لسان حال بهيّة: مَن قتل رفيق؟

 

محمد حميّة

يناير 11, 2018

مرَّ خبر القرار الاتهامي الصادر عن قاضي التحقيق العسكري الأول رياض أبوغيدا بمحاولة «الموساد» «الاسرائيلي» اغتيال النائب بهيّة الحريري الأسبوع الماضي مرور الكرام عند فريق 8 آذار، على رغم ما عاناه هذا الفريق من اتهامات سياسية قاسية ومؤذية طاولت العديد من رموزه طيلة عقدٍ من الزمن في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري وشخصيات في 14 آذار آنذاك، ورغم ما كان سيحدثه هذا الاغتيال إن حصل من فتنة داخلية تضع البلاد في مكانٍ آخر شبيه بمرحلة اغتيال الحريري الأب.

وعلى غير ما درجت العادة لم يجِد فريق 14 آذار ورعاته الخارجيون مساحة سياسية وإعلامية لهذا الخبر الخطير لا على وسائل إعلامه وشاشاته الناطقة باسم «الديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان»، ولا في بيانات كتله النيابية والحزبية، رغم أن المستهدَف بالاغتيال هي شقيقة الرئيس رفيق الحريري وما تمثله من رمزية معنوية كبيرة على مستوى عائلة الحريري ومن ثقلٍ سياسي على مستوى تيار المستقبل والطائفة السنية في لبنان. وهو الفريق نفسه الذي يسارع الى الاستغلال السياسي لأي محاولة اغتيال أو اغتيال ضد سورية وحزب الله قبل بدء التحقيق. وهذا ما حصل غداة اغتيال الحريري وعقب اغتيال الرئيس السابق لشعبة المعلومات العميد وسام الحسن وفي قضية الوزير السابق ميشال سماحة وغيرها. وهو ذاته الفريق الذي رفض مجرد الحديث عن اتهام «إسرائيل» بالاغتيال.

ووفق ما ورد في القرار الاتهامي، فإن المتهمين باغتيال النائب الحريري الموقوف محمد الضابط والمتواري وليد الناقوزي عميلان «إسرائيليان»، وأن الناقوزي حرّض الضابط على اغتيال الحريري بغية إحداث فتنة في الداخل اللبناني لضرب السلم الأهلي، وفق ما جاء في القرار وأن القبض على الضابط منعه من ارتكاب جريمته.

أن يمُر هذا الخبر وكأن شيئاً لم يكن عند الأطراف المحلية، فربما له حساباته وأسبابه السياسية والإعلامية في ظل الازمات المتلاحقة التي تضرب لبنان من جهة، ودواعي التحالفات والمصالح المستجدّة من جهة ثانية، لكن أن لا تحرك المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الحريري ساكناً وأن لا تطلب اطلاعها على ملف التحقيق للبحث عن خيوط رفيعة تربط اغتيال النائب الحريري بقضية اغتيال شقيقها رفيق الحريري، فهذا يحمل علامات استفهام عدة!

فصَمت المحكمة عن معطىً قانوني وسياسي كهذا يفتح ملف المحكمة الدولية مجدداً على مصراعيه من بوابة الأخطاء المنهجية والقضائية والقانونية التي ارتبكتها منذ تشكيلها حتى الآن، والخطأ الأول الذي وقع فيه فريق التحقيق ثم المحكمة نفسها هو التركيز على فرضية واحدة وإهمال أخرى لا تقل في المنطق ولا في التحليل السياسي ولا في الأدلة أهمية عن فرضية اتهام سورية والضباط الأربعة وحزب الله.

وبحسب خبراء في القانون، فإن المنهجية المتبعة عادة في المحاكم الدولية هي أن يضع المحققون مجموعة من الفرضيات المحتملة ويبدأون بتتبع خيوط الجريمة للبحث عن أدلة بيّنة وقرائن لتثبيت إحداها ويصار لاحقاً الى تكوين عناصر الاتهام، أما المحققون في محكمة الحريري فعلوا العكس، فهم وضعوا احتمال سورية والضباط اللبنانيين الأربعة كفرضية واحدة وعملوا على فبركة الأدلة لتثبيت الاتهام والفرضية.

أما الهدف المقصود والمخطط مسبقاً من تتبع اتجاه واحد في التحقيق كان إغفال المحكمة فرضية اتهام «إسرائيل» بالاغتيال. ومن هذه النقطة بدأ انحراف المحكمة عن مسارها باتجاهات أخرى ليظهر لاحقاً أنها تحمل وظيفة سياسية أُريد لها أن تؤديها كأداة للفتنة وابتزاز حزب الله وسورية مناوبة.

ما تقدّم يطرح السؤال التالي: إذا كان الهدف من قتل الحريري الأب هو اغتياله سياسياً، كما ذكرت المحكمة في قراراتها الظنية التي استندت بدورها الى الظروف السياسية الداخلية والخارجية التي سبقت الاغتيال، ألا يُعَدُ احتجاز الرئيس الحريري الابن في المملكة السعودية محاولة اغتيال سياسي أيضاً؟ فهل يمكن اتهام المملكة على سبيل المثال أنها تخطط لاغتيال الحريري أمنياً؟ لا سيما أن محاولة اغتيال بهية الحريري بحسب التحقيقات، كانت ستتزامن أو ستلي احتجاز رئيس الحكومة ببضعة أيام، ما يفضح ويؤكد التنسيق الأمني والاستخباري والسياسي «الإسرائيلي» السعودي لاستحضار الفتنة وضرب الاستقرار الداخلي، وهو الهدف نفسه الذي اشتُغِل عليه بعد اغتيال الحريري الأب، وما يؤكد أيضاً أن عائلة الحريري، أشخاصاً وسياسة، مستهدفة «إسرائيلياً» ايضاً…

ما تقدّم يفتح الباب واسعاً أمام فرضية وجود تنسيق أمني – استخباري وسياسي «إسرائيلي» – سعودي في جريمة اغتيال رفيق الحريري! لا سيما أن أدلة عدة كُشف النقاب عنها تعزز هذا الاحتمال! ويكفي التذكير بمجموعة القرائن الأمنية التي قدّمها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في مؤتمر صحافي عام 2010 المتصلة بضلوع «إسرائيل» بالاغتيال.

ألا يستدعي ذلك من المحكمة الدولية إعادة النظر في المنهجية القضائية التي تتبعها ووضع «إسرائيل» كفرضية الى جانب الفرضية الأخرى والبحث عن القرائن الموجودة والخفية في هذا الاتجاه؟

على الرغم من التعمية الإعلامية على محاولة الاغتيال «الإسرائيلية» للنائب الحريري، فإن صداها تردّد بقوة في دار «العائلة» في ضوء النقاشات التي دارت قبل «الشيخ سعد» من المعتقل السعودي وبعد تحريره وما تبعها من جلسات تقييم للمرحلة التي رافقت وجوده في السعودية بحسب مطلعين، ما دفع لسان الأخت والعمّة والأم أثناء اطلاعها على ملف اغتيالها الى توجيه أسئلة كثيرة في مجالس وغرف «العائلة» المغلقة لعل أبرزها وأكثرها معنىٍ تتعلّق بالجهة التي خططت ونفذت الاغتيال وكأن لسان حالها تسأل: مَن قتل أخي رفيق؟

لا شك في أن المحاولة «الإسرائيلية» لقتل بهية الحريري سيُعيد النقاش الى المربع الأول حول جدوى المحكمة الدولية بعد عقد ونيف على تأسيسها من دون توصلها لأي نتيجة، كما سيفتح الجدال حول تمويل الدولة اللبنانية للمحكمة بنسبة 49 في المئة سنوياً من تكالفيها؟ كما يطرح السؤال عن سبب تمرير فريق 8 آذار ورئيس الجمهورية ميشال عون في الحكومة بند التجديد والتمويل للمحكمة في الموازنة وهم الذين وصفوها بأنها أداة للفتنة وتطلب رأس المقاومة؟ فهل يموّلون محكمة تنشر الفتنة وتقطع رأس المقاومة؟ وهل سيجدّدون لها عملاً وتمويلاً في موازنة الـ2018؟

Advertisements

الرياض وبيروت: ضمور «الحقبة السعودية»

دبلوماسي سعودي: لو حفر الحريري بئراً كل شهر في عكار أو البقاع بمليون من الملايين التي قبضها لما هزمه أحد (هيثم الموسوي)

ما قبل حفلة الجنون السعودية الأخيرة في لبنان، كان أفضل بكثير ممّا بعد ما بات يعرف بـ«أزمة الحريري»، لجهة قوّة التأثير السعودي في البلد المشرقي الصغير. أراد السعوديون أن يستعيدوا زمام المبادرة، فاختطفوا رئيس الحكومة سعد الحريري، رجلهم، وقعدوا يشاهدون خسارتهم جزءاً كبيراً من نفوذٍ استثمروا فيه مالاً وأدوات وجهداً لعقود طويلة. هكذا، وجدت السعودية نفسها من دون حلفاء، لا سياسيين ولا رجال دين ولا مؤسسات، إلّا حزب القوات اللبنانية والوزير السابق أشرف ريفي والنائب خالد الضاهر، وبعض ممثّلي العشائر العربية. وهؤلاء، يؤذون السعودية أكثر ممّا يفيدونها بأدوارهم السياسية المحدودة. حتى إن القوات أُحرجت من صلافة التصرّف السعودي مع الحريري، فانكفأت وتراجعت، لتترك الضاهر يعلن تضامنه مع السعودية بعد شهر من فشل المحاولة الانقلابية. هل جاءت خسارة لبنان لتكمّل خسارات السعودية الإقليمية، من سوريا إلى اليمن؟ أم أن الهزائم السعودية لن تقتصر على تفكّك الجماعات الإرهابية التي لطالما شكّلت المملكة بوصلتها الفكرية والمالية؟

فراس الشوفي

 يكاد حلفاء السعودية «الطبيعيون» في لبنان، قبل خصومها، يحارون وهم يغدقون بالأسئلة على عقولهم، عن الأسباب التي دفعت السعوديين إلى خسارة «الكثير» في محاولتهم استعادة «البعض»، في ما اقترفوه بحقّ الرئيس سعد الحريري.

ويعلّق أحد المهتمّين السعوديين بالشأن اللبناني، على نتيجة الانقلاب السعودي الفاشل بالقول، إنه «لو دفعت إيران كل مالها وقوتها ونفوذها لتربح ما ربحته بعد ما حصل مع الرئيس سعد الحريري، لما تمكّنت من ذلك».

هل هي رعونة النظام الحاكم الجديد في السعودية، وافتقاره إلى المستشارين العارفين بشؤون لبنان هما السبب خلف خسارة السعودية المدوية في أزمة الحريري الأخيرة؟ أم أنّها العوارض الجانبية لشعور فائض القوّة الذي يضفيه وجود أميرٍ شاب نهم على أعتاب سدّة العرش برؤية «2030»؟ أم أن محاولة الحفاظ على لبنان في الفلك السعودي تحوّلت فخّاً للمملكة، حتى أصيبت آخر تأثيراتها في المشرق بانتكاسة في لبنان، بعد ضمور دورها في العراق وسوريا؟

السؤال لا يقف عند حدود الماضي، بل يتعدّاه للمستقبل، عن أفق الدور السعودي في لبنان، وخطة السعودية المستقبلية لإعادة تموضعها بوجه إيران وحزب الله، وبأي الأدوات والعناوين… إن وجدت.

من المصرفي إلى رجل الأعمال

مع بداية الثمانينيات، شكّل الرئيس الراحل رفيق الحريري، بشخصه ودوره، تعبيراً عن ذروة الاهتمام السعودي بلبنان، وثمرةً لاستثمار طويل الأمد، يسبق حتى إقامة عبد العزيز آل سعود مملكته الموحّدة في الثلاثينيات.

فالحاج حسين العويني، كان النسخة الأولى للثري اللبناني الذي تتبنّاه السعودية وتوصله إلى رئاسة الحكومة، خلفاً لرئيس الحكومة رياض الصلح. أطلّ العويني على الساحة السياسية من باب المصارف ووصل إلى المجلس النيابي في عام 1947، ثمّ بقي رئيساً للحكومة عقداً من الزمن. ولعب الدبلوماسي في السفارة السعودية في بيروت الصحافي عبد المقصود محمد سعيد خوجة، دور السكرتير الخاص للعويني وأمين أسراره.

ثم بعد العويني، صار الرئيس صائب سلام، رئيس جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية، حليفاً وثيقاً للسعودية في لبنان، وصارت المقاصد ممرّاً لصرف الدعم المالي السعودي في بيئة السّنة اللبنانيين. غير أن علاقة السعودية الدائمة بالشخصيات والمؤسسات الخيرية والدينية السّنية، لم تكن وحدها مسرح النفوذ السعودي، بل أسّس الملك عبد العزيز في وصيته لأولاده، لعلاقة ممتازة تجمع الأمراء السعوديين بالقيادات المارونية اللبنانية، على قاعدة العلاقة المتينة مع الرئيس الماروني للحكم المسيحي في لبنان، الذي كان دعمه وقتها إعلان حسن نيّة عربية بنظر السعوديين تجاه الغرب. ومنذ الخمسينيات، فتحت المملكة خطوط تواصل متوازية من خلال الأمراء مع مختلف قوى اليمين اللبناني، وكذلك مع بكركي، وصولاً إلى رموز الحركة الوطنية اللبنانية، بالتوازي مع المؤسسات السّنية ودار الفتوى وجمعيات دينية أخرى.

وليس خافياً، أن الأمير سلطان بن عبد العزيز كان المعنيّ بالعلاقة مع رئيس حزب الكتائب اللبنانية الراحل بيار الجميل، وكذلك كان الأمير سلمان بن عبد العزيز صلة الوصل السعودية مع الرئيس الراحل سليمان فرنجية. ولم يكن الرئيس الراحل كميل شمعون بعيداً عن هذا الفلك، إذ ارتبط بعلاقات وثيقة مع الأميرين سلمان وفهد بن عبد العزيز. وكان الأمير عبد الله بن عبد العزيز قناة الربط السعودية مع مؤسس الحزب التقدمي الاشتراكي الراحل كمال جنبلاط، ومع الإمام المغيّب موسى الصدر. ويروي المصدر السعودي حادثة ذات دلالات مهمّة عن علاقة السعودية بالجميّل. فحين أقدم الصحافي السعودي عبد الله مناع، على مهاجمة الجميّل على صفحات جريدة عكاظ لانعزاليته، سمع منّاع توبيخاً قاسياً من الأمير سلطان بن عبد العزيز، بسبب مسّه بأحد حلفاء السعودية الموثوقين.

الحقبة السعودية

Image result for ‫السعودية وعبد الناصر‬‎

غير أن النفوذ السعودي، الذي ارتبط دائماً بالمال الدافق والهدايا السخيّة، لم يكن يترجم ارتباطاً «سنيّاً» كاملاً بالسعودية، في ظلّ ارتباط السنّة المشرقيين أوّلاً بمصر منذ ثورة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وحفاظ الأزهر على مكانته كمرجعية دينية ــ تاريخية للسّنة في الهلال الخصيب قبل الغزوة الوهابية الفكرية الحديثة والتنافس بين الوهابية وأتباع سيد قطب على السّنة. وارتبط النفوذ السعودي تالياً بالسياسة الأميركية في المنطقة ولبنان، وترجم تجاذباً دائماً بين السعودية وعبد الناصر على الساحة اللبنانية.

غير أن وفاة عبد الناصر ومرحلة ما بعد حرب تشرين 1973، حملت دوراً سعودياً جديداً في الإقليم، ما زال مستمرّاً حتى الآن، مع بروز ملامح ضموره المتسارع في المرحلة الأخيرة. ومع نهاية السبعينيات، انطلق ما يعرف بـ«الحقبة السعودية»، التي تزامنت مع عزلة عربية لمصر بسبب اتفاقية كامب دافيد، واعتماد الأميركيين أكثر على الدور السعودي في شرق العالم الإسلامي، لمواجهة «الخطر السوفييتي»، الذي أفرز في أفغانستان دعماً أميركياً وسعوديّاً لتنظيم القاعدة في مواجهة القوات الروسية.

وبرز الحريري في لبنان بداية الثمانينيات، كرمزٍ للدور السعودي الجديد في المنطقة. وللمفارقة، إن بداية الثمانينيات كانت بداية عهد جديد للنفوذ الإيراني. استثمرت السعودية برجل أعمال تحوّل لاحقاً إلى رئيس حكومة، واستثمرت إيران بمنظّمة عسكرية ألحقت هزيمة بإسرائيل، وباتت لاحقاً قوّة عسكرية يتخطّى دورها حدود لبنان.

ولم يبق الدور السعودي في لبنان نفوذاً فحسب، بل تحوّل مع اتفاق الطائف إلى معادلة دولية إقليمية جديدة يتشارك فيها مع الدور السوري إدارة الملفّ اللبناني. ويقول المصدر السعودي إن الحريري كان مرّةً وزير خارجية السعودية، ومرّة وزير خارجية الرئيس الراحل حافظ الأسد. لكنّه بشخصيته وذكائه، والعلاقة الأميركية السعودية الوثيقة، بات الرابط الوحيد للبنان مع السعودية، ولم يعد حتى مهمّاً عند السعوديين العلاقة مع الموارنة، التي اختصرها الحريري عبره، في مرحلة توسّع فيها دور رئيس الحكومة السّني، مقابل تقلّص صلاحيات رئيس الجمهورية المسيحي.

ولا شكّ في أن وفاة الأسد الأب وتولّي الرئيس بشار الأسد سدّة الحكم، أحدثا تحوّلاً في العلاقة السعودية ــ السورية، انعكس على لبنان انعكاساً مباشراً، في الوقت الذي حطّت فيه قوات الاحتلال الأميركي في العراق، برضى وترحيب سعودي. «فهم السعوديون اغتيال الحريري كاغتيال أحد أفراد الأسرة الحاكمة وغدراً مباشراً من الأسد، وإعلاناً عن انفلاش للنفوذ الإيراني في لبنان، قد يصل لاحقاً إلى الخليج».
بهذه الكلمات، يختصر المصدر السعودي لحظة اغتيال الحريري من الوجهة السعودية. وعلى هذا الأساس، يقول، إن السعوديين اعتبروا يوم 14 شباط 2005 لحظة إعلان الحرب على النفوذ السعودي.

الحريري الابن

«لو حفر الحريري كل شهرٍ بئراً في عكّار أو العرقوب أو البقاع الغربي بأقل من مليون دولار من الملايين التي قبضها بين 2005 و2008 من السعودية، لما هزمه شيء في لبنان»، ينقل أحد السياسيين البيروتيين كلام أحد المسؤولين السابقين في السفارة السعودية في بيروت. اختصار لواقع «مرير» يلخّصه السعوديون لمرحلة الحريري الابن.

غير أن هؤلاء لا يحمّلون الحريري وحده مسؤولية ضمور نفوذ المملكة في لبنان. أوّلاً، منذ الحريري الأب، تخلّى السعوديون عن التعاطي المباشر مع اللبنانيين، فكان السفراء السعوديون في بيروت لزوم ما لا يلزم (عدا السفيرين علي الشاعر وعبد العزيز خوجة طبعاً).

وبالتالي، تخلّوا عن دعم المؤسسات الخيرية والدينية وعن الشخصيات المقرّبة، مثل النائب تمام سلام مثلاً، وأوكلوا مهمة دعمها إلى الحريري الأب. ثمّ لاحقاً، ترك الحريري الابن ليخوض غمار التجربة، بينما اشتد عود خصومه وردّوا على محاولات السعوديين للتحكّم بالدولة اللبنانية بحصار السرايا ثم بـ 7 أيار، قبل أن يُسحب من بيروت بعد إقالة حكومته في 2011، وتولّي الرئيس نجيب ميقاتي رئاسة الحكومة. ويقول أكثر من مصدر متابع للشأن السعودي، إن السعوديين انشغلوا عن لبنان بسوريا ومواجهة إيران فيها، وكذلك في مصر التي كانت ستشكّل كابوساً لهم لو استمر حكم الإخوان المسلمين فيها، فسهوا عن لبنان. ولاحقاً غرقوا في البحرين واليمن. ثمّ ارتكبوا خطأً حين قبلوا بميقاتي على مضض رئيساً للحكومة، ولم يحسنوا ترجمة تقدّمهم في سوريا في ذلك الحين.

وحين استقال ميقاتي، كان القطار قد فات السّعودية، وتحوّلت الانتصارات السورية إلى هزائم لحلفاء السعودية، قبل أن تحين مرحلة التسوية الرئاسية بين الحريري والرئيس ميشال عون، عندما لم يكن لدى السعوديين خيارات أخرى لعودة الحريري إلى السرايا. وهذا الغياب السعودي يحمّله أكثر من مصدر معنيّ، مسؤولية «تردي حال السّنة في لبنان»، بالإضافة إلى الأزمة المالية التي وقع فيها الحريري. ويقول هؤلاء، إن أزمة الحريري مركّبة: أوّلها أن حسابات سعودي أوجيه بعضها رسمي، بينما الجزء الأكبر منها غير رسمي، وثانيها أن شقيق الحريري، بهاء، لم يقف إلى جانبه، بل أصرّ على سحب السيولة منه حين أصرّ على بيع حصّته من الشركة، قبل أن يعود ليسوّق نفسه خلفاً لشقيقه بعد تولّي الملك سلمان سدّة العرش.

ما هي خيارات «سنّة» لبنان؟

لم يكن ليتخيّل أحد أن تقوم قوى الأمن الداخلي، بنشر تعزيزات في محيط السفارة السعودية في بيروت، خوفاً من تظاهرات قد يقوم بها جمهور تيار المستقبل ضد السّفارة على خلفية الأزمة السعودية، وهو ما لم يقم به جمهور حزب الله وقوى 8 آذار في عزّ الاشتباك الداخلي اللبناني وتصعيد حزب الله ضد السعودية. فالمملكة التي قرّرت فجأة العودة بشكل صادم إلى لبنان، لم تجد غير اعتقال الحريري ودفعه إلى الاستقالة، لإعلان جولة جديدة من الاشتباك مع إيران.

هكذا وجدت السعودية نفسها من دون حلفاء، سوى حزب القوات اللبنانية وبعض المنتفعين هنا وهناك في الداخل اللبناني. فالزعامات السّنية التي اختصرتها السعودية بآل الحريري طوال سنوات، لم تجد نفسها مضطّرة إلى الدفاع عن الموقف السعودي، فيما اندفع الغربيون لاحتواء الموقف، ونقل الحريري من حضن الوسيط الإقليمي السعودي، إلى الحضن الغربي مباشرةً. وكأن البريطانيين والفرنسيين وجدوا ضمور النفوذ السعودي مدخلاً للعودة إلى الساحة اللبنانية من بوابة احتضان رئيس الحكومة المكسور، من رعاته الأصليين.

ووصل إلى مسامع اللبنانيين أن السعوديين، في المراجعة السريعة للأزمة الأخيرة، حمّلوا وزير الدولة لشؤون الخليج ثامر السبهان جزءاً من الفشل الذريع الذي خلصت إليه خطوات احتجاز الحريري ودفعه إلى تقديم استقالته. وبحسب أكثر من مصدر لبناني وسعودي، فإن المستشار في الديوان الملكي نزار العَلَوْلَا، بات مكلّفاً إدارة الملفّ اللبناني. وهذا الدور للمستشار الجديد لا يعبّر عن خطّة سعودية جديدة للبنان، بل هو بمثابة مسؤولية تصريف أعمال إلى حين وضع السعوديين استراتيجية جديدة للبنان، علّها تنفع في إعادة ما خسرته المملكة من نفوذ، وما تخسره رئاسة الحكومة بدورها من ثقلٍ في النظام اللبناني، وتوقف التآكل الذي يصيب اتفاق الطائف.

هل يملك سنّة لبنان بديلاً؟ يقول مصدر بارز في تيار المستقبل، إن «سنّة لبنان لا يملكون خيارات كثيرة في غياب التأثير السعودي، بانتظار نفوذٍ مصري قد لا يأتي، لا يستطيع السّنة الغرق في أحضان الغرب، فعندها سيتحوّلون ورقة للمساومة بين الغرب وإيران في لبنان».

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | firasshoufi@

مقالات أخرى لفراس الشوفي:

Hezbollah and Syrian Army Units Finishing Off Terrorists of Al-Nusra

By Andre Vltchek

August 14, 2017 “Information Clearing House” –  It came unexpectedly, rapidly and with great force: on 21 July 2016, Hezbollah in Lebanon and the Syrian army from their side, in unison, attacked positions of the malevolent terrorist group, Jabhat Fatah al-Sham (formerly known as Al-Nusra Front), in the mountainous province of Jroud Arsal in Bekaa Valley, on the border of two countries.

Simultaneously, the Lebanese Army surrounded and hermetically sealed the area around Arsal town, preventing new terrorist forces from entering the battle zone.

More than 150 militants were killed. Two dozen Hezbollah fighters lost their lives. Despite the difficult mountainous terrain, the battle was swift, heroic and well coordinated. The group was forced into accepting a ceasefire agreement, which went into effect on 27 July, and which stipulates that all of its fighters will be transferred by the army to a designated area inside Syria (Idlib).

Vanessa Beeley, Associate Editor of the 21st Century Wire, wrote this comment for my essay, literally from “the rubble of East Aleppo”:

“This is a momentous victory for the Resistance against the NATO and Gulf state terrorists. The black flags have been torn down in Arsal and the flags of Hezbollah, Lebanon and Syria are flying side by side as a symbol of the unity of anti-imperialist, anti-Zionist forces in the region. The heroes who gave their lives for this hard-won victory will always be remembered and honored by those whose lives and culture had been under threat from the malevolent forces of extremism and terrorism.”

Who are these terrorists, based for so long at both sides of the border?

The Nusra Front was al Qaeda’s official wing since the beginning of the Syrian war, but in 2016 it decided to split, at least formally, from its former mentor. It rapidly ‘reinvented’ itself. Now it is fighting as part of the Jabhat Fatah al-Sham Islamist Alliance, or more precisely, as its dominant force.

Lebanon has often been described as a time bomb, with dormant ISIS cells spread all over the country (even in the predominantly Christian areas), with al Qaeda first and Jabhat Fatah al-Sham later controlling several pockets in the north, and with the constant threat of an Israeli invasion from the south. Tiny Lebanon also has a notoriously weak government, and it is divided along religious lines. For years it has been facing perpetual refugee crises, with Palestinian refugees literally ‘stuck’ here for decades (with extremely limited rights), and with still more than one million Syrian refugees, most of them forced to flee the brutal war triggered by NATO and its allies in the Gulf.

As Hezbollah and the Syrian army were leading a decisive battle against the terrorists, the Lebanese Prime Minister Saad al-Hariri was meeting U.S. President Donald Trump in Washington D.C., discussing, among other issues, additional U.S. sanctions against Hezbollah, which most Western countries label as a “terrorist group (either entire organization, or at least its military wing).”

On 26 July, Reuters reported:

“Standing beside Hariri in the White House Rose Garden, Trump said Hezbollah is a threat to Lebanon from within. He called the powerful Shi’ite Muslim group a “menace” to the Lebanese people and to the entire region… U.S. lawmakers introduced legislation last week seeking to increase sanctions on Hezbollah by further restricting its ability to raise money and recruit and increasing pressure on banks that do business with it.”

Mr. Hariri, a sworn enemy of Syria and its government, said nothing to contradict the U.S. leader. Born in Saudi Arabia (he holds both KSA and Lebanese citizenships), Mr. Hariri stood still, as Mr. Trump unleashed derogatory rhetoric against the only group in Lebanon which is capable of providing social services to all of its citizens, and which heroically defended Lebanon during the Israeli invasion.

As Trump spoke and Hariri obediently listened, shock waves were running through political and even financial circles in Lebanon. Here, life without Hezbollah would come to a total standstill, most social services would collapse, and the country would be virtually left exposed and defenseless.

“America’s assistance can help to ensure that the Lebanese army is the only defender Lebanon needs,” Trump said at a White House news conference. He made sure not to mention the amount of money or type of hardware the U.S. was willing to supply. No details were given. Mr. Hariri never dared to ask publicly.

Everyone in the Middle East knows clearly what all this could mean: perhaps the U.S. aid would increase the salaries of top military officers, and even buy few new fancy (US or EU made) weapons, but it would definitely not save Lebanon in case it was once again attacked by Israel, or if it were to be overrun by the huge number of NATO and Gulf-sponsored or directly supported Islamist extremists, who have already been infiltrated for years, into Syrian territory which is right across the border.

For now, however, there is much hope and plenty of reasons to celebrate, in both cities and countryside, all across Lebanon. Mr. Modar Nasr (not his real name), a leading young Syrian intellectual presently based in Beirut, explained to me:

What happened in Arsal showed that there is actually hope for a better Lebanon. For the first time in years the forces of ‘March 14” and “March 8” stood together to fight against Nusra and other terrorist factions. The operation was not only led by Hezbollah, but also by the Lebanese army and the Syrian army. That is why we saw this sweeping victory in battle expected to last at least one month.”

Now the next stage of this sweeping operation is just beginning. It consists of a frontal attack against Daesh (ISIS) in an adjacent area of the border zone.

On 28 July, the Lebanese Army was heavily engaged, using tanks, pounding positions of the Islamic State on the outskirts of Ras Baalbeck.

So far, everything has been going according to plan. That is, according to a plan created and being implemented by Hezbollah, Syria and the Lebanese Army.  

Where the U.S. and present Lebanese Prime Minister stand, is clear. It is also obvious that their designs do not coincide with the interests of the majority of the Lebanese people, and those from the entire region.

The leadership of Hezbollah reacted with civility and calm to the events in Washington. On June 26, The Daily Star in Beirut reported:

At the start of his televised speech Wednesday, Hezbollah Secretary General Sayyed Hassan Nasrallah said he would not respond to comments made by U.S. President Donald Trump during his meeting with Prime Minister Saad Hariri earlier in the week, so as not to embarrass the Lebanese delegation to Washington.”

In reference to the ongoing battles, Hassan Nasrallah proclaimed:

“The objective is to have the armed groups that Nusra control exit from Lebanon to Syria… This is a righteous battle … anyone who is hesitant can ask the people [starting in Hermel] who used to have rockets rain down on them … and behind them all of Bekaa. Let them ask in the areas that suffered [the deaths of] martyrs from car bomb attacks and the areas who were on the verge of being targeted. Let him ask these questions of himself…”

“We took the decision. This is not an Iranian decision; it’s not Iran that told Hezbollah … it is not a Syrian decision, not even in Flita. We called the Syrian leadership and asked them for their help in this area because they had priorities elsewhere … this is an internal decision.”

The speech was concluded by a clear message of defiance and confidence, sent across the ocean to the United States:

Our people today are afraid of no one … not a [Donald] Trump, or a [George] Bush or a [Barack] Obama or [Ariel] Sharon.”

The balance of power in the Middle East is rapidly changing. The West is discredited, and so are several of its allies. The involvement of Russia and to some extent China, has reassured various regional powers and movements that are fighting, directly or indirectly against both Western occupations and interventions. Countries located as far away as Afghanistan, are watching closely, with great interest.

Andre Vltchek is a philosopher, novelist, filmmaker and investigative journalist. He has covered wars and conflicts in dozens of countries. Three of his latest books are revolutionary novel “Aurora” and two bestselling works of political non-fiction: “Exposing Lies Of The Empire” and “Fighting Against Western ImperialismView his other books here. Andre is making films for teleSUR and Al-Mayadeen. Watch Rwanda Gambit, his groundbreaking documentary about Rwanda and DRCongo. After having lived in Latin America, Africa and Oceania, Vltchek presently resides in East Asia and the Middle East, and continues to work around the world. He can be reached through his website and his Twitter.

The views expressed in this article are solely those of the author and do not necessarily reflect the opinions of Information Clearing House.

الحكومة والوقت الضروري للنضوج

 

ناصر قنديل

– ليس معلوماً بعدُ مَن الذي ورّط مَن في إشاعة أجواء التشكيل السريع للحكومة كمحاولة للقول إنّ الأمور كلها تحت السيطرة، أو رداً على المناخ الذي أشيع عن وجود محاولات للعرقلة ناتجة عن مسارات ما قبل الانتخابات الرئاسية، وقد بدا أنّ حماسة الرئيس سعد الحريري مصدر هذا الإيحاء بموعد ما قبل عيد الاستقلال، وأنّ بعض المتحمّسين للعهد تفاعلوا مع الإيحاء وساهموا بتسويقه، لكن يبدو الآن أنّ تبرير التأخر بتشكيل الحكومة يضعهم جميعاً، ويُجبرهم على الخوض في مناخ معاكس عنوانه وجود مشيئة تعطيل عبّر عنها ذات يوم الرئيس الحريري رداً على سؤال عن موعد مرتقب للإنجاز بالقول اسألوا من يعرقل وهو معلوم.

– هل كان الحريري مدركاً التعقيدات التي لا بدّ من تذليلها لتتشكّل الحكومة وتقصّد الإيحاء بموعد ما قبل الاستقلال واليوم بموعد ما قبل الأعياد، ليضع رئيس الجمهورية في واجهة مأزق يرتب تعقيداً لعلاقاته مع حليفه الأبرز حزب الله، إذا أخذنا بالحساب الإعلام المستقبلي وتركيزه على هذا الشأن في مواكبة الشأن الحكومي بإيحاء جديد مباشر عنوانه أنّ حزب الله يعرقل تشكيل الحكومة في محاولة فرض معادلة الوصاية على العهد وتظهير أنّ الحكومة مثلها مثل الرئاسة لا تبصر النور من دون مشيئته، وهل كان الذين بادروا لافتراض القدرة على إنجاز الحكومة خلال أيام يعلمون أنّ مبالغتهم بالتفاؤل سترتدّ تشاؤماً يؤذي العهد وصورته، وأنّ خلق مناخ متوتر مبكر حول الترقب لتشكيل الحكومة سيطبع الأيام الأولى من العهد بأسئلة مبالَغ بطرحها قبل أوانها، والموعد المنطقي والطبيعي لولادة الحكومة بنجاح لا يسمح بطرح السؤال عن التأخير قبل مرور شهرين على التكليف بتشكيلها، فتتخطى المهل الطويلة التي عرفتها الحكومات السابقة، التي تراوحت مهل ولادتها بين أربعة وعشرة شهور؟

– معلوم من متابعة طبيعة العقد المرتبطة بالتشكيل الحكومي، أنّ بعضها يتصل بالشأن الحكومي والقوى المطلوب تمثيلها، وبعضها الآخر متصل بتعقيدات التفاهم على قانون جديد للانتخابات النيابية، وانعكاس حسابات المعادلة الحكومية على التشكيلة الوزارية بما يضمن وجود أو عدم وجود ثلث معطل لدى فريق أو مجموعة فرقاء، ومعلوم من الذي جرى على المسار الحكومي أنّ القسم الأول يتراوح في شأن الحقائب بين كتل حركة أمل والقوات اللبنانية وتيار المردة، وبالتالي بين حلفاء حزب الله من جهة، أمل والمردة، وحليف التيار الوطني الحر، أيّ القوات، وأنّ التواصل بين حزب الله والتيار معني وقادر، لكن ضمن زمن معقول على تخطي هذه العقبات، سواء بترطيب العلاقة بين المردة والتيار الوطني الحر أو بالتدخل لدى القوات لحلحلة عقد الحقائب أو بتعاون حزب الله ورئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس المجلس النيابي نبيه بري لتكوين بيئة ثقة تواكب مسار العهد بين الرئيسين عون وبري، ومعلوم في المقابل أنّ العقد المتصلة بقانون الانتخابات تتجسّد في حجم تمثيل القوات ومسعاها المشترك مع تيار المستقبل للاحتفاظ بالثلث المعطل في الحكومة لمنع ولادة قانون انتخابي جديد، أملاً بالذهاب للانتخابات على أساس قانون الستين وجذب التيار الوطني الحر لتحالف ثلاثي، وأنّ هذا الهدف هو الذي يفسّر تمسك الحريري بحكومة الأربعة وعشرين وزيراً، والسعي لإبعاد الحزب السوري القومي الاجتماعي والنائب طلال أرسلان والوزير السابق عبد الرحيم مراد أو الوزير السابق فيصل كرامي عن الحكومة، وصولاً لتهميش حزب الكتائب وعرقلة انضمامه للحكومة.

– معلوم أنّ مدة الشهر التي انقضت على الانتخابات الرئاسية، وصولاً لتسمية رئيس مكلف تشكيل الحكومة، هي مهلة مستحيلة لتشكيل حكومة تضمّ قوى وصلت علاقاتها إلى التصادم على خلفية الاستحقاق الرئاسي، وتتوزّع بين حلفاء للرئيس في خطه السياسي وحلفاء آخرين في الاستحقاق الرئاسي وحلفاء في كليهما، وخصوم في المقابل في كليهما، فكيف إذا تجمّعت مع هذه الاعتبارات المشاكل المستعصية لاستيلاد قانون جديد للانتخابات، تراكمت سنوات وعجز المعنيون بتشكيل الحكومة أنفسهم عن حلها سابقاً ويتقرّر على ضوء الصيغة التي سترسو عليها الانتخابات النيابية، ببقاء قانون الستين أو ولادة قانون جديد آثار أكبر بكثير على العهد وعلى جميع القوى السياسية، سلباً على بعضها وإيجاباً للبعض الآخر، من تلك الآثار الناجمة عن بلوغ مهلة تشكيل الحكومة بضعة أسابيع، بينما استهلك سواها بضعة شهور.

– يبدأ المسار الجدّي للتشكيل عندما يحسم الحريري مصير قانون الانتخابات النيابية، ويقرّر التخلي عن ضمان الثلث المعطّل حكومياً لتمثيله وتمثيل القوات اللبنانية معاً حتى تبدأ الحلحلة سواء فعل ذلك من ضمن صيغة الأربعة وعشرين وزيراً أو قبل للخروج من المأزق الذهاب لحكومة الثلاثين وما تتيحه من فرص الجمع لمكوّنات طاولة الحوار الوطني كتعبير مباشر عن مفهوم حكومة الوحدة الوطنية. وعندها سيكون حزب الله قادراً على بدء موازٍ لمسار الفك بين تعقيدات تشكيل الحكومة وتوازنات في حسابات قانون جديد للانتخاب، وما يرتبه ذلك من حلحلة في شأن الحقائب في مثلث التيار الوطني الحر وحركة أمل وتيار المردة.

Related Videos

 

Related Articles

عودة 8 و14 والخلاف سياسي

عودة 8 و14 والخلاف سياسي

نوفمبر 22, 2016

ناصر قنديل
– نجحت الانقسامات والخلافات حول الخيار الرئاسي بعد ترشيح الرئيس سعد الحريري للنائب سليمان فرنجية، وانضمام رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع لتأييد ترشيح العماد ميشال عون، بالإيحاء أنّ زمن الانقسام السياسي الذي عرفه اللبنانيون منذ العام 2005 بين فريقين كبيرين على أساس الخط السياسي، تجاه القضايا الإقليمية والتموضع حول خطوط الناشئة عنها، قد صار من الماضي، وأنّ ما عُرف بقوى الثامن من آذار ومثلها ما عُرف بقوى الرابع عشر من آذار، قد تفتّتت وتشكلت منها كتلتان جديدتان، واحدة تدعم المرشح سليمان فرنجية وتضمّ قوتين بارزتين واحدة من الثامن من آذار هي حركة أمل ورئيس مجلس النواب نبيه بري والثانية من الرابع عشر من آذار هي تيار المستقبل والرئيس سعد الحريري، والكتلة المقابلة تدعم ترشيح العماد ميشال عون وتضمّ قوتين بارزتين واحدة من الثامن من آذار هي حزب الله، والثانية من الرابع عشر من آذار هي القوات اللبنانية.

– مع انضمام الرئيس سعد الحريري إلى صفوف مؤيدي ترشيح العماد ميشال عون بدا أنّ كتلة تفوز وكتلة تخسر، والأمر لا يخصّ في الربح والخسارة لا الثامن ولا الرابع عشر من آذار. وأصرّ البعض على تقديم هذا التوصيف في مقاربة مساعي تشكيل الحكومة، عبر الدعوة لحصر الحكومة بحلف الرابحين، فيما اكتفى الآخرون بالدعوة لنسيان مرحلة الثامن والرابع عشر واصفافاتهما، والنظر مع العهد الجديد لمعادلات جديدة هي التفاهمات التي رافقت ولادته من تفاهم زعيمه مع حزب الله من جهة، وتفاهمه مع القوات اللبنانية وتيار المستقبل من جهة أخرى، ويستمرّ السعي لتعميم مفهوم يقوم على الخدعة البصرية بتصوير الصراع المرافق لتشكيل الحكومة كصراع تنافسي على حقائب وحصص بين رابحين ينالون حقوقاً ومستلحقين لخسارتهم يعطّلون طمعاً بدخول جنة الحكم.

– يمكن ببساطة القول إنّ ما قامت به القوات اللبنانية وما لحقها بالقيام به تيار المستقبل من تبنّ لترشيح العماد ميشال عون نابع أصلاً من بقاء الفراغ الرئاسي الذي لا يزال المتّهم الرئيسي بإحداثه حزب الله، تمسكاً بترشيح العماد عون للرئاسة، والذي لا يمكن إنكاره من الفريقين القواتي والمستقبلي أنه لولا تمسك حزب الله بهذا الترشيح مستنداً إلى تراكم فائض القوة الذي يحققه في الحرب الإقليمية الدائرة، التي تمنحه مكانة خاصة بين حلفائه في الداخل والخارج، لكان النائب سليمان فرنجية رئيساً بتصويت تيار المستقبل لحسابه، قبل أن تقدم القوات على تبني ترشيح العماد عون، وأنّ الرابط السياسي الذي يمثله خط الثامن من آذار هو الذي منع الرئيس بري والمرشح فرنجية وسائر قوى الثامن من آذار من الذهاب في هذا الخيار انتصاراً لخطهم السياسي الذي يقاتل حزب الله في المنطقة وينتصر لحسابه.

– عند التحقق من بلوغ مرحلة نضج خيار حزب الله الرئاسي الذي يمثله العماد عون، تغاضت قوى الثامن من آذار التي كان لها موقف رئاسي مخالف عن خصوصية موقفها، وتشاركت في إنجاح الخيار الرئاسي للفريق الذي يخوض حربها الإقليمية وينتصر، وشراكتها كانت بتأمين النصاب أو بالتصويت، وفقاً لظروفها، ووضعت ثقلها لترجيح كفة السير بقانون الانتخابات النيابية الذي يجمعها، وهو قانون يعتمد النسبية كأساس لمواكبتها لمهام الحكومة الجديدة، منعاً لتمديد جديد للمجلس النيابي أو للسير بقانون الستين مرة أخرى، وبدا في المقابل أنّ ما قامت به قوى الرابع عشر من آذار على مرحلتين مختلفتين بالتموضع وراء الخيار الرئاسي لحزب الله، تبعاً لاختلاف ظروف فريقيها الرئيسيين، تيار المستقبل والقوات، جاء تسليماً بالمتغيّرات المرافقة للحرب التي يخوضها حزب الله وينتصر، وتفادياً لربط الاستحقاق الرئاسي بتبلور نهائي قاتم لوضع الحلفاء الإقليميين. وهم حلفاء يثبت حضورهم في كلّ سانحة منذ التحقق من أنّ تبني الحريري لترشيح عون لن يلقى مصير ترشيحه لفرنجية فيخرجهم بخيبة لا يتحمّلونها. وها هي قوى الرابع عشر من آذار تتماسك في محاولة مصادرة العهد الرئاسي من حلفه السياسي، وجعل الحكومة تقاسم مغانم تحت شعار حكومة الرابحين، وتصوير المنتصر الحقيقي مهزوماً والمهزوم الحقيقي منتصراً، والقضية ليست حقائب ولا عدد وزراء، بل النصاب اللازم والحقائب اللازمة للانتخابات النيابية المقبلة، قانون الانتخابات، والتحالفات الانتخابية.

– ببساطة يمكن القول إنّ الثامن والرابع عشر من آذار تتواجهان مباشرة في قلب معادلة الحكومة الجديدة، ومن السخافة التعمية على هذه الحقيقة، وإنه بدرجة حماس قوى الثامن من آذار لقانون على أساس النسبية ومقاربتها للحكومة من زاويته، درجة حماس موازية لدى قوى الرابع عشر من آذار لمنع ولادة قانون جديد للسير بالانتخابات على أساس قانون الستين، ومثلما تبدو القوات ويبدو المستقبل على قدم المساواة مشاريع تسلّق على النصر الرئاسي لصرفه انتخابياً بتحالف مع التيار الوطني الحر يضمن للثلاثي التيار الوطني الحر والقوات والمستقبل ثلثي مجلس النواب المقبل، ويمنح ثنائي المستقبل والقوات أكثر من ثلث المجلس منعاً لتشكل الثلثين من تحالف التيار الوطني الحر مع قوى الثامن من آذار، كما يبدو السعي لحكومة ينال فيها الثلاثي ثلثي الحكومة ويضمن ثنائي القوات والمستقبل أكثر من الثلث لمنع تشكل الثلثين إذا تحالف التيار الوطني الحر مع قوى الثامن من آذار.

– ببساطة شديدة أيضاً يبدو التيار الوطني الحر والحزب التقدمي الإشتراكي قوتين كانتا في انطلاقة الرابع عشر من آذار، وغادرها كلّ منهما في توقيت وظروف دون الانضمام إلى قوى الثامن من آذار حفاظاً على خصوصية، ويبدوان اليوم خارج اصطفاف الطرفين، مسلّم لهما من الطرفين بأحقية الموقف والموقع، فالاشتراكي حليف منتصف الطريق بين الرئيسين نبيه بري وسعد الحريري، والتيار الوطني الحر محاط بتفاهمات منتصف الطريق وصفها رئيسه، بتفاهم قوة لبنان مع حزب الله وتفاهم الشراكة مع الحريري وتفاهم قوة المجتمع المسيحي مع القوات، ويجوز السؤال عرضاً هل الشراكة حصراً يصنعها التفاهم مع المستقبل؟ وهل للتفاهم مع حزب الله وجهة واحدة هي القوة؟ وبعيداً عن الاستطراد يبدو الصراع على الحكومة صراعاً بين المكونين الرئيسيين للمشهد السياسي، الثامن من آذار والرابع عشر من آذار، والقضية في التمثيل الحكومي أولاً وأخيراً بشجاعة الإعلان عن العودة إلى السياسة والخروج من التمويه والخداع، فالقضية ليست قضية تمثيل الطوائف وحصصها السهلة، ولا قضية تفاهمات تمّت بين قوى سياسية تلزمها وحدها، ويمكن مواءمتها مع التفاهم الأكبر حول الحكومة إذا تحرّر النقاش من الخداع البصري الموروث من المشهد الرئاسي وعدنا إلى المشهد السياسي الحقيقي بين الفريقين المتصارعين على الخيارات والتحالفات والأدوار والأحجام وقضيتهما اليوم قانون الانتخابات والانتخابات. وقد نجح فريق الرابع عشر من آذار من التسلل لصفوف الثامن من آذار لتفريقها والعودة إلى مواقعه الأصلية متحالفاً ومتماسكاً، وافتدى قانون الانتخابات بقبول رئيس لا يشبهه ولا ينتمي لمعسكره، وبقي أن يستردّ فريق الثامن من آذار تماسكه ويخوض معركة الحكومة على هذا الأساس، نصاب إقرار ومنع إقرار قانون الانتخاب، وفقاً لمعادلة أنّ امتلاك الثلثين في حال التشارك مع التيار الوطني الحر وامتلاك أكثر من الثلث بدون هذا التحالف، هي ميزة يسمح بامتلاكها بالتساوي بين الفريقين أو تمنع على كليهما، في حكومة الأربعة والعشرين كما في حكومة الثلاثين: متساويان بالعدد، متوازنان بالحقائب، بالقدرة على الترجيح والقدرة على التعطيل.

Related Articles

Nasser Kandil: The Syrian Iraqi resolving with the Sultan of illusion الحسم السوري العراقي مع سلطان الوهم

تماسك محور المقاومة والحلفاء خيار وقرار في سورية واليمن والعراق ولبنان

Written by Nasser Kandil,

Since the failure of its two wars in Iraq and Afghanistan, Washington realized that the first thing it must learn is to confine its military action with the limits of the legitimate legal coverage, so it linked its intervention in Libya with the coverage by the Security Council, it hesitated a lot in its intervention in Syria due to the absence of this coverage by the dual Russian Chinese veto, and it was satisfied with forming the coalition against ISIS through its agreements with the Iraqi government  and its commitment not to get involved in targeting the Syrian army in its air processes in Syria, but when it did that in the raid of Deir Al Zour, it hastened to apologize , it described that as a mistake even as a political tempering. It has restricted its processes with ISIS on the basis of avoiding the practical collision with the Syrian country which has described the US role with illegitimate, but it did not develop the situation to collision. The Americans have shown their desire to reach to an understanding with Moscow on the military coordination since it is a kind of the legitimacy derived from the Russian Syrian agreements that give a relative legitimacy to this US role. The US Secretary of State John Kerry did not hide in his meeting with the delegates of the Syrian opposition in New York according to the leaked recording through The New York Times the inability of his government to escalate as Russia, because it does not have the legal legitimate coverage to intervene as owned by Moscow.

Turkey behaved with the accident of dropping the Russian aircraft arrogantly, while Washington did not adopt it in the raid of Deir Al Zour, till the observer thinks that Turkey is the greatest country in the world, and when Turkey returned humiliated apologizing to Moscow and begging to resume the relations, it tried to accumulate behaviors that grant it a special military position in Syria and later in Iraq, once under the slogan of the war on terrorism, which Ankara knows as the world knows its role in its sponsor and ensuring the conditions and the force for its formations. And once under the slogan of the Turkish national security which is related once to the defending for Turkmen communities in Syria and Iraq, they are Syrian and Iraqi citizens, while Ankara is interfering in Syria and Iraq under the pretext of its responsibility for their security and future, and once by chasing the armed Kurdish groups in Iraq and preventing the form of a bordered Kurdish line between Syria and Turkey in which the Kurdish groups that are opponent to Turkey are living there. Ankara refused all the endeavors of a political understanding proposed by Moscow and Tehran to ensure this concept of its security and to repel the dangers which threaten it, by the cooperation with the Syrian and Iraqi governments. It insisted on the right of intervention without their knowing and against their will, so it hid behind the slogan of the coalition which is led by Washington against ISIS, but when it was given up from the opportunities of coverage, it avowed publicly of bullying, hooliganism, and saying publicly that it will do what it finds suitable, it assails the sovereignty of the two countries under the pretext of their internal circumstances and claiming their inability to stick to the geography of their countries, so it was obliged to do what its security needs in this uncontrolled geography. It is know that the escaping and idleness have been occurred under official Turkish sponsorship of opening the borders in front of the armed groups which are tempering in the security of the two countries.

During the last month the Syrian and the Iraqi governments followed gradual steps in combating the Turkish riot and in confronting the temper which is practiced by the sultan of the Ottoman illusion who remembered the state of Mosul, the state of Aleppo and the sultanate of Seljuk in his public speech. After the Iraqi government had opened a diplomatic war on the Turkish incursion, got the support of the UN Security Council for its sovereignty, lifting the US coverage off Ankara’s claims of working under the slogan of the international coalition and made the Turkish presence without any coverage, as well as after it had indicated to a national popular resistance against that presence as a foreign occupation, and after the Syrian government had issued a statement in which it threatened Turkey of violating its airspaces, and after the Turkish raid which caused a massacre against the civilians of the Kurds of Syria, the high leadership of the armed forces have announced their intention to drop any Turkish aircraft entering the Syrian airspaces, in conjunction with Russian announcement of supplying Syria with missiles S-300 in response to the US threats of military action against the Syrian army, after it was clear that any Turkish incursion needs air coverage especially toward the battles which the Turks are preparing themselves for in the northern of Syria under the slogan of the Euphrates shield, taking from ISIS a plea and from the Kurds a goal, therefore, their approaching made them on the lines of the deployment of the Syrian army and on the outskirts of the city of Aleppo which has a strategic value.

Yesterday the Syrian army has implemented the first raids on the sites of the traitors of the Turks who work under the title of the Free Army and the process of the Euphrates shield, but within the ground engagement between the Euphrates shield and the Kurdish groups the Syrian army said that it will combat to any Turkish approaching from the sites of the Syrian Army’s allies re-giving the Kurdish groups the title of allies after a period of staleness that caused by the wrong bets by the Kurdish groups on the Americans,  who have let them down in Jarablos and have negotiated on their presence with the Turks. But the Vice President Joe Biden tried to affect the Iraqis in his negotiation in Ankara, but the Iraqis have depressed him by their stability on the sovereignty lines and refusing what Biden called as an understanding. In conjunction with the start of Syria of its field deterrence against the Turkish hooliganism, the Iraqi popular crowd has announced its progress towards Tal Afar which is located in the west of the city of Mosul and which ISIS wants to cross it toward the Syrian borders, and in which there is the biggest proportion of Turkmen whom the Turks take them as pleas for their intervention, as well as they take from the role of the popular crowd and the intimidation of the dangers of sectarian war a plea for their intervention. Thus the Turkish test becomes expensive, either by the stubbornness towards expanding the intervention and to make it half of a war or maybe an entire war or the regression and accepting the disappointment and thus stopping at the limits of their current presence which will lose its legitimacy and prestige and becomes a matter of time.

The Syrian and the Iraqi initiatives show a high quiet coordination between the two countries, coordination between them and the Russian and the Iranian allies, and about the value of the national sovereignty according to the two leaderships as well as the national courage which characterized them in these difficult situations. All of these will lead to decisions as the preparation to discipline Erdogan as a scoundrel who tempers in the equations of the security of the region and the borders of its countries, where he desecrated the concepts of the sovereignty and disesteems the countries, their symbols, armies and people.

Translated by Lina Shehadeh,

الحسم السوري العراقي مع سلطان الوهم

ناصر قنديل
– مارس اللبنانيون قادة وساسة وكتاباً ومواطنين فوضاهم الديمقراطية حتى الثمالة في الأيام التي أعقبت ترشيح الرئيس سعد الحريري للعماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية، وأفرغوا ما في أفكارهم وقلوبهم وعقولهم، كما أفرغوا ما في نزواتهم وأحقادهم ورغباتهم، وسمحوا لذواتهم ببلوغ حدّ قلب الحقائق مرات، والاحتكام للغرائز وإطلاق الشتائم بدلاً من المواقف، وبلوغ التأليه في موضع التأييد. وآن الأوان للقول إنّ هذه الفسحة من الفوضى لم تعد جائزة أن تحتلّ مساحة تحتاج السياسة اللبنانية للعقل فيها، ويحتاج الساسة فيها لضبط الشوارع قبل أن تقودهم، ويقود الشوارع من يجد فيها صيده الثمين، فتنتقل الفوضى من ساحات الكلام إلى مساحات لا يريد أحد لها أن تستبيح البلد بأحقاد، لا تملك من الأسباب الموجبة ما يبرّر الدرجات العالية من الحرارة التي تختزنها بما يكفي لإشعال الكثير من الحرائق، فكيف يصبح فجأة ما كان صحيحاً قبل أشهر، خطأ تاريخياً، وما كان أبيض ناصع البياض، مجرد سواد بصباغ أبيض زائل شاحب؟

– فشة الخلق الناتجة عن احتباس للمشاعر، وتضارب اتجاهاتها، بقياس الموقع من الاستحقاق الرئاسي، تستنفد حدودها، وبات لزاماً على القادة لجم اندفاعاتها، ووضع ثقلهم لمنع تماديها، ليعود العقل مصدراً للشرع، قبل أن تصير لغة الشارع مصدراً لصناعة السياسة، وبلغة العقل لا بدّ من إدراك حقيقتين متناقضتين، الأولى أنّ وصول العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية بات حدثاً واقعاً، بقوة الحقائق التي يعرفها الجميع، مؤجل التنفيذ ليوم الاثنين المقبل، وأن لا مكان لمعركة انتخابية، بمعنى التأثير على تحديد اسم الرئيس المنتخب. والحقيقة الثانية أنّ هذا الحدث انتصار لخط سياسي يلتقي عليه المختلفون على العماد عون كخيار رئاسي، سواء من يؤمنون بهذا الخط السياسي ويعتبرون النصر نصرهم، أو من يعارضون هذا الخط السياسي ويصلون حدّ رفض الخيار الرئاسي للعماد عون لهذا السبب، كما وصفه النائب سليمان فرنجية في الشق السياسي من كلامه بعيداً عن كلامه الشخصي القاسي بحق العماد عون، أو كما يقول من الموقع الآخر حزب الكتائب والوزير أشرف ريفي في رفضهما لخياري العماد عون والنائب فرنجية للرئاسة. وتطرح هاتان الحقيقتان في السياسة الحاجة لتقديم أسباب موجبة أبعد من الاعتبارات الشخصية لتصويت مخالف لخيار العماد عون الرئاسي، للذين ينتمون لهذا الخط السياسي، ويملكون حق التصويت في جلسة الانتخاب، خصوصاً أنّ الظروف التي تولد فيها هذا النصر، ربطت بينه وبين القوة الحامية له ولصناعة سياقه وهي حزب الله، والمكانة التي يمثلها الحزب لحلفائه، في دوره المقاوم والصانع للانتصارات في مواجهة إسرائيل ، وفي الوقوف مع سورية بوجه الحرب الظالمة التي نظّمها وموّلها ورمى بثقله للفوز بها حلف، كان يمثله ولا يزال بين اللبنانيين، مَن تصرفوا تجاه الاستحقاق الرئاسي ضدّ خيار العماد عون بخلفية منع حزب الله من تحقيق هذا النصر، ويتصرفون اليوم بتبني هذا الخيار بخلفية سرقة هذا النصر. وعلى التصويت أن ينتبه بقوة للموقع الذي يخدمه في قلب هذا الصراع السياسي والإعلامي، وهل يمكن أن يبقى مجرد تسجيل موقف، أم سيتحوّل بمعزل عن إرادة أصحابه إلى تسهيل لمهمة الساعين لسرقة النصر والهادفين لتطويق وإحاطة العهد الرئاسي الآتي بقوة المقاومة وانتصاراتها، بتحالفات وصداقات وعداوات، تحول بينه وبين أن يكون نصراً للمقاومة وخياراتها وتحالفاتها.

– يرغب حزب الله أن يتوّج النصر لخياره الرئاسي بعرس جامع للحلفاء، ويحزن للغة التحدّي والتصادم ويتألم كثيراً عندما تتحوّل إلى لغة الشتائم بين بعض جمهور حلفائه، أو بعض قادتهم، ولأنّ حزب الله، كما قال أمينه العام يحرص على إدارة العلاقات مع الحلفاء بهوامش تحفظ حرية خياراتهم، وليس تخييرهم بين أن يكونوا حلفاء ويسيروا بالخيارات الموحدة، أو يسلك كلّ حليف طريقه بهدي خياراته الحرة، بعيداً عن صفة الحليف، ويمارس احترامه لحق الاختلاف دون المساس بالتحالف القائم على الثوابت، والمتّسع للاجتهادات في مقاربة الاستحقاقات تكبر مسؤولية الحلفاء، وعليهم أن يقاربوا الموقف بروح عالية من المسؤولية، بعيداً عن طبيعة العلاقة التي ربطتهم أو ستربطهم بالرئيس القادم إلى قصر بعبدا، بل بالحليف الذي جعل هذا الخيار الرئاسي رمزاً لنصره الإقليمي من جهة، ومعبراً إلزامياً للاستحقاق الرئاسي من جهة أخرى، بما يشبه في كثير من الوجوه لحظة الموقف من التمديد للرئيس إميل لحود، وكيفية التصرف، رغم الاجتهادات المتعدّدة تجاه الخيار الرئاسي بالتمديد نفسه، بعدما صار التمديد بعضاً من معنويات سورية ورئيسها.

– يقارب حزب الله المحطات واحدة واحدة، وينصرف الآن لجلسة الانتخاب، وضمان فوز هادئ ومريح للمرشح العماد عون، ويتقبّل بكلّ روح رياضية مواقف الحلفاء الذين لن يمنحوا أصواتهم لهذا الخيار، وبعدها سيسعى حزب الله لردم الهوة وتقريب المواقف، والسعي لجعل الحكومة المقبلة أوسع تعبير ممكن عن النسيج الوطني الذي يتّسع في حساباته، لقبول ترؤس الحريري أول حكومات العهد، ولو أنّ كلّ شيء متاح يقول باستحالة توفر ظروف تتيح قيام الحزب بالمشاركة في تسميته لهذه الرئاسة، لكن بكلّ حال بعدها ستكون الحكومة العتيدة للعهد، أولى حكوماته. وهنا المعضلة التي على الجميع التفكير فيها بروية، وبعقل بارد، وهي حكومة انتخابات مستحقة خلال شهور، رغم كون مهمتها الحصرية بالتحضير لإجراء الانتخابات والسعي لإنتاج قانون جديد لها، لا تسقط حاجتها لبيان وزاري يتطرق لقضايا السياسة الخلافية، وكلها تحديات كبيرة، سينقسم القادة والسياسيون والأحزاب بين خيار زيادة التعقيد فيها، كامتداد لتصويت بعضهم ضدّ الخيار الرئاسي للعماد عون، وربما عدم تسميتهم للرئيس الحريري لتشكيل الحكومة الجديدة، وخيار تسهيل المهمة من موقع السير بخيار العماد عون للرئاسة والرئيس الحريري لتشكيل الحكومة. وسيبدو منطقياً أن ينال المسهّلون مكانة مميّزة في الحكومة الجديدة إذا أبصرت النور سريعاً، أو تسنّت لها الولادة قبل حلول موعد إجراء الانتخابات، كما سيبدو منطقياً ما يفعله الممانعون، رغم قولهم إنهم لا يفتعلون التعقيدات، وإنّ ما سطلبونه من تفاهمات وإيضاحات هي حقوق ديمقراطية، إضعافاً للعهد الجديد، ووضعاً للعصي في دواليب إقلاعه. وهو ما لم يفعلوه مع عهود وحكومات لا يمكن مقارنة حجم التوظيف المعنوي للمقاومة لقيامه وانتصاره بحجم ما يبلغه توظيف حزب الله لمكانته وانتصاراته في خدمة توفير شروط إقلاع آمن لهذا العهد.

– يصير السؤال هنا، إلى أيّ حدّ يستطيع حزب الله، التصرف بحياد تجاه تشكيل وقيام الحكومة الأولى في عهد رئاسي، سيسجل فشله الافتتاحي فشلاً سياسياً كبيراً لحزب الله، وسيحتسب الإفشال من خانة الحلفاء، وسيحسب تمنّعهم وتحسب ممانعتهم، تسهيلاً لسرقة الخصوم لنصر حققه حزب الله بالثبات والصمود والتضحيات، وتهويناً لوقوع العهد في أحضان خصوم ينتظرون هذه اللحظة، ويبشرون بها، لعزل حزب الله عن العهد الذي جاء به بشق النفس، ولإحاطة العهد بتحالفات تقدّم نفسها بهويات متعددة، بصفتها الأقرب والأشدّ حرصاً، وما لا يحق للقادة الناضجين والكبار تجاهله في هذه المنزلة هو أنّ وحدة المشاعر وتبادل الفرح والحزن في الشارع هي التحالف، وليست بيانات القادة المفعمة بالكلمات المنمّقة، واللحظة التي ستتأسّس مع جلسة الانتخاب ستراكم المزيد من المشاعر، وتبني جدراناً جديدة أو تهدم الجدران القديمة. والقرار هنا، بقيمة تتخطى كونه مجرد تصويت عابر، يظلله التفهّم والتفاهم.

– حبّذا لو يبادر الرئيس نبيه بري للدعوة لجلسة وداعية لهيئة الحوار الوطني قبيل جلسة الانتخابات الرئاسية، تكون فرصة ربما تولد فيها مفاجآت تجعل ما هو آت محاطاً بما هو أشدّ سلاسة وأماناً مما نستشعره الآن.

من حقّ الرئيس نبيه بري… لكن عليه أيضاً!

ناصر قنديل
– يظهر موقف رئيس المجلس النيابي نبيه بري مفاجئاً للكثيرين في تعامله مع الاستحقاق الرئاسي من بوابة جلسة الانتخاب يوم الإثنين، وسيبدو طبيعياً توقع ممانعة الرئيس بري بقياس النظر لتصدّر صفوف المتفاجئين مَن رسموا للعلاقة بين الرئيس بري وحزب الله صورة نمطية مستمدّة من نظرتهم للتحالفات بمفهومها الأعرج. فانطلق هؤلاء من أنّ تبنّي حزب الله لترشيح العماد ميشال عون من جهة، ومن جهة مقابلة امتناع الرئيس بري عن خوض غمار إيصال المرشح النائب سليمان فرنجية بصورة تكسر موقع وموقف حزب الله يوم كان ذلك متاحاً، انطلاقاً من رؤيته للانعكاسات التي سيرتبها ذلك من معادلة نصر وهزيمة في المعارك الإقليمية، للمقاومة التي يتصدّرها حزب الله بوجه «إسرائيل»، وفي سورية التي يشكل قتال حزب الله فيها قيمة مضافة لحربها على الإرهاب ومشغّليه ومَن يقفون وراءه، فيسهم عملياً بتظهير حزب الله يفقد مكانته عند حليفه وشريكه الأبرز، وتظهير من وقفوا محلياً وإقليمياً ودولياً لدعم ترشيح النائب فرنجية، وكلهم خصوم لحزب الله في معاركه بوجه «إسرائيل» وفي الدفاع عن سورية، كأنهم ينتصرون عليه في بيته، ويطعن من بيت أبيه. وهذه استحالة في عقيدة بري وفلسفته للسياسة، وليست استبباعاً لموقف الحزب، لترتسم صورة بني عليها أنه عندما تنضج ظروف قبول الرئيس سعد الحريري بترشيح العماد عون لن تكون ثمة حاجة للتساؤل عن موقف الرئيس بري، الذي سيكون سهلاً التفاهم معه وإقناعه، إنّ لم يكن المونة عليه واعتباره في الجيب وتحصيل حاصل. فمن حق بري أن يصوّب ويصحّح وهذا بعد التجاهل الذي تلمّسه لموقعه وموقفه لا يتمّ بالكلام والعتاب بل بموقف، خصوصاً انّ الفريقين اللذين يوجه نحوهما بري موقفه قريبان منه ويفهمان مواقفه ودعواته لهما بالتوافق والحوار، وفتح ذراعيه لهما ليتشاركاه في غرفة مغلقة مجاورة يقدّمها لهما، فأوحيا له بأنّ الطرق موصودة بينهما حتى نضج تفاهم قيل عنه الكثير وعن أسراره، وصار من حقه تصديق ما يُقال، لأنه لو لم يكن يثير الريبة لما أخفياه، وصار من حقه أن يقول إنّ التهرّب من طاولة الحوار تهرّب من حوار لا تشوبه شائبة، إلى حوار الشوائب.

– بحساب موازٍ يستشعر الرئيس بري أنّ التيار الوطني الحر الذي يربطه تحالف وثيق بحزب الله، أصرّ على تصوير هذا التحالف محصوراً بحزب الله من دون أن يترك مناسبة للغمز من تصنيف الرئيس بري وفريقه السياسي كجزء من محور يضمّه مع الرئيس الحريري والنائب جنبلاط، والوصول للحديث عن قوى سلب التمثيل الصحيح للمسيحيين ووضع بري في القائمة، والحديث عن قوى التعاون مع سورية باستخدام وصف «الوصاية» وترتيب بري في المقدمة، والحديث عن نظام المحاصصة والفساد وتركيز النار كي لا يفوت بري نصيب منها، وبينما كان بري لا يقصّر في الردّ، كان يتلقى كلّ مسعى للوصل بمثله، لكنه كان ينتظر مع ترشيح العماد عون للرئاسة أن تحلّ العقلانية السياسية على خطاب التيار الثوروي، ويرى أنّ ذلك باباً حتمياً وممراً إلزامياً لتوفير النصاب اللازم نيابياً لبلوغ قصر بعبدا. والعقلانية هي انخراط بتفاهمات مع مَن يوصفهم خطاب التيار بتحالف ثلاثي تزوير التمثيل المسيحي واقتسامه، وجماعة نظام الوصاية، وقوى المحاصصة والفساد، الذين لم ينفك التيار عن وضع الرئيس الحريري وتياره في طليعتهم، من دون أن يعني ذلك أنّ التيار لم ينل بري ردوداً مناسبة في اتهامات مشابهة، لكن هذه بقيت مشاكسات ومشاغبات، ليست ضرباً تحت الحزام، خصوصاً أنّ تيار المستقبل كان يقول في التيار ورئيسه ما يكفي، للتنبّؤ بأنّ أيّ تقارب بينهما، بما هو ممرّ إلزامي للرئاسة عموماً، ولرئاسة العماد عون خصوصاً، فإنّ بركات هذا التفاهم ستتكفل بتصويب مسار علاقة ملتبسة وغير مفهومة، ليتبيّن أنّ ثمة ما ليس مفهوماً ومفسّراً في سلوك من يجد تفسيراً للتفاهم مع الحريري، ويحاول تفسير موقف بري الممانع باعتبارات وخطاب يفترض أنّ التفاهم مع الحريري يتكفل بنسيانها، وفي المقابل ليس مفهوماً لمن يتقبّل التفاهم مع التيار الوطني الحر بدواعٍ يضفي عليها الاعتبارات الوطنية، ألا تشمل اعتباراته الواصلة إلى الرابية عين التينة، إلا إذا كان وراء الأكمة ما وراءها، وهذا لا تنهيه التطمينات الكلامية، خصوصاً أنها ستتمّ تحت ضغط الانتخاب الرئاسي كتسوية مجاملات، وبقوة وهم أنّ بري سيسير بما يقرّره حزب الله فلا تأخذ المواقف حجمها ويحسب للتحفظات ما تستحق، فصار من حق بري أن يخوض استطلاع المخفيّ بالنار، لا بالسؤال، وأن يكشف ما وراء الأكمة حبة حبة لا بالمنظار والوصف الإجمالي، وهذه لا تنسجم إلا مع معادلة ما بعد الانتخاب وبدء المشوار الحكومي.

– من حق الرئيس بري أن يتساءل عن قانون الانتخابات النيابية الذي يشكل بإجماع القوى التي التقت على طاولة الحوار الأولوية التي يفترض أن تكون على جدول أعمال الحكومة الأولى في العهد، وهل كانت هذه الأولوية هي الضحية، إنْ لم تكن الانتخابات نفسها، فليس سواهما ما يخجل الآخرين البوح به، واستكشاف الأمرين، مستقبل القانون والانتخابات، سيظهره البحث في مرحلة تأليف الحكومة، ويعيد الاصطفاف السياسي على أساس برنامجي لا شخصي ولا مصلحي، ويمنح التفاهمات بعداً وطنياً لا فئوياً، وهنا سيكون الرئيس بري وحزب الله في موقع واحد بالتأكيد، وسيكون صعباً على العماد عون ألا يكون معهما وهو صاحب مشروع إصلاحي من جهة، وحليف موثوق لحزب الله من جهة أخرى، وستكون ممانعة بري ضمانة للعهد الجديد ومساره ومصيره لا خصومة معه وتعطيلاً له، ويمكن للخائفين اليوم من موقفه، المطمئنين بالأمس إلى سهولة تذليل عقدته، أن يطمئنوا بأنّ الرئيس بري عندما يراكم أسباباً لموقف لا يذهب لما يسمّيه البعض ثأراً وانتقاماً وشخصنة، بل يؤسّس من كلّ هذه التراكمات موقفاً سياسياً يصوغ عبره عنواناً للمشاركة والمقاطعة، للتعاون أو للمعارضة، ويعرف الذين واكبوا عهوداً ماضية أنّ الرئيس بري عندما استشعر استخفافاً ودعوة للمشاركة معاً، رسم سقفاً سياسياً، كان في عهد الرئيس أمين الجميّل إلغاء اتفاق السابع عشر من أيار، وفي عهد الرئيس إميل لحود حكومة وحدة وطنية، وقد بدأ مع العهدين بروحية التعاون وفتح الفرص، واليوم من حقه أن يجعل قانون الانتخاب والانتخابات عنواناً للمشاركة والمقاطعة، فيشكل الرافعة لإيضاح الغموض وعدم الوقوع في المرفوض أو لكشف المستور وتصويب الأمور.

– طالما أنّ كلّ ذلك من حق الرئيس بري، ولعله بات يحظى بتفهّم العماد عون الذي سيتوّج رئيساً للجمهورية اللبنانية يوم الاثنين، واثقاً من امتلاكه ما يطمئن هواجس بري، وينهي الممانعة ليفتح باب مشاركة، وحدها تحقق الارتياح لحزب الله، الحليف الذي بذل الكثير وتحمّل الكثير حتى الفوز بهذا الانتصار، فإنّ على الرئيس بري أن يدرس الخطوات بأناة، وهو يعلم ثلاثة أشياء بحسه وفطرته وبديهته، وتراكم خبرته، ووطنيته، وصفاء ذهنه، وهي أشياء لا يطالها الكثيرون ولو أنفقوا وقتاً في التمحيص والتدقيق، أولها أنّ وصول العماد عون للرئاسة مهما قيل فيه على صفحات التواصل من مناصرين، هو نصر لحلف يشكل الرئيس بري أحد أركانه، وأنه لولا هذا التحوّل في الموازين الإقليمية والدولية لصالح محور المقاومة وحليفته روسيا، لما حدثت معجزة تحوّل الحريري نحو العماد عون، وأنّ العماد عون موثوق بصدق المواقف التي يتخذها من ضمن حلف النصر الذي تشكل المقاومة وسورية حجر الرحى فيه، وأنّ موقفاً بحجم موقفه ومكانته، لا بدّ أن يؤثر على صورة هذا النصر مهما سعى ويسعى لحصرها باعتبارات من نوع العتب، وربطه بالحريري لا بالعماد عون، وثاني هذه الحقائق، أنّ مشاركته اللاحقة من موقع ممانعته الراهنة التي تتخذ النائب فرنجية عنواناً كمرشح رئاسي، ستكون بفعل منظومة القيم التي يعتمدها مشروطة بحفظ مكان ومكانة في هذه المشاركة للحليف فرنجية، تزداد صعوبة مع تشنّجات الصراع السياسي ومفرداته، ويزداد معها استئثار ثنائي الحريري والقوات اللبنانية بالإحاطة بالعهد الجديد ولو بدون حكومة، وهنا تطرح الحقيقة الثالثة ذاتها، إذا بقيت ممانعة بري وبقي تضامن حزب الله معها، والأمران يحتاجان تدقيقاً، فالممانعة المفتوحة من ضمن التضامن لفريقين رئيسيين إفشال لعهد في بداياته، والافتراق بين الحليفين مخاطرة بما هو أبعد من بلد وطائفة، والسؤال عن معنى هذا النصر يصير مشروعاً إذا ضُرب من بيت أبيه؟

– هل من فكرة مبتكرة في جعبة بري لصبيحة اليوم الانتخابي، تضمّه مع فرنجية، بعدما وصلت الرسائل، لعلها معجزة لا تُطلب إلا من قامات بحجم قامة رجل دولة اسمه نبيه بري، تريح كلّ الحلفاء، وترخي الأعصاب المشدودة للبنانيين، وتبشر بالاستقرار دون التنازل عن ذرة من التحفّظات والمواقف؟

Related Videos

 

Related articles

%d bloggers like this: