حكاية إيران وكوريا مع أميركا وأوروبا: الجغرافيا السياسية تغيّرت مع الحرب السورية

حكاية إيران وكوريا مع أميركا وأوروبا: الجغرافيا السياسية تغيّرت مع الحرب السورية

مايو 29, 2018

– كشفت العنتريات الأميركية في الملف النووي لكوريا الشمالية هزال السياسة الخارجية والأمنية لإدارة الرئيس دونالد ترامب، التي تلاقى مستشار أمنها القومي جون بولتون ونائب الرئيس مايكل بنس، على تبشيرها بالخيار الليبي، واضطر رئيسها ترامب نفسه لنفي التشبيه وثم الإصرار على بقاء التفاوض رغم الإعلان الكوري عن التشكيك في جدواه. وعاد فأعلن إلغاء القمة مع الزعيم الكوري بسبب الصدّ والممانعة الكوريين، ليعود فيوسّط رئيس كوريا الجنوبية ويرسل وفداً إلى كوريا الشمالية يتبعه وصول وزير الخارجية مايك بومبيو لتقديم ضمانات رسمية طلبتها كوريا للإبقاء على القمة، ويعلن ترامب مجدداً أنه يتطلّع لعقد القمة ويعد كوريا بالمَنّ والسلوى.

– بالمقابل بدت أميركا متشدّدة ومتصلّبة وفي منحى تصعيدي تجاه الملف النووي الإيراني، وصولاً لعدم سماع أصوات الاستغاثة الأوروبية بعدم تطبيق العقوبات على شركاتها ومصارفها التي ستبقى ضمن خط التعامل التجاري مع إيران من ضمن التزام الحكومات الأوروبية بالتفاهم الموقع والمصدّق عليه من مجلس الأمن الدولي برضا وقبول واشنطن نفسها، حتى عندما بلغت الأصوات الأوروبية حدّ التحذير من أنها ستنفرد عن أميركا وتصون التفاهم لم تلقَ إصغاء واشنطن، وترافق التصعيد الأميركي مع تهديد إسرائيلي متواصل وتصعيد محسوب ومتقطع على الجبهة السورية تحت عنوان الدعوة لانسحاب إيران وحزب الله، يرافقها طلب أميركي مشابه، وظهرت إلى العلن حملة عقوبات أميركية وخليجية ذات مغزى سياسي تستهدف حزب الله، رغم عدم قيمتها العملية.

– أمران جديدان على حسابات المحلّلين والسياسيين أظهرتهما الأيام، الأول لهاث أميركي نحو القمة مع زعيم كوريا الشمالية رغم فقدان المهابة بعد كل ما تعرّضت له القمة، وتمسّك أوروبي بالتفاهم النووي مع إيران والالتزام بتخطّي عقدة العقوبات الأميركية بما يُطمئن إيران لمصالحها بعدما حسمت أنّها تلتزم بالتفاهم بقدر ما يلبّي هذه المصالح. فهل هذه بدايات لتبلور مشهد دولي جديد، وهل بدأ زمن تفكّك الغرب الذي عرفناه تقليدياً بقيادة أميركية؟ وهل تلعب الجغرافيا السياسية التي جذبت روسيا كلاعب إقليمي لعبتها الآن مع أوروبا بعدما صارت أميركا لاعباً إقليمياً في شرق آسيا بقوة الجغرافيا السياسية ومفاعيلها ذاتها؟

– الأكيد أن زلزالاً شهدته العلاقات الدولية لا زال في بداياته، والأكيد أن الأحكام المسبقة أو التقليدية لا تصلح لفهم تداعيات هذا الزلزال، والأكيد أن تيويم الاستنتاجات والخلاصات يحتاج لمرونة في التفكير وتلقي المواقف وقياسها ومحاولة فهمها. ومَن يراقب التحوّل الذي شهدته التصرفات الروسية خلال ثلاثة أعوام منذ قرار التموضع العسكري في سورية وتحمّل تبعاته كقرار استراتيجي يحمل تحدياً واضحاً وعلنياً لما كان سائداً من قواعد رسمتها أميركا على الساحة الدولية عموماً، وساحة المنطقة خصوصاً، ويراقب تدريجياً ما أصاب الاتحاد الأوروبي من ملامح تفكك بدأت طلائعها مع الانسحاب البريطاني، وما لحق الاتحاد الأوروبي من ارتباك تجاه كيفية التأقلم مع العالم الجديد الذي يبدو قيد الولادة، سواء لجهة كيفية التعامل مع الحرب في سورية وعليها، أو في التعامل مع إيران، أو في التعامل مع روسيا، وما في كل ذلك من ارتباك وتذبذب، ومقابله العلاقات الأوروبية الأميركية، وكذلك مَن يراقب الانكفاء الأميركي العملي من ملفات المنطقة رغم بقاء ملامح انتشار عسكري وسياسي، انكفاء عبر عنه الانسحاب السلبي من التفاهم النووي الإيراني دون السعي لإسقاط التفاهم ولا الذهاب لحرب يفرضها أي مؤشر لعودة إيران لتخصيب اليورانيوم، وكذلك الانسحاب الأميركي من ملف تسوية القضية الفلسطينية، والاكتفاء بإعلان القدس عاصمة لكيان الاحتلال ولو كانت النتيجة تفجير مشاريع التفاوض ونقل الشارع الفلسطيني وقواه السياسية إلى حالة مواجهة بذلت واشنطن الكثير لتفاديها.. مَن يراقب كل ذلك لا بد أن يكتشف أن قواعد السياسة الدولية تتغيّر نوعياً، وأن ما جعل روسيا تترجم عالميتها بالتحوّل لقوة إقليمية في المنطقة، هو ذاته يجعل أوروبا كذلك، ويدفع أميركا بقوة الجغرافيا إلى خارج المنطقة، ويجذبها نحو التحوّل قوة إقليمية في منطقة أخرى يمسّها كل تحوّل فيها في الأمن والاقتصاد، هي شرق آسيا وليس ما عُرف بالشرق الأوسط، الذي بيقيها على صلة به التزامها بأمن «إسرائيل» وأمن النفط باتصاله بالحكم السعودي.

– عندما تقرّر واشنطن الانسحاب من اتفاقية المناخ والتخلّي بموجب ذلك عن دورها كقوة عظمى قيادية للعالم، فهي تقرّر العودة للمنافسة التي حرمها الغرب نفسه بقيادة أميركية في مرحلة الرهان على رفع أكلاف الإنتاج من بوابة منع تدمير البيئة، وفرض بقيادة أميركية شروطاً على الصناعات تزيد كلفتها تحت شعار حماية البيئة، وتمنح الغرب وصناعاته قدرة تنافسية أعلى، لتأتي واشنطن معلنة بانسحابها أنها عاجزة عن المنافسة بهذه الشروط وأن اقتصادها لا يحتملها، والمنافس هنا هو باقي دول الغرب في أوروبا وكل من الصين واليابان وكوريا الجنوبية في الشرق. وعندما تلحق واشنطن ذلك بقرارات متتابعة برفع الرسوم الجمركية على الحديد والصلب، وصناعة السيارات، وتليها بإعلان الخروج من اتفاقية «نفتا» التي تربطها بدول أميركا الجنوبية للأسباب ذاتها، فهي تقرّر الاحتماء وراء الجدران، جدران السياسة بالانسحاب من قيادة التسويات حيث لا جدوى من الحروب ولا قدرة على خوضها، وجدران الاقتصاد، بالانسحاب من التفاهمات التي شكلت اتفاقية المناخ وتشكيل منظمة التجارة العالمية، لضمان حرية انتقال البضائع، ذروة الحركة الأميركية فيها نحو العولمة.

– سقوط العولمة هو الاستنتاج الأهم الذي يحكم العالم اليوم في ضوء الزلزال الذي مثّلته الحرب السورية، وفشل السيطرة الأميركية عليها، وتبلور معادلات دولية جديدة بضوئها، تُعيد رسم مفاهيم الأمن القومي والاقتصادي للدول الغربية بصورة لا تتيح بقاء أميركا وأوروبا في ضفة واحدة، بل ربّما تؤسس لتقارب روسي أوروبي، وتنافس ومساكنة أميركية صينية، من موقع دور وفعل الجغرافيا السياسية والاقتصادية، في زمن باتت ترسم فيه البحار مناطق الأقاليم الجديدة، وفقاً لما تميّز بكشفه الرئيس السوري بشار الأسد بنظريته عن البحار الخمسة، التي تجعل روسيا وأوروبا وما عُرفَ تقليدياً بالشرق الأوسط وإيران وتركيا والخليج ضمناً، منطقة إقليمية واحدة، فالقضيتان الجوهريتان لأمن أوروبا هما النازحون والإرهاب، ومصدرهما زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط التقليدي. وهي زعزعة لا تزعج أميركا، وتضاف إليهما مخاطر مواجهة مع إيران التي تملك ترسانة صاروخية تقع أوروبا في مداها، وتتحمّل أوروبا لتفادي المواجهة فاتورة الانكفاء الأميركي لإدارة ملف إيران النووي بما لا يزيد درجة الخطر بذهاب إيران للتخصيب الخطير، بينما أولويات أميركا كورية وصينية، أمنياً واقتصادياً، فواشنطن في مدى صواريخ نووية كورية جاهزة، وتحت تأثير ديون تملكها الصين، وفي مواجهة منافسة اقتصادية قوتها المحورية تمثلها الصين وبنسب أقل اليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا.

– هذا ما يفسّر الموقف الأوروبي المخالف لواشنطن في قضية القدس، وفي الملف النووي الإيراني، وفي ملفات ستتبلور أوضح تباعاً، كالحرب السورية والحرب في اليمن، وبالتالي تغليب أوروبا للغة التسويات على العنتريات والمواجهات، عنتريات يقودها كيان الاحتلال والكيان السعودي، ككيانين هيجينين لا تقرّر السياسة فيهما لغة المصالح، واحد لكونه مصطنعاً سكانياً بقوة الاستيطان، وآخر لأنه مصطنع اقتصادياً بقوة النفط، بينما ولاعتبارات الجغرافيا السياسية نفسها بدأ التحوّل التركي، ولو سار بطيئاً، فهو لن يعود إلى الوراء.

Related Videos

Related Articles

Advertisements

ماذا ستفعل أميركا وقد فشلت «إسرائيل»؟

 

مايو 12, 2018

ناصر قنديل

– ليس من حاجة لمناقشة مَن يدمنون الترويج لقوة أميركا و«إسرائيل» والتغافل عن رؤية التحوّلات الكبرى التي تحملها التطوّرات، فهؤلاء لا جدوى من إضاعة الجهد لإقناعهم، لأنّ أميركا و«إسرائيل» قد تتحدّثان عن الفشل والهزيمة، كما حدث في حرب العراق وعدوان تموز 2006، ويبقون على إصرارهم أنّ أميركا و«إسرائيل» قدر لا يُرَدّ وقوة لا تُقهر، لذلك فإنّ تجاهل هؤلاء يسهّل مواكبة الأحداث ومعرفة مساراتها، التي كانت تنتظر أوّل اختبارات القوة الإسرائيلية مع سورية وحلفائها بعد الانسحاب الأميركي من التفاهم النووي مع إيران.

– كانت المعادلة الإسرائيلية تبالغ في دور التفاهم النووي مع إيران في كبح قدرتها على خوض مواجهة رابحة في وجه إيران وقوى المقاومة وسورية، وبعد الانسحاب الأميركي من التفاهم والاعتراف بالقدس عاصمة لـ«إسرائيل»، وتجميع حكام الخليج وأموالهم تحت الإمرة الإسرائيلية علناً، لم يعُد في الجعبة الأميركية ما يمكن تقديمه سوى ما ليست أميركا بقادرة على فعله، وهو الدخول مباشرة في حرب، لو أرادتها وتحمّلت تبعاتها، لفعلت ذلك لحسابها مباشرة، وفي ظروف أفضل تحظى بالإجماع بين الحلفاء، وتستثير قبول الرأي العام الأميركي، كما كان الحال يوم العدوان على سورية بذريعة السلاح الكيميائي، وارتضت واشنطن خفض منسوب العمل العسكري بما يضمن عدم تحوّله إلى مواجهة، ولو تسبّب بالسخرية من الإسرائيليين أنفسهم، الذين قالوا إنّ النتائج هي صفر.

– بمثل ما توفرت لـ«إسرائيل» كلّ طلباتها من أميركا والخليج، توفّرت لها في ظروف المواجهة عبر سورية أعلى درجات التبرير لدخول الحرب، مع الصواريخ التي استهدفت مواقعها العسكرية في الجولان، والأكيد أنّ «إسرائيل» تعرف أنّ مَن أطلق الصواريخ فعل ذلك كركن في محور المقاومة أتمّ التنسيق مع سائر الحلفاء، وكانوا جميعاً في حال جهوزية للحرب، والأكيد أنّ «إسرائيل» كانت في حال استنفار سياسي تمثل بزيارة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لموسكو، وعسكري تمثل بالإعلان الاستباقي عن نشر القبة الحديدية، والغارة على الكسوة تحت شعار إجهاض خطة إطلاق صواريخ نحو المواقع الإسرائيلية، والأكيد ثالثاً أنّ الوجبة الأولى من الردّ الإسرائيلي على صواريخ الجولان كانت بحجم بداية حرب، سواء للمساحة الجغرافية لحركة الاستهداف الإسرائيلي، أو بعدد الطائرات التي جرى حشدها في الأجواء الأردنية، أو بالانعقاد المتواصل للمجلس الوزاري المصغر لمواكبة التطورات.

– شكّل الاشتباك مع شبكات الدفاع الجوي السوري العنصر الأهمّ من المواجهة، التي كانت واشنطن وتل أبيب تتابعانها لحظة بلحظة، لاتخاذ القرار بالمضيّ بالصعود على شجرة الحرب أو البحث عن مخرج للنزول عنها. والواضح أنّ النتيجة كانت مخيّبة للآمال الأميركية والحسابات الإسرائيلية، وقبل أن تولد معادلة الردع الجديدة ولد قرار الخروج من خيار الحرب، وبدأ البحث عن مخارج من نوع الحديث عن تدمير عناصر الحضور الإيراني في سورية بالكامل، وصاحب الكلام يعلم أنه في مثل حالات الاستنفار المتبادل التي كانت لحظة الاشتباك لا يبقى من المواقع المعروفة للجيوش والقوى العسكرية إلا المباني الفارغة، كما يعلم أنه صاحب كلام سابق عن وجود استراتيجي لإيران في مناطق لم تصلها الغارات الإسرائيلية، كمناطق الساحل السوري وحلب ودير الزور، حيث يزعم الإسرائيليون أنّ إيران تقيم مستودعات استراتيجية ومصانع صواريخ نوعية.

– بعد فشل الرهان على القوة الإسرائيلية، يصير السؤال صعباً على واشنطن، فالمضيّ بالعقوبات كما كانت قبل التفاهم والتشدّد بتطبيقها على الأوروبيين لمنع إيران من بيع نفطها وحظر التبادل التجاري والمالي عبر مصارفها، سيعني عودة إيران للتخصيب المرتفع الممهّد لامتلاك قنبلة، وواشنطن في عهد دونالد ترامب كما في عهد باراك أوباما لا تملك ما تفعله في مثل هذه الحالة ولا تريد بلوغها. فيصير البحث عن مخارج تتيح التغاضي عن بقاء أوروبا في التفاهم عملياً وليس نظرياً فقط، أيّ التبادل المالي والتجاري مع إيران بما في ذلك في سوق النفط تحت العين الأميركية ودون عقوبات، هو الطريق الوحيد لضمان عدم بلوغ لحظة اللاعودة في الملف النووي الإيراني.

– هذا يعني أنّ واشنطن لم تلغ التفاهم عملياً ولم تنسحب منه إلا إعلامياً، فالقضية أولاً وأخيراً بالنسبة لإيران لم تكن المتاجرة مع أميركا، بل مع أوروبا، والعقوبات الأميركية هي التي تقرّر مصير هذه المتاجرة. فإنْ قالت واشنطن إنها تنسحب من التفاهم، ولا تطال بعقوباتها أوروبا بما يبقي لإيران ميزاتها المحققة من هذا التفاهم، يكون كلّ من الفريقين قد خرج بما يريد، إيران حصلت على النصف الذي يهمّها من التفاهم، وواشنطن حصلت على النصف الذي يهمّها من الانسحاب.

– المهلة الممنوحة للأوروبيين حتى نهاية العام بدون سيف العقوبات، فرصة لهم لكسب التعاون مع إيران والتمهيد لتسويات وتفاهمات مجاورة للتفاهم النووي الذي يمكنهم التباهي بأنهم تحمّلوا لأجله التحدّي مع واشنطن، ويتيح لواشنطن اختبار مسار تفاوضها مع كوريا الشمالية،

لتنضج شروط أوضح للتفاوض الأميركي مع روسيا والصين حول خريطة العالم الجديدة.

Related Videos

Related Articles

قمة ترامب بوتين وأمن «إسرائيل»

أبريل 21, 2018

ناصر قنديل

– بالتزامن مع تصاعد التوتر الغربي الروسي إلى أقصى ما يمكن بلوغه تحت سقف تفادي التصادم المباشر، عرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرتين، عقد قمة تجمعه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فواشنطن محكومة من جهة بنتائج اختبار القدرة على إيجاد هامش للخيار العسكري يغيّر التوازنات من دون تورطها بمواجهة مفتوحة وشاملة. والتجربة بعد العدوان الأخير على سورية تقول بأنّ هذا الخيار الافتراضي لا مكان له في الواقع، فيصير أيّ عمل عسكري محكوماً بما وصفه وزير الخارجية الروسي باحترام الخطوط الحمراء التي رسمتها موسكو. ومن جهة مقابلة تضغط جملة استحقاقات على واشنطن لا تملك تجاهلها، ولا تجاهل أنّ العبور الآمن منها مستحيل من دون التفاهم المسبق مع موسكو. وهذا صحيح بالنسبة لاستحقاق التفاهم النووي الإيراني الذي يجب على الرئيس الأميركي حسم خياره تجاهه بين الإلغاء وإيجاد مخارج تفاوضية مطلع الشهر المقبل، كما هو صحيح بالنسبة للتفاوض حول السلاح النووي لكوريا الشمالية بين العودة إلى مواجهة قاسية وصعبة أو السير بالتفاوض حتى النهاية، والقرار مطلوب قبل نهاية الشهر المقبل.

– لا يمكن فصل إلحاح الرئيس الأميركي على طلب عقد قمة مع الرئيس الروسي عن القناعة الأميركية بالحاجة لتفاهم مع روسيا يوفر مخارج تفاوضية تواكب استحقاقات أميركية داهمة ومقبلة، ولا أمل من الفوز بها بخيار التصعيد، والمؤشرات التي حملتها زيارة رئيس المخابرات ووزير الخارجية المعين مايك بومبيو إلى كوريا ولقاؤه زعيمها كيم جونغ أون تقول بالعزم الأميركي على السير بالخيار التفاوضي الذي يشكّل التفاهم مع موسكو وبكين بوليصة التأمين لنجاحه. ويعلم الأميركيون جيداً استحالة السير بالبحث عن التفاهم مع موسكو وبكين على إيقاع قرار بحجم إلغاء التفاهم النووي مع إيران، ما يضع للقمة الروسية الأميركية المنشودة مهمّتين رئيسيتين من الزاوية الأميركية، مواكبة مساندة لإنجاح التفاوض مع كوريا الشمالية، وتقديم ضمانات تشكل مخرجاً مناسباً للرئيس الأميركي تتيح طي ملف التفاهم النووي الإيراني إيجاباً، وفي المقابل يحضر على جدول الأعمال الأميركي ما تريده روسيا سواء في سورية أو في أوكرانيا أو في ملف العقوبات.

– في الردّ على الدعوة الأميركية الأولى للقمة مع الرئيس الروسي قال الكرملين إن ليس على جدول أعمال الرئيس بوتين مثل هذه القمة. وكان ذلك تحت تأثير التصعيد الأميركي في سورية، بينما مع تجديد الدعوة الأميركية جاء الردّ الروسي مختلفاً ومسبوقاً بكلام لافروف عن التزام واشنطن بالخطوط الحمراء الروسية في العدوان على سورية، فقال لافروف عن القمة إنّ المهمّ هو ضمان نجاحها وتحديد وتحضير مسبق لملفاتها وجدول أعمالها، وخلال ساعات كان البيت الأبيض يعلن عن لقاء مستشار الأمن القومي الجديد جون بولتون المحسوب كعدوّ لروسيا، بالسفير الروسي في واشنطن أناتولي أنطونوف، والقول إنّ «البحث كان مخصصاً لحالة العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا ، والتأكيد على أنّ علاقات أفضل هي في مصلحة كلّ من الولايات المتحدة وروسيا»، ما يعني الدخول عملياً في ترتيبات القمة التاريخية التي ستجمع الرئيسين.

– القمة ستكون تاريخية، لأنها تلي جولات مواجهة اقتصادية ومالية وعسكرية وسياسية ودبلوماسية متعدّدة لم تُبق هوامش لم تُختبر خلالها، وصولاً إلى حافة التصادم المباشر، ولأنها تواجه الحاجة لحسم ملفات حساسة ومصيرية وخطيرة على مساحة العالم، ما يجعلها أقرب إلى قمة يالطا التي جمعت الزعيم السوفياتي جوزف ستالين بالرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت بعد الحرب العالمية الثانية، لكن هذه القمة ستختلف لجهة وضعها قواعد نظام عالمي جديد، يبدأ بترسيم التوازنات والمصالح الحيوية والتفاهم على تسويات الملفات العالقة، وينطلق لمسار سنوات من ترتيب قواعد إدارة الوضع الدولي تحول دون التصادم وتسحب فتائل التوترات، وتوجه المقدّرات المخصّصة لتخديم المواجهة لتطوير الإمكانات الاقتصادية والاستثمارية للدولتين في مجالات تشكل الصين فيها شريكهما الثالث.

– يبدو أمن «إسرائيل» القضية الوحيدة العالقة التي يصعب بلورة حلّ تفاوضي سريع حولها، فمن جهة تواجه «إسرائيل» تصعيداً فلسطينياً لا تملك موسكو مفاتيح التحكم به، سيبلغ الذروة منتصف الشهر المقبل بتزامن ذكرى اغتصاب فلسطين مع نقل السفارة الأميركية إلى القدس، ويتزامن كلّ ذلك مع تصعيد إيراني إسرائيلي غير مسبوق، بحيث يبدو سقف الممكن هو ترك التطورات ترسم السياق، فسقف ما يمكن لروسيا فعله هو الوقوف على الحياد في المواجهة الإسرائيلية الإيرانية المقبلة، بينما تستطيع واشنطن تبرئة ذمّتها أمام الإسرائيليين بكونها منحتهم حلم القدس بنقل سفارتها، ويكون الاحتواء المزدوج من واشنطن وموسكو لمنع الانزلاق إلى مواجهة كبرى حاضراً لخيار أحادي هو فتح مسار الحلّ السياسي للقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي بما يشبه مدريد ثانية بينما على المسار السعودي يبدو التحضير لتفاوض سعودي إيراني الخيار الذي يتقدّم بمساعٍ عُمانية تحت عنوان الحرب على اليمن.

More in the following Video

Related Videos

Related Articles

Nasser Kandil: Emergence of Multi-Polar World Confirmed after Eastern Ghouta Liberation

Related Videos

Related Articles

This Will Change Every Negative Thoughts You Have About Trump and Putin

بوتين واليوم الأول بعد الانتخابات

 

مارس 20, 2018

ناصر قنديل

– غالباً ما تبرز مواقف الأطراف الدولية الفاعلة من نتائج الانتخابات الرئاسية في دولة محورية موازية، طبيعة وعناوين المواجهة الآتية. ومن نوعية المواقف الأميركية والأوروبية التي كان يمكن توقّعها لمواكبة مناخ المواجهة مع نتائج الانتخابات الرئاسية الروسية والفوز الباهر للرئيس فلاديمير بوتين، كلام أميركي أوروبي يشكّك في الطابع الديمقراطي للانتخابات ويتّهم الحكومة الروسية بالتضييق على المنافسة الانتخابية ويتحدّث عن مخالفات جسيمة جرى تسجيلها ويصل للقول إنّ الروس اتخذوا الخيار الخاطئ بالتجديد لخيار التوتر بين روسيا والغرب، وأنّ نتيجة هذا التصويت ستنعكس سلباً على حياتهم، سواء بسبب العقوبات أو الأزمات التي تتّهم الرئيس بويتن بالتسبّب بها، وكان يمكن أن نتوقع تجاهلاً للجدل حول صدقية الانتخابات والاكتفاء بالقول إنّ التجديد لبوتين هو تجديد للحرب الباردة وسباق التسلّح والمزيد من الأزمات الدولية.

– جاءت المواقف الأميركية والغربية متجاهلة كلّ الكلام عن اعتبار المواجهة مع روسيا عنوان السياسة الدولية، وحلّ مكانها التبشير بالتعاون البناء مع الرئيس المنتخب بصورة وصفها الرئيسان الأميركي والفرنسي بغير المفاجئة. فقد كانت النتائج العالية للرئيس بوتين متوقعة، والتطلعات هي نحو تعاون مثمر لتحقيق المزيد من الإيجابيات على الساحة الدولية وساحة العلاقات الثنائية، حتى بيان مفوضية الاتحاد الأوروبي الخاص بتقييم الانتخابات الذي تحدّث عن مخالفات سجلها مراقبون أوروبيون، لكنه دعا السلطات الروسية للانتباه لها والعمل على تلافيها لاحقاً، بينما كانت دعوات الرئيس بوتين للتعاون في التحقيق في قضية مقتل المواطن الروسي سيرغي سكريبال في لندن، تلقى التجاوب من محاوريه الغربيّين تعبيراً عن نية بطيّ ملف القضية إيجاباً، خصوصاً ما تضمّنته من اتهامات لروسيا وللرئيس بوتين شخصياً.

– كلّ هذه الإيجابية لا تعني أنّ العلاقات الغربية الروسية ذاهبة للتعاون، ولا تعني نهاية ملفات الخصومة، بل تعني أنّ الكثير من التوتر التصعيدي الذي شهدناه خلال الشهر الأخير، كان مفتعَلاً لتخديم اللعبة الغربية تجاه الانتخابات الرئاسية الروسية وما عادت ذات جدوى بعد نهاية الانتخابات. والنتائج العكسية التي ترتبت عليها في صناديق الاقتراع، فقد كان هدف حملة الشيطنة والتصعيد والتهديد، التأثير على عنوانين حاسمين في الانتخابات، الأول هو نسبة المشاركة في الاقتراع التي كانت تأمل الجهات الغربية بأن تنخفض لما دون الـ 50 في المئة بعدما كانت 57 في المئة في الجولة السابقة، لترتفع رداً على اللعبة الغربية ومناخ التحدّي الذي صوّت خلاله الروس دعماً لرئيسهم، إلى 68 في المئة بزيادة نوعية مفاجئة وغير متوقّعة. أما الأمر الثاني الذي استهدفته الحملة الغربية فهو دفع المصوّتين نحو خيارات انتخابية أخرى ترفع نسبة ما يناله المنافس الأول للرئيس بوتين فيتقلّص الفارق بينهما، بحيث ينخفض التصويت للرئيس بوتين من 60 في المئة، كما كان متوقعاً إلى 55 في المئة وينال منافسه الأول 40 في المئة ليتأسّس على هذه الحصيلة، مشاركة بـ45 في المئة ونيل بوتين 55 في المئة منها وخصمه 40 في المئة تصوّراً لمواجهة مفتوحة بعناوين متعدّدة لما بعد الانتخابات. أما وقد جاءت النتائج عكسية فمع 68 في المئة من التصويت نال بوتين 77 في المئة من المصوّتين مقابل 12 في المئة لمنافسه الأول فصار كلّ استثمار في ما بعد الانتخابات هدراً بلا جدوى.

– ستهتمّ القوى المعنية بالانتخابات في لبنان والعراق بالمعاني التي قالتها الانتخابات الروسية وسيكون على جمهور المقاومة في البلدين رفع المشاركة الانتخابية إلى مستويات قياسية وإقفال فرص الخصوم بتحقيق نتائج تتيح التشكيك في حجم الغطاء الشعبي لخيار المقاومة. فهذه هي الأولوية الراهنة والمستمرّة.

Related Videos

Related Articles

 

 

سورية: سنة ثامنة حرب… سنة أخيرة

مارس 16, 2018

ناصر قنديل

– تنتهي السنة السابعة من الحرب التي استهدفت سورية بحشد دولي وإقليمي جمع تحت الراية الأميركية أقوى حلفائها عسكرياً ومخابراتياً ومالياً، واستجلب وحوش الإرهاب والتكفير إليها، واتخذ عنوان ثورة كاذبة ما لبثت ان انكشفت أوراقها كمجرد ورقة توت يتغطى بها العدوان، وخلال هذه السنوات تحدّثت مراجع وقوى ورئاسات دول عظمى عن سقوطها الوشيك وعن رحيل رئيسها وتفكك جيشها، وتحدّث محللون وباحثون عن أن زمان سورية التي نعرفها بحدودها وشكل دولتها ومكانتها في المنطقة والعالم قد ولّى إلى غير رجعة، فيما كان كثيرون وبجدية بالغة يجزمون بأن تقسيم سورية بات محسوماً، وأن المنطقة ستشهد ولادة جغرافيا سياسية جديدة انطلاقاً من هذا التقسيم.

– تنتهي السنة السابعة من الحرب والمؤشرات المعاكسة للتوقعات تفرض نفسها، فيبدو الجيش السوري قوياً متماسكاً يحقق الانتصارات ويستردّ ما تمّ سلبه من الجغرافيا السورية، ويفرض معادلات الردع على «إسرائيل»، ويصير الرئيس السوري بوابة الحل باعتراف الخصوم قبل الأصدقاء والحلفاء بعدما كان رحيله شرطاً لكل الحلول، وتتهاوى نظريات مثل سورية المفيدة وصيغ التقاسم الواقعي لسورية بين الكبار أمام تماسك حلف سورية مع روسيا وإيران وقوى المقاومة تحت عنوان وحدة سورية وسيادتها بوابة الأمن الإقليمي والاستقرار العالمي والانتصار على الإرهاب والفوضى.

– تبدو السنة الثامنة من الحرب آخر سنواتها، حتى لو تأخّرت الحلول السياسية التي تتصل بالوضع في شمال سورية، والتي تنطلق من العنوان الكردي ومشروع الانفصال وتنتهي بمصير الاحتلالين الأميركي والتركي، لكن يبدو واضحاً أن سقوط عناوين سورية للحرب على الدولة السورية، ونهاية الجزر التي يسيطر عليها الإرهاب، يشكل إعلاناً عملياً بنهاية الحرب، ويبقي القضايا العالقة شمالاً وقفاً على تقدم العملية السياسية المتصلة بأزمات المنطقة من جهة، ومآل العلاقات الدولية الجديدة من جهة أخرى، والتي قد تمتد لسنة أو سنتين دون أن يعني ذلك وجود فرص جديدة أو وقود جديد لإعادة تسعير الحرب.

– الأكيد أن تضحيات حلفاء سورية وثباتهم وتماسكهم حول دولتها ورئيسها قد لعبت دوراً حاسماً في فرض هذا الانتصار القادم، لكن الأكيد أن أياً من هؤلاء الحلفاء ما كان ليبلغ المدى الذي بلغه في موقفه مع سورية لولا يقينه من قدرتها على بلوغ النصر. والكل يعلم أن السلاح والمال كعنصرين حاسمين في صناعة نتائج الحروب، يفعلان لغير صالح سورية وحلفائها، وأن التوازن ومن ثم النصر ينتظران العامل البشري والإنساني اللذين لا يمكن توريدهما لسورية ما لم يكن السوريون شعباً وجيشاً وقيادة، في الموقع الذي يمكن الرهان عليه، والثقة بأن هذا الموقع يتيح الأمل بتحقيق النصر.

– الشعب السوري بوقفته وتضحياته، والجيش السوري بروحه فدائية وتماسك قيادته واحترافية ضباطه، شكلا الثنائي الذي تأسس عليه مشهد سورية والحرب عليها ومستقبل النصر القادم، لكن الأكيد أن استثنائية الإرادة والرؤية اللتين لازمتا الرئيس السوري منذ بداية الحرب وخلال أدق وأصعب مراحل، وقدرة الجمع بين أعلى مراتب الحكمة ومستويات الشجاعة، جعلت منه قائداً قدوة لجيشه وملهماً لشعبه، ومصدراً للثقة بين حلفائه، فشكل بحق أيقونة هذا النصر الآتي لا محالة.

Related Videos

Related Videos

 

%d bloggers like this: