في الذكرى الرابعة والأربعين ليوم الأرض محطات في تاريخ الصراع ووقفات عزّ قومية

سماح مهدي

يُعدّ يوم 1/8/1882 في التاريخ الحديث نقطة الانطلاقة الفعلية من قبل العدو اليهودي باتجاه اغتصاب أرضنا في فلسطين. ففي ذلك التاريخ أنشأت حركة «أحباء صهيون» أول مغتصبة يهودية على أرض فلسطين.

إلا أنّ الإعلان الأبرز عن ذلك التوجه الاغتصابيّ كان على إثر تأسيس المنظمة الصهيونية العالمية بتاريخ 29/08/1897، وعقدها لمؤتمرها الأول في مدينة بازل السويسرية، وكانت أبرز مقرراته إقامة «وطن قومي لليهود» على أرضنا في فلسطين.

باشرت الحركة الصهيونية نشاطها لتستفيد من اندلاع الحرب العالمية الأولى وتوقيع اتفاقية سايكس – بيكو التقسيمية بتاريخ 16/05/1916، فاستحصلت بتاريخ 02/11/2017 على ذلك الوعد المشؤوم من وزير خارجية بريطانيا – آنذاك – آثر بلفور بإقامة الوطن القومي اليهودي المزعوم.

بطبيعة الحال، تصدّى أبناء شعبنا في فلسطين للخطة اليهوديّة المعادية، وعقد المؤتمر الفلسطيني الأول في القدس بتاريخ 27/01/1919. وتلاه المؤتمر الشعبي الكبير في فلسطين بتاريخ 05/03/1919 الذي تقرّر فيه رفض الاحتلال البريطاني ووعد بلفور والهجرة اليهودية ِإلى فلسطين.

ويسجل التاريخ في 27/02/1920 خروج أول تظاهرة وطنية فلسطينية احتجاجاً على سلخ فلسطين عن سورية، فأعلن شعبنا الفلسطيني تمسكه بهويّته القومية وإصراره على البقاء موحداً مع محيطه الطبيعي.

وعلى الرغم من تقرير عصبة الأمم تم تنفيذ الاحتلال البريطاني لفلسطين بتاريخ 24/07/1922، إلا أنّ شعبنا الفلسطيني البطل استمرّ في رفضه ومقاومته لذلك الاحتلال حتى وصل إلى إعلان الثورة الشاملة بتاريخ 15/04/1936.

ولا نذيع سراً أنّ الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي تأسّس في 16/11/1932 ليكون الخطة النظامية المعاكسة للمشروع اليهودي ولحركته السياسية المسمّاة بالحركة الصهيونية، كان واحداً من المشاركين في تلك الثورة، حيث لبّى القوميون الاجتماعيون نداء فلسطين، وقاتلوا دفاعاً عنها ضدّ العصابات اليهودية. فكان أن ارتقى في مدينة نابلس بتاريخ 23/09/1936 أول شهداء الحزب الرفيق حسين البنا إبن بلدة شارون في قضاء عاليه – جبل لبنان.

على الرغم من التصدي البطولي لأبناء شعبنا الفلسطيني في مواجهة مغتصبي الأرض، جاءت لجنة بيل لتعلن عن اقتراحها في 07/07/1937 للمرة الأولى بتقسيم فلسطين إلى دولتين تكون الأولى لأهل الأرض الأصليين والثانية لمغتصبيها من اليهود.

بدأت الحرب العالمية الثانية، فوضعت الحركة الصهيونية كلّ ثقلها للاستفادة من نتائجها في سبيل تحقيق هدف إقامة كيان الاحتلال، خاصة بعد إنشاء الأمم المتحدة بتاريخ 24/10/1945 لتكون الهيئة الدولية الجديدة التي ترعى مصالح الأمم المنتصرة في الحرب.

بتاريخ 02/03/1947 عاد مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي أنطون سعاده من مغتربه القسري إلى لبنان، فكانت في استقباله حشود قدّرت بعشرات الآلاف من القوميين الاجتماعيين، فألقى خطابه الشهير المعروف بخطاب العودة الذي جاء فيه:

«ولعلكم ستسمعون من سيقول لكم إنّ في إنقاذ فلسطين حيفاً على لبنان واللبنانيين وأمراً لا دخل للبنانيين فيه. إنّ إنقاذ فلسطين هو أمر لبناني في الصميم، كما هو أمر شامي في الصميم، كما هو أمر فلسطيني في الصميم. إنّ الخطر اليهودي على فلسطين هو خطر على سورية كلها، هو خطر على جميع هذه الكيانات».

استمرّت الخطة المشؤومة في سيرها، فصدر قرار الأمم المتحدة رقم 181 بتاريخ 29/11/1947، والذي قضى بتقسيم فلسطين كما خطّط له أيام عصبة الأمم. ليتبع ذلك إعلان قيام كيان الاحتلال الإسرائيلي بتاريخ 15/5/1948.

ما كان هذا الإعلان أن يمرّ مرور الكرام، فانتفض كلّ من أحبّ فلسطين ليدافع عنها في مواجهة ذلك العدو الوجودي. ومجدّداً، واستجابة لنداء زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي أنطون سعاده تشكلت الفرق القوميّة للذوْد عن جنوب الأمة السورية، فكانت أولاها «فرقة الزوبعة الحمراء» التي تأسّست بتاريخ 21/5/1948 لتقاتل بقيادة الأمين الراحل مصطفى سليمان النبالي.

استولى المغتصبون اليهود نتيجة حرب العام 1948 على ما يقارب من 78% من أرض فلسطين، وقاموا بتهجير حوالي 85% من أهلها.

لم تكد تضع الحرب أوزارها حتى أعلن كنيست الاحتلال القدس عاصمة أبدية لكيان الاغتصاب اليهوديّ بتاريخ 23/01/1950. وتلا ذلك إصدار ما يُسمّى بقانون العودة بتاريخ 5/7/1950 الذي يبيح أرض فلسطين لكلّ يهود العالم.

تسارعت الهجرة اليهودية إلى أرض فلسطين المحتلة، وسعت حكومة الاحتلال إلى تهويد كلّ القرى والمدن الفلسطينية حتى تلك التي صمد فيها أهلها ورفضوا تهجيرهم رغم كلّ الضغوط التي تعرّضوا لها من قبل قوات الاحتلال.

من ضمن الأراضي المستهدفة بعملية التهويد كانت الأراضي التي تعرف باسم «المل» أو المنطقة رقم 9، وهي تقع ضمن قرى سخنين وعرابة ودير حنا، وتبلغ مساحتها 60 ألف دونم.

وكانت هذه الأراضي تحت سيطرة جيش الاحتلال البريطاني بين عامي 1942 و1944 حيث كان يستخدمها كمنطقة تدريبات عسكرية أثناء الحرب العالمية الثانية.

أبقى جيش الاحتلال الإسرائيلي على الوضع نفسه الذي كان سائدًا في أيام الاحتلال البريطاني، حتى جاء العام 1956 فقام بإغلاق المنطقة بهدف إقامة مخططات بناء مغتصبات يهودية ضمن مشروع تهويد الجليل.

نتيجة لطبيعته الاحتلالية والتوسعية، لم يكتفِ كيان الاحتلال بما احتله من أراضٍ في العام 1948، حتى بلغ أوجه في حرب العام 1967 التي تمكن خلالها من احتلال ما تبقى من أرض فلسطين والجولان وسيناء.

محطة جديدة يثبت فيها الحزب السوري القومي الاجتماعي أنه حزب فلسطين عبر تشكيل «جبهة الفداء القومي» بقيادة الأمين الراحل سامي خوري، والتي نفذت عمليات عدة ضدّ جيش الاحتلال كان أبرزها العملية البطولية التي نفذت في غور الأردن بتاريخ 17/03/1968 وأسر فيها الرفيق الدكتور عزمي منصور.

على الرغم من تحرير أجزاء من أرضنا القومية المحتلة خلال حرب تشرين التحريرية في العام 1973، إلا أنّ الصراع لم يتوقف، بل استمرّ في سبيل تحرير ما تبقى من أرض تحت الاحتلال ومنع تهويدها ومصادرتها.

وفي هذا الإطار عقد بتاريخ 29/07/1975 اجتماع في حيفا المحتلة حضره مبادرون لتنظيم حملة الاحتجاج على مصادرة الأراضي الفلسطينية بعد أن أعلنت سلطات كيان الاحتلال عزمها على مصادرة 21 ألف دونم من أراضي نحو 12 قرية فلسطينية. وقد ضمّ الاجتماع عدداً من رؤساء المجالس المحلية الفلسطينية وشخصيات وطنية مختلفة من مجاهدين وأطباء ومثقفين ورجال دين وفلاحين. وتقرّر في هذا الاجتماع تشكيل لجنة للدفاع عن الأراضي الفلسطينية.

بتاريخ 15/8/1975 دعت هذه اللجنة إلى عقد اجتماع شعبي موسّع في الناصرة المحتلة تقرّرت فيه الدعوة إلى مؤتمر شعبي عام للمطالبة بوقف مصادرة الأراضي. وصدر عن الاجتماع نداء موجه إلى الرأي العام يدعوه إلى المشاركة في الحملة ضدّ سياسة المصادرة، حيث وقع على هذا النداء آلاف المواطنين وجميع الهيئات الشعبية والمجالس المحلية الفلسطينية.

وعقدت لجنة الدفاع بعد ذلك عشرات الاجتماعات الشعبية في الجليل والمثلث، فكان أبرزها المؤتمر الشعبي العام الذي عقد في الناصرة المحتلة بتاريخ 18/10/1975، الذي عدّ أكبر مؤتمر شعبي يُعقد في فلسطين المحتلة بعد عام 1948 حتى ذلك الحين.

وفي هذا المؤتمر تقرّر إعلان الإضراب العام وتنظيم مظاهرات أمام كنيست العدو إذا لم تتراجع حكومة الاحتلال عن مخططات مصادرة الأراضي الفلسطينية وتهويدها. لكن سلطات الاحتلال تجاهلت ذلك وضربت بمطالب أبناء شعبنا الفلسطيني عرض الحائط.

استمرّ العدو المحتلّ في ممارسة أعمال التهويد، فصدر بتاريخ 13/02/1976 قرار بإغلاق منطقة المل (المنطقة رقم 9) ومنع أهلها من أبناء شعبنا الفلسطيني من الدخول إليها.

كما صدرت بتاريخ 1/3/1976 وثيقة متصرف لواء الشمال في ما يسمّى وزارة داخلية الاحتلال (وثيقة كيننغ) المتضمّنة مجموعة اقتراحات لاستكمال تهويد الجليل، حيث تضمّنت النقاط التالية:

1 ـ تكثيف الاستيطان اليهودي في شمال فلسطين المحتلة (منطقة الجليل).

2 ـ السعي لإنشاء حزب من أبناء شعبنا الفلسطيني يُعتبر «أخاً» لحزب العمل الإسرائيلي ويركز على المساواة والسلام.

3 ـ رفع التنسيق بين الجهات الحكومية الاحتلالية في معالجة مسائل أبناء شعبنا الفلسطيني.

4 ـ إيجاد إجماع «قومي يهودي» داخل أحزاب الاحتلال حول موضوع أبناء شعبنا الفلسطيني الصامدين داخل الأرض المحتلة.

5 ـ التضييق الاقتصادي على العائلات الفلسطينية عبر ملاحقتها بالضرائب وإعطاء الأولوية لليهود في فرص العمل، وكذلك تخفيض نسبة أبناء شعبنا الفلسطيني في التحصيل العلمي وتشجيع التوجهات المهنية لدى التلاميذ.

6 ـ تسهيل هجرة الشباب والطلاب من أبناء شعبنا الفلسطيني إلى خارج البلاد ومنع عودتهم إليها.

دعت لجنة الدفاع بالاشتراك مع لجنة رؤساء المجالس المحلية الفلسطينية إلى اجتماع موسّع عقد في الناصرة المحتلة بتاريخ 6/3/1976 وحضره أكثر من 70 مندوباً يمثلون مختلف القرى والتجمعات الفلسطينية في المثلث والجليل. وفي هذا الاجتماع اتخذ القرار التاريخي بإعلان الإضراب العام يوم 30 آذار عام 1976. لكن سلطات الاحتلال استمرت في تنفيذ مخططها التهويدي.

وبتاريخ 19/3/1976 أصدر وزير المالية في حكومة الاحتلال أمر مصادرة الأراضي الفلسطينية. وانكبّت حكومته على ممارسة شتى أنواع الترهيب بهدف ضرب وحدة أبناء شعبنا الفلسطيني ومنع نجاح الإضراب المقرّر.

وأشاعت حكومة الاحتلال أنه سيتمّ صرف كلّ العمال الذين يتغيّبون عن أعمالهم يوم 30 آذار 1976 من دون تسديد تعويضاتهم المستحقة. كما عمّمت على الدوائر بعدم إعطاء إجازات للعمال من أبناء شعبنا الفلسطيني في يوم الإضراب المحدّد.

كما عمدت حكومة الاحتلال إلى تعبئة قوات كبيرة من الشرطة وحرس الحدود والجيش، ومركزتها في القرى والمدن الفلسطينية.

لم تكتف حكومة الاحتلال بكلّ هذه التدابير الاستثنائية، بل بات وزير شرطتها في مدينة الناصرة المحتلة منذ تاريخ 29/03/1976 ليتابع شخصياً كلّ إجراءات القمع الاحتلالية، حتى وصف ذلك اليوم بأنه اليوم الذي لم يبق فيه جهاز في كيان الاحتلال إلا واشترك في محاولة إفشال الإضراب.

على الرغم من كلّ هذا الاستنفار العام لدى جميع أجهزة سلطات الاحتلال، قرّرت لجنة الدفاع عن الأراضي الفلسطينية والقوى الوطنية الأخرى الاستمرار في المواجهة وخوض صراع قاسٍ مع حكومة الاحتلال أقلّ ما يُقال فيه إنه صراع وجود بكلّ ما تحويه الكلمة من معنى.

وكما هو مقرّر، في يوم الثلاثين من آذار من العام 1976، عمّ الإضراب الشامل مدن وقرى الجليل والمثلث الفلسطينية. فصبّت سلطات الاحتلال جامّ غضبها على أبناء شعبنا الفلسطيني في محاولة بائسة منها لثنيه عن المضي في إضرابه. مما أدّى إلى اشتباكات مباشرة مع قوات الاحتلال كانت أشدّها ضراوة في قرى سخنين وعرابة ودير حنا.

ارتقى نتيجة الصدامات البطولية مع قوات الاحتلال ستة شهداء: ثلاثة من سخنين هم خديجة قاسم شواهة ورجا أبو ريا وخضر خلايلة، وخير ياسين (من عرابة) ومحسن طه (من كفركنا) ورأفت علي زهيري (من مخيم نور شمس في الضفة الغربية واستشهد في الطيبة). هذا فضلاً عن 49 جريحاً ونحو300 معتقل. فيما أصيب من شرطة الاحتلال 20 شرطياً.

لا يختلف إثنان على أنّ يوم الأرض شكل علامة فارقة في تاريخ الصراع الوجوديّ بين أبناء شعبنا في فلسطين المحتلة وقوات الاحتلال. فكانت هذه واحدة من المحطات الأبرز في تاريخ المقاومة الوطنية الفلسطينية المستندة إلى إرادة شعبية موحدة تمكنت من قيادة مواجهات بطولية ضدّ المحتل اليهودي على الرغم من انعدام الموارد واختلال موازين القوة المادية.

يوم الأرض، نجمة مضيئة في تاريخنا القومي المليء بوقفات البطولة، يستمدّ شعبنا الفلسطيني منها روحه المقاومة، فكان في العام 2018 شرارة الانطلاق لمسيرات العودة التي انطلقت من قطاع غزة المحاصر باتجاه أرضنا الفلسطينية المحتلة عام 1948. فأراد أهلنا المقاومون في غزة، ومن ضمنهم رفقاؤنا في منفذية جنوب فلسطين، أن يجعلوا من هذا التاريخ – الثلاثين من آذار – تاريخاً محفوراً في الذاكرة القومية أنه تاريخ حياة التي لا يمكن أن تكون إلا وقفة عز فقط.

*عضو المجلس الأعلى في الحزب السوري القومي الاجتماعي.

فتى آذار… الثائر الأول

ناصر قنديل

ليس في تاريخ الأحزاب التي نعرفها عبر التاريخ، مسيرة دراميّة مليئة بالأحداث الأسطوريّة، سواء لجهة طابعها الملحميّ، أو لجهة تزاحم أحداثها الكبيرة، ودرجة العبقريّة التي تخفيها شخصية بطلها الأول، ما يشبه ثنائية الزعيم أنطون سعاده والحزب السوري القومي الاجتماعي. فالحزب الذي تأسس عام 1932 ولد مؤسسه وواضع عقيدته ومنشئ تشكيله النظامي الأول في أول آذار عام 1904، أي أن الزعيم الذي وضع العقيدة بما فيها من معالجات نظرية معقدة وتحليلات تتداخل مع شتى العلوم، من الجغرافيا والتاريخ إلى النظريات السياسية الوضعية والعقائد المنتشرة، والاقتصاد وعلم الاجتماع وعلوم السياسة والاستراتيجيات وفنون وأصول الإدارة، كان في الثامنة والعشرين من العمر فقط، وخلال السنوات التي تلت التأسيس قبل استشهاد الزعيم، والتي تشكل بمجموعها سبع عشرة سنة، تحوّل الحزب وزعيمه قضية أولى على جداول أعمال أنظمة المنطقة وفي طليعتها الكيان الغاصب لفلسطين والاستعمار الفرنسي والبريطاني، بسبب التهديد الجدّي الذي مثله انتشار وتوسّع وتجذر بنائه التنظيمي وأدائه النضالي، حتى توافق الجميع على التخلص من سعاده وإعدامه الذي شكل بذاته ملحمة بطولة نادرة في حياة رجال الفكر والسياسة، جعلت الكثيرين يقارنون بين اعتقال وإعدام سعاده الثائر، واعتقال وإعدام الثائر الأمميّ أرنستوتشي غيفارا، وربما ترجح كفة سعاده لدى الكثيرين منهم.

خلال أكثر من ثمانية وثمانين عاماً عاصرت عقيدة سعاده وحزبه عقائد وأحزاب كثيرة أخرى، لكن الأحداث لم تمنح المصداقية لعقيدة بمثل ما منحتها لعقيدة سعاده، سواء لجهة ما يجمع بين الكيانات السوريّة، وحتمية فشل تقسيمات سايكس بيكو في إخفاء مصيرها الواحد ووحدة نسيجها الاجتماعي، أو لجهة الخطر المحدق الذي يمثله كيان الاحتلال الصهيونيّ لفلسطين على سائر كيانات الأمة، والحاجة لمواجهته بالسلاح المنظّم والمقاومة الرادعة، واستحالة الرهان على التسويات السياسية لاستعادة أيٍّ من حقوق الشعب الفلسطينيّ. فالصراع مع هذا الكيان هو صراع وجود لا صراع حدود، أو لجهة فشل الأنظمة المؤسسة على الصيغ الطائفيّة وحيوية الحاجة لتأكيد وحدة النسيج الاجتماعي عبر دولة مدنية علمانية، لا تتداخل فيها الهويات الاجتماعية المستحقة للاحترام على مستوى الاعتقاد الشخصي، مع الهوية الجامعة على مستوى الوطن والأمة، التي تبنى عليها الدولة.

فتى آذار لبناني المولد، عالمي المكانة العلميّة بين علماء السياسة والاجتماع، نهضويّ تغييريّ، مقاوم وثائر من طراز خاص، يمكن لكل لبناني مجرد عن عصبية أو حقد موروث أو تلاعب سياسي بالذاكرة، أن يفتخر بأنه إبن بلد، لكن على كل مَن يصف نفسه بالثائر اليوم من بين اللبنانيين، أن يتذكّر أن الثائر الأول الذي هزّ ركائز هذا النظام واستحق شهادته بامتياز، هو أنطون سعاده، الذي أخاف أركان النظام لأنه وضع يده على الجرح، وضغط فيه فأوجع حماة الطائفية وزبائن الأجنبي، ووكلاء منظومة النهب، فجعلوه هدفاً حتى أعدموه، فهل يعني هذا ما يجب أن يعنيه حول من يتسبّب بالوجع ويكون ثائراً بالمعنى العميق للكلمة، وبين مَن يكون لاعباً على القشرة يستمتع ويترف بالتلاعب به أهل النظام وينجحون باحتوائه وتقاسمه في ما بينهم، كما يتقاسمون المال والنفوذ وأدوات السيطرة، وهل يكون لذكرى سعاده فعلها في طرح الأسئلة الصحيحة لنيل الأجوبة الصحيحة، حول أصل الداء في لبنان، وفي ما حول لبنان، وبالتالي حول خطة عمل جريئة وجدّية من دونها يبقى كل جهد وتعب ووقت هباء، لأنه يلاعب القشرة ولا يصل إلى عمق الوجع.

المهم وربما الأهم في عقيدة سعاده، أنها أدركت جاذبية أفكارها الجريئة والجديدة والجامعة، فخشيت عليها من التحوّل إلى ترف الصالونات، فكان نصف العقيدة أو أكثر مركزاً على مكانة النظام والانتظام. فالحزب هو الذي يمنح العقيدة بعداً اجتماعياً، ومكانة فاعلة في حياة المجتمع، ويشقّ لها الطريق كمنبع لحلول جدية لمشكلات تعانيها الأمة ويرزح تحت وطأتها الشعب، ومن دون الحزب والنضال والتضحيات لا يعترف سعاده بمريدين ومؤيدين لعقيدته. فالقضية ليست قضية مَن يصفق ولا من يؤيد ولا من يعجب، بل من يجد في العقيدة وصفة خلاص شخصيّ وجماعيّ، ويتخذها نمط حياة وأسلوب عمل وإيماناً شخصياً يعيد تنظيم شخصيته وأولوياته ونمط حياته على أساسها، والبداية بالانتقال من الفرد كمحور للحياة، إلى الأمة كهوية وقضية يعرف ذاته من خلالها، ونواتها الحزب الذي يعيش شخصيتها ومبادئها وأخلاقياتها، ويجعلها هدفاً نضالياً يتحقق بالتضحيات.

في مسيرة مليئة بالتعرجات والإنجازات والخيبات، نجح القوميون في صيانة شعلة العقيدة واستمرار وملاءمة الحزب مع المتغيرات الكثيرة، لكنها المتغيرات التي أكدت صواب العقيدة وحاجة الحزب للارتقاء بنضاله إلى ما تستحقّ، ولم يغب الحزب عن استحقاقات الأمة التي تشهد عليها دماء الشهداء من مقاومة الاحتلال إلى مواجهة خطر الإرهاب التكفيري والتفتيتي، وإسقاط مشاريع التقسيم، ويبقى الحزب السوري القومي الاجتماعي، كلما نظرنا حولنا إلى الحاجة لحزب عابر للطوائف مترفّع عن الطائفية بصدق، وكلما نظرنا إلى ما حولنا من حاجة للتكامل بين كيانات لبنان وسورية والعراق والأردن وما حولها، وكلما نظرنا إلى فلسطين ودرجة وضوح الصورة لجهة سقوط التسويات وأوهامها وتظهير درجة العدوانيّة الدمويّة وآلامها، الحزب الذي يمتلك الأجوبة الحاضرة على الأسئلة الملحّة، بسهولة ما كتبه سعاده قبل ثمانية وثمانين عاماً وأكثر.

أخيراً وُلِدت الحكومة… ولكنْ

ناصر قنديل

ربما تكون أقصر مدة لولادة حكومة سجلتها حكومة الرئيس حسان دياب، وقد اكتملت قبل نهاية المهلة التي حدّدها بسقف ستة أسابيع، بحيث لا تزال متبقية منها عشرة أيام. وهي بالتأكيد من الحكومات المصغّرة التي لم يتشكل منها إلا القليل منذ اتفاق الطائف، واللبنانيون جميعاً كمواطنين ومعهم كل مَنْ يعنيهم أكثر من مجرد الحصص، هو أن تكون لنا حكومة أولاً، خصوصاً بعدما ظهر الفراغ ومخاطره، وبدأت الفوضى تدقّ الباب، والأزمات المعيشية والمالية ومخاطرها تتفاقم إلى حد يصعب توقع التعامل معه، وليس تخطّيه، من دون حكومة، أي حكومة.

الأيام الأخيرة التي سبقت الولادة القيصريّة للحكومة العتيدة، تركت ندوباً على المولود الحكومي، وعبره على الحياة السياسية في البلد. وهذه الحياة السياسية هي المناخ الذي سيوفر الفرص لمعالجات مطلوبة بصورة عاجلة للمشاكل الاقتصادية والمالية والمخاطر الاجتماعية، في ظل وضع أمني يستدعي التعامل الهادئ والمدرك للمخاطر، ووضع إقليميّ ضاغط باستقطاباته وتحدّياته وتسارع تطوّراته، ولبنان بسبب ثروات الغاز والنفط من جهة، ومأزق الأمن الإسرائيلي من جهة مقابلة، والاستهداف الأميركي للمقاومة بسببهما، والعقوبات الظالمة التي فرضها على لبنان وموارد مغتربيه، في قلب الزلزال الإقليميّ وعلى فوالقه الخطرة.

كانت تكفي الحكومة تحدياتُها الخارجية، والأزمات الاقتصادية والمالية، ووجود كتل سياسية كبرى تستعد لمعارضتها، ورمي ثقلها في الشارع وفي الخارج لإفشالها، واستنزافها بمواجهات سياسية وشعبية، وقادة أحزاب وتيارات سيجهدون لوضعها على خطوط تماس متفجّرة طائفياً ومالياً، واستعمال كل الوسائل المتاحة بما فيها علاقاتهم الخارجية لمنعها من الحصول على التمويل اللازم فوراً، واستعمال ما تيسّر من مشاعر الغضب الشعبي التي فجّرت حراك 17 تشرين الأول، وما تولّد من تعامل المصارف مع المودعين بودائعهم، وما يترتّب على حالات الصرف من العمل وإفلاس الشركات، وفوقها الطعن بالميثاقية الطائفية لتسمية رئيس الحكومة وعدد كبير من الوزراء. كل ذلك العداء كان كافياً، كي يجهد المعنيون بتأليف الحكومة لتفادي أي شقوق تصيب صف الغالبية النيابية التي وقفت وراء تسمية الرئيس المكلف، والتي ستكون معنيّة بتوفير الثقة النيابية المحفوفة بالمخاطر، وكي تتصرّف الكتل الكبرى التي تملك القدرة على تقديم تنازلات من صيغ تمثيلها المفترضة، لتخاطب بلغة التحالف والتشارك الأحزاب والكتل النيابية التي تشكل ضرورة لاكتمال الغالبية، وتعوّض بعضاً من بصمات وميراث التجاهل والتفرّد، وتصحح مساراً من تاريخ تراكمي عنوانه اعتبار أن الحلفاء ملزمون بتلبية الطلب لمنح الثقة، وأنهم ملزمون بقبول ما يُعرَض عليهم، وهو عموماً لا شيء، لكن هذا الممكن تمّ تجاهله، رغم جهود بذلها رئيس مجلس النواب نبيه بري وساندها حزب الله.

كان القوميّون معنيّين بتفحّص هذه الجهود، كما هم معنيّون بدعم ولادة حكومة مناسبة وسريعاً، بل أسرع مما حدث، ولذلك لم يقوموا بتسمية مَن يمثلهم واكتفوا بدعم ترشيح نقيبة المحامين السابقة أمل حداد التي قام الرئيس المكلف بتسميتها، وفوجئوا بدون أن يقدّم لهم أيّ تفسير بالمطلق قبل أن يكون التفسير منطقياً أو مقنعاً، بسحب الاسم من التشكيلة، كما فوجئوا بعروض تقدَّم لهم بتبني ترشيحات سواهم الأخرى وارتضائها، بعدما صارت التسميات واضحة من القوى السياسية والأحزاب والكتل النيابية، وبالرغم من تدخلات إنقاذيّة قادها الرئيس بري وحزب الله، حرصاً على وحدة صف الحلفاء، وحماية لتاريخ من الشراكات المعمّدة بالدم مع القوميين، لم تفلح محاولات نفي قناعة القوميين أن المطلوب عدم مشاركتهم بتمثيل مسيحي. وهكذا فهموا حصر حقّهم بالتمثيل بمقعد درزيّ مضاف، رغم أنهم دائماً لا يرون أنهم يمثلون طائفة، ويملكون حضوراً يفتخرون به بين أبناء الطائفة الدرزية والكفاءات فيها، فقرّروا البقاء خارج الحكومة تثبيتاً لرفض تكريس مبدأ المرجعية الطائفية التي تملك حق الفيتو، وتثبيتاً لكون كتلتهم النيابية المكوّنة من ثلاثة نواب هي من الساحة التي يُطلَب منهم تقبّل إبعادهم عن التمثيل الوزراي فيها، وتأكيداً لكون القوميين لا يقبلون أن يصدر عنهم ما يساعد في استنتاج البعض أن بالمستطاع تطويعهم للتأقلم مع هذا الفيتو، ودائماً للتذكير بأن أهم رسائل الصرخة الجامعة للبنانيين كانت وستبقى بالدعوة للخروج من دولة الطائفيّات إلى الدولة المدنيّة.

هذه الولادة القيصريّة للحكومة، من دون القوميين، ستصيب إقلاعها بنقطة ضعف سيكون عليها إثبات أهليّتها لتجاوزها. والقوميون لا يخرّبون ولا يناكفون، بل يراقبون من موقع تمثيلهم لتيار واسع في الرأي العام ومن موقع حرصهم على مصلحة البلد وصدقيّة وأهليّة الحكومة للتصدّي للمشكلات الحقيقية، خصوصاً أن الحكومة تولد ببصمة تعاكس المناخ الذي فرضه الشارع تحت عنوان السعي للخروج من الطائفيّة وأمراضها، والمعيار كان وسيبقى في قدرة هذه الحكومة على التقدّم بمشروع قانون انتخاب خارج القيد الطائفيّ تلتزم به في نص بيانها الوزاري، قبل أن تتوجّه لطلب الثقة، ثقة النواب وثقة الحراك، وثقة الشعب، واسترداد ثقة الجماعات المؤمنة بالدولة المدنية، والتي ترسم اليوم علامات سؤال حول مدى قدرة حكومة تولد في ظل حسابات وموازين طائفية طاغية على تمثيل جسر عبور نحو تخطّي الطائفية. وسيكون في هذا الامتحان الجواب على السؤال حول الدرس الذي أراده القوميّون من عدم المشاركة، وهو التذكير بأن الحسابات الطائفيّة والعصبيّات الطائفيّة لن تجلب للبلد إلا المزيد من الخراب.

فيديوات متعلقة

بدبلوماسية مع النائب السابق ناصر قنديل والخبير المالي وليد ابو سليمان والناشطة السياسية ريم حيدر
ضروري نحكي مع الصحافي والمحلل السياسي غسان جواد

مقالات متعلقة

يخطئ من يظنّ أنّ رفض التوطين يعني حرمان الفلسطينيين من حقوقهم المدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية

أغسطس 23, 2019

حريدة البناء

نظمت عمدة التربية والشباب في الحزب السوري القومي الاجتماعي وتجمع المنظمات الشبابية الفلسطينية شبابنا اعتصاماً أمام وزارة العمل، تزامناً مع انعقاد جلسة مجلس الوزراء اللبناني، وذلك احتجاجاً على إجراءات التضييق على شعبنا الفلسطيني ودعماً لحقوقه المشروعة الإنسانية والاجتماعية، وتأكيداً على رفض صفقة القرن والتمسك بحق العودة ورفض مؤامرات التوطين والتشريد.

شارك في الاعتصام من الحزب السوري القومي الاجتماعي عضو المجلس الأعلى سماح مهدي، وكيل عميد التربية والشباب إيهاب المقداد، منفذ عام منفذية المتن الجنوبي محمد عماشة وأعضاء هيئة المنفذية ومدراء مديريات الرويس والشياح وبرج البراجنة وحي السلم وصحراء الشويفات والغبيري وحشد من القوميين.

كما شارك ممثلون عن المكاتب التربوية والشبابية للمنظمات الفلسطينية ومسؤولو تجمع «شبابنا» وحشد من القوميين والمواطنين وأبناء المخيمات.

المقداد

وألقى وكيل عميد التربية والشباب في الحزب السوري القومي الإجتماعي إيهاب المقداد كلمة في الاعتصام جاء فيها:

منذ نكبة فلسطين التي مرّ عليها واحد وسبعون عاماً، وحتى اليوم، لا يزال ابن شعبنا الفلسطيني المقيم في لبنان محروماً من أبسط حقوقه الحياتية، وتزداد هذه الصعوبات تعقيداً تلو تعقيد وصولاً إلى القرار الأخير لوزير العمل في الحكومة اللبنانية .

جميعنا يعلم تعقيدات النظام اللبناني الطائفي المذهبي، لكننا ما تصوّرنا يوماً أن ينجرّ هذا النظام من جراء قرار صادر عن وزير في الحكومة اللبنانية إلى صفة العنصري، خاصة تجاه أبناء شعبنا الفلسطيني في لبنان .

ألا يكفينا ذلك الحصار المفروض على الفلسطيني بمنعه من تملك حتى مسكن واحد يأوي فيه عائلته، فيما يسمح لكلّ حملة باقي الجنسيات المعترف بها من الدولة بالتملك، حتى جاء القرار الأخير لوزير العمل اللبناني ليزيد من حرمان الفلسطيني من حقوقه المدنية والاجتماعية والاقتصادية .

جاء القرار المذكور ليشكل عنصراً أساسياً في خدمة الإدارة الأميركية لجهة تحقيق غايتها بتصفية المسألة الفلسطينية والإطباق على حق العودة تحت عنوان ما يسمّى «بصفقة القرن».

ما يثير الاستغراب أكثر، أنّ وزير العمل اللبناني يعلل قراره وما رافقه من إجراءات بتطبيق القانون، ولكنه حرف النظر عن أنّ هناك سبعين مهنة محظور على الفلسطيني ممارستها، وبالتالي كيف يمكنه الحصول على إجازة عمل لممارسة مهن ممنوعة؟

وسأل: لماذا يتغاضى وزير العمل اللبناني عن أنّ القانون الذي أقرّه مجلس النواب اللبناني في العام 2010 يحتاج إلى مراسيم تطبيقية في مجلس الوزراء. وهذه المراسيم ستعالج بعضاً من حقوق الفلسطينيين لجهة العمل والضمان الصحي.

ما هو السبب الذي جعل وزير العمل اللبناني يتجاوز لجنة الحوار الفلسطيني – اللبناني التي كانت على وشك إصدار رؤية تحاكي الوضع الخاص للعامل الفلسطيني؟ خاصة أنّ هذه اللجنة تتبع لمجلس الوزراء، وهي في انعقاد دائم ولديها توصيات ستسهم في الخروج من هذه الأزمة .

لقد أظهرت دراسة قامت بها الجامعة الأميركية في بيروت، بالتعاون مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا شملت 32 مخيماً وتجمعاً فلسطينياً، أنّ ما بين 260 ألفاً إلى 280 ألف فلسطيني ما زالوا يقيمون في لبنان من بين عدد اللاجئين الإجمالي المسجل لدى «أونروا»، وهو 425 ألف لاجئ، تقطن نسبة 62 منهم في المخيمات، فيما يعاني ثلثا اللاجئين الفلسطينيين من الفقر، وتعاني نسبة 7,9 منهم من الفقر المدقع.

وتقدّر قوة العمل الفلسطينية بحوالي 75 ألف عامل يتركزون في مجالات العمل الصعبة والشاقة كالزراعة والبناء والأفران ومحطات الوقود. وهذا يعني أنّ المهن التي يشغلها الفلسطينيون تعتبر مكملة لتلك التي يمتهنها اللبنانيون، ما يدلّ بوضوح أنّ اللاجئ الفلسطيني لا يشكل أيّ خطر على فرص العمل للبنانيين .

وإذا استطاع العامل الفلسطيني الحصول على عمل، فإنه يصطدم بمزاجية أرباب العمل لناحية حرمانه من حقه في الضمان الاجتماعي والصحي والتعويض والأجر، ويبقى معرّضاً للصرف التعسّفي في أية لحظة بدون أيّ غطاء قانوني.

أما حملة الشهادات العلمية فمشكلتهم لا تختلف كثيراً عن كلّ ما سبق، فالمهندس الفلسطيني يقوم بكلّ أعباء المهندس لجهة الإشراف والمتابعة والتنفيذ، لكن الصيغة النهائية تكون بإسم مهندس لبناني، وعقد العمل لا ينص على اعتبار المهندس الفلسطيني مهندساً بل عاملاً عادياً.

ومن الملاحظ أنّ الدولة اللبنانية لا تمانع أن يقوم الأطباء الفلسطينيون بتقديم امتحان الكولوكيوم، لكن من يستطيع النجاح في هذا الامتحان من الأطباء الفلسطينيين لا يمكنه العمل سوى في مؤسسات الأونروا ومستشفيات الهلال الأحمر الفلسطيني .

فضلاً عن ذلك، فإنّ التقارير الطبية الصادرة عن أطباء فلسطينيين لا يعترف بها من قبل الدولة اللبنانية ما لم تكن مغطاة بتوقيع طبيب لبناني.

وعلى الرغم من قساوة ذلك الوضع، فقد بيّنت الدراسات أنّ اللاجئين الفلسطينيين ينفقون حوالي 340 مليون دولار سنوياً، وهذه مساهمة كبيرة في الاقتصاد اللبناني، وخصوصاً في المناطق النائية، حيث تتركز التجمعات والمخيمات الفلسطينية .

هذا فضلا عن مساهمات «الأونروا» وما تنفقه المؤسسات الفلسطينية والفصائل والتحويلات المالية من الجاليات الفلسطينية في الخارج التي تبلغ حوالي 62 مليون دولار شهرياً.

إلى أولئك الذين ظنوا أنهم نجحوا في تقديم صورة اللاجئ الفلسطيني على أنه الطامع الجشع الذي يريد انتزاع لقمة العيش من اللبناني، نذكرهم بأنّ اللاجئ الفلسطيني له إسهامات كبيرة في الاقتصاد اللبناني نذكر منها تأسيسه للعديد من المصارف الأساسية، ومساهماتهم في خلق فرص عمل، وفي توسيع الاقتصاد اللبناني .

يخطئ من يظنّ أنّ رفض التوطين يعني حرمان الفلسطينيين من حقوقهم المدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فلبنان أكد في مقدمة دستوره على احترامه للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يكفل حق العمل والحياة الكريمة، إلا أنّ واقع الحال يشير إلى خلاف ذلك.

إننا نجتمع اليوم، أمام وزارة العمل لنؤكد على إدانتنا لقرار وزير العمل اللبناني، مطالبين إياه بضرورة التراجع عن هذا القرار لما فيه من خدمة جليلة لصفقة القرن الهادفة إلى حماية كيان الاغتصاب اليهودي المسمّى «إسرائيل»، ولمناقضة القرار المذكور للإعلان العالمي لحقوق الانسان.

كما نطالب مجلس النواب اللبناني بتعديل المادة 59 من القانون رقم 129 الصادر عام 2010 بحيث يستثنى الأجراء الفلسطينيون اللاجئون المسجلون وفقاً للأصول في سجلات وزارة الداخلية والبلديات – مديرية الشؤون السياسية واللاجئين – من شروط المعاملة بالمثل ومن شرط الحصول على إجازة عمل .

إنّ زيادة الضغط على شعبنا الفلسطيني يهدف إلى تهجيره إلى الخارج، ويتزامن هذا مع تسهيل من السفارات الأجنبية بإعطاء الفلسطينين تأشيرات سفر وهجرة وهو مخطط لمنعهم من حق العودة إلى وطنهم «فلسطين» خدمة للعدو اليهودي.

ونحن في الحزب السوري القومي الإجتماعي ندين ونستنكر هذا الأداء المشبوه من بعض من في السلطة وخارجها.

وختم المقداد مؤكداً أنّ فلسطين ستبقى بوصلة اتجاهنا.

يونس

بعدها تحدث علي يونس باسم تجمع «شبابنا» فقال:

في ظلّ التطورات التي تشهدها المنطقة والتطورات التي تجلت على مستوى صفقة القرن، تمرّ القضية الفلسطينية في مرحلة في غاية الدقة والخطورة، إذ يتعاظم فيها حجم التحديات والمخاطر فبالأمس القريب بدأو بالقدس وأعلنوها عاصمة لكيان الاحتلال، واليوم يريدون أن ينهوا قضية اللاجئين وحق العودة عبر التضييق على اللاجئين الفلسطينين لإجبارهم على الهجرة، فحركت أميركا أدواتها واستخدمت نفوذها للضغط على الفلسطينين في دول اللجوء، وتزامنت قرارات وزير العمل مع هذا الحراك الهادف الى شطب القضية الفلسطينية.

لذلك جئنا اليوم وبعد مرور أكثر من شهر على الحراك اللبناني الفلسطيني الرافض لهذه الإجراءات لنجدّد رفضنا لأيّ قرار أو إجراء يصبّ في خدمة مشروع التوطين أو التهجير وعلى رأسها صفقة القرن وكلّ ما يندرج تحتها من عناوين وتفاصيل ونشدّد على مواقفنا بضرورة إلغاء ايّ إجراء يضرّ باللاجئين الفلسطينيين ويفيد حقوقهم الإنسانية والاجتماعية.

ولنوجه رسالة الى الحكومة اللبنانية المجتمعة الآن لتتحمّل مسؤولياتها وتنفذ وعودها بتجميد هذا القرار بإعلان صريح عن وقف الإجراءات الأخيرة بحق اللاجئين الفلسطينيين، ونذكر دولة الرئيس نبيه بري ودولة الرئيس سعد الحريري بكلامهم خلال جلسة مجلس النواب بأنّ الأمر قد انتهى.

أما الرسالة الثالثة فهي لوزير العمل الذي قال إنّ الاحتجاجات بدأت تتبدّد جئنا لنقول له بأننا مستمرون وان الاحتجاجات ستتمدّد وتتوسع حتى إسقاط هذا القرار أو السماح لنا بنصب خيام على حدود بلادنا بانتظار عودتنا إلى فلسطين.

ونقول له ألم تسمع شبابنا وهم يهتفون «لا تهجير ولا توطين بدنا العودة عفلسطين».

ولعلك كنت خارج البلاد سنة 2011 عندما خرجت المخيمات الفلسطينية بشبابها ونسائها ورجالها بالآلاف الى حدود الوطن في مارون الراس حيث سطر شبابنا أروع مشاهد البطولة والتمسك بالأرض وروى عشرة شهداء تراب بلدة مارون الراس الحدودية بدمائهم. فشعبنا الفلسطيني لا يستجدي الكرامة من أحد، الشعب الفلسطيني انتزع كرامته من خلال دماء الشهداء.

الرسالة الرابعة نوجّهها الى القوى والأحزاب اللبنانية الصديقة حيث نتوجه بالتحية لكم على الوقوف إلى جانبنا عبر مواقفكم، وندعوكم الى ترجمة هذه المواقف الداعمة للحق الفلسطيني عبر منحنا الحقوق الإنسانية والاجتماعية وأهمّها حق العمل والتملك.

خامساً: نوجه الدعوة للجنة الحوار اللبناني الفلسطيني برئاسة الوزير حسن منيمنة لاستكمال جلسات الحوار، ومراعاة الملاحظات الفلسطينية على الوثيقة الصادرة عن اللجنة، لتقديم وثيقة نهائية تعبّر عن الرؤية اللبنانية الفلسطينية المشتركة لإقرار كافة الحقوق التي تضمن للفلسطيني العيش بكرامة لحين العودة.

سادساً: ندعو مجلس النواب اللبناني لاتخاذ خطوة جريئة وإصدار قوانين تنصف اللاجئ الفلسطيني في لبنان وتعينه على الصمود إلى حين العودة.

ختاماً نؤكد أننا ماضون ومستمرون في تحركاتنا حتى ننال حقوقنا ونصون كرامتنا وأننا لم نأت إلى هذا البلد مختارين أو سائحين ولا باحثين عن عمل.. ولكننا جئنا لاجئين وبقينا متمسكين بحقّ لم ولن نفرط فيه هو حق العودة إلى فلسطين.

وختم: مستمرون معاً حتى إزالة الظلم ونيل الحقوق.

مهدي

وعلى هامش الاعتصام صرّح عضو المجلس الأعلى في الحزب السوري القومي الاجتماعي سماح مهدي لعدد من وسائل الإعلام فأكد أنّ هذا الاعتصام هو واحد من سلسلة نشاطات يقوم بها الحزب القومي في سبيل تثبيت حق أبناء شعبنا الفلسطيني المقيمين في لبنان بالعمل دونما حاجة إلى الاستحصال على إجازة عمل، خاصة أنّ القانون يحظر عليهم تعاطي 70 مهنة حصرها بالمواطنين اللبنانيين.

كما أكد مهدي على أنّ فرض إجازة العمل على اللاجئ الفلسطيني يسقط عنه صفة اللجوء ويسهم في خسارته لحق العودة إلى أرضه وقريته ومنزله في فلسطين .

ورأى مهدي أنّ قرار وزير العمل في الحكومة اللبنانية بفرض إجازة العمل على اللاجئ الفلسطيني يعدّ خطوة تخدم صفقة القرن التي تهدف إلى إسقاط حق العودة حماية لكيان العدو «الإسرائيلي».

وطالب مهدي وزير العمل بالتراجع عن قراره، كما طالب مجلس النواب بتعديل نص المادة 59 من القانون رقم 129 الصادر عام 2010 بحيث يعفى اللاجئ الفلسطيني من موجب الاستحصال على إجازة عمل.

“Greater Lebanon”: where to?

August 19, 2019

by Ghassan Kadi for The Saker Blog

Abou Omar, a close friend of mine, is one whom I have so much in common. Not only he was my boss many moons ago, but we were both brought up in political families that endorsed and advocated the unity and integrity of Syria.

When I caught up with him recently after many years, I was not surprised that our thoughts had many congruencies, and the discussion we had has given me the inspiration to write this article.

One does not have to be a member of the Social Syrian National Party (SSNP) to realize that Syria and Lebanon have been the same country up till nearly a century ago when French General Gouraud redrew the map of what was then called “Petit Liban” (ie Small Lebanon) and annexed to it other territories and gave the “Grand Liban” (Greater Lebanon) tag to the new entity.

One of my first articles on The Saker, if not the first, was titled “The Capitulation of Grand Liban” https://thesaker.is/the-capitulation-of-grand-liban/. It outlines briefly the history of Lebanon in the 100 years or so.

For the benefit of those who do not wish to read the whole article above, I reiterate that the term “Small Lebanon” was used to describe a predominantly Christian Maronite and Druze entity. This state was the love child of an uneasy concession of the ailing Ottoman Empire to European powers (Britain, France, Italy, Austria and Russia) to give Mount Lebanon a reprieve after decades of sectarian strife between the Maronites and the Druze. The Maronites, being Catholic, were France’s favourites, whilst the Druze were Britain’s.

In rebranding Lebanon, as it were, and for whichever reason, Gouraud decided to include a Muslim component to the Lebanese demography. To this effect, the predominantly Sunni coastal cities of Beirut, Tripoli, Saida plus other Sunni provinces in the North, together with some Shiite provinces in the South and the Beqaa Valley were included in the new Mosaic that gave, according to the 1932 census, a marginal Maronite majority and hence stipulated, perhaps as planned, that the President of Lebanon will have to be a Maronite Christian. http://countrystudies.us/lebanon/34.htm

The 1932 infamous census was used as the defining foundation of “fairness” upon which all positions in all tiers of government were established. So unlike other states that provide merit-based employment, not only the President of Lebanon had to be a Catholic Maronite, but the PM had to be a Sunni Muslim, the Speaker of the House a Shiite Muslim, his deputy a Christian Orthodox and so forth. Each electorate was represented on sectarian grounds by candidates of same religion and sect, and even unqualified positions had to be based on “sectarian equality”. A government office could not even hire a janitor even if it needed only one, it must hire two; a Christian and a Muslim.

It wasn’t till the 1989 Taif agreement that followed the sectarian Civil War that the 1932-based model was revisited. But after a decade and a half of blood bath, one would think that the failed sectarian model was dumped altogether, but it wasn’t. It was only amended to give Muslims equal number of Parliamentarians as against the former 11-9 split.

But that sectarian “compromise”, which in itself was a reason for conflict, was not the only problem Lebanon had and has. In the 1920’s, the “new” Sunni Lebanese did not want to belong to what they considered a Western puppet state, and they took to the streets chanting “We demand Syrian unity, Christians and Muslims”. A few decades later when Egyptian President Nasser rose to prominence, the children of the first generation of new Lebanese took to the streets with a slightly amended version of the slogan demanding Arab unity for Christians and Muslims.

The Right-wing Lebanese Christians therefore felt Lebanese Muslims are fifth columnists who are not loyal to Lebanon, and as the rift grew and the Lebanese Left supported the PLO in its struggle, the Christian Right formed well trained and equipped militia, and the 1975-1989 Civil War was an inevitable outcome.

When the Syrian Army entered Lebanon in 1976 upon the request of the Lebanese Government, Syria had a golden opportunity to mend the growing rift between Lebanon and Syria, a rift that was fanned by pre-Civil War economic and development successes of Westernized Lebanon as opposed to an impoverished socialist Syria. But by then, Syria was on the road towards recovery under a huge nation-building scheme that was put in place by President Hafez Assad, the father of the current President and the founder of the Assad legacy.

Ironically, even after four and a half decades of the Lebanese slump and Syrian rise (despite the war), some Lebanese still live in the past and feel and act superior to their Syrian cousins. I say cousins not only metaphorically, but also because there is hardly a family in Lebanon that doesn’t have family in Syria.

But during the 29 year long presence of Syrian troops in Lebanon, Syria did not manage to win the hearts and minds of the average apprehensive Lebanese. Among many other acts of corruption, Abou Omar’s (my friend) car was stolen by a corrupt Syrian Army officer. Acts of such nature did not sway those who understood the basics of the anti-Syrian politics. Abou Omar was a victim of corrupt Syrian Army thugs, but his loyalty to Syria remained unwavering.

Ironically, eventually a substantial section of Lebanese Sunnis became aggressively Lebanese in their outlook. It is possible that the current anti Hezbollah passion has united some Sunnis and Christians against a “common enemy”. But perhaps by the time they developed this sentiment, it was already too late for Great Lebanon to rise from the ashes.

And whilst the Lebanese economy is going down the gurgler, corruption is having a huge surge and the state is now virtually bankrupt with very heavy debt and no solution in sight. Corruption has reached epic proportions that recently, a Lebanese Member of Parliament has publically said in the House that the public knows that politicians are lying to the public about the debt, and the politicians know that the public knows that the politicians are lying. https://www.facebook.com/1234196636614228/posts/2624089564291588?s=549881917&v=e&sfns=mo (Facebook link).

During the Civil War, the specter of Lebanese partition was always on the cards and high on some agendas. Back then, the scenario for such a partition was that Israel would take South Lebanon and control the Litani River water, a Maronite “canton” akin to the former Small Lebanon would be created, and the North and the Beqaa would go back to Syria.

Such a partition scenario is no longer feasible, mainly because there is a new force on the ground; Hezbollah.

With Hezbollah on the ground, Israel will never be able to secure any territorial gains in Lebanon. Furthermore, the Maronite politicians ie members of the so-called “The Maronite Political Entity” are now split between a traditional Right and pro-Hezbollah faction. The incumbent President Aoun belongs to the latter group, but his tenure has thus far been plagued by bigtime corruption and squandering of resources.

Aoun’s ascendance to the presidency was not an easy birth. It was fraught with hard labour and many political settlements; the most important of which was the reconciliation of Maronite leaders. Another friend of mine, a former ambassador, a Sunni, told me back then that he felt that the Maronite-Maronite reconciliation puts Lebanon finally in good hands. This is because the Maronites are meant to be the custodians of Lebanon, the integrity of its statehood and independence, and that they would rebuild the state and its economy. But the Aoun presidency has failed abysmally and poured oil onto fire with its rampant corruption. Aoun, who is in his eighties, has given the actual reigns to his son-in-law Gibran Bassil, and Bassil is one hell of a corrupt crook with an insatiable fetish for dirty money.

General Gouraud announced the birth Greater Lebanon 99 years ago, and specifically on on the 1st of September 1920 https://en.wikipedia.org/wiki/Greater_Lebanon. Will this state survive another century? It is simply cannot, because it is heading towards a cliff edge, and heading there fast.

So where does Greater Lebanon go from here?

With partition no longer on the agenda and Israel kept at arm’s length, Lebanon can only eventually merge back with Syria; but currently this is not possible given that the “War on Syria” has not yet ended.

Sooner or later, one way or the other, willingly or unwillingly, fully or partially, and I dare say for better or for worse, the Lebanese will see themselves back in the bosom of Syria. This however will be faced by resistance; not necessarily armed resistance, but one cannot zero out violence. Ironically this time, the biggest opponents may prove to be the anti-Syria Sunnis in the major coastal cities of Beirut, Tripoli and Saida. The Right wing Lebanese Christian groups will also oppose any such merger, but the much wiser Lebanese Christians understand that Syria has proven to be the actual defender and custodian of Levantine Christianity when the West stood by and watched young Christian Syrian girls sold as sex slaves.

The success or failure of the future “Take 2” version of the Syrian Army entering Lebanon will also depend on to what extent victorious Syria will be able to curb corruption within Syria first. A repeat of the 1976-2005 experience of Syrian Army presence in Lebanon will ultimately lead to another unsavoury outcome.

Syria has to win her moral war like she won her military war; and I have been emphasizing the need to do so in many previous articles, because unlike most other wars, this war has been a war of morality against immorality. Morality and corruption do not mix, and fighting corruption should now be high on President Assad’s agenda.

But above all, Syria is the key for the future of the region. She is the key for the regional geopolitical make-up, the key for Lebanon, the key for justice for Palestinians, the key for Palestine, the key for any matter pertaining to the Levant, because Syria is The Levant.

14 آب ليس يوماً مضى بل صيرورة مستمرة… والمطلوب؟

أغسطس 14, 2019

ناصر قنديل

– في الرابع عشر من آب 2006 تحقق عظيم الإنجاز بما يقارب الإعجاز في نصر تاريخي هزم أعتى قوة يعتمد عليها الغرب في فرض سياساته على الشرق، وبزغ فجر حركات المقاومة لتعيد كتابة التاريخ وترسم حدود الجغرافيا باسم الشعوب التي غيّبت طويلاً عن قضاياها المركزية، حيث ترجمت المقاومة التي احتفلت بانتصارها كل شعوب المنطقة إرادة هذه الشعوب في تعبير نوعي عن مفهوم الديمقراطية والإرادة الشعبية. بالتوازي سقطت أحلام وتهاوت أبراج من الأوهام، حيث كل ما سيهدد به الغرب لاحقاً هو ما سبق وما فعله سابقاً، وكانت حرب تموز البديل الذي راهن عليه لاستعادة ماء وجهه بعد حربين فاشلتين في أفغانستان والعراق، لتشكيل شرقه الأوسط الجديد كما بات ما لا يحتاج دليلاً ولا برهاناً، وأصيبت «إسرائيل» في روحها، حيث لن تنفعها بعد ذلك لا قبب حديدية وفولاذية ولا خطط ترميم لقوة الردع ولا استعادة العافية لجبهة داخلية أصيبت بمرض عضال لا شفاء منه، وخرج الشعب في مسيراته المهيبة فجر الرابع عشر من آب يكلل النصر بالمزيد من التضحيات حاضناً مقاومته وفارضاً تفسيره للقرار الأممي 1701، وخرج الجيش اللبناني المتوّج بالثلاثية الذهبية مع شعب ومقاومة لا ينازعانه الحضور العلني لعروض القوة، كأقوى جيوش المنطقة بهذين الرديفين، لا تعوزه المساعدات ولا الرعاية الأميركية الهادفة لتجريده من أقوى ما عنده، وهو الثلاثية المقدسة التي أكدها النصر.

– الصيرورة المستمرة لمعادلات 14 آب ظهرت مع تعميم نموذج المقاومة من لبنان وفلسطين إلى العراق واليمن، وظهرت في النموذج السوري لمقاومة الغزوة الدولية الكبرى، وفي صمود إيران، وفي نهوض روسيا لدورها كدولة عظمى، وفي استفاقة التنين الصيني للمنازلة في ساحات الاقتصاد تمهيداً لمنازلات مقبلة في سواها. وفي هذه الصيرورة تأكدت معادلات نصر آب، وترسخت وتعملقت، وخلال الأعوام التي مضت حاول الأميركي والإسرائيلي وما بينهما من حكام الخليج والغرب، وبعض الداخل اللبناني والعربي والإسلامي تعويض نواقص الحرب ومعالجة أسباب الهزيمة، فكانت كل حرب لإضعاف المقاومة تزيدها قوة.

– قرأ المعنيون بالهزيمة على تنوّع مشاربهم وهوياتهم أن نصر آب هو نتيجة الطبيعة الخارجية للحرب، وأن تفوق المقاومة على جيش الاحتلال تقنياً جاء بفعل أسلحة لا قيمة لها في مواجهات داخلية، فكانت تجربة الفتنة الداخلية، من محاولة كسر الاعتصام الذي دعت إليه المقاومة وحلفاؤها في مطلع العام 2007، وصولاً لقرار تفكيك شبكة اتصالات المقاومة، تمهيداً لتوريطها في فخ التصادم مع الجيش وتفتيت الشعب إلى قبائل متحاربة، فكانت عملية 7 أيار، التي يقدمها البعض دليلاً على استخدام المقاومة لسلاحها نحو الداخل اللبناني، تأكيداً لمعادلة العجز الشامل عن كسر مصادر قوة المقاومة. ومثلها جاءت الحرب على سورية وما رافقها من استقدام كل منتجات الفكر الوهابي أملاً بتعويض عجز جيش الاحتلال عن بذل الدماء باستحضار من لا يقيم لها حساباً، فجاءت نتائج الحرب تقول إن مصادر قوة المقاومة لم تمسها لا محاولات الفتن الداخلية، ولا المواجهة مع تشكيلات الإرهاب التكفيري.

– اليوم ومع تسيّد معادلات المقاومة على مساحة المنطقة من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب ومضيق جبل طارق، ومضيق البوسفور، وما بينها من بحار ويابسة، تبقى المعضلة في قدرة مشروع المقاومة على بلورة نموذج للحكم يُحاكي نجاحاتها في مواجهة العدوان والاحتلال والإرهاب، فيما السلاح الاقتصادي الهادف لتفجير معادلات الدول من داخلها يشكل أهم استثمارات المشروع الأميركي، ويبدو أن إعادة تنظيم الدولة الوطنية ومؤسساتها يسبق في الأهمية الحلول الاقتصادية والمالية التقنية في خطة المواجهة. وهنا لا بد من التأكيد أن بناء الدولة القوية كهدف يبقى هو العنوان، والمقاومة محور تحالفات عن يمينها وعن يسارها ما يكفي لموازين القوى اللازمة لمفهوم الدولة المرتجاة مع مراعاة ضرورات الواقعية والمرونة، وحيث يتحدث الجميع عن الدولة المدنية كإطار للحل، يتباين المفهوم حول طبيعتها، وتبدو المقاومة معنية ببدء الحوار الجاد حول هذا المفهوم خصوصاً مع حليفيها الاستراتيجيين في حركة أمل والتيار الوطني الحر ومعهما حلفاء أصيلون بالمناداة بالدولة المدنية ويحملون نموذجهم اللاطائفي إثباتاً على إمكان تخطي الطائفية، كما حمل مشروع المقاومة الإثبات على إمكانية هزيمة الاحتلال، وهؤلاء الذين يتقدمهم الحزب السوري القومي الإجتماعي متطلعون لهذا الحوار الجاد من موقعهم الشريك في مشروع المقاومة ومعاركها، والهدف هو البدء ببلورة مفهوم موحد، سيكون وحده الجواب على التحديات، خصوصاً ان الهواجس التي يثيرها طرح التيار الوطني الحر بالدعوة لتطبيق عنوان الدولة المدنية بما يتخطى إلغاء الطائفية كشرط للسير بها، ليست هواجس العلمانيين بل هي هواجس تمسّ ما يهتم به حزب الله من شؤون تتصل بدور الدين في الدولة وكيفية الفصل والوصل بينهما وضمن أي حدود. وما يثيره حلفاء حزب الله الذين يثير هواجسهم خطاب الحقوق المسيحية التي ينادي بها التيار الوطني الحر كتعبير عن تصعيد للعصبيات الطائفية، لا يخشونها من موقع طائفي وهم عابرون للطوائف، بل من موقع الحرص على عدم إثارة العصبيات، بينما في هذه اللغة ما يثير مباشرة هواجس قواعد وجمهور المقاومة وبيئتها الحاضنة.

– المهمة ليست سهلة، لكنها ليست أصعب من مقتضيات النصر في آب 2006، وأهميتها في كونها تكمل حلقات النصر، وتجعله مشروعاً وصيرورة، لا مجرد لحظة تاريخية مجيدة.

Related Videos

عنوان الحلقة معركة إدلب نقطة الفصل في معارك المنطقة الجديدة بما فيها معارك الخليج

 

Related News

حزبان يتزاملان الطريق… وحزب ثالث

نوفمبر 17, 2018

ناصر قنديل

– في هذه الأيام يحتفل حزب البعث العربي الاشتراكي في سورية بذكرى إعادة التأسيس التي تمثلها الحركة التصحيحية التي قادها الرئيس الراحل حافظ الأسد، وأرست لسورية قواعد القوة والحضور التي خاضت بها حروبها وانتصرت، ولا زالت تنتصر، ويحتفل الحزب السوري القومي الاجتماعي بذكرى تأسيس الحزب على يد الزعيم الراحل أنطون سعادة. وهذا التزامن الذي قد يبدو مجرد مصادفة بلا معنى يستحق التوقف أمامها، يصير له معنى ونكهة خاصة عندما نرى الحزبين اللذين تنافسا وتخاصما لعقود بعد تأسيسهما، قد تصالحا وترافقا الطريق وتزاملا بعد إعادة التأسيس التي قادها الرئيس حافظ الأسد لحزب البعث، والمراجعات التي أجراها القوميون لكثير من محطات تتصل بتصويب موقعهم في جبهات الصراع منذ رحيل المؤسس أنطون سعاده.

– جوهر ما جمع الحزبين كان ما هو جوهر عقيدتيهما، حشد طاقة الأمة نحو بوصلة الصراع الوجودي الذي يمثله التحدي الصهيوني التقسيمي والعدواني، ولا مشكلة في أن يرى القوميون الأمة بحدود سورية التاريخية وهي القاعدة الجغرافية والتاريخية التي يعتبرها البعث نواة النهضة العربية، كما لا مشكلة في أن يرى البعث الأمة بحدود ما بين المحيط والخليج وهو ما يعتبره السوريون القوميون الاجتماعيون وفقاً لنظرية مؤسس حزبهم سعاده إطاراً لا غنى عنه لتنسيق وتكامل استراتيجي في المدى الحيوي للأمة السورية. وكان هذا الجوهر للتلاقي المستمر والمتواصل في مسيرة الحزبين، رغم تجمّد بعض الحزبيين هنا وهناك على نكء نقاش عبثي حول قضايا عقائدية في زمن امتزجت فيه دماء البعثيين والقوميين في معارك الدفاع عن سورية بمثل ما سبق وامتزجت في معارك المقاومة والدفاع عن لبنان.

– في منتصف الطريق تلاقى الحزبان مع حزب ثالث يقود مسيرة المقاومة اليوم هو حزب الله، الذي يحمل نظرية الأمة الإسلامية، ولم يفسد الخلاف في الودّ قضية. فالحزب الثالث، الأول في المقاومة حول التلاقي إلى عقيدة، عندما استبدل معادلة العمل الحزبي القائمة على وحدة الهوية وتعدّد الأهداف بمعادلة وحدة الهدف والهويات المتعددة، فكان أمينه العام أول من إبتكر مصطلح الأمتين العربية والإسلامية، فيما كان الإسلاميون والعروبيون يقتتلون لنصف قرن تحت عنوان أمة عربية أم أمة إسلامية، وحول حزب الله هذا المفهوم العملي والنظري للتلاقي إلى نظرية كاملة، بتمييز الإسلام المقاوم عن الإسلام التكفيري الذي تموضع في المشروع المناهض للأمة سواء كانت سورية أم عربية أم إسلامية، فنشأت جبهة مقاومة قومية إسلامية عالمية، في مواجهة جبهة موازية تضم عرباً ومسلمين ولبنانيين وسوريين، وتقف واشنطن على خط نهايتها، ويختصر التهاون مع خطر الاحتلال جوهر هويتها، وصولاً إلى الاستعداد بالتصريح والتلميح للتعاون مع كيان الاحتلال.

– الجيش العقائدي الذي صنع النصر في سورية هو جيش البعث، وحزب الله الذي شارك في صناعة النصر السوري وصنع النصر المقاوم في لبنان هو حزب العقيدة الإسلامية، والحزب السوري القومي الإجتماعي الذي شارك في صناعات الانتصارات وقدّم التضحيات في كل الجبهات هو حزب عقيدة سعاده القائمة على الإيمان بالأمة السورية وأهليتها للوحدة وقدرتها على الانتصار، وقد جمعتهم بوصلة واحدة حاضرة بقوة في كل مفردة هي فلسطين.

– الاحتفال في هذه الأيام هو احتفال لفلسطين بوصلة لا تعدّل وجهتها قوة.

 

مقالات مشابهة

%d bloggers like this: