان واضحاً بقصده تحذير فريق المحكمة الدولية من أن يكون في حساباتهم الرهان على اللعب بالأمن من بوابة الاستفزاز السياسي والقانوني. وها نحن اليوم الذين انتظرنا لنكتشف اللعب بالنار الذي كان على جدول أعمال هذا الفريق نراه ماثلاً أمامنا. فالقضية باتت واضحة منذ الانتخابات النيابية، وما حملته من حقائق سواء ما كرّسه توزع المقاعد النيابية أو ما حملته النتائج التي لم تنتج مقاعد نيابية، حيث ظهر التعدد داخل الطائفتين الدرزية والسنية قدراً لا مفر منه، واتجاهاً متنامياً يصعب وقفه. ففي الطائفة السنية لم تكن النتائج التي حملتها هذه الدورة الانتخابية سوى البداية لما سيحمله ما سيليها لجهة تأكيد تراجع احتكار تيار المستقبل الطائفة، واستحالة الاحتماء وراء فزاعة تيار المستقبل وإلا داعش أو النصرة. وبالتوازي مع هذا بدت النتائج في الطائفة الدرزية مجرد رأس جبل الجليد الذي سيكبر تلقائياً في دورات مقبلة لكسر احتكار الحزب التقدمي الاشتراكي للطائفة، فوحدة المعارضة السنية لتيار المستقبل وتوحّد حلفائها من ورائها، كما توحد المعارضة الدرزية للحزب التقدمي الاشتراكي وتوحّد حلفائها من ورائها، باتت كافية لتزخيم النتائج التي تقول إن الاحتكار صار شيئاً من الماضي. وقد تم تحجيم هذه النتائج بفعل التسرّب من شقوق عدم وحدة المعارضتين من جهة، وعدم توحّد الحلفاء من ورائها من جهة أخرى.

– لقد تلاقت إرادة داخلية لقوى فاعلة عنوانها إنكار الحقائق اللبنانية الجديدة التي حفرت عميقاً في الواقع وتكرّست بفضل اعتماد قانون قائم على النظام النسبي، مع إرادة خارجية عنوانها إنكار المتغيرات الإقليمية والدولية الكبرى التي قالت إن زمن احتكار واشنطن للقرار الدولي صار شيئاً من الماضي، وإن الهيمنة الجوية الإسرائيلية على سماء المنطقة صارت هي الأخرى شيئاً من الماضي، وإن الرهان التاريخي الذي قاله مارتن أنديك بلسان واشنطن وتل أبيب معاً منذ خمس وعشرين سنة، وعنوانه السعي لاستعمال ما أسماه بالجهادية السنية ونسميها بالإرهاب، لضرب الجهادية الشيعية الصاعدة ونسمّيها بالمقاومة، هو رهان قد تم اختباره ولم يفلح في تعويض العجز عن خوض الحروب بالجيوش الغربية والإسرائيلية، وبفعل هذا التلاقي بين حالتي الإنكار وما يسببه الإنكار من هذيان سياسي وعدم توازن في الحركة والقرار، تدخل المنطقة ويدخل لبنان مرحلة الفوضى السياسية والأمنية.

– يتلاقى الذين يجمعهم الإنكار للحقائق الجديدة، فلا يُحرج التطبيع مع إسرائيل دول الخليج وحكامه، كما لا يُحرج واشنطن وتل أبيب التطبيع مع تنظيم القاعدة، واللعب بالنار تحكي عنه حرب اليمن الكثير وتجسّده البنسلمانية أفضل تمثيل، واحتجاز رئيس الحكومة سعد الحريري نموذج لهذا اللامألوف، وقتل جمال الخاشقجي نموذج آخر. فالقضية كما قال ثامر السبهان في التمهيد لاحتجاز الحريري، إن قانون الانتخابات سيغير المشهد السياسي والدستوري، ومن يقرأ الصحافة الإسرائيلية سيكتشف الكثير من المقالات التي تتحدّث عن خطورة الشرعية الدستورية التي ستنالها المقاومة عبر الانتخابات واعتبارها خطراً يوازي خطر الصواريخ الاستراتيجية، وتعطيل الحكومة عبر تجاهل مطالب التمثيل المتواضع لحلفاء المقاومة حتى لحظة ما قبل ولادة الحكومة كان خطة، لتحميل المقاومة مسؤولية التعطيل من جهة، واتخاذ الأمر مبرراً للتصعيد من جهة أخرى، وهو اللعب بالنار دون مواربة. فالحلف الدولي العربي اللبناني رغم الضياع والارتباك يحتاج ساحة مشتركة للعب بالنار، وهو لعب لا يخلو من الضياع والارتباك.

– مَن يقرأ في الاستراتيجيات، ويعلم معنى حروب الطاقة، يجب أن يتساءل، عن سرّ التسارع في التعاون الخليجي الإسرائيلي لإنشاء أنبوب غاز إسرائيلي نحو أوروبا، وينتبه أن أهم المطلوب اليوم هو حماية هذا المشروع، عبر خطوتين، تأخير حضور لبنان في سوق الغاز ولو بتأخير ولادة الحكومة، وإرباك المقاومة أمنياً لمنعها من التصدّي للمشروع الإسرائيلي الخليجي والأنبوب الاستراتيجي نحو أوروبا. ومَن أجدر للقيام بذلك سوى الذين يضيقون ذرعاً بحكومة تعترف بالتوازنات الجديدة ويخشون ما سيليها من توازنات أشد خطراً، والذين يرون في هذا الكلام تكبيراً ومبالغة في القراءة والتفسير، أن يفسّروا ما جرى في الجاهلية بغير الكلام الذي لا يقبله عقل عن هيبة الدولة، التي وقفت تتفرّج على مجرزة حلبا ومرتكبيها، ووقفت تتفرج على الدفرسوار الأمني المفتوح لشهور لحساب أحمد الأسير بعنوان شرعي، وأن يفسّروا ما جرى في الجاهلية بغير الاحتماء وراء كلام قاله الوزير السابق وئام وهاب وأتبعه باعتذار، ولم يلقَ التأييد بالتالي من وهاب نفسه ومن حلفائه وخصوصاً حزب الله، فيما الكلام البذيء يملأ الشاشات بحق الرموز والقادة في المقاومة ومحورها وحلفائها ولا مَن يحرّك ساكناً أو يتحرّك.

– اقتحام الجاهلية لعب بالنار، وسقوط الشهيد محمد أبو دياب كاد أن يكون مدخلاً لفتنة كبرى، لولا تدخّل المقاومة. فهل يقتنع اللاعبون بالنار داخلياً وخارجياً بالتراجع، أم يستعدون لتكرار الخامس من أيار عام 2008، باعتبار ما جرى يشبه كثيراً الاستفزاز الأمني الذي جسّده قرار حكومة فؤاد السنيورة بدعم سعودي أميركي لتفكيك شبكة اتصالات المقاومة، وحلفاء المقاومة هم بمكانة ومهابة شبكة اتصالاتها، فلينتبه مَن لا ينتبه ولينبّه مَن ينتبه مَن لم ينتبه: «لا تلعبوا بالنار!».. باقية وقائمة فانصتوا لها جيداً.

Related Videos

Related Articles

%d bloggers like this: