تبرئة إبن سلمان تساوي ثروات جزيرة العرب

يوليو 1, 2019

د. وفيق إبراهيم

مشهد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في قمة العشرين في أوساكا اليابانية بدا مفبركاً، ومنفوخاً بآليات أميركية غربية ويابانية… دفعت بالإعلام الى التعامل «المتعمّد» معه، على شكل «زعيم محوري» يتناثر الذهب من عباءته. ولا يهتمّ إلا بأوضاع المرأة السعودية ونشر القيم والازدهار في العالم.

هكذا هي الدول الاستعمارية والصناعية على مدار التاريخ لا تتغيّر قيد أنملة.. وما يثير شبقها هو تراكم المال والثروات التي تنسف العلاقات الإنسانية والحق والخير والجمال، لمصلحة الاحتكار الاقتصادي الحصري…

لعل قضية إبن سلمان هي واحدة من عشرات آلاف الأدلة التي لا تحتاج الى تنقيب بحثي عميق يثبت إهمال الغرب أي علاقة حقيقية باستثناء بعض انحاء العالم الشمالي الذي يمارس ديموقراطية داخل بلدانه واستعماراً بغيضاً في ثلاثة أرباع الأرض.. وهذا بحد ذاته، مثيرٌ للدهشة والتعجب..

لقد بدت قمة اوساكا وكأنها منعقدة لسببين: تأمين قرارات بين قواها الكبرى تؤمن الفوز للرئيس الأميركي ترامب في الانتخابات الرئاسية المقبلة في العام المقبل… وإعادة الاعتبار لإبن سلمان.

لجهة ترامب، يكفي أنه اتفق مع الرئيس الصيني على إعادة السماح للشركات الأميركية والعالمية بالشراء والتعامل مع شركة هواوي الصينية الضخمة مقابل شراء الصين منتجات زراعية أميركية حصرية، لا يجد أصحابها اسواق تصريف لها حتى أن ترامب بدا مزهواً وهو يقول إن هذا الاتفاق ينقذ الآلاف من صغار المزارعين الأميركيين الذين يشكون من كساد منتجاتهم… بما يندرج في إطار البحث الهادف عن أصوات الناخبين الأميركيين، وذوي الأصول الصينية في الولايات المتحدة الأميركية.

الطريف في هذا الاتفاق أنه قابل للنقض بآلاف الحجج والذرائع بعد انتهاء الانتخابات مباشرة، هذا بالإضافة الى أن مجمل المباحثات الأميركية مع روسيا واليابان واوروبا وبلدان أخرى التي انتهت كالعادة الى «استكمالها في أوقات أخرى»، إنما رمت إلى إثارة مناخ تهدئة على خلافات عميقة بهدف استثمار ترامب لها في الانتخابات المقبلة.

لكن السياسة الأميركية ـ الترامبية تجلّت على حقيقتها في قمة العشرين في اليابان بطريقة التعامل مع ولي العهد السعودي، فكان هناك تعمدٌ مقصودٌ بمنحه حيزاً كبيراً من الاهتمام الأميركي ـ الأوروبي الياباني الذي استتبع عناية روسية صينية مصرية به جذبت كامل البلدان الحاضرة.

حتى ظهر إبن سلمان نجماً ويسعى الحاضرون لكسب رضاه أم ذهبه، فالأمر سيان.

للتوضيح فقط، فإن ولي العهد متهم بقتل الصحافي جمال الخاشقجي في قنصلية بلاده السعودية في مدينة اسطنبول التركية وذلك بتقطيعه بالمناشير من قبل جهاز أمني سعودي تابع لولي العهد مباشرة.

أما السبب فهو معارضة الخاشقجي لسياسات إبن سلمان، فاستفاد من هذا الاغتيال فريقان: المعارضات الأميركية لترامب التي تبنّت اتهام ابن سلمان وطالبت بمحاكمته، إلى جانب بعض السياسات الأوروبية المتناقضة مع ترامب أيضاً، التي أرادت النيل من الرئيس الأميركي من خلال إدانة صديقه ابن سلمان بقتل الخاشقجي.

الأتراك بدورهم اعتبروا الاغتيال على أراضيهم فرصة للنيل من مكانة السعودية في العالمين العربي والأسلامي.. فبدأوا يحلمون بتدهور الموقع السعودي لمصلحة صعود دور تركي على متن الاخوان المسلمين… وهم مستمرون على هذه الخطة التي تتراجع مع أحلام الرئيس التركي اردوغان الذي خسر الانتخابات البلدية في أربع مدن تركية كبرى بينها اسطنبول.

هذه التداعيات جعلت محمد بن سلمان يحضر قمة العشرين السابقة في 2018 بشكل هزيل جداً، ظهر المشاركون فيها وكأنهم ينفرون منه متجنّبين التخاطب معه، حتى أنه وجد مكاناً منعزلاً في آخر القاعة ليأخذ مع بقية أعضاء القمة الصورة الختامية التذكارية، وكان ولي العهد معزولاً في المدة الأخيرة ومتهماً من الجميع تقريباً بالقتل باستثناء ترامب وإدارته، ما استتبع تراجعاً كبيراً في الدور السعودي عموماً.

وفجأة عاود بن سلمان احتلال موقع قوي في قمة العشرين الحالية، عاقداً عشرات اللقاءات الجانبية مع رؤساء الدول الكبرى في أميركا والصين وروسيا واليابان ودول أوروبا وغيرها وسط اهتمام إعلامي مسبوق. وبدت تركيا وحيدة شبه منعزلة في الاستمرار باتهامه.

ماذا يجري؟

إن إعادة نفخ إبن سلمان تواكبت مع اتهامات جديدة ودقيقة قدّمتها المحققة الأممية كالامارد، اتهمت فيه ابن سلمان بمقتل الخاشقجي، ما أعاد القضية إلى دائرة الضوء الشديد فرجعت الاتهامات كما كانت قبل عام… وهنا تكمن الحنكة، فبدلاً من أن يعود إبن سلمان الى التواري والانسحاب التمويهي من دائرة السياسة الدولية، كما فعل سابقاً فإذا به يسفر عن كامل وجهه متألقاً أكثر من حجم بلاده في قمة العشرين.

وهذا يؤكد أن هناك مشروعاً أميركياً أوروبياً لتبرئته بوسائل فنية ترتدي اللبوس القانوني، وذلك لا يكون إلا بالتغاضي الروسي ـ الصيني عن الفبركات القانونية الجديدة، مع مزيد من الانفتاح السياسي المملوء برائحة الصفقات الاقتصادية والتسويات النفطية.

لقد تحوّل ترامب في قمة العشرين ومعه رئيسة وزراء بريطانيا تريزا ماي الى فقيهين في الشؤون القانونية وعلم الجريمة…

فبعد إلحاح الإعلاميين قال الرئيس الأميركي إنه لا يمكن للقضاء أن يبني على اشاعات الرأي العام لأنه لا يستند إلا إلى ادلة دامغة، وهذه، حسب رأيه، لا تؤدي إلى اتهام ابن سلمان الذي يحاكم 13 متهماً قاموا بالجريمة من دون معرفته.

وأيّدته تريزا ماي التي أكدت أن بلادها مهتمة، بالكشف عن جريمة الخاشقجي، وأضافت «من دون أن تقهقه» أن إبن سلمان قال لها إنه حريص على محاكمة المتهمين الـ13 رجل أمن للكشف عن الجريمة.

وبذلك يتبين أن هناك صفقة، أميركية ـ غربية بلامبالاة صينية ـ روسية، تذهب نحو تبرئة القاتل ومعاقبة 13 رجل أمن تابعين لمكتب محمد بن سلمان وبتهمة قتل الخاشقجي. وبما أن عدد القتلة كبير، فالأحكام قابلة للتوزيع على شاكلة عشر سنوات لكل منهم، أما مكان السجن، فعلمه عند أصحاب العلم والإخفاء.

فهل هذه صفقة مجانية؟ اسألوا ترامب الذي يواصل الإشادة بالسعودية التي أمنت اعمالاً لملايين الأميركيين وتشغل مصانع الاسلحة والبضائع.. وتواصل الدفع للتغطية بمفهوم «الكاوبوي» واخيراً عرجوا على البريطانيين لاستصراحهم عن حصتهم.

فيتبين أن الغرب ينتهز جريمة ولي العهد لاستنزاف كامل ثروات جزيرة العرب وليس قسماً منها، مضيفاً إليها مبدأ «الترهيب من إيران» الأمر الذي يضع حاضر سكان الجزيرة ومستقبلهم تحت رحمة السياسات الاقتصادية الغريبة التي تسطو على العالم منذ قرون عدة.

مقالات مشابهة

Advertisements

Haftar Is Trying To Trick Turkey Into Overextending Itself In Libya

Global Research, June 30, 2019

Libyan National Army leader General Haftar ordered his forces to attack Turkish ships and companies that he accused of helping the internationally recognized Government of National Accord, as well as to arrest Turkish citizens in the country, which is nothing short of an effort to trick Turkey into overextending itself by provoking it into “mission creep” so that it ends up trapped in the Libyan quagmire.

***

The Libyan Civil War might be entering a new phase if the forces led by Libyan National Army (LNA) leader General  Haftar do good on their leader’s threats to attack Turkish ships and companies that he accused of helping the internationally recognized Government of National Accord (GNA), a well as to arrest Turkish citizens in the country. The popular warlord has already succeeded in capturing most of the country with the notable exception being the capital of Tripoli, which has only held out as long as it has supposedly because of Turkish support.

The Libyan Civil War was directly caused by NATO’s 2011 War on Libya and the subsequent scramble for influence in the energy-rich and geostrategically positioned North African state, with Turkey playing a leading role in the latter because the de-facto Muslim Brotherhood-led country envisions restoring its Ottoman-era empire through the establishment of ideologically allied governments in this vast trans-continental space. The GNA is comprised of Muslim Brotherhood fighters and their offshoots who came to power after 2011, which is why Erdogan supports them so strongly and has a stake in their continued leadership of the country, something that Haftar is adamantly opposed to because he sees his countrymen’s collaboration with Turkey as treasonous.

The LNA leader is now threatening to impose serious physical costs to Turkey’s unofficial intervention in the Libyan Civil War, hoping that this will either compel it to retreat or counterproductively dig in through “mission creep” and risk overextending itself in what has become a regional proxy war between secular and Islamist forces backed by the UAE/Egypt/France and Turkey/Qatar/Libya respectively. Nevertheless, Erdogan’s ego, his ambition for regional influence, and the domestic political pressure that he’s under after the latest mayoral election rerun in Istanbul are responsible for Turkey’s vow to retaliate against the Libyan warlord.

Should Turkey suffer highly publicized losses at the hands of Haftar’s forces, then it might embolden the country’s Cypriot, Greek, Kurdish separatist, and Syrian enemies in its immediate neighborhood if they interpret those developments as a sign of weakness proving that the Turkish military is just a “paper tiger” incapable of properly defending its interests and/or defeating its first conventional military adversary in decades. Erdogan is therefore in a classic dilemma since he’s damned if he retreats but equally damned if he doesn’t and ends up being humiliated by Haftar. It’ll remain to be seen what ultimately happens, but Turkey is in a very tricky position nowadays and needs to be careful that it doesn’t get trapped in the Libyan quagmire.

*

Note to readers: please click the share buttons above or below. Forward this article to your email lists. Crosspost on your blog site, internet forums. etc.

This article was originally published on Eurasia Future.

Andrew Korybko is an American Moscow-based political analyst specializing in the relationship between the US strategy in Afro-Eurasia, China’s One Belt One Road global vision of New Silk Road connectivity, and Hybrid Warfare. He is a frequent contributor to Global Research.

هزيمة «السلطان» أردوغان الإنتخابية في اسطنبول ما دلالاتها وتداعياتها؟

يونيو 29, 2019

د. عصام نعمان

اسطنبول كانت عاصمة سلطنة بني عثمان لأكثر من 400 سنة. السلطان العثماني كان أيضاً خليفة المسلمين مع انّ ايّاً من سلاطين بني عثمان حجّ بيت الله الحرام.

أنهكت الحرب العالمية الأولى 1914 – 1918 السلطنة المترهلة، فكان أن أجهز عليها ضباط علمانيون بقيادة مصطفى كمال الذي أضحى، عقب إعلان الجمهورية العام 1923، رئيساً لها وأباً للأتراك أتاتورك .

بعد نحو قرن من الزمن تخللته حربٌ عالمية ثانية وحروب إقليمية متعددة، تربّع على قمة السلطة في الجمهورية العلمانية سلطان من طراز عثماني مغاير. إنه رجب طيب أردوغان، زعيم حزب العدالة والتنمية الإسلامي، وهو طراز حديث من الاخوان المسلمين. «الاخوان» الأتراك سيطروا على الدولة منذ العام 2003، وفازوا في جميع الانتخابات النيابية التي جرت منذ ذلك التاريخ.

في الانتخابات البلدية الأخيرة آذار/ مارس الماضي فَقَد «الاخوان» الأتراك العاصمة أنقرة والعاصمة الاقتصادية اسطنبول والعاصمة التجارية والسياحية أزمير. شقّ على «السلطان» أردوغان خسارة اسطنبول التي سيطر حزبه على بلديتها طوال 25 سنة، فكان ان نظّم حملة واسعة لإعادة إجراء الإنتخابات البلدية فيها بدعوى حصول تزوير ومخالفات متعددة في دورتها الاولى. حزب الشعب الجمهوري، الذي كان فاز مرشحه أكرم إمام أوغلو برئاسة البلدية، قَبِل التحدي وخاض المعركة متزعّماً جبهة عريضة تضمّ معظم الأحزاب المناوئة لأردوغان وحزبه.

لأسطنبول، البالغ عدد سكانها 15 مليوناً، أهمية سياسية وإقتصادية كبيرة. لم يكن «السلطان» مغالياً عندما أعلن في ذروة دورة الانتخابات البلدية الأخيرة انّ «من يفز في اسطنبول يفز بتركيا». لذلك بذل حزبه جهوداً مضنية لحشد الناخبين المحافظين الذين امتنع بعضهم، كما الناخبون الأكراد، عن التصويت في الدورة الأولى. اللافت والغريب قيام حزب العدالة والتنمية بتلطيف نبرته السياسية والإعلامية في شأن المسألة الكردية لدرجة انّ مرشحه لرئاسة بلدية اسطنبول بن علي يلدريم ذهب الى حدّ ذكر «كردستان»، وهي كلمة محظورة في أوساط معسكره. وكان أردوغان وكذلك وسائل إعلام رسمية أشارت الى رسالة وجهها الزعيم التاريخي لحزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان من سجنه داعياً فيها أنصار حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد الى الحياد. لكن الحزب المذكور ندّد بمناورةٍ قال إنّ السلطات الحكومية تقوم بها وتهدف الى تقسيم الناخيين، داعياً الى التصويت لمرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو.

ما دلالات سقوط مرشح السلطان «الاخواني» وتداعياته؟

أولى الدلالات دور الوضع الإقتصادي الصعب في هزيمة حزب العدالة والتنمية الحاكم. فقد بلغت نسبة التضخم 20 في المئة، بالإضافة الى انهيار الليرة التركية وارتفاع نسبة البطالة.

ثانية الدلالات نشوء جبهة معارضة واسعة لأردوغان، في مقدّمها حزب الشعوب الديمقراطي ومن ورائه المجتمع الكردي بملايينه الـ 18. ولا شك في انّ الاتساع المضطرد في شعبية أحزاب المعارضة سينعكس سلباً على حزب أردوغان في الإنتخابات النيابية المقبلة.

ثالثة الدلالات انّ فوز مرشح المعارضة في اسطنبول بتأييد ملحوظ من الناخبين الاكراد عزّز وضع الأكراد السوريين الذين يتعاون بعضهم مع أميركا، ولا سيما تنظيمهم العسكري المعروف باسم «قوات سورية الديمقراطية»، الأمر الذي يزيد من مخاوف الحكومة التركية الرافضة لأيّ شكل من أشكال الحكم الذاتي للأكراد عموماً سواء في تركيا او سورية أو العراق ويدفعها إلى التخفيف من مناوءتها للحكومة السورية وربما الى الحدّ من دعم أنقرة الوازن لبعض التنظيمات الإرهابية المعادية والناشطة في محافظة إدلب السورية.

رابعة الدلالات أنّ هزيمة أردوغان في انتخابات اسطنبول البلدية ربما تدفعه إلى التعاون بفعالية أقوى مع الحكومة الروسية في سياستها الرامية الى منع تقسيم سورية ولاستعادة سيادتها على كامل ترابها الوطني.

خامسة الدلالات انّ هزيمة حزب العدالة والتنمية الاخواني في انتخابات اسطنبول البلدية يعزز معنويات قوى المقاومة في لبنان وسورية وفلسطين المحتلة وربما يدفع أردوغان الى الإنفتاح على سورية بعد طول عداء من جهة، والتعامل مع حكومتها القائمة من جهة أخرى بما يعزز جهودها ضدّ المسلحين من شتى التنظيمات الإرهابية، لا سيما تلك التي تدعمها أميركا و»إسرائيل».

هل يتعقل «السلطان» المأزوم؟

وزير سابق

العدّ التنازلي لربع قرن مع رجب أردوغان

يونيو 24, 2019

ناصر قنديل

– لم يكن جدياً وصادقاً موضوعياً الحديث عن العد التنازلي لزعامة رجب أردوغان في تركيا بمثل ما هو اليوم. فتلك الزعامة التي قامت على أركان الوعد بالتنمية الاقتصادية والزعامة الإقليمية لتركيا، انطلقت من الفوز ببلدية اسطنبول قبل ربع قرن، واسطنبول هي البيئة التي حضنت رجب أردوغان الشخص والمشروع، وهي العاصمة الحقيقية اجتماعياً وسكانياً واقتصادياً وسياسياً في تركيا، والانتخابات التي ترنّح فيها أردوغان نيابياً ورئاسياً، لكنه فاز بها في النهاية في هذه المدينة الاستثنائية الأهمية، قرّر منح معركتها البلدية صفة الاستفتاء على زعامته وسياساته، عندما حوّل انتخابات بلديتها إلى ما هو أكثر من مجرد رمزيتها، نحو جعلها بالإعادة المفتعلة معركة الحسم السياسي لمستقبل تركيا، محولاً رئيس البلدية المنتخب من الحزب الجمهوري المعارض المنافس المقبل على رئاسة الجمهورية.

– جاءت الانتخابات بعدما بلغ أردوغان ذروة ما تطلع إليه، وأخذ الأتراك إلى قعر ما كانوا يخشون منه. فهو نجح بإقصاء منافسيه داخل حزبه وحوّله إلى حزب «الشخص»، وأسقط من الدستور أي شراكة له في القرار ولو من قيادة حزب حاكم تتوزّع مراكز الحكومة والرئاسة، فجعل الحكم حكم «الشخص»، وطهّر التيار الديني المتصالح مع النمط الغربي للحياة، فشطب شريكه فتح الله غولن وزج بكل أتباعه في السجون، وأمم الإعلام وكمّم الأفواه، وامتلك أغلب النظام المصرفي والمصالح الكبرى في شبكة الاتصالات وتجارة النفط. وبالتوازي سقط مشروع «العداوات صفر مع الجيران» الذي سوق له كمشروع إقليمي لزعامته، وجاء السقوط مدوياً. وها هو حلفه مع أميركا ينهار، دون أن يبدو أنه حليف موثوق لروسيا، ووعوده العثمانية السلطانية تتهاوى من سورية وعلى أسوار مدنها ومساجدها الأمميّة التي وعد مرة بالصلاة في نسختها الدمشقية. وعندما صار العجز محكماً، قال هذا حصرم رأيته في حلب فليكن المسجد حلبياً، وتهاوت الوعود بالرفاه والنمو وحل مكانها الركود والتقشف وتهاوي أسعار الصرف وتراجع قطاعات الاقتصاد بلا تمييز، وزيادة نسب الفقر.

– الأكيد أن المعارضة التركية وعلى رأسها حزب الشعب الجمهوري لا تملك وعوداً براقة للأتراك على طريقة ما كانت عليه وعود أردوغان، عندما كان معه حزب فاعل أو عندما بات حزبه مجرد يافطة يرفعها بلا روح، بعدما حوّله إلى مجرد إطار لخدمة حزب الأخوان المسلمين خارج تركيا على حساب الأتراك، ودائماً كانت خسارة المعارضة التركية أمام أردوغان تعود إلى عدم التوازن بين الخيارات والوعود التي يقدّمها الفريقان، حتى صار مجرد الوعد بالتخلص من أردوغان جاذباً. فالأتراك يقولون بتصويتهم في اسطنبول إنهم ليسوا بحاجة إلى وعد بسلطان جديد وباب عالٍ جديد، ولا إلى وعد بنمو ورفاه، بل يكفيهم أن يأمنوا العيش كمواطنين في دولة تحترمهم ويمنحهم كرامة العيش وحرية القول وحق الشراكة في مناقشة الخيارات.

– تغوّل مشروع أردوغان بينما كان الأتراك يفقدون هويتهم القومية لحساب الهوية الأخوانية، ويفقدون معيشتهم اللائقة لحساب تغوّل آخر لبطانة أردوغان مالاً وفساداً، ويخسرون مهابة جيشهم لحساب ميليشيات مسلحة من الأخوان المسلمين الهاربين من بلدانهم والحائزين على امتيازات تعلو على المواطنة، ويخسرون الإحساس بالأمن والحرية مع ظهور شركات الأمن الخاصة تنتشر في شوارع وأحياء مدنهم ومواكب المرافقات المنفرة والمستنفرة، وتنامي وسائل الإعلام المبهرة بالتقنيات والمموّهة بالحريات، والموظفة للعبة بروباغندا التسويق للأشخاص والأفكار والتفاهة في العيش.

– انتخابات بلدية اسطنبول تقول إن لحظة الحقيقة المرة التي رفض أردوغان تجرّعها على مراحل، بعدما أصرّ على إعادة الانتخابات وجعلها حرباً سياسية مصيرية وجودية، باتت كأس سم يتجرّعها دفعة واحدة.

Related Videos

Related News

«إدلب» معركةُ كسرِ الأحادية الأميركية!

يونيو 12, 2019

د. وفيق إبراهيم

ليس غريباً على الإطلاق أن يدعم الأميركيون سيطرة الارهاب المتنوع في شمال سورية برعاية تركية عسكرية مباشرة. ألم يفعلوا الأمر نفسه في غربي سورية بدعمهم كل أنواع الارهاب الذي كان يطوقُ العاصمة دمشق برعاية المخابراتين الاسرائيلية الأردنية وبتمويل خليجي في مرحلة 2012 2018؟ فأين العجب اذاً؟

وبدلاً من الاسرائيليين والاردنيين، يلعب الأتراك دوراً خطيراً جداً في شمالي سورية وعفرين والشمال الغربي وبعض أرياف حماة وحلب، فلماذا لا يستثمرُ الأميركيون فيهم فيطيلون أمد الازمة السورية معيقين اي حل سياسي او عسكري لها باللعب على طموحات تركية تحلمُ بإعادة الزمن قروناً عدة الى الوراء.

هناك معوقٌ وحيد يتعلق بجملة تناقضات بين المشروعين الأميركي والتركي في المنطقة العربية. تجسدت بإسقاط الاخوان المسلمين الذين هم حلفاء تركيا في مصر وتونس وتقليص دورهم في ليبيا واليمن والسودان وجزيرة العرب، ولبنان، مع محاولة أميركية لتدبير انقلاب عسكري تركي على الرئيس اردوغان نجا منها بتنبيه روسي وتحرّك حزب العدالة والتنمية التركي وتأثيره على ألوية عسكرية موالية.

وبما أن الفريقين براجماتيان، فلماذا لا يعودون الى التعاون في الميدان السوري نتيجة لضغط اساسي يتعرضان له وهو إنهاء الدور التركي السوري بعد تحرير إدلب، والبدء بدفع الأحادية الأميركية خارج سورية والعراق بعد تحرير إدلب ايضاً؟

لذلك فإن المصيبة المحدقة بالطرفين تعيد لمّ شملهما. وتُقربُ بين أهدافهما.

للإشارة هنا، فإن الاتراك استغلوا الصراع الروسي الأميركي في سورية لبناء علاقات عميقة مع الطرف الروسي بزعم تنظيم ميادين القتال العسكرية للوصول الى مرحلة الحل السياسي.

لقد أجاد التركي أداء هذا الدور الى جانب «تربيته» لتنظيمات ارهابية من النصرة والاخوان والقاعدة وافرازاتها والألوية الباكستانية من الإيغور الصينيين الى جانب آلاف المتطرفين في تنظيمات أخرى، وردوا من آسيا الوسطى واوروبا الشرقية والخليج ومصر وشمال أفريقيا، كل هؤلاء تمكّن الأتراك من ربطهم بغرفة أركان عسكرية «موك» تركية تديرهم حسب اتجاهات انقرة السياسية، إنما هل يمكن نسيان آلاف الجنود الأتراك الذين ينتشرون ايضاً في الشمال السوري ومباشرة؟

هناك اذاً احتلال تركي مباشر لأكثر من عشرين ألف كيلومتر مربع من الأراضي السورية تضمّ أرياف حلب وحماة وادلب وعفرين وشريط يمتدّ على طول حدود سورية وبعمق وازن يصل الى 20 كيلومتراً إنما ما الذي استجدّ وحشر أردوغان في زاوية ضيقة؟

منح الروس تركيا فرصاً هامة في مؤتمر «استانا» و«مذكرة سوتشي» لتنفيذ ما وعدوا به من إنهاء جبهة النصرة في ادلب. لكنهم نكثوا بتعهداتهم مراهنين على انفجار أكبر في علاقات الأميركيين بالروس، فتزدادُ حاجة الطرفين للخدمات التركية!..

أدّت هذه المراوغة الى اصرار الدولة السورية على بدء تحرير ارياف حماه وحلب وادلب في خطة محكمة وعاجلة مدعومة من الحلفاء، لأن الروس تبيّنوا ان المماطلات التركية ليست إلا نتاج مغريات قدمها الأميركيون لأنقرة حول ضرورة استمرار دورهم في أراضي سورية. وهذا بالتوازي مع تحريض أميركي غربي خليجي اسرائيلي للارهاب بضرورة التحرك مرسلين دعماً عسكرياً تزامن مع دعم تركي بالآليات وكل أنواع الأسلحة لتنفيذ اوامر بتشديد القصف على المواقع الروسية، ففهمت موسكو الرسالة الأميركية والتركية لكن الترك لم يفهموا إلا الجانب الظاهري منها وهو رغبة الأميركيين وحلفائهم بتمديد الأزمة السورية. وهذا يتطلب تأييداً لتركيا في سورية بما هي آخر جدار يمنع الدولة السورية من الانتقال الى شرقي الفرات، لذلك استغلّ اردوغان الهوس الغربي بإدلب، فاعتبره وسيلة لإعادة إحياء طموحاته، فهل هذه هي الأهداف الأميركية فقط؟

يريد الأميركيون من إيقاف تقدم الجيش السوري نحو إدلب ثلاث مسائل مترابطة:

أولاً إرجاء حل الازمة السورية حتى اشعار آخر، لأن واشنطن لا تملك معارضات سورية وازنة تستطيع استعمالها في مرحلة الحل السياسي.

والدليل أن كل شخصيات المعارضة التي كانت تحتل شاشات التلفزة العالمية والخارجية اختفت بعد انهيار الإرهاب في غربي سورية ولم يبق إلا الاخوان المسلمون الغافون في حضن التركي وجبهة النصرة الارهابية وتنظيمات القاعدة.

أما الأميركيون في شرقي الفرات فهم قوة احتلال مباشر يتسترون بالأكراد في «قوات سورية الديموقراطية» «قسد» كواجهة لاستمرار دورهم المتراجع الى حد بعيد.

ثانياً: تفجير العلاقات الروسية التركية، يعرف الأميركيون أن المماطلة التركية في الانسحاب من ادلب تدفع نحو انهيار التقدم في العلاقات المتطورة بين انقرة وموسكو.

لذلك منحوا انقرة مهلة شهرين إضافيين لإلغاء صفقة صواريخ أس أس 400 الروسية مع طموح أميركي كبير بتعطيل خط الغاز الروسي التركي نحو اوروبا وإيقاف السخاء الروسي بالسماح لنحو خمسة ملايين سائح بارتياد ربوع تركيا وإنفاق مدخراتهم بما يؤدي الى دعم الاقتصاد التركي المعاقب من الأميركيين.

ثالثاً: وهو الأكثر أهمية ويتعلق ببحث أميركي عميق عن وسائل وموانع تحدُّ من التراجع الأميركي في الشرق الأوسط.

وهذا يتطلّب وقف الصعود الروسي ومنعه من الوصول الى شرقي الفرات والحدود مع العراق.

لذلك يريد الأميركيون إشغال الروس في شمالي سورية ومناطق اخرى، ومنعهم من العودة الى فضاءات سوفياتية سابقة في العراق واليمن وليبيا والسودان بما يكشف الربط الأميركي بين الدفاع عن أحاديتهم العالمية وبين معركة ادلب.

وما محاصرة إيران ومحاولات إسقاطها بالعقوبات الاقتصادية إلا وسيلة لمنع تشظي الأحادية الأميركية على قاعدة انبثاق تعددية في إنتاج القرار الدولي تكبح الجنون الأميركي.

هذا ما يريده الأميركيون، أما السوريون فعقدوا العزم على تحرير إدلب وكامل المناطق المحتلة بتعاون روسي ايراني يريد معالجة الجنون الأميركي بالجراحة العسكرية في ميادين سورية المنتصرة.

Related Videos

مقالات ذات صلة

Resistance report: Syrian Army offensive stalls as both sides trade blows

June 08, 2019

by Aram Mirzaei for The Saker Blog

Resistance report: Syrian Army offensive stalls as both sides trade blows
It’s been over a month now since the Syrian Army launched it’s long awaited Idlib offensive. The Syrian Arab Army and the jihadist rebels of Hay’at Tahrir Al-Sham are involved in the deadliest battle of the month in northwestern Hama. What began as a successful month for the Syrian Army has since turned in a blood bath with all warring parties trading heavy offensives along the Hama-Idlib axis. This week alone has resulted in well over 100 casualties for the jihadists while the Syrian Army has suffered almost 40 casualties. It is quite noticeable that Ankara has a hand in this since Turkish made weapons have been found on several frontlines in the hands of these terrorists. On top of that, Ankara manages to yet again negotiate a short lived ceasefire which Moscow agreed to, yet as per usual, the dishonourable jihadists used this opportunity to regroup and rearm in preparation for their massive counter offensive.

It has to be said, Moscow keeps getting fooled for some reason to agree on these damned ceasefires, that keep prolonging the inevitable doom of the monsters occupying the Idlib province. This time Moscow, Damascus and Tehran have had a golden opportunity to finish the jihadists off as Washington seems rather uninterested in getting involved with this offensive. I say this because Washington has been unusually quiet this time around, save for some Sunday evening Trump tweet claiming that he was “hearing word” that Russia, Syria, and to a lesser extent, Iran, were indiscriminately bombing the Idlib province. Even the western media that usually gets all fired up about their beloved terrorists in Idlib have been relatively quiet, could it be that they are losing interest now that Washington has its hands full with a coup attempt in Caracas and building up for a full scale war in the Middle East?

Washington seems to have other things in mind as Bolton and Pompeo seem hell bent on starting wars with the Islamic Republic and Venezuela, while Europe seems too busy fumbling in the dark over the JCPOA.

This leaves the jihadists with few allies except for Ankara which I am convinced is playing a double side game with Moscow and Washington. The opportunists in Ankara have for long played both sides in Syria as they claim they are allied with Moscow and Tehran yet keep supporting terrorist forces against Damascus and her allies. It is deeply frustrating to hear Ankara strike a deal with Moscow over Syria’s survival and preservation only to hear the Turkish president or foreign minister the very next day claim that “the Assad regime has killed 1 million people”. At some point Moscow must force Ankara to stop with this insane approach and choose sides once and for all, or this war will continue for another decade as Ankara will only get bolder by the day.

Elsewhere, ISIS terrorists hiding in caves in eastern Homs are taking advantage of the massive Syrian Army build up near the Idlib-Hama axis to launch hit and run attacks and kidnapping operations on inexperienced garrison units near the Palmyra front. I really never could understand why Moscow and Damascus always allows a few of these terrorists to remain after every major operation they launch on their territories. It always comes to bite them back later on as these terrorists never seem to back down or capitulate anyways. Meanwhile, terrorist benefactor Israel has been active over Syrian skies once more after claiming that shells were fired into the occupies Golan Heights from the Syrian side. Not that I ever believed in what the Zionist state has ever claimed as an excuse for attacking Syria, but there has been no fighting in the Quneitra province for almost a full year now since the jihadist militants were expelled from the entire southern parts of the country last year. Of course the Zionist state doesn’t ever bother to provide any evidence for their claims so it can be concluded that the pretext was totally made up to cover their true intentions, to target any advanced weaponry Syria might possess. The attack targeted Syria’s strategic T4 airbase, known for being used by both Russian and Iranian military personnel. Israel very likely informed Russia before the attack, which is why they were able to avoid the latter at the T4 airbase.

Since the start of June, the Israeli military has conducted at least two attacks on Syrian military installations, resulting in the death of at least a half dozen soldiers. Fighting in Syria intensifies while Washington is targeting any oil shipments coming into Syria in its campaign to cripple Syria financially. Pressure on Tehran and Hezbollah is also intensifying as the threat of war still looms in the region with Washington and Tel Aviv’s continued posturing and Saudi Arabia’s pathetic false flag attacks in the Persian Gulf region which they as per usual try to blame on Iran.

It looks like it’s going to be a very hot summer this year for the Resistance Axis. It will take much effort and strategic planning to counter these foul plans hatched by the Zionist Empire.

Syrian Army advances into southwestern Idlib after resuming offensive: map

BEIRUT, LEBANON (11:45 P.M.) – The Syrian Arab Army (SAA) resumed their offensive in the northwestern region of Syria this week after a failed 48-hour-long ceasefire along the Idlib-Hama axis.

Backed by Russian air support, the Syrian Arab Army’s Tiger Forces resumed the offensive on Monday when they stormed the small town of Al-Qasabiyah. Not long after storming Al-Qasabiyah, the Syrian Arab Army announced full control over the town after the jihadist forces failed to maintain their last line of defense.

The following day, the Syrian Arab Army attacked three towns near Kafr Naboudeh, seizing them after a short battle with Hay’at Tahrir Al-Sham. According to a source, the Syrian Army captured the towns of Hardinah, Hamirat, and Qayroutiyah after advancing north of Hawash.

The Syrian Arab Army is now launching heavy artillery strikes on the key hilltop of Tal Sakher in order to secure the eastern flank of Kafr Naboudeh. Once Tal Sakher is captured, the Syrian Arab Army will make its way to the strategic town of Al-Hobeit, which is the first major town in southwestern Idlib.

At the same time, a Syrian Army source said the Turkish military has increased its support to the militants in northwestern Syria. The source said the Turkish military is sending more weapons to the militants in a bid to halt the Syrian Arab Army’s offensive in the Idlib Governorate.

Related Videos

Related News

%d bloggers like this: