البعد الإقليمي في تعقيد ولادة الحكومة

ناصر قنديل

– يستصعب اللبنانيون على اختلاف مشاربهم تصديق أن تكون اسباب تعقيد الحكومة محلية، ليس فقط لأنهم لا يثقون بلبنانية الخلفيات المحرّكة للقوى السياسية، ولا لأنهم أحياناً يرغبون بالتفكير بأسباب تخفيفية لقادتهم في ما يخطئون فيه باعتبار الأزمات فوق طاقتهم، أو لأنهم اعتادوا في كثير من الأزمات السابقة أن الحلول لا تتم بابتكار مخارج غير مألوفة بل بقبول ما لم يكن مقبولاً، وما كان ممكنا قبوله من قبل وتجنيبهم عذاب الانتظار وعقاب التعقيد، وتأتي كلمة السر من مكان ما في الخارج فتحل العقد بسحر ساحر، بل أيضاً لأنهم لا يتخيّلون أن أحداً من السياسيين لا يدرك حجم المخاطر المحيطة بالبلد اقتصادياً وسياسياً، والكلام صار علنياً عن درجة الخطر، أو أنهم يدركون ذلك ويمعنون في اللعب على حافة الهاوية والهاوية لم تعد بعيدة، لكنها إذا ما انزلقت القدم إليها ستكون سحيقة جداً.

– في حوار بين صديقين لدودين ينتمي كل منهما لفريق سياسي، حول الأسباب الإقليمية للتعقيد الحكومي، قال أحدهما للآخر، صحيح أنه ليست لدينا الوقائع التي تتيح تفسير التعقيد بأسباب إقليمية، لكن توقيت تصعيد حزب الله ووقوفه خلف عقدة لا تستحق منع قيام حكومة، بلغة عالية السقف، لا يمكن فهمه إلا كرسالة للخارج حول ربط مصير كل القرارات الخاصة بلبنان بموافقته وإلا فلا قرارات لها قيمة مهما كان حجم القوى السياسية والمواقع الدستورية المتفقة عليها، ما لم يوافق عليها حزب الله، ومن ورائه ضمناً إيران، وهذه رسالة ربما تحتاجها إيران في سياق التجاذب الدائر بينها وبين أميركا، والتي تشكل العقوبات الأميركية أحد وجوهها، لكن المنطقة كلها تشكل مسرحاً لها في المواجهة والتفاوض والرسائل التفاوضية.

– أجاب الصديق اللدود صديقه بالقول تعال لنتساءل من خلال ما نعرفه عن تاريخ المواجهة والتفاوض بين كل من سورية وإيران مع أميركا، والخبرة المتراكمة لدى كلتيهما من وحي هذا التاريخ، وهل يمكن تخيل أن تتوقع إيران وسورية أن تعطيل الحكومة في لبنان يعادل عند الأميركي معركته الاستراتيجية مع إيران حول دورها في المنطقة، ومعركته مع سورية حول مستقبل الحل السياسي ومدى الأمن الإسرائيلي. والسؤال ماذا ستخسر أميركا من تعطيل الحكومة في لبنان، بل السؤال ماذا ستكسب وهي تسميها حكومة حزب الله، وتعتبر رئيس الجمهورية وفريقه حلفاء لحزب الله، وتعرف أن الحكومة في أسوأ ظروف تشكيلها ستقدم الغطاء السياسي لسلاح حزب الله، وتفرض تحول المعركة على السلاح من معركة مع حزب ينقسم من حوله اللبنانيون بلا حكومة تجمعهم، إلى معركة واجهتها الدولة اللبنانية وحكومتها؟

– تابع الصديق اللدود لصديقه يقول ماذا لو أخذنا الفرضية المقابلة، أن واشنطن خلال الشهور الماضية قامت بالإيحاء لحلفائها بأن لا حاجة للسرعة في تشكيل الحكومة، فبالغوا بطرح الشروط وطلب الحصص المضخمة، لأن واشنطن كانت في ذروة الاندفاعة نحو صفقة القرن ووهم إيجاد الشريك الفلسطيني فيها لإعلان الحلف الخليجي الإسرائيلي بوجه إيران. وبالتوازي كان الرهان على العصا الإسرائيلية لضرب التمركز العسكري لإيران وحزب الله في سورية تمهيداً للتفاوض مع روسيا حول شروط الحل السوري بدونهما. ولا يمكن في هذا المناخ أن تهدي إيران حكومتين، واحدة في لبنان والثانية في العراق تستكملان الربط بين مفاصل الجغرافيا الممتدة من إيران إلى ساحل المتوسط، وبعدما تراجعت حظوظ الرهانين، تحلحلت العقد التي كانت، لكن ظهر مستجد يطال البحث الدولي بمستقبل السعودية وفي المضمون إضافة لقضية مقتل جمال الخاشقجي، الفشل السعودي في كل الجبهات، وها هو اشتعال حرب اليمن يتزامن مع تعطيل من نوع مختلف لحكومتي لبنان والعراق، كأن السعودية تريد الإطمئنان لوضعها عند الدول الغربية، عبر رسالة تقول إن الأميركي سيعاني في العراق والأوروبي سيعاني من موجات نزوح السوريين من لبنان ما لم يتم الحفاظ على مكانة السعودية ودورها وحجمها وأولاً وأخيراً نظام الحكم فيها.

– لم يجب المتحدث الأول برد على صديقه، بل طرح سؤالاً، فقال له، ومتى تعتقد أن الأمور ستفرج، فقال له الصديق اللدود لدينا موعدان، الأول نهاية الشهر كموعد معلن أميركياً لوقف الحرب في اليمن سيكشف مسار العلاقة الأميركية السعودية، والثاني في نهاية السنة يتصل بنهاية المهلة المقررة لانعقاد اللجنة الدستورية للحل السياسي في سورية. فعاد الصديق لسؤال صديقه، هل تعتقد أن رفض الرئيس سعد الحريري لتمثيل سنة الثامن من آذار سيتبدل؟ فأجابه، هل تعتقد أن الرئيس الحريري جادّ في كلامه أنه يرى في الأمر تحدياً مصيرياً؟ تخيّل لو أنه قام بتمثيلهم منذ البداية ودلني على نوع الخسارة التي ستلحق به؟

Related Articles

Advertisements

والله إنك طولت بالك عليهم كتير

والله إنك طولت بالك عليهم كتير!

 ابراهيم الأمين

  الإثنين 12 تشرين الثاني 2018

مشكلة القوى السياسية الآتية من رحم 14 آذار، أنها رهينة عقلية دونية. مشكلة هؤلاء، ادعاء الاستقلالية وحق التعبير وتقرير المصير وحق التمثيل السياسي الحقيقي. أما في واقع التجربة، فإن دونية تسكنهم أمام من يعتقدون انه يوفر لهم الحماية. وللأسف، صار لزاماً على الناس معرفة كيف يعيش هؤلاء. من أين يحصلون على دخلهم الشهري، وكيف يتمكنون من العيش برفاهية كل الوقت وفي كل الامكنة؟ ومن يحصل على الجواب الحقيقي، يفهم بأي عقلية ونفسية يتصرفون. ولذلك، فإن فكرة التعامل معهم بندية طبيعية، أي بعلاقة متوازنة بين مواطن ومواطن، هي فكرة غير واقعية. ولذلك، تأخر السيد حسن نصرالله في الاعلان ـــ لان اقتناعه واضح ـــ أن مشكلة هؤلاء لا تعالَج بالتواضع وما سمّاه الآدمية.

يعني، ومن دون الحاجة الى سرد تاريخي

هل يقول لنا الدكتور سمير جعجع ونواب «القوات اللبنانية» ووزراؤها، ومرشحوه للمناصب الوزارية الجديدة، ما هي إنجازات دولة نائب رئيس الحكومة في وزارة الصحة، الحقيبة الأكثر أهمية التي تولاها وزير من «القوات» بعد عقود من الحرمان من جنة السلطة؟

ثم باعتبار أن «القوات» تمثل قدر الأحرار في لبنان والعالم، هل لهم أن يشرحوا لنا موقفهم من جريمة اغتيال الصحافي جمال خاشقجي؟ أم انهم ينتظرون نتائج التحقيق، أو لم يسمعوا رواية رسمية، أو أنهم يشككون في ما يقوله الاعلام المناهض للسعودية؟

هل يشرح لنا «الزعيم المفدى» وليد جنبلاط، كيف تجري إدارة المشاريع العامة والخاصة في مناطق سيطرته، بين الشوف وعالية ووطى المصيطبة؟ وكم ربح من قطاع النفط الشرعي وغير الشرعي طوال ثلاثة عقود؟

ثم، هل يتابع بن جنبلاط ما الذين يفعله بن سلمان في اليمن وبقية العالم العربي؟
هل يمكن للرئيس سعد الحريري، ومعه قيادات «المستقبل» بكل أشكالها وولاءاتها، أن يقدموا لنا شرحاً عن حقيقة ما حصل معه في السعودية قبل عام، ولماذا قرر الحاكم بأمر المنشار حرمانه من دوره السياسي، وكيف أعيد الاعتبار إليه؟ وهلّا أخبرنا الحريري كيف سيتصرف وفريقه مع حاجاته المالية ونفقاته بعدما أقفلت أبواب التمويل التجارية والسياسية من السعودية والامارات العربية المتحدة؟
هل يحتاج أحد الى شرح واقع حركة «أمل» بعد 35 عاماً من الحضور داخل الدولة، وكيف تراجعت القوة السياسية والشعبية لمصلحة الزعامة الشخصية للرئيس نبيه بري، الذي يواجه صعوبات كبيرة في معالجة معارك أهل البيت السياسي الضيق منه والأوسع، ولماذا لا يزال الشيعة في حالة إنهاك عام، رغم كل ظواهر التحدي القائمة في الشارع؟

هل راجع العماد ميشال عون والوزير جبران باسيل تاريخ لبنان القصير، وكيف أن الحكم المطلق بيد المسيحيين، منذ الانتداب حتى نهاية الحرب الاهلية، كانت نتيجته هجرة المسيحيين من لبنان، وزيادة معدلات الفقر عندهم، والفوضى في المناطق التي يعيشون فيها، حيث توجد نسبة عالية من مخالفات قوانين البناء والاعتداء على الاملاك العمومية، وكيف أن تجربة المسلمين من بعدهم لم تأت لقبائل الشيعة والسنّة والدروز والعلويين إلا بمزيد من الفقر… ثم نراهم اليوم يرفعون شعار: استعادة الحقوق؟

ليس للحريري الحق في المطالبة بالمقاعد السنّية الستة، ولا في مقايضة عون بمقعد سنّي من حصة غيره

كيف يحصل كل ذلك، بينما يستكثر كل هؤلاء على مجموعة من سياسيي لبنان (تطال الانتقادات اداءهم وسلوكهم كبقية السياسيين في البلاد) ان يتمثلوا بوزير واحد في حكومة ليس معلوما اذا كانت ستحل مشاكل لبنان او تزيدها تعقيدا؟

هل من تفسير لموقف الرافضين لتوزير هذه المجموعة، غير عقلية الإقصاء والبلطجة وشعار «وحدي لا شريك لي» الذي رفعه محمد بن سلمان في الرابع من تشرين العام الماضي، عندما قرر إقصاء جميع اهل بيته؟

ولأن القواعد العلمية لا تحتاج الى تفسيرات سياسية، فالامر هنا يقف عند معادلة بسيطة، وهي أن هذه المجموعة من السياسيين الذين ينتمون الى الطائفة السنية المحتكرة قيادتها لآل الحريري منذ 25 سنة، لها الحق في أن تتمثل أسوة ببقية القوى والمجموعات السياسية اللبنانية، وهي تمثل شريحة من اللبنانيين يفوق حجمها من يتمثل في اللقاء التشاوري نفسه. وهي تمثل السنّة الذين خسروا في الانتخابات (وهؤلاء مواطنون) وتمثل السنّة الذين صوّتوا لمرشحين من غير طوائف، لكنهم في نفس الخط السياسي لهذه المجموعة، وهي تمثل القواعد الاجتماعية لفريق من سنّة لبنان الذي لا يقبل بزعامة آل الحريري، حتى ولو ذهبت أصوات هذه القواعد لنواب يقولون اليوم إنهم مستقلون.

تُظهر أرقام الانتخابات أنه يحق للحريري بأربعة وزراء من السنّة على أبعد تقدير. أما الحصة الباقية، وهي وزيران، فيجب أن تذهب الى خصومه الذين فازوا بعشرة مقاعد نيابية. وبالتالي، ليس له الحق في المطالبة بالمقاعد السنّية الستة. وليس له الحق حتى في مقايضة الرئيس ميشال عون بمقعد سنّي من حصة غيره. وما كان يجب على الرئيس عون أن يقبل هذه المقايضة. بل كان الاحرى برئيس الجمهورية أن يدافع عن حقوق بقية المجموعات اللبنانية كما دافع عن حقوق جماعته. لأنه رئيس الجمهورية، ولانه الرئيس الذي كان خصوم الحريري الى جانب معركته في الوصول الى رئاسة الجمهورية، ما كان عليه أن يقبل بهذه المقايضة. ولذلك، فهو مسؤول بنفس قدر مسؤولية الحريري عن إيجاد حل لهذه المشكلة. ولو أراد البعض من حوله أن يروه رئيساً ممثلاً للمسيحيين، فنحن سنظل نراه رئيساً يأمل اللبنانيون أن يكون رئيسهم جميعاً. ولذلك بيده الحل.

ذات مرة، سعى السعوديون الى إقناع أحد أصحاب وسائل الاعلام بالعمل لمصلحتهم مقابل توفير دعم مالي له. قبِل الرجل، لكنه قال إنه لا يقدر على تبنّي الخط السياسي للسعودية، ومهاجمة سوريا والمقاومة. فقيل له: حسناً، لا نريد منك أن تدافع عنا، نريد منك مهاجمة منتقدينا. فوجد الرجل ضالته بأن اختار بعض خصوم السعودية وصار يجلدهم صباحاً ومساءً.

هل من تفسير لموقف الرافضين لتوزير هذه المجموعة غير عقلية الإقصاء والبلطجة وشعار محمد بن سلمان؟

الآن، ثمة مرتزقة بين سياسيي لبنان وإعلامييه، من الذين يعيشون على «خير أهل الخير في الجزيرة»، لكنهم عبّروا عن صعوبة استمرار الدفاع عن السعودية. فقال لهم وكيل المملكة في لبنان: «لا نريد منكم الدفاع عنا، نريد منكم مهاجمة خصومنا»… وقد وجدوا ضالتهم اليوم في تولّي الرد على كلام السيد حسن…

حسناً أيها الشجعان. بما أنكم أهل الاستقلال والسيادة والموقف الحر، والكرامة التي ما بعدها كرامة، وأن البطون التي حملتكم هي غير البطون التي حملت الآخرين، وبما أنكم تعتقدون أنكم من مواطني الدرجة الاولى «أيها البيض»، وانه لا يمكن مقارنتكم بمواطني الدرجة الثانية «هوليك اللي ما بعرف منين جايين»… فما عليكم إلا الاستعانة بوليّ نعمتكم، وسيدكم، أبو المنشار ما غيره، وبالتعاون مع شبكة عوكر للدعارة بكل أنواعها، وأن تقرروا مستقبل البلاد… يللا الأمر بأيديكم!

انت يا سيد حسن، شو بيعرفك بإدارة البلاد والمؤسسات، وانت أصلاً شو خصك بالقرار الحر والسيادة والاستقلال، وانت منين لوين بتعرف حق التمثيل وحقوق الناس… انت شو خصك لتحكي أصلاً؟
والله إنك لطويل البال!

وفق الأرقام الواردة في كتاب الانتخابات النيابية لعام 2018 الصادر عن «الدولية للمعلومات» ودار «كتب»، يمكن الوصول الى النتائج الخاصة بالمقاعد النيابية الـ27 التي يشغلها نواب ترشّحوا عن الطائفة السنية.

يشرح الجدول أدناه كيفية توزيع الأصوات التفضيلية للناخبين السنّة على النواب الفائزين من الطائفة السنية، وليس على كل النواب الناجحين عن بقية الطوائف.
يشار الى أن تيار المستقبل عمد خلال الايام القليلة الماضية الى تعميم جدول يورد فيه النتائج، لكنه يقول في الخلاصة إن نواب اللقاء التشاوري حصلوا على 43300 صوتاً تفضيلياً سنّياً، من أصل 481680 صوتاً تفضيلياً سنّياً، ليصل جهابذة “المستقبل” الى القول إن نسبة ما ناله نواب “اللقاء التشاوري” هو 8.9 في المئة من إجمالي الاصوات.

وإذا أخذنا بقاعدة «المستقبل» هذه، فإن النواب السنّة الـ17، المنضوين في كتلة الرئيس سعد الحريري، قد حازوا 168332 صوتاً تفضيلياً، وبالتالي فإن نسبتها من إجمالي الاصوات التفضيلية السنيّة هي 34.9 في المئة. وبالتالي، سيكون هناك 270 ألف صوت تفضيليّ سنّي غير ممثلين، لا في المجلس النيابي ولا في الحكومة.
الجدول التالي، يفترض أن يوضح الصورة لمن لا يريد المكابرة ولا الزعبرة، فاقتضى التوضيح:

من ملف : معركة العدالة

Related Videos

Related Articles

بعد كلام السيّد: المعاملة بالمثل بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة

نوفمبر 12, 2018

ناصر قنديل

– خلال الشهور التي أعقبت تسمية الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة سعد الحريري تعطّل تشكيل الحكومة لشهور بسبب واضح تكشفه الحلحلة التي تمّت لعقدتي تمثيل كل من حزب القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي، حيث تراجع الاشتراكي عن مطلب غير محق ومضخّم بنيل ثلاثة مقاعد، وتراجعت القوات عن مطلب شديد المبالغة في التضخم نحو مكسب مضخم بدرجة نسبية لكن برضا شريك التمثيل في الطائفة الذي يمثله التيار الوطني الحر وبتنازل عن منصب نائب رئيس الحكومة من قبل رئيس الجمهورية، فبقيت القوات تحتل بـ15 نائباً 4 مقاعد وزارية وصار الاشتراكي ممثلاً بوزيرين. وهذا معناه عملياً تمثيل 24 نائباً بستة مقاعد وزارية، ومعيار التمثيل يكون هنا هو وزير لكل أربعة نواب، لكن رئيس الحكومة الذي قاتل بكل قواه لرفع نسبة تمثيل حلفائه وسعى لتحصيل مطالبهم الشديدة التضخم، لم يمتنع ولا منع حلفاءه من توجيه الاتهام مراراً خلال شهور التعطيل، لرئيس الجمهورية بالسعي للنيل من صلاحيات رئيس الحكومة، كما لم يمتنع ولا منع حلفاءه من رفع متاريس طائفية في قلب هذا الاتهام جامعاً رؤساء الحكومات السابقين ومستصدراً منهم بيانات داعمة لما أسماه معركة الصلاحيات، ومن دون التردد في إقحام دار الفتوى في هذه المعركة المفتعلة.

– بالمقابل بقي رئيس الجمهورية حريصاً على تأكيد احترامه لصلاحيات رئيس الحكومة كشريك كامل في تشكيل الحكومة، وكصاحب الحق الوحيد بعرض التشكيلة الحكومية مقابل حق رئيس الجمهورية بالاعتراض وطلب إدخال التعديلات عليها. وفي ذروة دفاع رئيس الجمهورية عن محاولات مكشوفة للنيل من صلاحياته وتحويله إلى مجرد بريد رسمي لإعلان تشكيلة رئيس الحكومة لحكومته، لم يستنفر رئيس الجمهورية حلفاءه ولا زجّ بالمرجعيات الدينية في معركة محقة هي الدفاع عن صلاحيات رئيس الجمهورية، كشريك كامل في تشكيل الحكومة وفقاً للدستور الذي خرج من اتفاق الطائف، وفي ذروة اندفاع رئيس الحكومة لتحصيل ما ليس محقاً لحلفائه، تعامل رئيس الجمهورية بلغة الاحتواء بدلاً من المواجهة، وأظهر حرصه على تدوير الزوايا فتولى حلحلة عقدة الحزب الاشتراكي، بما لم يكن رئيس الحكومة راضياً عن نتيجته، وتولى التنازل عن منصب نائب رئيس الحكومة لحساب القوات اللبنانية من حصته، ورئيس الحكومة يضغط خلال كل هذه الفترة على فريق رئيس الجمهورية لتقديم التنازلات لحساب حلفائه، بما لا تخوّلهم مقاعدهم النيابية بنيله.

– خلال الأيام القليلة الماضية ظهرت صعوبة ولادة الحكومة من دون تمثيل النواب السنة الذين يمثلون ثلث ناخبي طائفتهم ويحتلون ثلث مقاعدها النيابية، ويحق لهم ثلث مقاعدها الوزارية، ويرفض رئيس الحكومة منحهم مقعداً واحداً بدلاً من حقهم بمقعدين، ويشنّ عليهم حملة ظالمة ويطلق عليهم أوصافاً لا تليق برئاسة الحكومة، ولا بزعامة وطنية، يفترض أنها تحترم إرادة الشعب الذي يمنح النواب مقاعدهم في العملية الديمقراطية ومنه تستمدّ عبر مجلس النواب كل حكومة شرعيتها الدستورية، ومعها رئيسها، ورغم ذلك حاول رئيس الجمهورية أن يمون على حلفائه عبر ضغط نفسي ومعنوي وأدبي، بإعلان تضامنه مع رئيس الحكومة ورفض التسليم بحق النواب السنة، وتوصيف تمسك حزب الله بتمثيلهم خطأ تكتيكياً يصيب الاستراتيجية الوطنية.

– لأن رئيس الجمهورية فعل كل ما فعله في السابق لتسهيل ولادة الحكومة، وحاول أن يضغط للتسهيل، ولكنه وجد موقفاً لا مجال للتراجع فيه لدى حزب الله بعد كلام السيد حسن نصرالله، وصار أمام معادلة استعصاء فهو معنيّ من الموقع ذاته بالسعي لتذليل العقدة بغض النظر عن رغبته بكيفية تذليلها، وقد بات لذلك طريق واحد يعرف الرئيس أنه ليس السعي للضغط على حزب الله للتراجع عندما يكون مقتنعاً بأنه يقوم بعمل وطني، كما كان الحال يوم جمّد حزب الله تشكيل الحكومة الأولى للرئيس سعد الحريري شهوراً بانتظار توافق الحريري مع رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل عام 2009، وكما كان الحال يوم تحمّل حزب الله الاتهامات بتعطيل الانتخابات الرئاسية والتسبّب بالفراغ الرئاسي ليقينه بأحقية العماد ميشال عون بالرئاسة. وهو اليوم بلسان السيد نصرالله، يعلم أن الإجحاف السياسي بحق فريق الثامن من آذار في التشكيلة الحكومة بالمقارنة مع تمثيل الرابع عشر من آذار لا يمكن تبريره إلا بالضعف وليس بالتواضع. وحزب الله ليس ضعيفاً ليقبل بتمثيل فريقه بسبعة وزراء مقابل إثني عشر وزيراً لقوى الرابع عشر من آذار، وهما بحجم نيابي واحد، فإذا كان المعيار المعتمد وفقاً لتمثيل القوات والاشتراكي هو وزير لكل أربعة نواب، فلذلك نتيجة أولى أن يكون لتيار رئيس الحكومة خمسة وزراء فقط بدلاً من ستة، والفارق كافٍ لحل مشكلة تمثيل سنة الثامن من آذار، ونتيجة ثانية هي نيل فريق الثامن من آذار وفقاً للمعيار ذاته، لكن بالمقابل يرتضي فريق الثامن من آذار بتواضع، أن يطبق عليه معيار مزدوج بحيث يكون لكل 4 نواب من 14 آذار وزير ولكل ستة نواب من 8 آذار وزير، لأنه إذا طالب بالمعيار ذاته لتمثيل قوى الرابع عشر من آذار مقابل 45 نائباً يمثلهم فستكون حصته 11 عشر وزيراً كما هي حصة الرابع عشر من آذار، بينما هو يرتضي التمثيل بـ8 وزراء فقط إذا تم تحصيل مقعد وزاري للنواب السنة في اللقاء التشاوري.

– المعاملة بالمثل مع رئيس الحكومة تستدعي من رئيس الجمهورية مطالبته بالتنازل عن مقعد من طائفته ليحل المشكلة، علماً أن هذا المقعد حق ثابت، يريد رئيس الحكومة وضع اليد عليه بغير حق، بعدما لبّى رئيس الجمهورية طلب رئيس الحكومة بمنح مقعد غير مستحق من طائفته لحساب القوات اللبنانية وفوقه صفة نائب رئيس الحكومة، تحت عنوان التعاون لتسهيل ولادة الحكومة. وعسى ألا يقبل رئيس الحكومة بالتمني ليفتح باب تشكيل الحكومة من جديد، وفقاً لمعادلة التمثيل بمعيار واحد لأنه الأمثل والأكثر استقراراً وفقاً لكلام رئيس الجمهورية المتكرر، فإما حكومة بـ 36 وزير لتتسع لـ11 وزيراً لكل من 8 و14 آذار وتكون حصة التيار الوطني الحر وتكتله بـ 7 وزراء، وفقاً لمعيار وزير لكل 4 نواب، ووزير لكل من حزب الكتائب وتكتل الرئيس نجيب ميقاتي إذا رغبا وإلا تؤول حصتهما بوزير لكل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إضافة لـ 5 وزراء محسومين لرئيس الجمهورية. وهكذا تتمثل الأقليات ويتمثل العلويون، أو حكومة بـ 30 وزيراً وفقاً لمعيار وزير لكل خمسة نواب يكون فيها 9 وزراء لكل من 8 و14 آذار و6 وزراء للتيار الوطني الحر وتكتله و6 وزراء لرئيسي الجمهورية والحكومة 5 بـ 1 ، والنصيحة بلا جميلة وبلا جمل، لكن لا تضيّعوا وقتاً بغير هذا التفكير.

– اللهم اشهد أني بلغت.

Related Videos

Related Articles

Sheikh Qassem: Cabinet Formation Requires Giving Independent Sunni MPs Their Right to Ministerial Seat

Sheikh Qassem: Cabinet Formation Requires Giving Independent Sunni MPs Their Right to Ministerial Seat

Hezbollah Deputy Chief Sheikh Naim Qassem

November 8, 2018

Hezbollah Deputy Secretary General Sheikh Naim Qassem stressed that PM-designate Saad Hariri has to find a way to surpass the remaining obstacle hindering the cabinet formation by starting a dialogue with the independent Sunni MPs and taking their demands into consideration.

Sheikh Qassem added that the independent Sunni MPs have the right to a ministerial seat due to their popular representation, adding that Hezbollah supports their demand and has always facilitated the cabinet formation.

Hariri was tasked on May 24 to form the new cabinet; however, the conflicting ministerial shares and demands of the various political powers have delayed the process.

Source: Al-Manar English Website

حزب الله: لا أحد ينوب عن «سنّة 8 آذار»

لا شيء تغير حكومياً. المفاوضات متوقفة والمخارج لا تزال مقفلة والرئيس المكلف يستجم في فرنسا، وإن يعِد بالعودة قريباً. وحده حزب الله قرر الانتقال من مرحلة الدفاع إلى الهجوم، متوجهاً إلى من يتهمه بالتعطيل بالإشارة إلى أن عنوان التعطيل في وادي أبو جميل وليس في حارة حريك. فمن يرفض مطلب كتلة وازنة من النواب الذين سموه لتشكيل الحكومة، كما يرفض حتى لقاءهم، هو الرئيس سعد الحريري وليس حزب الله، الذي يدعم مطلب سنة 8 آذار كما سبق أن دعم مطالب حلفاء آخرين.

بالنسبة لحزب الله، فإن الأمر صار مبتوتاً، احترام نتائج الانتخابات يعني تمثيل السنة من خارج تيار المستقبل أكثر من أي شيء آخر. فهم العنوان الأبرز لنتائج «النسبية» التي لم تؤد إلى أي تعديل جوهري في تمثيل الكتل، لكنها شكلت باب عودة هؤلاء إلى السلطة، بعدما تحملوا الكثير من حملات التخوين في بيئتهم، لمجرد أنهم كانوا يعارضون الحريري. مع ذلك، لم يقفوا على طرف نقيض منه عندما فازوا في الانتخابات. مدوا اليد له من خلال تسميته لرئاسة الحكومة، لكنه رد عليهم بعدم الاكتراث لوجودهم… ولا يزال.

أما حزب الله فكان حاسماً مرة جديدة بدعمه لحلفائه حتى النهاية. نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم، قال في لقاء سياسي في برج البراجنة: «بكل وضوح لا تنفع الاتهامات ولا الشتائم، ولا محاولة إثارة النعرات المذهبية والفتنوية، ولا الصراخ المرتفع في تشكيل الحكومة، الحكومة لها طريق، والحل الوحيد لتشكيلها هو اللجوء إلى الحوار مع أصحاب الحق، وتجاوز العقبات المصطنعة، وهم في اللقاء التشاوري يتخذون قرارهم ولا أحد ينوب عنهم». وأضاف: «الكرة في ملعب رئيس الحكومة، وفي استطاعته أن يدور الزوايا وأن يصل إلى حل معقول ومناسب وأن يتمثل اللقاء التشاوري بحسب مطلبه».

كتلة الوفاء للمقاومة: تمثيل السنة المستقلين هو مسؤولية الرئيس المكلف

وعلى المنوال نفسه، اعتبرت كتلة الوفاء للمقاومة في اجتماعها الأسبوعي أن «إلغاء تمثيل أي مكون سياسي ورفض مشاركته في الحكومة لا يخدم المصلحة الوطنية إطلاقاً ولا يخدم حسن سير عمل الحكومة أيضاً»، مشيرة إلى أن «تمثيل السنة المستقلين هو مسؤولية تقع على عاتق الرئيس المكلف أساساً، وعلى القوى الوازنة في البلاد التعاون لتحقيق هذا الأمر».
أما الرد المستقبلي، فأتى عبر «مصادر تيار المستقبل»، التي نقل عنها تلفزيون المستقبل قولها إن «الكرة موجودة فقط في ملاعب التعطيل»، مشيرة إلى أن الجهة المسؤولة عن التعطيل معروفة لكل اللبنانيين. وأضافت «مصادر المستقبل» أن الرئيس المكلف يلتزم حدود الدستور ولن يحوّل تأليف الحكومة إلى ملعب تتبارى فيه العراقيل والمسؤولون عن العرقلة وهو أنجز مهمته في تدوير الزوايا، وعلى الآخرين أن يتوقفوا عن تدوير العقد.
أما أصحاب العلاقة، أي نواب اللقاء التشاوري، فبدأوا سلسلة زيارات لشرح موقفهم، فكانت البداية من دار الفتوى، حيث التقوا المفتي عبد اللطيف دريان. وتحدث باسمهم النائب قاسم هاشم، بعد اللقاء، معلناً أنه للتأكيد على «دور هذه الدار الجامعة في كل المناسبات وفي كل الأزمات». ومن المنبر نفسه، كان الوزير نهاد المشنوق، الذي التقى دريان أيضاً، يعلن أن الحريري لن يعتذر وسيشكل الحكومة، معتبراً أن النواب السنة المستقلين طالبوا من خلال استعمال الباب الخطأ ودخلوا من خلال طرف سياسي ليس مناسباً لتسمية واحد منهم.

Related Videos

Related articles

Hezbollah: New Lebanon’s Cabinet Will Never Be Complete without Representing Independent Sunni MPs

Hezbollah Deputy Chief Sheikh Naim Qassem

November 3, 2018

Hezbollah Deputy Secretary General Sheikh Nauim Qassem stressed that representing the independent Sunnite lawmakers in the new Lebanese cabinet has been demanded since PM-designate was tasked on May 24, adding that the latter disregarded this demand and sought resolving the rest of the ministerial knots.

Sheikh Qassem said that after surpassing the Christian and the Druze two obstacles, the Sunni knot appeared to be new, but added that the independent Sunni lawmaker met the PM-designate during the unbinding consultations and informed him about their demand.

His eminence also confirmed that if the Sunni lawmakers from outside the Future Movement weren’t represented, the national unity cabinet will never be complete.

In turn, the head of Hezbollah executive council Sayyed Hashem Safieddine also emphasized that the independent Sunni lawmakers have the right to be represented in the new cabinet because they themselves represent a considerable segment of their popular incubator.

Source: Al-Manar English Website

Cabinet Formation: Undue Delay, No Positive Developments

Lebanese Premier Saad Hariri

The Cabinet formation process has witnessed no positive developments and the current increasing complications are delaying the creation of the new government until early 2019. Any of the parties has not shown any intentions or willingness to make concessions regarding its demands.

All parties were still clinging to their demands, with the Progressive Socialist Party insisting on three Druze seats and the Lebanese Forces seeking a significant share that reflects the gains it made in the latest parliamentary elections. However, all obstacles were overcome till days before, when a new knot has found its place to impede the cabinet formation.

Sunni MPs from outside the Future Movement have been demanding to be represented by at least one minister in the next Cabinet. Prime Minister-designate Saad Hariri has turned down their demand, while Hezbollah and Amal Movement have stressed that their rightful demand should be met.

“We believe that their demand is eligible, and we’ll stand by their side,” said Hussein al-Khalil, political aide to Hezbollah’s Secretary-General, in televised comments after meeting with a group of Sunni MPs.

Nevertheless, Parliament Speaker Nabih Berri and Hezbollah said they still supported Hariri to head the new government.

In the same context, MP Walid Sukkarieh denied Wednesday that he and other Sunni MPs from outside the Future Movement were responsible for delaying the government’s formation, saying it was up to the premier-designate to determine how the group would be represented in Cabinet.

Sukkarieh said they are keen that the government be formed “as quickly as possible, and we do not take responsibility for the formation delay.”

“We formed a coalition as we are [MPs] from different areas, but we agree on the same things, and we represent a segment of the Sunni population that should be represented in the Cabinet,” he said in an interview with local radio station Voice of Lebanon.

Hariri Tuesday held a 1 1/2-hour meeting with President Michel Aoun in an attempt to find a solution to the problem, without speaking to reporters at Baabda Palace.

Lebanon desperately needs a government that would embark on economic reforms that are said to be more urgent than ever, provided that Lebanon is saddled with the third highest debt to GDP ratio in the world in addition to its economic recession.

A major obstacle was removed on Monday when debate over Christian representation was settled with the Lebanese Forces offering concessions to Aoun and the Free Patriotic Movement.

Source: Al-Manar Website

Related Videos

Related Articles

الحريري اللبناني والحكومة والحسابات الإقليمية

أكتوبر 18, 2018

ناصر قنديل

– يدرك الرئيس سعد الحريري أنه يصير أكثر لبنانية، بعدما تخفّف من مصالحه الاقتصادية في كل من السعودية وتركيا، وبدأ مشواراً اقتصادياً جديداً من بيروت، لو لم تكن كل أوراقه الاقتصادية لبنانية. كما يدرك أنه صار أكثر لبنانية بعدما اكتشف سهولة تعرّضه لمعاملة غير متوقعة بسبب ما يفترضه من مكانة له بين حلفائه، تتيح له أن «يمون» على تحديد المصلحة المشتركة للحلفاء انطلاقاً من قراءته الخاصة ويتوقع قبولها من الحلفاء، وهو الظنّ نفسه الذي أودى بحياة والده الرئيس رفيق الحريري عندما سار بالتمديد للرئيس إميل لحود بتلبية طلب الرئيس السوري بشار الأسد، خلافاً لما كان ينتظره منه حلفاؤه بأن يستقوي بالقرار 1559 ليكسر القرار السوري في لبنان، بمثل ما كرّر الظن نفسه عندما انقلب من ضفة قيادة الانتخابات النيابية لتشكيل معارضة بوجه سورية وحلفائها إلى البحث عن المشتركات مع سورية وحلفائها، بعدما تحقق من أن سورية على الحياد بين مؤيدي ومعارضي قانون «القضاء» آنذاك، وكما في عالم الاستخبارات في لعبة الكبار لا يهم كيف تم تنفيذ التخلّص من الذي فقد بعيون من راهنوا عليه حصاناً لمشروعهم تلك المكانة وصار دمه أغلى من لحمه كما يُقال، وصار تدبير التخلص منه وخوض معركة الحقيقة والعدالة بوجه خصومهم الذين رفض أن يخاصمهم، طريقاً مجدياً لتوظيفه بعدما بات توظيفه مستحيلاً في حياته، وقد تعرّف الرئيس سعد الحريري على بعض هذه المعاناة في تجربة الاحتجاز التي هزت كيانه وغيرت فيه الكثير بمثلما غيرت طبيعة علاقته بالسعودية.

– يدرك الرئيس الحريري أن حلفاءه لم يعودوا كما كانوا، وأن القوة التي يتحدثون عنها، ما عادت قوة صنع الأحداث بل القدرة على تعطيل بعضها وتأخير بعضها الآخر، ولا عادت قوة الفعل بل قوة القول، ولا قوة التواضع بل قوة الغطرسة، لكنه يدرك عملياً أن المتغيرات المحيطة بهم تتوزّع بين ثلاث وجهات متعاكسة، وضع أوروبي يرغب بلغة التسويات من العلاقة بالتفاهم النووي مع إيران إلى النظر لمستقبل سورية، وصولاً للقلق من اي توتر في لبنان يدفع بموجات النازحين إلى أبواب أوروبا، ووضع أميركي يدير التوازنات بحذر بين التصعيد بوجه إيران وحزب الله، والانفتاح على روسيا وتقبل التغييرات في سورية، وإدراك العجز الإسرائيلي السعودي رغم ما قدّمه الأميركي لإنجاح صفقة القرن، عن تحقيق ما يقلب التوازنات، ومسار سعودي تراجعي من فشل ذريع متكرّر في تحقيق أي تقدم عسكري في اليمن، الذي تحوّلت الجرائم والحالة الإنسانية فيه عبئاً لا يحتمل المزيد، إلى العجز عن تأمين شريك فلسطيني مقبول في صفقة القرن للانتقال نحو حلف عربي إسرائيلي تريده واشنطن بوجه إيران وقدّمت ما طلب منها لتحقيقه، ولكن النتيجة جاءت فشلاً بفشل، وصولاً إلى خسارة مكانة باكستان التي يدرك الحريري موقعها المحوري في صناعة الدور السعودي، وقد أطاحتها الانتخابات الأخيرة كمحمية سعودية، ومع الخسارة الكاملة في سورية لم يتبق للسعودية إلا لبنان والعراق والمناورة بينهما.

– من خلال هذا الإدراك يدرك الحريري اللبناني، أن عليه السير بحذر بين النقاط، كي لا يتبلل، وأن يراعي حدود الغضب السعودي ويقرأ الحسابات، دون أن يكون كما من قبل راعياً للسياسات السعودية، مستقوياً بموقف أوروبي داعم، وملاقياً موقفاً أميركياً يقترب من لغة التسويات على أبواب زيارة مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون إلى موسكو، وبعد ما أظهرته قضية جمال الخاشقجي وقضية القس الأميركي اندرو برانسون، من تبادل مواقع القوة بين الرياض وأنقرة، وحدود الغضب السعودي تبدو بحدود استثمار لبنانية فريق آخر يمثله حليفه اللدود وليد جنبلاط المستقوي بالدعم السعودي لتحسين وضعه بعد تراجعه النيابي، بينما صار رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الممثل الحصري للموقف السعودي بتخفيف النبرة ضد سورية ورفعها ضد حزب الله، بعكس ما يفعل الحريري وجنبلاط.

– منذ توقيت الانتخابات المتزامن بين لبنان والعراق، والتلاعب بالمهل والتنازع على الصلاحيات لتمرير الوقت الضائع، كان واضحاً أن تسمية رئيس الحكومة العراقية الجديدة سيعني انطلاق مساعٍ جدية لتشكيل الحكومة في لبنان. فالرهان السعودي كان على نيل نصيب وافر من المواقع الدستورية العراقية لتسهيل الحكومة اللبنانية بتوازنات تعبر عما جاءت به الانتخابات، أما وأن الحصيلة العراقية ضئيلة، وتنتظر التشكيلة الحكومية الجديدة لترصيدها خلال أيام قليلة تحكمها المهل الدستورية هناك، وهي مهلة تنتهي في الثاني من الشهر المقبل لتقديم الحكومة للبرلمان طلباً للثقة، والمصادر العراقية من مواقع مختلفة تقول إن الحكومة ستبصر النور قبل نهاية الأسبوع، والتوازن يبدو هذه المرة في مواعيد صدور الحكومتين بفوارق أيام وربما ساعات قليلة. وبكل حال يبدو أن على الحريري إقناع خصومه بتسهيل مهمته لإرضاء حلفائه الذين هم في النهاية المؤشر لنية عدم إغضاب السعودية، ومعادلته بسيطة، لديكم رئاسة الجمهورية، ومعكم أغلبية نيابية، وأكثر من الثلث المعطل في الحكومة إذا تجمّعتم وفقاً لخياراتكم الإقليمية، وعندما تجدون الحكومة قد صارت عبئاً عليكم في معادلات تغيّر الإقليم، تستطيعون التخلص منها نحو حكومة جديدة بشروط جديدة، وتعالوا الآن لنبحث عن حلول منتصف الطريق وتدوير الزوايا.

– السؤال الذي يواجه قوى الثامن من آذار وحليفيها التيار الوطني الحر كما يواجه رئيس الجمهورية، هو هل يجب أن يدفع حلفاء حقيقيون في الطائفة السنية يشكّلون المعنى الحقيقي لاعتماد قانون النسبية، ثمن هذه الحسابات؟ وهل يجب إفراغ حكومة الوحدة الوطنية من معناها كحكومة وحدة وطنية بقبول تشكيلها دون شراكة القوى غير الطائفية التي يمثل أبرزها القوميون الذين لم يغب تمثيلهم عن حكومات الوحدة الوطنية منذ اتفاق الطائف، كعلامة التزام بكونه معبراً مؤقتاً من الحال الطائفية؟ وهل يجب التلاعب بتمثيل الثنائية السياسية في الطائفة الدرزية وتضخيمها في الطائفة المسيحية، تحت شعار التسهيل، أم أن ثمة قدرة على ابتكار حلول تسووية تحقق المطلوب ولا تتسبّب بالعرقلة كما تشير المعلومات المتداولة حول المقعد الدرزي الثالث؟

Related Videos

Related Articles

 

لماذا تعرقل السعودية تشكيل الحكومة اللبنانية؟

يونيو 19, 2018

ناصر قنديل

– عندما يقول النائب السابق والقيادي في تيار المستقبل مصطفى علوش «إذا كانت أيّ جهة تشكّ في أنّ الجهة الأخرى التي هي شريكة في الحكومة تقوم بالتأخير لأسباب إقليمية، فلتقُم هي بالتسهيلات اللازمة من قِبَلها لتأليف الحكومة الجديدة من خلال التخلّي أو التنازل عما يراه هو أنّه حقّه الطبيعي». فهو يقطع الشك باليقين بأنّ تياره يقوم بالتأخير لأسباب إقليمية طالباً من الطرف الآخر، والمقصود بوضوح هو رئيس الجمهورية، الشريك الدستوري لرئيس الحكومة في تشكيل الحكومة، بأن يقدّم التنازلات طالما هو مستعجل لتشكيل الحكومة، كما يقول علوش في مورد آخر من كلام مكتوب له لحساب وكالة «أخبار اليوم» جرى انتقاء كلماته بعناية لتشكل رسالة واضحة، حيث قال «على الجهات التي تشعر أنّها مضغوطة في مسألة تشكيل الحكومة وتُنادي بضرورة تشكيلها في أسرع وقت، وترى أنّ الظروف الإقليمية والمحلية ضاغطة»، أن «تقدّم التنازلات الكافية من قِبَلها بهدف تسهيل تشكيل الحكومة». والعهد الذي يمضي عمره الافتراضي بانتظار حكومته الأولى أكثر المستعجلين طبعاً.

– المعادلة الشيطانية التي يرسمها علوش تقول، لن تولد الحكومة من دون أن تقدّموا تنازلات، ولتتهمونا ما شئتم بالتعطيل لأسباب إقليمية، فلن نسرّع الوتيرة من دون قبض الثمن. والمستعجل يدفع الثمن، ولسنا بمستعجلين. وهذه قمة الابتزاز والتنكر لمفهوم المصلحة الوطنية التي يفترض أن يحتكم إليها الرئيس المكلّف وفريقه قبل الآخرين في حمل أمانة التشكيل. والمطالب التعطيلية واضحة كلها في خانة فريق رئيس الحكومة المعقودة قيادته للسعودية. وهو كما وصفه رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع يضمّ حلفاء يتباينون في التفاصيل، لكنهم لا زالوا مخلصين لما جمعهم في الرابع عشر من آذار من عداء لسورية ورئيسها من جهة، ولعداوة يبطنها كلّ منهم بجمل مختلفة لعدم التعايش مع سلاح المقاومة، وهذا هو جوهر الموقف الأميركي السعودي في لبنان، العداء للمقاومة وسورية، والتناوب في العداء فنّ ومناورة حسب المقتضيات، لا يغيّر من حقيقة العداء شيئاً.

– توزع الفريق الذي يضمّ المستقبل والقوات والاشتراكي والكتائب، ليصير أربعة فرق مختلفة، لأنّ بقاءه رسمياً فريقاً واحداً سيجعله أسير حجمه الفعلي. وهو مساوٍ لحجم خصمه السياسي الممثل بقوى الثامن من آذار التي تجمعها على تفرّقها أيضاً، روح واحدة، جوهرها الحلف مع سورية وحماية سلاح المقاومة. والقضية لا زالت هي هي محورها القرار 1559، المتصل بفصل لبنان عن سورية ونزع سلاح المقاومة. والسعي السعودي واضح بتفريق جمع الرابع عشر من آذار، وهو نيل حصة حكومية من 16 وزيراً لقاء 47 نائباً، أيّ أكثر من نصف الحكومة مقابل ثلث البرلمان، وتمثيل قوى الثامن من آذار والتيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية، مقابل 74 نائباً بأقلّ من نصف الحكومة. والمعادلة كما يلي، يتمسك تيار المستقبل بكامل تمثيل طائفته بستة وزراء ومعها حصة لرئيس الحكومة من وزيرين، ويتمسّك الحزب التقدمي الاشتراكي بكامل حصة طائفته من ثلاثة وزراء، وتتمسّك القوات اللبنانية بضعف حصتها السابقة فتصير ستة وزراء، وإذا تمثل حزب الكتائب فله وزير ويصير الجمع ثمانية عشر وزيراً، فيتنازل رئيس الحكومة عن وزير من طائفته مقابل وزير مسيحي لأحد مستشاريه، ويصرف النظر عن توزير الكتائب مقابل صرف النظر عن تمثيل سواه من الثامن من آذار، وتتنازل القوات عن وزير وترضى بخمسة، وتصير حصة الرابع عشر من آذار نصف الحكومة، ولرئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر والثامن من آذار مجتمعين مقابل 74 نائباً نصف الحكومة الآخر، منها ثمانية للتيار ورئيس الجمهورية، وسبعة للثامن من آذار كناية عن ستة وزراء شيعة ووزير لتيار المردة. وهذا هو المعروض اليوم في صيغة رئيس الحكومة، أن ترتضي قوى الثامن من آذار تمثيلاً يعادل نصف تمثيل الرابع عشر من آذار مقابل حجم نيابي واحد 45 – 47 ، وأن يرضى رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر بنصف الحكومة لقوى الرابع عشر من آذار، وإلا فعلى المستعجِل ومن يتّهم شريكه بالتعطيل لأسباب إقليمية أن يقدم التنازلات.

– لو كانت السعودية مستعجلة لتشكيل الحكومة لما كان هذا الدلع الوزاري، وهذا التصعيد الخطابي المتعمّد بعد عودة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي من السعودية ضدّ رئيس الجمهورية، ولرأينا التسهيل الذي شهدناه مع استبدال الرئيس سعد الحريري بالرئيس تمام سلام ومعه تنازلات في التشكيل، كان بينها القبول بتوزير نهاد المشنوق للداخلية بدلاً من أشرف ريفي يومها استرضاء للثامن من آذار، واستبعاداً لمن يرفع سقوفه، كما كان حال القوات يومها، ومثلها الكثير من حواضر تلك الحكومة التي أريدَ لها أن تولد لرعاية فراغ رئاسي مديد يظلّل الفيتو السعودي على وصول العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية، وتحمي تمديداً تلو التمديد للمجلس النيابي الذي تملك فيه السعودية وقواها أكثرية نيابية منعاً لولادة مجلس جديد ولد اليوم، ويُراد تعطيل مفاعيل ولادته بتمديد غير معلن، عبر تشكيل حكومة تنتمي للمجلس الذي انتهت ولايته وصار من الماضي، وما التمديد إلا كأن الانتخابات لم تتمّ.

– خسرت السعودية لعبتها في السابق في اليمن مع انقلاب الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وتخسرها اليوم في حرب الحُديدة، وخسرت رهانها على انقلاب السيد مقتدى الصدر في العراق قبل أن تكتمل فرحتها به، وتكتمل استعانة الرئيس الحريري به في الردّ على الجنرال قاسم سليماني، وما بقي إلا لبنان، يصلح رهينة تتخذها السعودية، في لعبة المنطقة، وفق معادلة تعطونا الأغلبية الحكومية لنعطل عودة النازحين السوريين، أو فلا حكومة تضمن عودتهم، فكما في بداية الحرب على سورية، حجزُ الدور السعودي في المنطقة يبدأ من سورية وحجز الدور السعودي في سورية يبدأ من لبنان، وكلمة السر في الحالتين جنبلاطية. وقد قال النائب السابق وليد جنبلاط يومها، إنّ جبهة النصرة ممثل شرعي للشعب السوري، وتستحقّ منحها «عرسال لاند»، كما منحت فتح كممثل للشعب الفلسطيني «فتح لاند». وهو يقول اليوم إنّ القضية هي سورية وعودة النازحين، بالفم الملآن، يصبح العهد ناجحاً إذا قبل الخطة الأممية بتمويل سعودي لإبقاء النازحين السوريين بانتظار الانتخابات السورية بعد أعوام، ويصير فاشلاً إذا أصرّ على عودتهم، والمعيار الحصص التي تنالها السعودية في الحكومة الجديدة أو لا حكومة، وعلى المستعجِل أن يدفع ثمن العجلة.

– أن تجري انتخابات يعني أن تُعتبر الحكومة مستقيلة حكماً، ليس لترف دستوري، بل لاستيلاد حكومة تعبّر عما يريده الشعب، وفقاً لتصويته الانتخابي ونتائج الانتخابات. والنتائج تقول إنّ حكومة ثلاثينية يكون الحاصل النيابي اللازم للمشاركة فيها بعد حسم حصة لرئيس الجمهورية تعادل ثلاثة وزراء هي 4,75 نائب، وبدون حصة لرئيس الجمهورية هي 4,25 نائب، وبالتالي مقابل كلّ تسعة إلى عشرة نواب عملياً وزيران. وهذا يعني نيل تيار المستقبل أربعة إلى خمسة وزراء، ونيل القوات ثلاثة إلى أربعة وزراء، ونيل الاشتراكي إثنين، ونيل ثنائي أمل وحزب الله ستة، وتكتل التيار الوطني الحر ستة، ومستقلو وحزبيو الثامن من آذار من خارج أمل وحزب الله ثلاثة إلى أربعة وزراء، والمستقلون يمثلهم الرئيس نجيب ميقاتي وزيراً واحداً، وإذا اعتمدنا الحاصل الأدنى للتمثيل والحصة الأعلى لكلّ طرف يبقى أربعة وزراء يتفاهم عليهم رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ويتفقان على تسميتهم حصة رئيس الجمهورية أو حصة الرئيسين أو يتقاسمان التسمية فيهما بنسب ترجّح فيها كفة رئيس الجمهورية بطبيعة الحال.

– إنْ أردتم حكومة منصفة فالطريق سهلة وواضحة، وإنْ أردتم الابتزاز بفيتو سعودي يشبه الفيتو الذي تسبّب بالفراغ الرئاسي قبل أن تقبلوا بالعماد عون رئيساً، فعليكم الانتظار كما فعلتم من قبل، وستقبلون لكن بعد أن يضيع من عمر لبنان واللبنانيين على أيديكم تمديد تلو تمديد. وللتمديد الرئاسي مع كلّ وقت ضائع من عمر العهد حكاية أخرى تعلمونها ولا نريدها، فلا تفتحوا الأبواب المغلقة.

RELATED VIDEOS

RELATED ARTICLES

%d bloggers like this: