حساب الأرباح والخسائر نتيجة القمة العربية في بيروت 2019

يناير 22, 2019

العميد د. أمين محمد حطيط

لم تكن التجاذبات والاشتباكات التي سبقت القمة العربية في بيروت ورافقتها خلال انعقادها لم تكن هذه الاشتباكات من الحجم والمستوى البسيط العادي، بل كانت في بعض وجوهها عميقة جدّية تؤكد حالة الانقسام الداخلي اللبناني والعربي الإقليمي وصولاً الى الدولي حول مسائل كبرى، يحاول البعض إلباسها أقنعة أو التلطّي وراء أقنعة تحجبها.

لقد ظهر أن محاصرة القمة العربية في بيروت جاءت من الداخل والخارج معاً، حصاراً رغب البعض بأن يكون حصاراً للعماد عون ولعهده، وشاء البعض الآخر بأن يكون حصاراً للبنان الذي يحتضن المقاومة او الذي يمتنع عن السير بإملاءات خارجية تحاصر المقاومة او تعزل لبنان عن سورية او تجعله طرفاً في الاشتباك العربي بين المحاور الخليجية التي تريد أن تتمدد لتكون محاور إقليمية برعاية غربية واضحة.

لكن لبنان وبقيادة من العماد عون شخصياً وبدعم مباشر او خفي من قوى وطنية وإقليمية، رفض الانصياع للإملاءات واختط لنفسه سياسة خارجية مضمونها الأساسي: كيف يحمي نفسه ويحفظ حقوقه أولاً ثم كيف يحفظ حقوق الآخرين وعلاقاته وصداقته الاستراتيجية معهم دون أن يتسبب ذلك في عداء او قطيعة مع الآخرين.

لم تكن مهمة لبنان سهلة، فقد كانت بصعوبة مَن يريد أن يجمع الجمر والماء في إناء واحد ويحفظ النار من دون أن تنطفئ كما يحفظ الماء دون أن تتبخّر، أي أن لبنان كان يعرف أن المهمة هذه هي في الحقيقة مهمة شبه مستحيلة إن لم نقل إنها مستحيلة بالمطلق، ومع ذلك قبل لبنان ورئيسه العماد عون التحدّي وسار في الإعداد للقمة تحت شعار قمة حتى بدون رؤساء او ملوك وأمراء، قمة بمن حضر مهما كان عدد الحاضرين ومهما كان مستواهم الوظيفي في بلدانهم، لأن لبنان فهم من الحصار والتضييق أن النجاح هنا يتمثل بالانعقاد بذاته قبل أي أمر آخر.

وهنا لا بدّ من التذكير بأنه عندما استحصل لبنان على موافقة عربية باستضافة القمة، لم يكن بهوية أو مواقف غير التي له اليوم، وبالتالي إن ذرائع الباحثين عن سبب لتعطيل القمة كلها مردودة عليهم، فكل ما يحاولون تسويقه من حجج انما كان قائماً قبل عرض الاستضافة وقبل قرار الموافقة العربية عليها، فلماذا إذن هذا الانقلاب على القمة وحشد الأسلحة لنحرها وتالياً الإساءة الى لبنان والإضرار به؟

ومن جهة أخرى نسأل هل طاقات المعرقلين اختصرت في الحجم الذي مارسوه ضد القمة؟ ام أن هناك محاذير خشيها هؤلاء فامتنعوا عن الذهاب إلى أبعد مما ذهبوا اليه في التقزيم والعرقلة والإفشال؟ فلماذا عرقلوا ولماذا امتنعوا عن الذهاب الى الأبعد؟

أما عن العرقلة والتحجيم فإننا نرى أن أسبابه تعود الى رغبة أميركية خليجية بالضغط على لبنان ليراجع سياسته تجاه المقاومة وتجاه سورية وأن يلتزم بإملاءات «النأي بالنفس» الخادعة التي تترجم حقيقة عداء ضد سورية والتحاقاً بالمحاور الأخرى التي عملت وتعمل ضد المقاومة ومحور المقاومة. وبالتالي كان مستوى الحضور والتراجع الدراماتيكي عن الوعود بحضور هذا الرئيس او ذاك الأمير غايته القول بأن على لبنان أن «يراجع سياسته ويحسن سلوكه» حتى يستحق التفافاً عربياً بمستوى القمة حوله وإلا فانه «لن ينال هذا الشرف». فالعرب لا يستسيغون لبنان العنفوان والمقاومة، ولا يتقبلون بسهولة لبنان المنتصر على «إسرائيل».

أما عن الامتناع عن الذهاب الى الأبعد وصولاً الى حد تطيير القمة أو تأجيلها، أو إفشالها كلياً، فإن سببه عائد الى أن ذلك لو حصل سيصيب الجامعة العربية ذاتها قبل أن يصيب لبنان. فالجامعة هي التي دعت والجامعة هي التي قرّرت ولبنان يتفضل على الجامعة بالضيافة والاستضافة. والجامعة اليوم تحت تأثير ضغط القوى الخاضعة للقرار الأميركي وأميركا بحاجة اليوم على الإبقاء ولو نظرياً على ورقة هذه الجامعة حتى تعود الى استعمالها عند الحاجة.

ومن جهة أخرى يعلم الجميع أن الذهاب الى الأبعد قد يدفع العماد عون وهو رجل كلمة وقرار وموقف ورجل شجاعة ورأي معاً، يدفعه للذهاب الى الأبعد أيضاً وبإمكانه أن يفعل سواء على الصعيد الداخلي او الصعيد الخارجي الإقليمي، وليس من مصلحة هؤلاء دفع العماد عون الى مواقف لا تريحهم. وهذا لا يعني ان العماد لن يقدم الآن، وفي ظل ما حصل من تضييق، على اتخاذ قرارات من هذا القبيل تشمل العلاقة مع سورية ومسالة تشكيل الحكومة وسواها مما قد يجد الرئيس مصلحة وطنية وصيغة انتقامية في اتخاذه.

أما عن حصيلة المواجهة حول القمة وفيها وبدون غوص في القرارات الـ 29 التي اتخذت والتي وفقاً لما نعتقد لن تكون أحسن حالاً من قرارات سبقتها في القمم العربية السالفة التي بقيت حبراً على ورق فإن أهم ما يعنينا من أمر القمة وما أحاط بها ما يلي:

إن مجرد انعقادها في الظروف التي سادت، كان فيها تحدٍّ ربحَهُ لبنان، صحيح أن التأجيل بسبب غياب سورية كان مفيداً في وجه من الوجوه وكان موقفنا واضحاً بهذا الصدد ، لكن الانعقاد مع تمسك لبنان بوجوب عودة سورية وكشف هزالة المواقف العربية من المسألة كان له قيمة سياسية يبنى عليها لاحقاً ويشكل نجاحاً للبنان في هذا المجال.

معالجة مسألة النزوح السوري وضرورة العودة الآمنة دونما ربط بالحل السياسي، كما تريد قوى العدوان على سورية أمر يشكل أيضاً نجاحاً للبنان ولسورية أيضاً، حيث شكل قرار النازحين واللاجئين أساساً يبنى عليه في المواقف الدولية مستقبلاً لمصلحة سورية ولبنان معاً وطبعاً لمصلحة النازحين السوريين الذين يريد الغرب اتخاذهم رهينة أو ورقة ضغط على سورية في إطار الحل السياسي.

أكد لبنان رغم الكثير من العوائق والظروف الذاتية والموضوعية أنه يتمتع بقدرات هامة في مجال الأمن والتنظيم وإدارة اجتماعات من هذا النوع وبهذا المستوى. وفي هذا أيضاً كسب وطني معنوي يحجب الى حد بعيد الخسائر والنفقات المادية التي تكبّدها لبنان في هذا السياق.

أما عن المقاطعين والمعرقلين وفي أي مكان او موقع وجدوا فقد كشفوا أنفسهم وفضحوا قدراتهم المحدودة في التأثير على أمر بحجم ما حصل. وقد يكون ذلك درساً يستفاد منه، ويبقى أن نقول كلمة لممتهني جلد الذات، إنه في المسائل الوطنية يجب أن تتقدم صورة الوطن ومصلحته على مصالح الشخص وذاتيته وأنانيته ولو لحظة واحدة…

أستاذ جامعي وباحث استراتيجي

Advertisements

ليس زمن العمل العربي المشترك… والحصاد مواقف

يناير 21, 2019

ناصر قنديل

– يكشف توقيت القمة العربية الاقتصادية بعيداً عن قضايا النقاش اللبناني حول دعوة سورية، والموقف من المشاركة الليبية، أنها لا تأتي في زمن العمل العربي المشترك، وأن الرهان على مبادرات يتقدم بها فريق عربي يفترض أن النأي بالنفس عن النزاعات التي تنتج الاهتراء في الوضع العربي، يمكّنه من تجسير الهوة والخروج بمقررات بناءة في مجال العربي المشترك، هو مجرد حلم أو وهم، وأن حضور قمة مخصصة لشأن اقتصادي تنموي يتحول قضية سياسية دولية تشكل قضية أساسية في زيارة وزير الخارجية الأميركية إلى المنطقة ولقاءاته مع حكامها. وتصير كل المقررات ذات الطابع الاقتصادي مجرد حبر على ورق لن تبصر النور لأنها تحتاج الإرادة السياسية التي تقرّر تمويلاً يبدو واضحاً أنه صار بغير يد أصحاب القرار العرب، في ظل التوجه الأميركي نحو إحصاء القرش الذي يخرج من أي صندوق عربي نحو البلدان التي تشتبه واشنطن بصلتها بقوى المقاومة، وربطه بشروط سياسية تتصل بالموقف من المقاومة نفسها. هذا هو حال الموقف من المصرف العربي لإعادة الإعمار سيكون، وخصوصاً في سورية، وهو حال المساهمات العربية في موازنة الأونروا.

– لبنان بعد القمة لا يستطيع التحدث عن حصاد عملي كمثل مصرف الإعمار أو تبني قضية النازحين السوريين وعودتهم إلى بلادهم، أو تمويل الأونروا التي قررت واشنطن منع التمويل عنها، والتعامل مع لبنان نفسه كافٍ ليقرأ اللبنانيون حال الوضع العربي، وأن يكتفوا بقراءة حصاد المواقف لا الأعمال والتوقعات، وفي المواقف لا يمكن إلا تسجيل مجموعة من النقاط سجلها لبنان والمعني بالقمة واحد وهو رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ووزير الخارجية جبران باسيل، وقد نجحا بقوة في تثبيت موقف لبناني متميّز من موقع العلاقة بسورية، ودورها العربي وخطورة غيابها عن المشهد العربي الرسمي، وتربط الغياب والحضور بقرار يصدر من الخارج، لدرجة يمكن القول إن كلمة وزير الخارجية في هذا المجال كانت غاية في القوة والوضوح والتعبير عن الخيار الثابت مع سورية، بحيث امتصت مواقفه كل التباينات التي سبقت القمة والموقف من عقد القمة بغياب سورية، وجاء كلام رئيس الجمهورية عن عدم معرفة موقف سورية من العودة إلى الجامعة ليثبت من جهة أن موقف لبنان ليس تعبيراً عن طلب سوري، بل ليقول لهم ربما تقرّرون عودة سورية ويكون لها شروط للعودة، مكمّلاً للكلام الذي قاله وزير الخارجية.

– في شأن دعم وتمويل عودة النازحين السوريين إلى بلدهم خاض لبنان صراعاً مريراً وفشل في الحصول على موقف عربي داعم لفصل العودة عن مسارات الحل السياسي وشروطه، ما أكد أن بمستطاع لبنان أن يستخدم منبر القمة أكثر مما يستطيع انتزاع مواقف وقرارات تنسجم مع رؤيته للمصلحة العربية، لأن القرار العربي في القضايا الحساسة ليس عربياً بكل أسف، لكن لبنان نجح في حشر العرب في الزاوية في قضية اللاجئين الفلسطينيين، حيث نجح بسبب فشل مشروع صفقة القرن وقوة حضور الفلسطينيين في ساحات المواجهة، فتضمّن إعلان بيروت الصادر عن القمة الذي تفادى دعم عودة النازحين السوريين إلى بلدهم بمعزل عن الحل السياسي، نصاً صريحاً عن دعم تمويل الأنروا وصولاً لعودة اللاجئين الفلسطينيين وفقاً للقرار الأممي 194، وهو أمر بلا شك يشكل إصابة في مرمى كل أصحاب المشاريع الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية.

– فريق الرابع عشر من آذار المراهن على تحويل الجدل حول حضور سورية ومشاركة ليبيا إلى مشروع ربح لخياراته السياسية يتجلى بانضباط رئيس الجمهورية ووزير الخارجية بالموقف السعودي أصيب بالإحباط، وزاده إحباطاً حضور أمير قطر والتعليق الرسمي على حضوره بالحديث عن حصار قطر وحصار القمة، وترميم العلاقة بين الحلفاء يحتل الأولوية طالما لا خسائر في جوهر المواقف.

ماذا لو كان نتنياهو ضيف العار؟

يناير 19, 2019

ناصر قنديل

– بالرغم من وجاهة النقاش اللبناني الداخلي حول القمة العربية والمسؤوليات التي يتبادلون الاتهامات بتوزيعها في ما بينهم، حول تفسير النتيجة الباهتة والهزيلة، إلا أن في هذه النقاشات عندما تصير شتائم وإهانات وتخويناً، براءة ذمة لحكام العرب الذين خذلوا لبنان الذي لم يخذلهم يوماً، فوق كونه لم يخذل قضية العرب ولا قضايا العرب يوماً. فأسباب الحكام العرب لمقاطعة قمة بيروت، ليست لبنانية، والمسؤولية اللبنانية هي بعدم قراءة هذه الحقيقة والانتباه إليها، والغياب العربي الذي تصاعد منسوب الاعتذارات المتأخرة فيه ليس ثمرة التزامات يتذرعون بها وموعد القمة معلوم ومحفوظ ومحجوز على جداول أعمال كل منهم قبل أي مستجدّ به يتذرعون.

– ببساطة جاء الأميركي ووزّع أمر العمليات، بيروت عاصمة المقاومة ومصدر قلق «إسرائيل»، فلا تمنحوا دولتها فرصة الاعتزاز بالإنجاز، عاقبوها وحاصروها ما استطعتم حتى يلتزم مَن على رأس الدولة بما هو أبعد من مجاملتنا بتخصيص الرياض بزيارته الأولى، واحترام رغبتنا بعدم ربط عقد القمة بحضور سورية. فالمطلوب من رئيس الجمهورية اللبنانية أن يلتزم معاقبة المقاومة كي لا يُعاقَب، وتعاقب الدولة اللبنانية من خلاله، بما هو أكثر من تعطيل الحكومة، ومن يظنّ أن بعض الكياسة التي يطلبها في التعامل مع حضور ليبيا كان سيغير من المشهد شيئاً فهو واهم ولا يعرف في السياسة ألفباءها. فالحكومة الليبية على لائحة أعداء حكام الخليج ومصر وكل الذين يقفون خارج التابعية التركية القطرية، ويتنافسون معها على الوكالة الأميركية لشؤون المنطقة والعالم الإسلامي، ولو كانت القمة في بلد من بلدان التابعية الأميركية وتم حظر حضور ليبيا فيها لتبسّموا وقالوا خيراً على خير.

– السؤال ببساطة ماذا لو كان بنيامين نتنياهو ضيف العار على القمة، ويسمّونه ضيف الشرف، وماذا لو كان لبنان يدعو لقمة في زمن الرهانات على الحرب على سورية، ويتعهد بتقديم الدولة ومؤسساتها منصة لهذه الحرب، وفي الحالتين بغياب ليبيا وحظر حضورها وإنزال علمها عن السارية، ورفع علم «إسرائيل» بين الأعلام العربية، وشطب كرسي سورية وإنزال علمها، هل كان سيجرؤ أحد على الغياب من حكام العرب، ربما باستثناء قلة قليلة تخجل أو يحرجها الحضور، أو لا تزال تحفظ لبعض القيم مكانة، كحال الجزائر والعراق وربما الكويت، لكن ماذا عن الآخرين، كل الآخرين وفي مقدّمتهم حكام الخليج الذي يريدون لبنان سوق عقار، وملهى ليلياً، لكنهم يتفادونه كعنوان للسياسة والمواقف والمؤتمرات، إلا بتوقيع ممهور بخاتم أميركي أسود.

– على اللبنانيين وهم يناقشون أين أخطأوا أن ينتبهوا أن خطأهم الجسيم هو في حسن الظن، وسوء الظن من حسن الفطن. لقد أحسنوا الظنّ بحكام لا قرار لهم، حكام صاروا رهائن لمفهوم الأمن الإسرائيلي، ولا مكان يشبههم في بلد المقاومة وعاصمتها، والمرتهنون لهؤلاء الحكام يعلمون جيداّ مهمتهم، التطبيل والتزمير لكل إساءة للمقاومة، وإعلان استعداد لكل مؤامرة تستهدفها، والابتسامة الصفراء بوجه رئيس للجمهورية مؤمن بالمقاومة حاول أن يحسن الظن بهم وبمرجعياتهم في دول الخليج، لكنه فخور بخياراته، وها هم يعايرونه بتمثيله الحكومي، لإضعافه ومماشاة الضغوط الأميركية عليه وعبره على المقاومة، كما يعطلون الحكومة يعطل مَن هو خلفهم القمة، والقرار تعطيل لبنان حتى يركع.

– لبنان الذي يرفض الركوع مدعوّ لأخذ العبرة، ورئيسه الذي لا يبيع ولا يشتري في المواقف والمواقع، أن يراجعوا مسيرة المسايرة والمجاملة والسير بين النقاط، فلون لبنان واضح لا يغيّره طلاء أو لا يحجبه حلو الكلام، لبنان معني بأن يسارع للقول، ألغيت القمة بانتظار المزيد من التشاور حتى تتوافر ظروف عقدها بحضور ومشاركة كل القادة العرب وفي مقدّمتهم الرئيس السوري، فلبنان يجمع الكلمة العربية، ولا ينطق بالعبرية، وفي الختام عليكم السلام، بئس القمة وبئس الحكام. فبيروت تحرجكم وبيروت تجرحكم وهي التي أخرجت المارينز الذي به تستنجدون، وقد أخرجت الإسرائيلي الذي إليه تتوقون، وبيروت مرفوعة الرأس أمام من أذلَّكم ويسرق مالكم وتؤدّون له الطاعة كلّ يوم، فوجب أن تعاقبوها لتنالوا البراءة من أنفسكم لأنفسكم، ومَن الذي يعاملكم كمعاملة السيد لعبيده بينما بيروت تعلّمكم أن تكونوا أسياداً ينتفضون على العبودية.

Related Videos

Related Articles

أجّلتم الحكومة لتمرّروا القمة… فلتأجّلوا القمة لتشكّلوا الحكومة

يناير 10, 2019

ناصر قنديل

– الأجواء الآتية من كواليس المشاورات العربية حول دعوة سورية لحضور القمة العربية الاقتصادية في بيروت، تكشف حجم التلاقي بين لائحة من الأطراف الداعية للتمهل في عودة سورية إلى الجامعة العربية ودعوتها إلى القمم العربية، وحيث تحمل التمنيات الأميركية رائحة الحسابات الإسرائيلية، تحت شعار «أن الأهم ألا يبدو أن خصوم سورية قد هزموا وأن سورية قد انتصرت»، تسمح بفهم حجم لائحة الذين يجمعهم هذا الشعار، والتدقيق باللبنانيين من بينهم، ولكن خصوصاً ما تبرزه الأجواء من مساعٍ حثيثة بذلها الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة سعد الحريري، لطلب عدم إحراجه وفريقه وحلفائه بدعوة سورية، وتقديم غياب حكومة فاعلة كعذر للعجز عن اتخاذ قرار لبناني موحّد، يكشف العلاقة بين تشكيل الحكومة وانعقاد القمة ودعوة سورية لحضورها.

– خلال ثمانية شهور نجح الرئيس المكلف بتأجيل ولادة الحكومة، متنازلاً عن صفته كصاحب صلاحية أولى في إنتاج التشكيلة الحكومية، بهدف رمي المسؤولية بالفشل الحكومي، الشبيه بالفشل الكلوي في الأجساد البشرية، على سواه، فهو مرّة غير معني لأن القضية بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، ومرّة بين القوات ورئيس الجمهورية حول منصب نائب رئيس الحكومة أو حول الحقيبة السيادية، ومرّة بين رئيس الجمهورية والحزب التقدمي الاشتراكي حول المقعد الدرزي الثالث، وبعد حين يكشف أنه تجاهل طلب ثنائي حركة أمل وحزب الله بتمثيل نواب اللقاء التشاوري، والتجاهل لتظهير المطلب كعقدة في طريق التشكيل، وترك البلد بلا حكومة، وبقاء الرئيس المكلف بلا مسؤولية، وصولاً للقول إن العقدة هي في الثلث المعطل الذي يطلبه رئيس الجمهورية ورئيس التيار الوطني الحر، بينما يحتفظ الحريري وحده بالثلث المعطل مرتاحاً، متفرجاً تاركاً البلد بلا حكومة، وطريق ولادتها سهل وستظهر سهولته عند ولادتها ويكون السؤال مشروعاً: لماذا تمّ هذا الآن ولم يتم من قبل، كما في كل مرة؟

– نصب الحريري ومن وراءه فخاخاً للجميع، ويجب الاعتراف أنهم وقعوا فيها، عندما أوحى لهم أنه يتنازل عن دوره في تشكيل الحكومة لهم، وهو في كل مرة يؤكد أنه يفعل ذلك ليحمل سواه مسؤولية عدم ولادة الحكومة، لا أن يمنحه شرف حل عقدها، فتهرّب الحريري من معادلة عادلة لتوزيع المقاعد بين فريقي 14 و8 آذار وفاز مع حلفائه في 14 آذار بضعف عدد مقاعد خصومه في 8 آذار تقريباً، وتبادل مع رئيس الجمهورية مقعداً سنياً بمقعد ماروني ليحمله مسؤولية تمثيل اللقاء التشاوري، ويحتفظ بحق الفيتو في التمثيل ليضمن الفشل، والحصيلة أمامنا، تنازلات من الجميع والحريري رابح، لكن الآخرين يحملون مسؤولية بقاء البلد بلا حكومة، وهو هنا رابح مرة ثانية، لأن القضية أن تبقى البلد بلا حكومة حتى تنعقد القمة العربية، بحضور سورية فيغيب كرئيس حكومة تصريف أعمال، أو بغيابها فيحضر، وفي الحالين تولد الحكومة بعد القمة.

– المعادلة التي أعلنها رئيس المجلس النيابي نبيه بري بالدعوة لتأجيل القمة بسبب غياب حكومة في لبنان، تجيب على كل الأسئلة وتقول ضمناً، أجلتم الحكومة لتمرّروا القمة، فلتأجّلوا القمة حتى تشكلوا حكومة.

– هل يتلقف رئيس الجمهورية دعوة بري، لوضع النقاط على الحروف؟

Related Videos

Related Posts

من يُدخِل لبنان في نفق «القمة» وهل يتحرّك حلفاء سورية؟

يناير 8, 2019

محمد حميّة

حسم رئيس الجمهورية ميشال عون النزاع الداخلي حيال انعقاد القمة العربية الاقتصادية في بيروت بتأكيد انعقادها في موعدها، مُسقطاً بذلك خيار التأجيل حتى الآن، بانتظار نتائج المشاورات القائمة بين القوى الداخلية ومع المعنيين في الجامعة العربية بشأن بت مسألة توجيه دعوة الى سورية لحضور القمة.

والى حين اجتماع مندوبي الدول الأعضاء في الجامعة الأسبوع المقبل لاتخاذ القرار، فإن السؤال هو ماذا يُخفي إصرار بعض القيادات اللبنانية على عقد القمة في بيروت في ظل حالة التشظي العربي القائمة وما جدواها الاقتصادية من دون سورية والعنوانين الرئيسين لها: أزمة النازحين ودور لبنان في إعادة اعمار سورية؟

وكيف يتخذ لبنان قراراً مصيرياً كهذا من دون العودة الى مجلس الوزراء، علماً أن قرارات أقل أهمية بكثير كانت تسقُطُ بفيتوات سياسية من أي مكون داخل الحكومة، فلماذا تجاوز المجلس في هذا القرار الذي وإن تلقفته سورية سلباً فقد يُخلِف نتائج كارثية على لبنان اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وحتى وجودياً لجهة معضلة النزوح السوري، والى متى سيبقى «الشقيق اللبناني» لسورية ساحة لاستفرادها سياسياً وخرقها عربياً وقاعدة لضربها عسكرياً؟

ووفقاً لمصادر مطلعة فإن القمة محل انقسام سياسي لبناني، وبالتالي إن التفرد باتخاذ القرار مراعاة ومجاراة لأحد أطراف السلطة ودول الخليج يخرق مبدأ الإجماع الوطني وسياسة النأي بالنفس، إضافة الى الضرب بعرض الحائط اتفاق الطائف الذي ينص بشكل واضح على العلاقة المميزة مع سورية، ما يدفع للتساؤل عن موقف حزب الله الحليف الاستراتيجي الأول لسورية والحلفاء الآخرين – فهل يستدركون الموقف قبل فوات الأوان أم يغضون النظر ويكتفون ببيانات الرفض مراعاة للرئيس عون؟ علماً أن رئيس المجلس النيابي نبيه بري كان أول المحذرين من انعقاد القمة في لبنان من دون سورية وقد خرجت إشارات حاسمة من نواب حركة أمل ومسؤولي الأحزاب الوطنية والقومية في هذا الاتجاه بلغت حد التأكيد بأن لا قمة بلا سورية.

مصادر مطلعة تحدثت لـ«البناء» عن ضغوط فرنسية وأميركية وسعودية على لبنان وتحديداً على رئيس الحكومة المكلف برفض أي انفتاح على سورية في الوقت الراهن. وقد أبلغ الأخير رئيس الجمهورية بذلك طالباً دفع الإحراج عنه وتمرير القمة بأقل الخسائر مع تأجيل تأليف الحكومة الى ما بعدها».

فالدول المؤثرة في الساحة اللبنانية ورغم محاولتها سبر أغوار دمشق بخيار «العودة القسرية» الى الشام فإنها لا تريد بيع ورقة مجانية لسورية قبيل انتهاء التفاوض على جملة من الملفات التي تتعلق بالمنطقة لا سيما القضية الفلسطينية وأمن «إسرائيل» ومصير الجولان المحتل وأمن النفط، إضافة الى موقع ودور الولايات المتحدة ودول الخليج في خريطة سورية الجديدة بعد التقدم السوري الكبير في الجبهات كافة، ما يعني استخدام لبنان ورقة تفاوضية بيد السعودية ومن خلفها واشنطن للمساومة مع دمشق، أما لبنان فهو مَن سيدفع الثمن في نهاية المطاف فيما تحاول الدول الأخرى قطف الثمار عندما يبدأ موسم القطاف.

فمن يدخل لبنان في نفق «القمة» المُظلم؟ ومن يريد استغلال هذا الاستحقاق لتحويله صداماً داخلياً يجعل ولادة الحكومة أمراً مستحيلاً؟

أما السؤال الذي يثير المخاوف ماذا لو اتبعت سورية سياسة المعاملة بالمثل المعتمد في العلاقات الدبلوماسية بين الدول ووضعت لبنان في المرتبة الدنيا بين الدول على مستوى العلاقات الاقتصادية عندما تدق الساعة الصفر لإعادة الإعمار؟ وماذا لو وصل الأمر حد إقفال الحدود السورية على لبنان الذي يرزح تحت ثقل الأزمات المتنوّعة، هل يتحمل المسؤولون عن القرار المسؤولية وماذا عساهم فاعلين أمام الوضع الكارثي؟

إن استضافة قمة عربية على أرض لبنانية قد ترى فيه قوى المقاومة انكساراً للمحور الإيراني – السوري في ظل الانتصارات التي يحققها على مستوى المنطقة، ما يجعل قوى المحور الآخر تتقدم في الساحة اللبنانية كجائزة تعويض عن تراجعها في ساحات أخرى ومنصة لمفاوضة سورية من موقع قوة، فإذا كان فريق المقاومة لا يستطيع صرف الفائض السياسي لهذه الانتصارات فأين يصرفها؟ وهل يسمح للآخرين بصرف هزائمهم بكسب أثمان سياسية عبر لبنان؟

ما الحل إذاً؟

الوقت لم ينفُد لاستدراك الموقف وتحديد مصلحة لبنان العليا والاستراتيجية، هل هي في مراعاة دول الحرب على سورية التي تهمُ لفتح صفحات جديدة مع دمشق خلال شهرين؟ أم مصلحته مع دولة تستعيد العالم أجمع الى حضنها فيما حضنها الجغرافي والديمغرافي والتاريخي والقومي يخرجُ منها بقمة لا تُسمن ولا تغني من جوع وفي زمن الزحف العربي الى الشام؟ هذا الى جانب ضرورة توجه حكومة لبنان بطلب لانعقاد مجلس وزراء الخارجية العرب لبحث هذه القضية وتسجيل موقف لبناني تاريخي يُحتسب لدى القيادة السورية في القريب العاجل.

ووفق معلومات «البناء» من أوساط مطلعة، فإن الجهود لإيجاد مخرج لم تنتهِ وتنصبّ على احتمالين: تأجيل القمة لحين البت بمصير عودة سورية الى الجامعة وقد قطع شوطاً متقدماً أو توجيه دعوة الى سورية للحضور، وأن هناك ضغوطاً من حزب الله ومساعي مع رئاسة الجمهورية للتوصل الى واحد من الاحتمالين إلا أن هناك متسعاً من الوقت لحسم الأمر.

Related Videos

Related Articles

لبنان عكس الطائف بين ثلاثة مفاهيم خطيرة… وتشوّهين

يناير 3, 2019

ناصر قنديل

– تمضي على مناقشات الطائف التي أنتجت اتفاق الوفاق الوطني ثلاثون عاماً، ويمكن للذين عايشوا تلك المرحلة أن يتذكّروا أن الهموم والاهتمامات التي تمحور حولها البحث عشية التوصل لاتفاق الوفاق الوطني الذي عُرف باتفاق الطائف، لا علاقة لها بما يتمّ اختصار الطائف به هذه الأيام، بصورة انتقائية واستنسابية بدأت تشكل خطراً محدقاً يهدّد بإطاحة ما تم إنجازه منذ اتفاق الطائف، خصوصاً على صعيدين رئيسيين كان محور محادثات الطائف، وهما الوحدة الوطنية وموقع لبنان في الخريطة الإقليمية.

– المفهوم الأول الذي سيطر على تطبيق اتفاق الطائف منذ أن أبصر النور، يرتبط بقانون الانتخابات النيابية الذي تتشكّل الدولة على أساسها، وترتسم خريطتها المستقبلية على إيقاعه، حيث شكّل القانون القائم على النظام الأكثري عنواناً لربع قرن من عمر الطائف مع اعتماد التقسيم الطائفي والدوائر الكبرى، ما رتب بصورة لا لبس فيها تموضع اللبنانيين وراء اصطفافات أقرب إلى الإمارات غير المعلنة، ربما تكون الإمارة المسيحية أضعفها، ليتوّج البحث في قانون انتخاب جديد باعتماد صيغة هجينة ظاهرها قائم على اعتماد التمثيل النسبي، لكن مع تقسيمات للدوائر والصوت التفضيلي، بصورة أكملت المسار الخطير الذي بدأ منذ تطبيق الطائف، وأخذت البلد إلى الأخطر، حيث صارت الفدرالية شبه مكتملة دون خطوط جغرافية تفصل بين مكوناتها، لتصير الدولة على نمط الكثير من الفدراليات التي تعرفها أوروبا كحال بلجيكا، مجرد إطار تنسيق بين المكونات الفدرالية. وهذا يعني جعل لبنان في حال تقسيم نفسي تنقصه شرارة حرب توفر فرصتها أحداث إقليمية، لتبدأ ورشات إعلان الدويلات، وهو الخطر الذي تكرّس اتفاق الطائف لمنع حدوثه ورسم خريطة طريق واضحة نحوه حدّدتها المادة 22 من الدستور بالدعوة لمجلس نيابي خارج القيد الطائفي، يمكن أن ينتخب على أساس لبنان دائرة انتخابية واحدة وفقاً للتمثيل النسبي ويطلق الحياة الحزبية، ومجلس للشيوخ تتمثل فيه العائلات الروحية وتختص صلاحياته بما يضمن عدم إثارة هواجس الطوائف.

– المفهوم الثاني الذي لا يقل خطورة هو الذي يسيطر على تشكيل الحكومة الحالية، حيث تم التخلي عن الإيجابية الرئيسية التي تمتعت بها حكومات ما بعد اتفاق الطائف، التي قامت على مراعاة مفهوم حكومة الوحدة الوطنية، بجعل معيار تشكيل الحكومة بالإضافة لتمثيل المكوّنات النيابية، تمثيل الخيارات السياسية التي تتيح للحكومة تظهير كونها أداة تنفيذية لحماية الوحدة الوطنية بين اللبنانيين، ولم يكن بالمصادفة أن يتمثل اللون غير الطائفي دائماً في حكومات ما بعد الطائف، ولا كان التمثيل للقوى العابرة للطوائف ولشخصيات تتميّز بخطابها الوطني، واعتدالها وعقلانيتها السياسية وحرصها على الوحدة الوطنية عملاً عبثيا، بل ترجمة لمفهوم حكومة الوحدة الوطنية، التي لا تعني تلصيقاً للمكوّنات الطائفية وتقول هذه هي الوحدة الوطنية، بل تعني التمسك بمشروع الوحدة الوطنية كروح حاكمة تراعيها عملية التشكيل، ولعل الحكومة التي ستولد من رحم قانون الانتخابات الأخير تكشف بابتعادها عن هذا الفهم لحكومة الوحدة الوطنية، وذهابها لمعادلة الحكومة الفدرالية، خطورة ما يتجه نحوه لبنان.

– المفهوم الثالث الذي يشكل مصدر قلق وخطر في آن واحد، هو سيادة منطق يرى العلاقة اللبنانية السورية خياراً يقبل الأخذ والرد والاجتهاد، والرفض والتعديل والتجاهل، بل إن مفهوماً بدأ يتم تداوله لعروبة لبنان يعتبر معيارها قوة العلاقة اللبنانية السعودية وتميّزها بدلاً من العلاقات المميزة مع سورية، وبمعزل عن كل ما يتّصل بتفاصيل يرغب البعض بمناقشتها حول العلاقة بين لبنان وسورية، فإن الرهان على دور الحرب التي شنّت على سورية وشارك فيها بعض اللبنانيين سياسياً وإعلامياً وغير ذلك عندما أتيحت له الفرصة، لقلب مفهوم اتفاق الطائف، قد بلغ نهاياته، وهي نهايات غير سعيدة لأصحابه، فها هي سورية تستعيد عافيتها باعتراف أعدائها الذين شنّوا الحرب عليها من غرب وعرب، يعودون إليها، ويعترفون بنصرها، بينما الأصل في اتفاق الطائف هي هوية لبنان العربية وربطها بالعلاقة المميّزة بسورية لم يكن وليد التنافس بين سورية والسعودية التي كانت شريكاً في اتفاق الطائف، وراعياً له، ولا وليد موازين القوى التي تحكم حضور سورية وقوتها أو تعرّضها للمحن، بل كان موقفاً لبنانياً ينطلق من قراءة التاريخ والجغرافيا والمصالح اللبنانية العليا في ضوء فعلهما، وهو ما لا يمكن العبث به. والإبقاء على اتفاق الطائف. فهذا شأن تأسيس للبنان المولود من اتفاق الطائف، ومن موجبات من يتولّون الحكم في ظل اتفاق الطائف، أن يلتزموه ويحرصوا على صيانته وتحصينه.

– يتعايش مع هذه المفاهيم الخطيرة تشوّهان يهددان بسقوط اتفاق الطائف، الأول هو السعي الحثيث لاستبدال انتقال السلطة الإجرائية إلى مجلس الوزراء مجتمعاً إلى جعل رئيس الحكومة صاحب هذه السلطة التي كانت قبل الطائف منوطة برئيس الجمهورية، ويقابله تشوّه آخر يرتبط بفهم خاطئ لوقف التعداد بين الطوائف واعتماد المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، في وظائف الفئة الأولى والوزارة والنيابة والرئاسة، تمهيداً لإلغائها في وظائف الفئة الأولى والنيابة، وحصرها في مجلس الشيوخ والوزارات والرئاسات، باعتبار الهدف هو إلغاء الطائفية، والضمانة هي عدم إثارة الهواجس بسيطرة عددية طائفية معينة في ظل إلغاء الطائفية، فيصير الهدف هو تكريس الطائفية، بتوسيع مفهوم المناصفة، سواء في غير وظائف الفئة الأولى وصولاً لأدنى الفئات في الدولة، أو في المنطق الذي يرى في المناصفة في التمثيل النيابي واعتماد نظرية نائب منتخب بأصوات أبناء طائفته، وهو جوهر الفدرالية الحقيقي، ليصير التناغم بين هذين التشوّهين المهيمنين جوهر معادلة الحكم، مزيداً من الصلاحيات لرئيس الحكومة على حساب مؤسسة مجلس الوزراء، مقابل مزيد من المناصفة على حساب السير نحو إلغاء الطائفية.

– الكلام المستحقّ أمام هذه المفاهيم الخطيرة والتشوّهات المرافقة لها، هو ببساطة من لا يريد السير بمندرجات اتفاق الطائف يجب أن يقول ذلك علناً، لكن من المستحيل الانقلاب على الطائف والنطق باسمه في آن واحد.

Related Videos

Related Articles

المقاومة الأقلّ تأثراً بالحسابات الإقليمية فلا تتعبوا بالتحليل

ديسمبر 28, 2018

ناصر قنديل

– بالرغم من الإجماع عند كلّ عاقل على استحالة الفصل بين ما هو محلي وما هو إقليمي ودولي في بلد كلبنان يقع في قلب الحسابات الكبرى للاعبين الكبار، لمجرد أنّ فيه مقاومة قوية تتسبّب بالقلق والأرق لقادة كيان الاحتلال الذي يقع أمنه في منزلة الأولوية لجبهة تقودها واشنطن، ولها حلفاؤها وأتباعها في داخل لبنان وخارجه، فإنّ الجميع في لبنان يحاول الإيحاء وأحياناً الادّعاء بأنّ حساباته محض محلية ونابعة من قراءاته الخاصة لمصلحة لبنان غالباً ولمصلحته كفريق أحياناً، وعندما يشير بإيماءة من رأسه إلى حضور العامل الإقليمي يقصد بالتمليح وأحياناً كثيرة بالتصريح، أن يقول، إنّ المقاومة وحزبها الأكبر حزب الله وحليفته حركة أمل يتقاسمان أدواراً بحسابات لها صلة بالوضع الإقليمي، ويكون المقصود ضمناً حسابات إيرانية.

– التدقيق بتاريخ لبنان منذ ظهور المقاومة وتحوّلها لاعباً رئيسياً لا يمكن تجاهله، وخصوصاً منذ العام 1996 وولادة تفاهم نيسان بعد مفاوضات أميركية فرنسية مع سورية، وبشراكة كاملة من المقاومة، يقول إنه بالقدر ذاته الذي برزت فيه الاتهامات المعلنة والمبطنة للمقاومة وقواها بربط الوضع الداخلي بالحسابات الإقليمية، وتزايدت نبرة هذه الاتهامات من الغمز واللمز والتلميح إلى التصريح، ثبت أنّ كلّ ما قيل عن هذا الربط محض هذيان أو تشويه متعمّد، أو وهم باطل، ففي التسعينيات من القرن الماضي كان كلّ الكلام عن اتهام المقاومة بهذا الربط يدور حول تخديم المقاومة لمشروع التفاوض السوري مع «إسرائيل» وتعزيز وضعها التفاوضي. وفي ختام المرحلة عام 2000 تحرّرت أرض لبنان المحتلة وانفرط عقد التفاوض السوري ـ «الإسرائيلي». وفي مرحلة العقد الأول من القرن الحالي جرى ربط أداء المقاومة بالملف النووي الإيراني، حتى حرب تموز 2006 قال البعض إنها من ضمن استحقاقات التفاوض حول الملف النووي، وانتصرت المقاومة ولم يتغيّر شيء في ملف إيران، وعندما انتهى التفاوض إلى اتفاق من دون مقدّمات لبنانية لم يتوقف الاتهام بالربط، بل بدأ الحديث عكسياً عن فاتورة ستدفعها إيران من حساب المقاومة، وعندما انسحبت واشنطن من التفاهم النووي عاد الاتهام من بوابة جديدة عنوانها حماية الخاصرة الإيرانية الضعيفة بوجه العقوبات، وقبلها مع بدء الحرب على سورية كان الاتهام بالربط تخديماً لموقع سورية ورئيسها، وعندما ظهر الانتصار السوري جلياً عاد الكلام عن الربط من بوابة القول إنّ المقاومة تريد انتظار آخر الانتصارات لتصرفها في الداخل اللبناني.

– لم تغيّر المقاومة مرّة في سقوفها السياسية المحلية على إيقاع انتصاراتها أو انتصارات حلفائها، في المعارك الإقليمية، رغم كثرة الاتهامات لها بذلك، وبقي سقف تطلعاتها متواضعاً وموضع انتقاد من حلفائها المحليين، ومنهم التيار الوطني الحر في فترة ما قبل وصول العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية، وكانت المطالبة جامعة للمقاومة بضرورة رفع السقوف الداخلية بالتوازي مع الانتصارات الإقليمية، واليوم ينضمّ التيار أو بعض نوابه وكتابه إلى المتسائلين عما إذا كان لدى المقاومة حسابات إقليمية وراء مواقفها الداخلية، بينما يوصل كلّ تدقيق ببساطة إلى نتيجة مفادها أنّ سقف طلب المقاومة أقلّ من حجم نواب التحالف الذي يُعرَف بقوى الثامن من آذار، وقد حصل على خمسة وأربعين نائباً وينال حصة تعادل حصة التيار الوطني الحر الممثل بـ29 نائباً والذي ينال مثل قوى 8 آذار 7 وزراء، بينما ينال تجمع قوى 14 آذار مقابل 44 نائباً 12 وزيراً، والمقاومة هي المتهم بطلب المستحيل. والطرفان المتقابلان أيّ التيار الوطني الحر وفريق رئيس الجمهورية من جهة، وقوى 14 آذار وفريق رئيس الحكومة من جهة مقابلة ينعمان بالثلث المعطل في الحكومة، ويتمسّكان به، والمقاومة وحلفاؤها متهمون بالطمع ونية التعطيل.

– الآخرون في لبنان يقيمون حسابات للوضع الإقليمي أكثر مما تقيم المقاومة وحلفاؤها. فالتيار الوطني الحر وفريق رئيس الجمهورية اللذان يمثلان قوة وطنية لا يمكن اتهامها بالتموضع في محور إقليمي، يقيمون حسابات من نوع عدم إزعاج الرياض وواشنطن بمواقف تتصل بالعلاقة بسورية وإيران على سبيل المثال، وزيارة دمشق وطهران، أما فريق الرابع عشر من آذار فحدّث ولا حرج، عن انتظار تعليمات وأضواء خضراء، ومنها ما يجري تداوله أخيراً، مع تصاعد احتمالات عودة سورية إلى الجامعة العربية قبل القمة الاقتصادية في بيروت، عن وجود قرار عند رئيس الحكومة بعدم تشكيل الحكومة قبل قمة بيروت الاقتصادية، متخذ في الرياض كي تبقى ورقة المصالحة مع سورية في الجيب السعودي، بينما المقاومة لا تجد نفسها معنية بمراعاة أيّ حسابات إقليمية من حساب لبنان واللبنانيين، ولا صرف انتصاراتها وانتصارات حلفها الإقليمي في تغيير مطالبها الداخلية.

– الأكيد أن لا مشكلة لدى المقاومة بنيل رئيس الجمهورية وفريقه الثلث المعطل في الحكومة، والأكيد في المقابل أنّ أصل طلب المقاومة لتمثيل حلفائها كان من خارج حصة رئيس الجمهورية، وأنّ أصل الإشكال المرتبط بهذا التمثيل نشأ عن محاولة التيار الوطني الحر للتوفيق بين تقديم المقعد من حصة الرئيس والحفاظ على الثلث المعطل، وكيفية إخراج الأمرين معاً، والأكيد أيضاً أنّ أصل الخلل في كلّ التفاوض حول الحكومة هو في المراعاة المبالغ بها من الفريقين، المقاومة وحلفاؤها من جهة والتيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية من جهة مقابلة، لدلع رئيس الحكومة وطلباته وممنوعاته، والتوهّم بأنه يشعر بالعرفان لموقفيهما خلال محنته مع السعودية، واعتباره مغلوباً على أمره في المواقف التي يبديها، بينما تظهر الوقائع أنّ رئيس الحكومة وحلفاءه قد نجحوا مرتين، مرة بالحصول على تمثيل وزاري يعادل تقريباً ضعف حجمهم بالمقارنة مع ما ناله فريق المقاومة وحلفاؤها، وبالتالي ضمان الثلث المعطل دون أن يذكر أحد ذلك، ويصير التركيز على نيل رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر هذا الثلث، كأنه من المثالب والنقائص، ومرة ثانية أن رئيس الحكومة وفريقه يتفرّجون اليوم على ما نجحوا بتحقيقه من تأزّم في العلاقات بين كلّ من الحليفين في التيار الوطني الحر وفريق الرئيس من جهة، والمقاومة وحلفاؤها من جهة مقابلة.

– أول التحرّر من التأثيرات الإقليمية على الداخل اللبناني يتمثل باسترداد الثقة بين فريقين هما الأقلّ تأثراً بالمعادلات الإقليمية، واحد لأنه ليس طرفاً فيها ولو كان يراعيها، والثاني يستخدمها لحساب لبنان وليس لحسابه في لبنان، ولا يقوم بتخديمها، وهما الحليفان اللذان صنعا معادلة جديدة مع تفاهم السادس من شباط وعليهما مسؤولية صيانته، بدلاً من تبرّع البعض لوضعه في التداول والتساؤل عن مدى صموده. القليل من العقل البارد بدلاً من الرؤوس الحامية مطلوب في هذه الأيام، والقليل من الآذان الصماء للنميمة، والآذان المصغية للحوار ربما يسكب الماء البارد على الرؤوس الحامية.

Related Videos

Related Articles

%d bloggers like this: