هل يشجع الموقف اللبناني «إسرائيل» على الإطاحة بحدود لبنان البحرية وحقوقه؟

البناء
سبتمبر 21, 2021 

 العميد د. أمين محمد حطيط*

لم يشهد لبنان حالة من التخبّط والتمادي بارتكاب الأخطاء في معالجة ملفاته كما شهد في ملف الحدود البحرية وترسيمها وتحديد حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة له، نقول هذا على رغم ما هو «مألوف» في لبنان من إهمال وتقصير وأحياناً خفة في مقاربة القضايا الوطنية وتداولها أو معالجتها،

وقد وصل هذا الملف (ترسيم الحدود البحرية) الآن إلى نقطة خطرة تنذر في حال استمرار التجاهل والمكابرة فيها والإحجام عن المعالجة والتصدي الجادّ لها تنذر بضياع مساحة 2290 كلم2 (أي ما يزيد على خمس مساحة لبنان) من المنطقة الاقتصادية الخالصة، حيث باشرت «إسرائيل» بوضع اليد عليها بعد قطعها لمفاوضات ترسيم الحدود البحرية مع لبنان ورفضها حتى مجرد النقاش حول الطرح اللبناني المدعوم بالحجج والأدلة القانونية والتوثيقية.

وتجنباً للإطالة واجترار الكلام الذي سبق وعرضناه أكثر من مرة وتناولنا فيه أخطاء ارتكبها لبنان في بدء مقاربته للملف ومحادثاته مع قبرص التي أفضت إلى تعيين خاطئ لموقع النقطة (1) ثم للخطأ المرتكب في تصحيح الخطأ الأول واعتماد النقطة (23) الخطأ الذي كرّس رسمياً بالمرسوم 6433/2011 وهو المرسوم الذي أودع في الأمم المتحدة ليشكل تحديد لبنان لحدوده البحرية، فإنّ المشكلة الآن تتركز في مسألة تصحيح هذا الخطأ عبر سحب المرسوم الخطأ وأبداله بمرسوم جديد يتضمّن التحديد الصحيح لحدود المنطقة الاقتصادية كما حدّدتها قيادة الجيش اللبناني بالاستناد إلى اتفاقية بوليه ـ نيوكمب واتفاقية الهدنة وقانون البحار، وهي الوثائق المرجعية الوحيدة التي يعمل بها في هذا المقام والتي تقود في تطبيقها إلى اعتماد النقطة (29) بدلاً من النقطة (1) الخطأ وبدلاً من النقطة (23) المصححة خطأً أيضاً.

لقد أعدّت قيادة الجيش اللبناني الدراسة التفصيلية المعمّقة حول الموضوع وطلبت من المراجع المختصة مراراً وتكراراً تصحيح الوضع وتعديل المرسوم 6433\2011 وألحّت بالطلب شفهياً وخطياً على ذلك، وكان آخر طلباتها في هذا الشأن بتاريخ 26\8\2021 حيث وجهت كتابها إلى وزارة الدفاع التي أحالته إلى وزارة الخارجية والمتضمّن طلباً صريحاً بـ «سحب المرسوم 6433/2011 من الدوائر المختصة لدى الأمم المتحدة لما يشوبه من عيوب فنية وإدارية وقانونية يؤدي استمرارها إلى فقدان لبنان حقه في مساحة لا تقلّ عن 1430 كلم2. لكن وللأسف لم يستجب حتى الآن لطلب قيادة الجيش وبقي مشروع التعديل متعثراً، وبقي الوضع القانوني للحدود البحرية بنظر الأمم المتحدة هو ما ينص عليه المرسوم 6433\2011 الخطأ والخريطة المرفقة به.

لقد استغلت «إسرائيل» هذه الأخطاء وتعثر لبنان في معالجة أموره تلك وأقدمت في حزيران/ 2011 على تلزيم التنقيب عن النفط في خمسة حقول إلى الشركة الأميركية «إنرجي» ومجموعتها، ومنها حقل «كاريش» الواقع شمال الخط (29) أي داخل المنطقة التي يعتبرها لبنان من منطقته الاقتصادية، وفي الأسبوع المنصرم أعلنت «إسرائيل» بأن الشركة الملتزمة بدأت بأعمال التنقيب في تلك المنطقة.

وهنا نجد مؤسفاً ومضحكاً مبكياً الموقف اللبناني حيال التصرف «الإسرائيلي» الذي يعدّ بكلّ وضوح انتهاكاً واعتداءً على لبنان وحقوقه، إذ بدل أن يسارع المسؤول السياسي في لبنان إلى تلبية طلب قيادة الجيش ويسحب المرسوم 6433 من الأمم المتحدة ثم يودعها مرسوماً صحيحاً يأخذ بتحديد الجيش اللبناني للحدود البحرية، بدل هذا قام بتوجيه كتاب من وزارة الخارجية إلى الأمم المتحدة يطلب فيه «التحقق من قيام إسرائيل بالتنقيب في منطقة متنازع عليها مع لبنان».

إنّ طلب لبنان هذا مع الإحجام عن سحب المرسوم 6433 من الأمم المتحدة ثم تفويض الأمم المتحدة حصرياً بالتحقق عما إذا وقع انتهاك أم لا، يعني بكل بساطة تمسك لبنان بالخط (23) وعدم اعتبار ما يجري جنوب هذا الخط انتهاكاً أيّ الإقرار الصريح بالتنازل عن مساحة الـ 1430 كلم2 (المساحة بين خط 23 وخط 29) وهي أمر يعدّ تفريطاً بحقوق وطنية سيادية لا بل ويمكن وصفه بكلّ صراحة بأنه خيانة وطنية. وهنا نسأل:

أ ـ لماذا لم تطلب الحكومة من الجيش اللبناني أن يتحقق من الانتهاك المظنون أو تشركه به؟

ب ـ لماذا لم تطلب الحكومة عملاً مشتركاً من الأمم المتحدة والجيش في الحدّ الأدنى؟

ج ـ ألا يعلم من طلب من الأمم المتحدة التحقق من الأمر، أنّ هذه المنظمة ستتخذ من المرسوم اللبناني الموجود لديها أساساً للتحقق ما يعني أنها ستتخذ من الخط 23 معياراً للقياس وهو الخط القانوني الموجود لديها بقرار لبناني؟

د ـ ألا يعلم من طلب هذا التحقق أن جواب الأمم المتحدة سيكون نفياً للانتهاك لأنّ العمل الصهيوني لم يتجاوز الخط 23 ومع هذا النفي يسقط حقّ لبنان باللجوء إلى أيّ وسيلة للدفاع عن حقوقه طالما انتفى انتهاكها؟

في مقاربة هذه الأسئلة وما تستدعيه من إجابات نرى أن التصرف اللبناني شكل خدمة ثمينة لـ «إسرائيل» بقصد أو عن غير قصد، وهو فعلياً لا يعدو في تفسيره أمراً من أمرين: إما أنّ هناك خفة وجهلاً وتفريطاً غير مقصود بالحقوق الوطنية وإفراطاً في غير محله بالثقة بالأمم المتحدة، هذا مع حسن الظنّ، أو أنّ هناك صفقة ومؤامرة ينفذها المسؤول في لبنان استجابة للإملاءات الأميركية لمصلحة «إسرائيل» على حساب المصلحة الوطنية اللبنانية العليا، ونرجو أن لا يكون الأمر كذلك.

أمام هذا الواقع وتجنباً للكارثة الوطنية المتمثلة بضياع ما بين 1430 كلم2 2290 كلم2 من المنطقة الاقتصادية اللبنانية التي تحاول «إسرائيل» أن تضع يدها عليها بقوة الأمر الواقع نرى أن يبادر لبنان ومن دون إبطاء إلى اتخاذ الإجراءات التالية:

ـ سحب المرسوم 6433 / 2011 من الأمم المتحدة وإبلاغها كما وإبلاغ الولايات المتحدة الأميركية بأنّ لبنان بصدد إصدار مرسوم جديد يعتمد الخط 29 الذي طرحه الوفد اللبناني في الناقورة في المفاوضات غير المباشرة التي بدأت في العام 2020 برعاية أميركية أممية.

ـ التأكيد للأمم المتحدة والولايات المتحدة انّ المنطقة شمال الخط 29 وجنوب والخط 1 والتي تبلغ مساحتها 2290 كلم2 هي منطقة لبنانية متنازع عليها مع العدو «الإسرائيلي» ينبغي عدم العبث بها حتى فض النزاع مع احتفاظ لبنان بحقه في اللجوء إلى أي وسيلة متاحة للدفاع عنها لحماية حقوقه.

ـ تعديل المرسوم 6433 / 2011 في أول جلسة لمجلس الوزراء تعقد بعد نيل الحكومة الثقة وإيداع المرسوم المصحح الجديد الدوائر المختصة لدى الأمم المتحدة.

ـ عدم متابعة الطلب المرفوع إلى الأمم المتحدة للتحقق من الانتهاك «الإسرائيلي» لحدود لبنان البحرية في ظل الوضع القائم لأنّ ذلك إنْ حصل يعني الإقرار بأنّ سقف المطالب اللبنانية هو الخط 23، وفي هذا تنازل مؤكد عن مساحة 1430 كلم2.

وإذا رغب لبنان في إشراك الأمم المتحدة بالأمر فعليه أولاً أن يعدّل المرسوم 6433 / 2011 ويتمسك بالخط 29 ثم يطلب من الأمم المتحدة مؤازرة الجيش اللبناني في عملية التحقق، وأؤكد هنا على محورية ومركزية عمل الجيش في هذا الشأن. أما الاكتفاء من الأمر بما تمّ حتى الآن فإنه يعني التنازل بكل تأكيد عن حق وطني لبناني، ما يقود إلى طرح السؤال المر: «هل خشيَ مسؤولون في لبنان على مصالحهم وحاذروا إغضاب أميركا وتخلوا عن الحقوق اللبنانية، ثم قاموا باستعراض كلامي للتظاهر بحرصهم عليها؟»

نرجو أن لا نصل إلى طرح هذا السؤال!؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

مخاطر الإرهاب الاقتصادي الأميركي ضدّ لبنان ووجوب المواجهة؟


أيلول 4 2021

 العميد د. أمين محمد حطيط _

بعد أن تيقنت أميركا مع ما تجرّه من أذيال إقليمية ودولية تسمّيهم حلفاء أو شركاء لها، طبعاً شركاء في العدوان والتآمر على الشعوب، بعد ان تيقنت من فشل عدوانها على سورية وتالياً على محور المقاومة ومع إرساء معالم هزيمتها الاستراتيجية المدوية في أفغانستان باتت تركز على الحرب الاقتصادية والإرهاب الاقتصادي الذي تعوّل عليه ليعوّض فشلها في ميادين المواجهة النارية والعملانية وكان لبنان مستهدفا مع سورية بهذه الحرب الوحشية التي طالت المواطن اللبناني في أهمّ حاجاته الحياتية كالدواء والغذاء والطاقة على أنواعها.

اعتقدت أميركا انّ هذه الوحشية التي تمارسها خنقاً وحصاراً ضدّ لبنان ومع وجود عملاء لها فيه خانوا بلادهم وخانوا شعبهم وانصاعوا لها في تحقيق ما تريد ارتكابه من جرائم بحق لبنان والمواطن اللبناني، اعتقدت أميركا أنها ستثير الشعب على المقاومة وتجعل الأخيرة تنكفئ عن مشروعها الاستراتيجي للتحرّر الوطني والقومي والإقليمي وتستسلم لها تحت ضغط المعاناة الشعبية وتقدّم رأسها منصاعة وتتنازل عن مكتسباتها التي حققتها خلال العقدين الماضيين.

اعتقدت أميركا أنّ حرمان الطفل في لبنان من الحليب وحرمان المريض من الدواء وحرمان المودع المصرفي من أمواله، وحرمان المواطن من الكهرباء والماء والبنزين والمازوت والغاز المنزلي، هذا الحرمان الموجع والمتعدد العناوين والأشكال سيتسبّب كما ظنّت بكسر إرادة لبنان ومقاومته وحمله على التراجع عن حماية الوطن والدفاع عن حقوقه والسكوت عن احتمال استجابة هذا او ذاك من المسؤولين في لبنان للإملاءات الأميركية والقبول برسم حدود برية جديدة مع فلسطين المحتلة طالما روّج لها لتعطي “إسرائيل” أكثر من ٢٠ مليون متر مربع من الأرض اللبنانية والقبول بترسيم حدود بحرية تعطي “إسرائيل” أكثر من ١٤٥٠ كلم٢ من المنطقة الاقتصادية البحرية الخالصة للبنان دون ان ننسى السعي الأميركي “الإسرائيلي” الدائم لتوطين الفلسطينيين في لبنان.

لقد منعت أميركا وبكلّ صلافة وفجور ووقاحة، منعت الاستثمار الأجنبي في لبنان خاصة الصيني والروسي والايراني وتسبّبت عبر عملائها في القطاع المصرفي في انهيار هذا القطاع، ما جعل الأموال بعيدة عن متناول يد أصحابها، وقادت لبنان الى الفراغ السياسي والانهيار النقدي والاقتصادي ووضعت لبنان على شفير المجاعة ما حمل الكثير من أبنائه على السفر الى الخارج هرباً من الجحيم المخطط أميركياً والمنفذ بأيدٍ لبنانية، وقد يكون إفراغ لبنان من شبابه أيضاً هدفاً من اهداف السياسة العدوانية الأميركية أيضاً.

لقد تسبّب الحصار الأميركي والاحتكار والوكالات الحصرية والجشع لدى التجار وممارسة النهب والفساد الميليشيوي في تداول المحروقات والدواء وبعض حاجات صناعة الرغيف، تسبّب في نشوء ظاهرة التجارة غير المشروعة وقيام السوق السوداء ووضع البلاد على عتبة مرعبة من التوتر والصدام داخل المجتمع والأخطر من ذلك خلق نوعاً من انغلاق المناطق على نفسها ممهّداً لما يمكن تسميته “الاقتصاد الذاتي” على صعيد المناطق وبعض شرائح الطوائف والأخطر من ذلك ما يمكن وصفه بأنه مقدّمات لـ “فيدرالية اقتصادية” تفرض بالأمر الواقع وقد يتخذها البعض مدخلاً لفيدرالية سياسية راج الحديث عنها او الدفع اليها خلال الأعوام القريبة الفائتة.

لقد وضعت السياسة الأميركية المخططة للبنان والمعتمدة في تنفيذها على لبنانيين، وضعت لبنان امام تحديات خطيرة لا تقتصر على الشأن المعيشي بل تتعداه وللأسف الى الشأن الوجودي والكياني من خلال الدفع الى الهجرة وتفكك المجتمع وضمور العلاقات الاجتماعية والحد من الزواج والتسبّب بانهيارات متعددة في مؤسسة الزواج ذاتها، بعد ان تعطلت عجلة الإنتاج الاقتصادي وتراجع الدخل الفردي والعام وانخفضت القيمة الشرائية للرواتب والأجور ورغم ذلك تستمرّ أميركا في سياستها في الإرهاب الاقتصادي وحماية عملائها من جلادي الشعب وأرباب النهب والفساد في أروقة السياسة والاقتصاد والمال والمجتمع مع رواج بدعة الـ N.G.O أيّ المنظمات غير الحكومة التي انتشرت بشكل عجائبي بإرادة أميركية واضحة رمت الى جعلها بديلاً عن دولة قيد التفكك والانهيار.

ورغم ما تقدّم من سوداوية المشهد اللبناني وحراجته وصعوبته وخبث أميركا ولؤمها ولا إنسانيتها في صنعه وسفالة ودناءة وإجرام لبنانيين ساعدوها في عدوانها وإرهابها فإننا لا نرى العلاج والدفاع أمراً ميؤوساً منه أو أنّ العدوان بات في وضع مقطوع بنجاحه. بل أقول رغم كل ذلك فإنّ منظومة العدوان والإرهاب الاقتصادي بوجهيها الداخلي والخارجي، على قدر من الوهن تنبئ فيه بأنّ مواجهة جادة مدروسة تمكن من إسقاط العدوان وتمنعه من تحقيق أهدافه ونقدّم دليلاً على ذلك ما قامت به المقاومة في موضوع استيراد النفط من إيران حيث تصرفت على أساس انّ الإرادة الأميركية ليست قدراً لا يُردّ او من قبيل الامور التي لا تواجه.

 فالمقاومة التي خبرتها أميركا و”إسرائيل” في الميدان، كان لها في النفط جواب وموقف يسفه غرور أميركا ويفضح سوء التقدير لديها ويكشف جهلها بطبيعة المقاومة ونهجها ومنهجها ومبناها العقائدي والتنظيمي ويُرسل لها الرسائل الواضحة والقاطعة بأن من هزم العدوان الأجنبي في الميدان لن يستسلم له تحت أيّ ضغط اقتصادي مهما كان نوعه ومهما كان أثره. فللمقاومة أساليبها التي تمكنها ان تتفلت من مكائد العدو مهما تنوّعت واشتدت.

وفي هذا السياق أيّ الردّ على الحصار الأميركي للبنان وإيران وسورية اختارت المقاومة ان تنفذ عملية اقتصادية مثلثة الأضلاع تشارك فيها الأطراف الثلاثة المستهدفة بالإرهاب الاقتصادي الأميركي (إيران لبنان سورية) فجهّزت سفينة شحن نفط، اعتبرتها المقاومة أرضاً لبنانية لنقل نفط إيراني الى ميناء سوري لسدّ حاجة مستهلك لبناني، فكانت عملية تجارية منظمة أحسن اختيار موضوعها وأسلوب تنفيذها ووسائل حمايتها.

لقد أربكت المقاومة بقرارها أميركا و”إسرائيل” وجعلتهما تتيقنا انّ المقاومة تعرف كيف تحوّل التحدي الى فرصة وكيف تنجح باستثمارها ما جعل أميركا تبدي استعداداً للتراجع عن بعض سلوكيات الحصار فكان موقف سفيرتها في بيروت المعلن لتسهيلات أميركية للبنان لتمكينه من استجرار الكهرباء من الأردن والغاز من مصر وكله عبر سورية، ثم كان موقف السناتور الأميركي مورفي المتحدث باسم وفد الكونغرس الى لبنان والذي رغم ظاهره فإنه يستشفّ منه تراجعاً أيضاً عبر قوله انّ “واشنطن تبحث عن سبيل لتزويد لبنان بالمحروقات من دون عقوبات”، لأنّ ما تقوم به المقاومة من استيراد من إيران هو على حدّ زعمه خاضع للعقوبات لأنّ “أيّ وقود يجري نقله عبر سورية خاضع للعقوبات”.

فإذا كان قرار واحد بالمواجهة جعل أميركا تتراجع امام المقاومة وتفك الحصار ولو جزئيا، رغم انها رفضت في السابق طلبات لبنان ذات الصلة وعلى مدار سنتين متتاليتين واليوم جاء قرار المقاومة فأجبرها على إظهار الاستعداد لفك جزئي للحصار لان المقاومة وضعتها أمام خيارين: “فكوا الحصار بأيديكم او نكسر الحصار بأقدامنا” أما التهديد والتهويل فإنه لن يلقى عند المقاومة أذناً تهتمّ ولن تكون مفاعيله إلا مزيداً من الجهوزية للمواجهة التي نعلم أنّ أمّيركا المنكفئة و”إسرائيل” المتخبّطة لن تبادرا اليها وإنْ فعلتا فإنهما ستندمان.

وعليه نقول ان على لبنان ان يتخذ من قرار المقاومة استيراد النفط من إيران وعبر سورية نموذجاً يُحتذى للتعامل مع أميركا ومواجهة حصارها وإملاءاتها، وعلى المسؤولين في الدولة ان يعلموا انّ المقاومة التي انطلقت لتحرير الأرض بعد ان عجزت الدولة عنه، ستكون جاهزة لسدّ أيّ عجز او تلكؤ وعلى طريقتها ووفقاً لأساليبها لمواجهة الحصار والإرهاب الاقتصادي الأميركي حتى تحمي لبنان وشعبه، أما القول بأنّ “أميركا ستستمرّ بالحصار حتى الاستسلام او الاندثار” فإنه قول فيه من الخنوع والتشاؤم ما لا يتوافق مع نهج المقاومة التي ترى انّ أميركا ستتراجع عن الحصار وسيبقى لبنان كما تريده المقاومة.

* أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

كيف تواجه المقاومة خطة بومبيو لتنقذ لبنان؟

 العميد د. أمين محمد حطيط _

بعد ان تأكد لأميركا انّ عدوانها على سورية ومحور المقاومة فشل في تحقيق أهدافه بعد حرب كونية اعتمدت «استراتيجية القوة العمياء» التي تقوم على الإرهاب والتدمير، انقلبت في العام ٢٠١٨ الى العدوان الانتقامي الإجرامي بالحرب الاقتصادية التي عوّلت عليها لمنع مكونات محور المقاومة من استثمار الانتصار وإطلاق عملية إعادة البناء لا بل وترمي الى التجويع والتركيع وتفجير المجتمعات من الداخل لتحيل الانتصار الذي تحقق الى جثة لا روح فيها. وبذلك تنتقم أميركا ومن معها في الإقليم ممن منعها من النجاح والانتصار وألحق بها هزيمة استراتيجية ستتوالى ارتداداتها السلبية على أميركا وموقعها وعلاقتها الدولية لزمن ليس بالقصير.

وفي إطار العدوان الأميركي بالصيغة الجديدة اعتمدت أميركا «قانون قيصر» لتحاصر سورية في إطار ما تسمّيه «عقوبات” أميركية ضدّها، أما لبنان فقد وضعت لتدميره وإسقاط مقاومته ما أسمي «خطة بومبيو» ذات المراحل الخمسة التي تبدأ بالفراغ السياسي وتنتهي بعدوان «إسرائيلي» ضدّ المقاومة يعوّل عليه لتفكيك هذه المقاومة ونزع سلاحها في حرب تكون مسبوقة بدفع لبنان الى الانهيارات الثلاثة المالي والاقتصادي والأمني.

كان الاطمئنان الأميركي لنجاح خطة تدمير لبنان الخماسية المراحل شبه تامّ خاصة أنها اتكلت في تنفيذها على لبنانيين يتولون مقاليد الدولة العميقة في كلّ مفاصلها السياسية والإدارية والمالية والاقتصادية والدينية، وهي تملك سيف إرهابهم بفرض العقوبات عليهم ومصادرة أموالهم التي نهبوها من خلال توليهم السلطة والهيمنة في تلك الدولة.

وبالفعل كان لأميركا ما تريد عندما وضعت «خطة بومبيو» موضع التنفيذ في ربيع العام ٢٠١٩ عندما جاء وزير خارجيتها آنذاك جورج بومبيو الى لبنان لإطلاقها والتقى تباعاً بكلّ «الأشخاص اللبنانيين القياديين» الموكل إليهم أمر تنفيذها، وفي هذا الإطار كانت استقالة سعد الحريري في خريف العام ٢٠١٩ إثر «ثورة الست سنتات على الواتس أب» وما تبعها من إغلاق المصارف وحبس أموال المودعين وتتالي الانهيارات التي أكدت أنّ المراحل الثلاث الأولى من خطة بومبيو تتحقق بنجاح.

امام هذا الواقع أدركت المقاومة انها تتعرّض لحرب من نوع جديد وأنها امام تهديد جدي، او بشكل أدقّ أمام حرب شاملة عليها وعلى بيئتها وكلّ من يرى فيها سيفاً للدفاع عن لبنان وحقوقه، تهديد لا يتعلق بموقع او ملف عابر، بل تهديد وجودي يتصل بأصل وجودها واستمرارها تهديد يتمثل في هجوم تنخرط فيه مواقع دينية وسياسية واقتصادية ومالية وإعلامية وفكرية، تهديد يكاد يكون في صيغته وحجمه وتعدّد عناوينه غير مسبوق منذ ان نشأت.

هذا التهديد ألزم المقاومة بوضع خطة دفاع متكاملة ومتدرّجة تعتمد مبادئ الاحتواء والتعطيل حينا وقواعد إطلاق البدائل حينا اخر والبقاء على أتمّ الجهوزية العسكرية والميدانية في كلّ المراحل والحالات، ومن هنا كان موقف المقاومة حيال الفراغ السياسي حيث انها تمسكت بحكومة سعد الحريري في خريف ٢٠١٩ ورفضت استقالتها لكنها لم تستطع الإبقاء عليها لأنّ الحريري كان ينفذ خطة موضوعة ويقوم بما طلب منه في إطارها. كما أنها رفضت استقالة حسان دياب وتمسكت به فلم تستطع إبقاءه أمام الضغوط التي فرضت عليه، وقدّمت كلّ التسهيلات في سبيل إنجاح مصطفى أديب ثم سعد الحريري ثم نجيب ميقاتي في تشكيل الحكومة لكنها لم توفق حتى الآن في مسعاها لأن القرار الأميركي بالفراغ الأمني كمرحلة مفتاحية من مراحل خطة بومبيو لا يزال ساري المفعول وسيبقى تشكيل الحكومة الجديدة متعذراً طالما انّ القرار هذا مستمرّ، وطالما انّ أميركا تدرك بأنّ تشكيل الحكومة يعني نقضاً للفراغ السياسي والشروع بوقف أو إفشال خطة بومبيو.

بيد انّ المقاومة التي ليس بيدها أمر التشكيل ولا يعود اليها القرار به تجد نفسها من غير اقتدار على معالجته، فإنها في الوقت عينه تجد نفسها قادرة على إفشال الخطة الأميركية من أبواب أخرى. منها الأمن والاقتصاد، وطبعاً التصدي لـ «إسرائيل».

وفي حين قام المولجون بتنفيذ خطة بومبيو بأكثر من استفزاز وتحرّش لإحداث التفجير الأمني في أكثر من مكان وموقع على الأرض اللبنانية، لم يكن آخرها حوادث الجية وخلدة وشويا، فإنّ المقاومة تعاملت مع الأحداث تلك بصبر وروية مع إحالة الأمر لصاحب الصلاحية القانونية في المعالجة أيّ الدولة، وتمسكت بشعار أنّ الأمن مسؤولية الدولة مع الإبقاء على جهوزية تمكن من الحسم إذا وصلت الامور الى محلّ لا يبقى متاحاً للدفاع عن النفس إلا طريق واحد هو الفعل الشخصي.

اما على الصعيد الاقتصادي والمالي فقد وقفت المقاومة على حقيقة مرّة هي انّ اللبنانيين بأنفسهم وفي ظلّ منظومة الاحتكار والسيطرة والهيمنة والفساد والوكالات الحصرية هم من قاد البلاد الى الانهيارين المالي والاقتصادي وأنتج بيئة العوز والفقر والجوع، وبادرت الى فعل من شأنه أن يخط شعار كسر الحصار الأميركي ويفتح أبواباً للبنان لا تستسيغ ولا تتقبّل أميركا فتحها لما فيها من انقلاب استراتيجي على صعيد الاقتصاد اللبناني.

لقد كان قرار المقاومة باستيراد النفط الإيراني رغم ما تفرضه أميركا عدواناً على إيران بما تسمّيه العقوبات، كان هذا القرار فعل تحدّ وشجاعة وقوّة يُفهم أميركا ومن معها بأنّ هناك بدائل للطرق التي تقطعها، ويكون وظيفة قرار المقاومة بشأن النفط واستيراده من إيران ليس تأمين كلّ احتياجات لبنان من النفط، وهو أمر يفوق طاقات المقاومة ويبقى في الأساس مسؤولية الدولة، والمقاومة لم تدّع يوماً بأنها ستحلّ محلّ الدولة، بل يكون القرار كسراً لحصار أميركي وإفهام أميركا انّ المقاومة القادرة في الميدان عسكرياً للدفاع عن لبنان وعن نفسها هي قادرة على إيجاد البدائل التي تعطل مفاعيل حصارها.

وهكذا تكون المقاومة التي تفلتت حتى الآن من محاولات جرّها الى الفوضى والانهيار الأمني، والتي تبادر لكسر الحصار والتخفيف من سلبيات الانهيار المالي والاقتصادي ومع البقاء في أعلى جهوزيتها وقوتها العسكرية تكون قد أرسلت رسالة قوية لكلّ من يعنيه أمر خطة بومبيو تخطيطاً وتنفيذاً ونتائج، مفادها انّ الخطة فاشلة وستضيف الى الفشل الأميركي في الحرب الكونية على المقاومة فشلاً آخر لأنها لن تصل الى تحقيق مبتغاها بشأن المقاومة ولن تفتح الطريق أمام «إسرائيل» لشنّ عدوانها وتفكيك المقاومة خاصة بعد ان تلقت الرسالة من مزارع شبعا بتثبيت قواعد الاشتباك التي تحمي لبنان ومقاومته.

ومع هذه الحقيقة الإيجابية تبقى هناك سلبيات تتصل بمعاناة الشعب اللبناني الذي لا تعبأ أميركا به بل فرضت عليه الوقوف بطوابير الذلّ أمام محطات المحروقات والصيدليات الخ… والأكثر إيلاماً في هذا المشهد انّ من ينفذه على أرض الواقع هم لبنانيون ممّن ارتهنتم أميركا وهدّدتهم بنفوذهم وأموالهم ومصالحهم فانقلبوا الى ذئاب ينهشون مواطنيهم ويحتكرون الدواء والبنزين والمازوت والغاز وقد يحتكرون غداً الرغيف مع السلع الغذائية… كلّ ذلك لتحصيل المال الحرام لجيوب العملاء وإرضاء أميركا في تنفيذ خطة تدمير لبنان من أجل تدمير المقاومة التي أثبتت قوّتها وأكدت أنها عصية على ذلك.

وعليه نقول إنّ المواجهة على أرض لبنان حتى الآن بين أميركا ومن معها من أدوات محلية او أجنبية من جهة وبين المقاومة ومحورها من جهة أخرى لم تلحق الضرر بالمقاومة ولا يبدو أنها قادرة على النيل منها في ظلّ إبداعات المقاومة في الأداء الدفاعي، لكنها أدّت الى إنزال الفظائع والمآسي بالشعب اللبناني الذي جعلته أميركا طريدة مباشرة لإرهابها الاقتصادي وضحية للفراغ السياسي وهدّدته في أمنه وماله وعيشه، وضع أنتجه الفكر الأميركي الشرير وصنعه بأيد لبنانية عملية. وضع لن يتوقف كما يبدو إلا عندما تقتنع أميركا بأنّ عدوانها لن يحقق أهدافه، أو أن يتراجع اللبنانيون الذين تتخذهم أميركا أدوات تنفيذية عن لعب هذا الدور الخسيس.

* أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

مقالات متعلقة

ماذا بعد التشكيلة الوزاريّة الحريريّة الكيديّة… والاعتذار؟

*أستاذ جامعي – خبير استراتيجي
 العميد د. أمين محمد حطيط _

عندما رشّح سعد الحريري نفسه لرئاسة لحكومة بعد أن دفع عبر حلفائه حكومة حسان دياب للاستقالة وأفشل مصطفى أديب في مهمة تشكيل حكومة وفقاً للمبادرة الفرنسية، ظنّ الحريري أنّ الظرف مؤاتٍ له ولحلفائه في الداخل ومناسب لمن يعمل بإمرتهم في الخارج، مؤات لصياغة وضع يستفرد به مع حلفائه بحكم لبنان بواسطة «مجلس إدارة» يُقصي به الأكثرية النيابية عن الحكم عبر مصطلح اختصاصيّين ويرمّم عبره العلاقة مع السعودية ويستعيد موقعه وموقع أبيه في تلك المملكة الغاضبة عليه اليوم.

لكن حسابات الحريري اصطدمت بالواقع المركّب داخلياً وخارجياً، ففي الداخل واجه الحريري صلابة من رئيس الجمهورية الذي لم يؤخذ بالضغط والتهويل ولم يرعبه الحصار الاقتصادي الأميركي الضاغط، ولم يفتّ من عضده ما قام به البعض لإحداث انقلاب داخلي أو تحميله مسؤولية عرقلة تشكيل الحكومة وتسليم الأمر والحكم لسعد الحريري ومَن معه في الداخل ومَن يديره من الخارج.

لقد تمسّك رئيس الجمهورية بنصوص الدستور وأحكامه الناظمة لتشكيل الحكومة والتي تعطيه حق المشاركة الفاعلة في تشكيل الحكومة خلافاً لما أراده الانقلابيّون من عمل مغاير لروح النص الدستوريّ وحرفه، وأفشل سعيهم إلى جعل توقيع رئيس الجمهورية لمرسوم تعيين الوزراء وتشكيل الحكومة عملاً آلياً إلزامياً لا موقع لإرادة الرئيس فيه قبولاً أو رفضاً.

أما خارجياً فقد وجد الحريري أنّ رهانه على متغيّر ما في الموقف السعودي منه، هو رهان خاطئ وتأكد له بشكل قاطع أنّ الصورة التي عاشها يوم اعتقاله قبل 4 سنوات على ولي العهد السعودي لا تزال هي هي لا بل اشتدّت قسوة عليه. تأكد له ذلك بعد سلسلة من الوساطات الخارجية العربية والدولية فشلت كلها في حمل السعودية على مراجعة مواقفها من سعد الحريري الذي بات مطروداً من «نعيم مملكة الخير» ولم تفلح الوساطات الإماراتية أو المصرية أو الفرنسية أو الأميركية في ثني السعودية عن موقفها السلبي الحادّ منه والذي أبلغته للوسطاء والمتضمّن القول إنّ سعد الحريري شخص سعودي الجنسية أساء لوطنه مالياً وسياسياً وعليه أن يؤدي الحساب قبل أي تقييم آخر للعلاقة به، وبالتالي عرف جميع الوسطاء أنّ باب السعودية مقفل بوجه سعد إلى إشعار آخر إنْ لم يكن إغلاقاً أبدياً.

هذه الخيبة وفشل الرهانات دفعت سعد الحريري الذي كلف بتشكيل الحكومة بعد أن «فاز بأصوات تكاد لا تتعدّى نصف أعضاء مجلس النواب وليس فيهم إلا أقلية مسيحية جعلت البعض يطعن بما يسمّونه «الميثاقية» في التكليف لكون الكتلتين المسيحيتين الأساسيتين استنكفتا عن تسميته، هذه الخيبة حوّلت الحريري من سياسي مكلف بمهمة عاجلة تتضمّن تشكيل حكومة إنقاذ لبنان إلى «سائح سياسي» يهدر الوقت وهو يستمرّ باحثاً عن طرق ينقذ بها نفسه حاضراً ومستقبلاً، وبدل أن تشكل الحكومة في أيام قليلة وتنصرف إلى العمل أهدر الحريري ما يقرب من الأشهر التسعة سائحاً جوالاً في الخارج وزائراً ظرفياً للبنان بحيث أنه أمضى معظم المدة في بلاد الوساطات والاغتراب بعيداً عن لبنان وهمومه، مهلة قفز فيها الدولار الأميركي من 6500 يوم تكليف الحريري إلى 20000 ألف ليرة اليوم. وترسّخ أكثر الانهيار المالي والانهيار الاقتصادي وتهدّد الأمن والسلم الوطني، أما الحريري فقد كان باحثاً في سياحته السياسيّة عن رضا السعودية، ومرتاحاً إلى دعم حلفائه في الداخل الذين لهم حساباتهم الشخصية في الموضوع حسابات منعت الحريري عن الاعتذار.

لقد استفاد الحريري من خلوّ الدستور من نص على مهلة قصوى للتشكيل يسقط بعده التكليف، واستفاد من وضعه داخل طائفته باعتباره «الأقوى تمثيلاً فيها» بحيث لا يجرؤ أحد على قبول المهمة إنْ لم يرضَ الحريري بذلك، كما استفاد من خشية أطراف داخلية من فتنة سنية شيعية إذا أزيح الحريري من غير رضاه عن مقعد رئاسة لحكومة أو تشكيلها، كما استثمر في علاقات تربطه ببعض الخارج الذي يرى مصلحة في وجود الحريري رئيساً للحكومة، استفاد من كلّ ذلك واتخذ من التكليف والتشكيل رهينة بيده يبتز بها حتى يحقق مصالح له ولحلفائه على حساب المصلحة الوطنية ومصالح الشعب.

ومن جهة أخرى تكامل تصرف الحريري مع خطة بومبيو الموضوعة ضدّ لبنان، لا بل شكل في تصرفه ذاك الوجه الآخر للحصار الأميركي الذي ارتكز إلى فساد الطبقة السياسية اللبنانية وتسبّب معه بالانهيار الاقتصادي والمالي بعد الفراغ السياسي، وبعد 9 أشهر من المماطلة والتسويف واثر تنازلات كثيرة قام بها الطرف الآخر من أجل الإنقاذ، قدّم الحريري تشكيلة حكوميّة انقلب فيها على ما كان اتفق عليه خلال الوساطات السابقة ووضع رئيس الجمهورية بين حلين سيّئين أو سيّء وأشدّ سوءاً، حيث إنّ الموافقة على تشكيلة الحريري كما وردت من غير نقاش وتفاهم أو اتفاق مع الرئيس يعني تخلي الرئيس عن الصلاحية وإطاحة بالدستور وإنشاء أعراف جديدة غير دستورية في الموضوع، ثم من يضمن ألا يستقيل الحريري بعد تعيينه وأن يمتنع بعد ذلك عن تصريف الأعمال كما هي عادته ويستمرّ الفراغ السياسي الذي أسّس له الحريري قبل سنتين؟ أما رفض التشكيلة صيانة للصلاحيات وتطبيقاً للدستور والتسبّب باعتذار الحريري سيعني استمرار الفراغ مع احتمال تسارع الانهيار المتعدد الأشكال.

في المحصلة لم يكن سهلاً على رئيس الجمهورية اتخاذ القرار بالقبول مع هذه الهواجس، كما لم يكن سهلاً عليه رفض التشكيلة مع ما يعني دفع الحريري إلى الاعتذار، كما يشتهي الحريري نفسه لأنه يخرجه «بطلاً طائفياً» على أبواب الانتخابات النيابية. والحريري الذي أيقن أنّ السعودية لن تفتح بابها له يعرف أنّ الحكم بالنسبة إليه مستحيل مع غياب الرضا السعودي، وأنّ مهلة الأشهر الطويلة التي استهلكها لم يكن يعالج فيها العقبات الداخلية بل جلها كان من أجل معالجة الغضب السعودي.

وعليه نرى أنّ ما فعله الحريري من تقديم التشكيلة الوزارية إلى رئيس الجمهورية وبالشكل الذي حصل وما تبعها من مواقف وتصريحات أطلقها مع إعطائه الرئيس مهلة 24 ساعة للإجابة، إنما هو فعل كيديّ يشكل فخاً للرئاسة وكميناً للبنان كان يتوخى منه الحريري صنع بيئة الاعتذار ليخرج بطلاً، لأنه يعلم جازماً أن ليس ميشال عون قائد الجيش السابق ورئيس الجمهورية الحاضر وصاحب المواقف الصلبة، ليس ميشال عون من يُفرَض عليه شيء بالأمر الواقع وتطاح بصلاحياته الدستورية، لذلك كان ينتظر الحريري الرفض وكان يحضر للاعتذار المؤكد الذي تأخر سبعة أشهر.

والآن وقد حصل الاعتذار ووضع لبنان أمام خيارات صعبة تتراوح بين الطموح بالحلّ وبين الرعب من الانفجار، فإنّ السؤال كيف نتلمّس طريق الحلّ؟

اعتقد أنّ الحلّ السريع بعد كلّ ما حصل لن يكون إلا عن طريق إيجاد صيغة دستوريّة ما لتفعيل الحكومة الحالية، وفقاً لقاعدة «الضرورات تبيح المحظورات»، وتوكل إلى هذه الحكومة رعاية الشأن الاقتصادي لمنع الجوع، ومتابعة الوضع الأمني لمنع الانفجار، إجراء انتخابات نيابية قبل موعدها بأشهر عدة مع مبادرة رئيس الجمهورية بالموازاة مع ذلك لإطلاق حوار وطني يكون بمثابة مؤتمر تأسيسي لتحديد مستقبل لبنان. هذا إذا نظرنا إلى الأمور بجدّية وعقلانية… وإلا فلننتظر انفجاراً لا يصمد بعده إلا من هيّأ لنفسه ما يحميه ويمنع الأخطار العظمى من النيل منه.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

لبنان: الكارثة المتفاقمة والحلول الغائبة!؟

العميد د. امين محمد حطيط

في العام 1967 أحجم لبنان عن دخول الحرب التي شنّتها «إسرائيل» على دول الطوق يومها بذريعة الضعف وعدم القدرة الدفاعية التي تحمي أرضه، ولما انتهت الحرب بعد أيامها الستة المعدودة ارتدّت «إسرائيل» على لبنان فألغت اتفاقية الهدنة معه من جانب واحد وشرعت في قضم أرض لبنانيّة في مزارع شبعا، القضم الذي استمرّ حتى العام 1973، حيث سيطرت «إسرائيل» على كامل المزارع ولم يحرك لبنان ساكناً خشية أن يُضمّ إلى القرار 242 ويضطر للتفاوض على الأرض ويسقط الحدود الثابتة باتفاقية «بوليه نيوكمب» 1923 والمؤكد عليها باتفاقية الهدنة 1949. ومن جهة أخرى نذكر أيضاً بأنّ لبنان الذي لم يشارك في حرب 1967 والتزم سياسة الحياد فيها من أجل حماية اقتصاده على أبواب فصل الصيف يومها وجد اقتصاده بعد الحرب ينهار ويظهر بأنه ضحية لتلك الحرب التي وضعت حداً للطفرة والنمو الاقتصادي اللبناني وتسبّبت بزعزعة أركانه أو لنقل هزة كبرى غيّرت مسارات النمو ووضعت حداً للبحبوحة. 

بدأت بذكر هذه الواقعة اليوم ليس من أجل السرد التاريخيّ طبعاً، ولكن من أجل الإشارة إلى حقيقة ثابتة في تاريخ لبنان مفادها القول إنّ تجنّب المواجهة أو الاتجاه إلى الحياد أو كما يُقال ابتداعاً وخرافة لبنانية «النأي بالنفس»، أنّ كلّ ذلك لا يضمن دائماً الحقوق ولا يؤدّي إلى حمايتها ولا يمكن من استرجاعها إنْ اغتصبت، خاصة إذا كان العدو الذي يهدّد تلك الحقوق من نسخة وطبيعة العدو «الإسرائيلي» وكان المُعتدى عليه دولة كلبنان واهنة هشة في نظامها وسلطتها وماليتها. اليوم تكاد الصورة ذاتها تستعاد، إذ إنّ لبنان الرسمي وفي مواجهة الحرب الكونية التي شنّت على سورية وعلى محور المقاومة زعم انه التزم سياسة «النأي بالنفس»! وهي أغرب بدعة يمكن أن يتسامع بها في العلاقات الدولية، خاصة اذا كانت الدولة متشابكة مع محيطها اللصيق في الجغرافية والتاريخ والديمغرافية والاقتصاد، ولو لم تبادر المقاومة لامتشاق السلاح والدفاع عن لبنان على الأرض السورية ابتداء ثم على الأرض اللبنانية هي والجيش اللبناني بعد وصول العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية، لكان الإرهابيون فعلوا في لبنان ما سبق لهم وارتكبوه من جرائم القتل والتشريد والتخريب والتدمير التي ارتكبوها في سورية والعراق. 

لقد استطاعت المقاومة بقرارها الأوّلي الذي لم يتوقف عند «سياسة النأي بالنفس» الغبية، أن تحمي لبنان من الإرهاب، لكن الحرب الكونيّة التي قادتها أميركا ومعها «إسرائيل» ضدّ سورية لم تكن عسكرية فقط، بل تعدّدت صنوفها وسقوفها وأشكالها وشملت في ما شملت الحرب الاقتصادية والإرهاب الاقتصادي، وهنا بدل أن يساهم لبنان في تخفيف آثار العدوان على سورية ويدافع عن نفسه عبرها خاصة بعد أن وضع قانون قيصر الأميركي موضع التنفيذ وهو القانون الذي ادّعت أميركا كذباً انه لا يمسّ لبنان، فقد كان العكس تماماً حيث ساهم الممسكون بالقرار الاقتصادي والمالي في لبنان في الحرب على سورية بشكل إجرامي وحرموا السوريين من أموالهم المودعة في لبنان كما حرموا المودعين اللبنانيين أيضاً من مالهم وطبّقوا «قانون قيصر» بشكل أسوأ مما كان يطلب واضعوه الأميركيون، وظنّ هؤلاء جهلاً او ارتهاناً بأنّ في ذلك كسباً للرضا الأميركي وصيانة للاقتصاد اللبناني، وأغفل هؤلاء أيضاً ما حاكته أميركا للبنان من خطة عدوان هي خطة بومبيو التي تتضمّن الانهيار الاقتصادي والمالي. 

وهكذا تأكد على أرض الواقع بأنّ الحرب الاقتصادية على سورية شملت لبنان وكشفت عوراته الاقتصادية والمالية دفعة واحدة وأظهرت على الطبيعة الكارثة الاقتصادية الحقيقية التي يعيشها لبنان بسبب نهب الأموال العامة من قبل المسؤولين وبسبب الفساد المستشري في الإدارة العامة وعلى كلّ الصعد، وبسبب سياسة الامتيازات والاحتكارات والوكالات الحصرية، وبسب السرقات المبرمجة بما أُسمي الهندسات المالية التي وضعها حاكم مصرف لبنان ما أدّى إلى إثراء المصارف وإغنائها من مال المودعين من لبنانيين وغير لبنانيين ومنهم سوريين قيل إن رصيد ودائعهم في لبنان تخطى الـ 25 مليار دولار. هكذا وبلمح البصر انكشف الاقتصاد اللبناني وظهر وهنه وخواؤه وظهرت الطبقة السياسية والاقتصادية والمالية على حقيقتها بأنها زمر من اللصوص منهم الكثير من العملاء للخارج، والفاسدون المفسدون الذين قادوا لبنان إلى الانهيار والجوع والبطالة والويلات. 

لم تكن الحرب الاقتصادية على سورية وخطة بومبيو الإجراميّة هي السبب الوحيد للانهيار الاقتصادي اللبناني، بل كانت تلك الحرب أحد الأسباب التي فاقمت الأزمة والسبب الرئيسي الذي كشف عن الحقيقة. وشكلت رداً مباشراً وعملياً على أولئك الذين فاخروا بسياسة النأي بالنفس وقاطعوا سورية وامتنعوا حتى عن الحديث معها لا بل إنّ مسؤولين كباراً يعلم القاصي والداني أنّ الرعاية السورية هي التي بنت لهم مواقعهم وأنتجت لهم أمجاداً يتغنون بها الآن، قاطعوا سورية وعملوا مع أميركا ضدها بشكل بشع. 

إنّ مأساة لبنان باتت حقيقية كارثية قائمة، والكارثة الأفظع هي عدم الاعتراف بالمسؤولية عنها والإصرار على التمسك بالأشخاص والأساليب ذاتها التي أدت إلى الكارثة، متناسين الحكمة القائلة بانّ «المقدمات ذاتها تؤدي إلى النتائج ذاتها» أو أن تطابق المقدّمات يحكم بتطابق النتائج، وبالتالي فإنّ تماثل الأشخاص والأدوات والأساليب يؤدّي إلى نتائج متماثلة. وفي حالنا يعني أنّ لبنان سيكون أمام مأساة تتفاقم وليس أمام إشكالية يتبعها حلّ. 

والغريب في الأمر أنّ من يتفحّص مسارات وآلية البحث عن حلّ لمأساة لبنان يصاب بالذهول، حيث إنه يجد أولاً أن المتسبّبين بالكارثة هم أنفسهم يستأثرون بالبحث عن حل بعد أن أوكل إليهم أمر الإخراج منها، وأنّ أدوات إنتاج الكارثة هي نفسها الأدوات التي يتمّ التمسك بها والأفظع من ذلك هي الدعوة أو الإصرار على سياسة العزلة والنأي بالنفس أو ما ابتدع بتسميته «الحياد الناشط» الذي ليس له مكان في القانون إلا في أوهام وخيال مَن يطلقه. 

أما الحلّ الذي نراه فإنه يجب أن يُرسى على قوائم ثلاث تتمثل بإصلاح سياسي واقتصادي ومالي. ففي السياسة لا بدّ من تغيّر أو إصلاح جذري يضع حداً للطبقة السياسية الفاسدة التي ترفع شعار حقوق الطائفة وتنهب أموال الطائفة والوطن والمجيء بمن يعمل للوطن والدولة والشعب ولا يكون مطواعاً للخارج. وفي الاقتصاد يجب أن يقوم الإصلاح على شقين أو فرعين فرع في الماهية وعبره نتحوّل إلى الاقتصاد الإنتاجي الذي قضت عليه سياسات ما بعد 1992، وفرع استراتيجي يقوم على الاندماج الاقتصادي التكاملي مع المحيط وبشكل خاص الدول العربية الثلاث التي توجّه اليها الرئيس ميشال عون بمبادرته طارحاً السوق الاقتصادية المشرقية، (بدأت مصر مع الأردن والعراق بهذا التعاون الفاعل وندعو إلى انضمام لبنان وسورية لهما) كما والانفتاح على الشرق بشكل عام وعلى الصين وإيران وروسيا بشكل خاص مع وضع حدّ لسياسة الاحتكارات والتبعية للغرب. وأخيراً الإصلاح النقديّ الذي يجب أن تقوم به لجنة من الخبراء يضع حداً للدولرة ويعيد إلى القطاع المصرفي الثقة ويحرر أموال المودعين أو على الأقل يضع جدولاً زمنياً لإعادتها حتى ولو طال الوقت بضع سنين، فالمهمّ ألا تضيع. 

هذه برأينا الخطوط الكبرى للحلّ، لكن للأسف لا نرى مَن يسعى اليه بشكل يدعو إلى طمأنينة ما بل نرى استشراء في النهب والسيطرة واستباحة الدولة الأمر الذي يطرح السؤال: متى يتحرّر اللبناني من زعيمه الجلاد، ومن مرجعيته الخارجية الظالمة المستبدة ويعمل باستقلالية القرار وليس بالحياد التافه، يعمل بإرادة وقرار مستقلّ من أجل نفسه ووطنه؟ وهل ستبقى الحلول غائبة حتى تلك اللحظة؟ 

هل يمارس لبنان المقاومة السياسيّة والاقتصاديّة؟

11/06/2021

 العميد د. أمين محمد حطيط _

لم يشهد لبنان في تاريخه الحديث كمّاً من الأزمات يتوالد ويتفاقم بسرعة وعمق بالشكل الذي يشهده اليوم. وصحيح أنّ بنية النظام الاقتصادي اللبناني واهنة والإدارة اللبنانية فاسدة والتبعية قاتلة، لكن هذا ليس بجديد فنظام الاحتكار والوكالات الحصرية غير المبرّرة قديمة العهد ولم تقوَ حكومة أو مسؤول على الإطاحة بها، لا بل كان رأس المسؤول يتدحرج عندما كان يتجرّأ على طرحها (كما حصل مع وزير الصحة البيطار عندما فكر بمعالجة موضوع الدواء وضبطه بعيداً عن المحتكرين) أما الرشوة والنهب وكلّ وجوه الفساد المالي والإداري فهي متلازمة مع هذا النظام السياسي القائم على العشائرية والطائفية والمحاصصة الأنانية وسلطة الزعيم في الطائفة، ونختصر الأمر بالقول إنّ الواقع الرديء للبنان من حيث السياسة والإدارة والاقتصاد أمر غير مستجدّ، لا بل هو قديم قدم النظام اللبناني ولا ننسى أنّ أول رئيس جمهورية في لبنان أطيح به بتهمة الفساد. وهنا يطرح السؤال لماذا وصلنا اليوم إلى هذا الواقع المرير إذن رغم أنّ الأسباب الداخلية قديمة؟

قد نجد الردّ منطقياً بالقول إنها الشعرة التي قصمت ظهر البعير، أو إنها النقطة التي فاض بها الكأس، أو إنها اللحظة التي تفصل الموت عن الحياة، وإنّ الطريق الخاطئ الذي سلكه لبنان منذ تأسيسه عامة ومنذ العام 1992 خاصة كان لا بدّ من أن يؤدي به إلى ما هو عليه اليوم من بؤس وعوز وفقر بعد أن نهب المال وسخرت الدولة لمصلحة طبقة سياسية سارقة دخلت إلى الدولة ولا تملك ليرة واحدة ووصلت عبر السلطة إلى امتلاك مليارات الدولارات التي بلغت عند بعضهم 16 مليار دولار لم يجنها إلا نهباً وسرقة واغتصاباً من الدولة.

وعلى وجاهة هذا التبرير والتفسير، يبقى السؤال لماذا لم يتعرّض لبنان في ظلّ مراحل سبقت وكانت ظروفها أشدّ قسوة وتعقيداً، لماذا لم يتعرّض لربع ما هو عليه اليوم، إذ رغم حرب السنتين في العام 1975 لم تهدّد الودائع المصرفية بالتبخر ولم يتدهور سعر صرف الليرة، ورغم العدوان “الإسرائيلي” في العام 1982 وما تبعه من حروب خاصة كحرب الجبل وحرب إسقاط اتفاق 17 أيار لم تفقد المواد الغذائية والأدوية والمحروقات من السوق رغم ارتفاع أسعارها، وفي الحروب الداخلية ضمن الطوائف والمذاهب وتعاظم الخطر والمخاطر الأمنية في كلّ بيت في تلك الطائفة أو المذهب أو ذاك لم نشهد ما نراه اليوم من ذعر وخوف على حليب الأطفال ودواء المرضى و… و… إلخ…؟ فلماذا نحن الآن هنا إذن؟

أعود وأكرّر وأؤكد أنّ بنية الاقتصاد اللبناني الذي أقيم بشكل خاص بعد العام 1992 ليكون اقتصاداً ريعياً غير إنتاجي واقتصاد خدمات واهن تابع، معطوفة على فساد في الحكم والإدارة وكلّ شيء في الدولة التي يعمل فيها بقاعدة “الوظيفة العامة ملكية استثمار وليست خدمة ولا مسؤولية”، وان نجاح المسؤول في وظيفته يُقاس بمقدار ما يسرق وما ينهب من المال العام وأموال الناس لنفسه ولجماعته، وأنّ ذلك يشكل أسباباً كافية للوصول بنا إلى حيث نحن من كوارث جعلت الدولة وشعبها في سحيق الانهيار وخطر الزوال، لكن مقارنة ما نحن فيه مع ما سبق من مراحل وحالات سيئة بل أسوأ يثير السؤال هل الفساد الداخلي وطبيعة الاقتصاد اللبناني وحدهما هما سبب ما نحن فيه أم هناك عوامل أخرى.

في موقف جريء وبعد أن لمس الحقيقة لمس اليد، صرح رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب بأنّ “لبنان يتعرّض لحصار خارجي مطبق”، وهي حقيقة كان على المسؤول أن يواجهها منذ أن اعتمدت وهنا نذكر بأننا كنا من أوائل من نبّه إلى هذا الأمر وفصلناه في العام 2019 عندما جاء وزير خارجية أميركا وأطلق من بيروت خطة انهيار لبنان لإسقاط المقاومة التي أطلقنا عليها تسمية “خطة بومبيو” والتي قلنا مؤخراً إنها لا تزال سارية المفعول حتى الآن، وهي الخطة التي أُرسيت على حلقات خمس، تبدأ بالفراغ السياسي، ثم الانهيار المالي، ثم الانهيار الاقتصادي وصولاً إلى الانفجار الأمني، تمهيداً لعدوان “إسرائيلي” ينفذ اذا تمّ النجاح في الحلقات الأربع السابقة.

ولكن بدل المواجهة رأينا كيف أعان المسؤولون في لبنان وفي مختلف المواقع أميركا على تنفيذ خطتها، التي تسبّبت بالفراغ السياسي الذي يتخبّط به لبنان منذ أن استقال سعد الحريري بشكل فاجأ شركاءه في تشرين الأول 2019، ولا يزال هذا الفراغ قائماً حتى اليوم بعد أن حُمل حسان دياب على الاستقالة وتعثرت كلّ مساعي تشكيل الحكومة من 10 أشهر وهي لن تتشكل حتى تمتلك جرأة إسقاط القرار بالفراغ السياسي. أما الانهيار الاقتصادي مقروناً بالنقدي فقد نجح سياسيون وإداريون وموظفون وطبقة مصرفية واقتصادية ومالية مرتبطة بأميركا وتسير على الإيقاع والتوجيه الأميركي نجحوا في إحداثه بشكل يفوق ما توقعت أميركا نفسها، حيث إنهم وبكلّ وقاحة وخلافاً للأنظمة والقوانين والدستور وضعوا اليد على ودائع الناس في المصارف وتحكموا بها وحرموا أصحابها منها وألقوهم في دوائر العوز والضيق دون أن يرفّ لهم جفن.

وفاقم الأوضاع سوءاً ما أسمي العقوبات الأميركية على سورية وما جاء في قانون قيصر الأميركي بصددها، فنال لبنان من الحصار والعقاب أكثر ما تأثرت به سورية نفسها والسبب عائد لاختلاف طبيعة الاقتصاد في البلدين والأداء الرسمي لدى الحكومتين.

والنتيجة أنّ أزمة لبنان الاقتصادية والضيق النقدي والمالي الحالي عائد لفئتين من الأسباب فئة داخلية تتعلق بطبيعة الاقتصاد والفساد الداخلي في الدولة وعلى شتى الصعد، وخارجية وتتعلق بالحصار الاقتصادي لا بل الحرب والعدوان الاقتصادي الذي تشنّه أميركا مع أتباعها ضدّ لبنان وهو ما قصده رئيس الحكومة بالحصار المطبق على لبنان.

وبالتالي تكون المواجهة للخروج من الكارثة النازلة بلبنان اليوم عبر العمل على خطين، عمل داخلي ويركز على الإصلاح الذي يجب أن يكون شاملاً ويتناول كلّ الأسباب الداخلية ويستوجب حكومة وطنية حقيقية وليس مجلس إدارة يمارس عملية النهب التحاصصي، ومواجهة مع العدوان الخارجي، مواجهة قد تتردّد الدولة أو يتعذر توفر الشجاعة والجرأة لدى المسؤولين فيها لاتخاذ قرار المواجهة كما حصل في مسائل كثيرة سبقت، وهنا يكون على الشعب أن يظهر مقاومته للعدوان وكما انبرت أقلية شعبية في الماضي لتنظيم مقاومة ضدّ العدوان والاحتلال “الإسرائيلي” للجنوب ونجحت في فرض التحرير فإنّ الشعب اللبناني مدعو اليوم إلى ممارسة المقاومة الاقتصادية وهي حق مشروع للدفاع عن النفس من باب لقمة العيش، ومن هنا يجب أن يفهم موقف سيد المقاومة في لبنان أو بالأحرى سلسلة مواقفه التي بدأت بشعار لن نجوع ولن نركع، ووصلت في محطته الأخيرة إلى الإعلان عن الاستعداد لاستيراد المحروقات من إيران إنْ استمرّت الدولة في عجزها عن ذلك.

وهنا وعلى سبيل التذكير نقول انه في العام 1982 عجزت الدولة عن منع العدوان ومنع الاحتلال وقبله عجزت عن تطبيق القرار 425 وتحرير الشريط المحتلّ في الجنوب فانبرت المقاومة وحرّرت ممارسة لحق تكفله كلّ الشرائع والمواثيق الدولية، واليوم إذا استمرت الدولة في عجزها عن تأمين احتياجات العيش للمواطنين بسبب حصار يريد تركيع جمهور المقاومة، فليس من حق أحد أن ينتقد مبادرة لمنع الجوع والمرض.

وبهذا… وبكلّ تأكيد يكون السيد في مواقفه في المحطات المتسلسلة منذ سنتين تاريخ العمل بخطة بومبيو لانهيار لبنان، يكون السيد قد مارس المقاومة السياسية في رفضه للفراغ السياسي بدءاً من رفضه لاستقالة الحكومة وصولاً إلى رفضه حلّ مجلس النواب الحالي، ويكون مارس المقاومة المالية رفضاً للانهيار المالي ونهب ودائع الناس عبر إدارة أموالهم من خلال مؤسسة القرض الحسن التي يقصفها أعداء المقاومة بشتى النعوت والتهم الباطلة، والآن يمارس المقاومة الاقتصادية لتأمين حاجات المعيشة. انها المقاومة التي شعارها لأهلها “سنخدمكم بأشفار العيون”.

*أستاذ جامعي – خبير استراتيجي

Iran backs Palestine because it is independent, says Lebanese analyst

May 24, 2021 – 17:18

By Reza Moshfegh

Amin Hoteit

TEHRAN – A senior Lebanese political analyst says that Iran adheres to the Palestinian cause while many Arab countries have neglected Palestine in order to satisfy the colonialists and the Zionist regime and their American master.

Amin Hoteit says Iran has adopted such a policy toward Palestine because it is an independent and sovereign state.

“There is a big difference between a sovereign, independent ruler who safeguards the interests of his nation and a subordinate ruler who guards the interests of foreigners,” Hoteit tells the Tehran Times.

“Iran adheres to Palestinian cause while many Arabs neglect Palestine in order to satisfy the colonialists and the Zionist regime, and their American master,” the Lebanese analyst notes.

After 11 days of Israeli bombing, Gaza remains strong. The Israeli regime was forced to agree to a ceasefire in the Gaza Strip. Resistance forces in Gaza forced Israeli settlers to seek shelters by firing hundreds of missiles at different parts of occupied territories.
Following is the text of the interview:

Q: What is the status of Palestine in the Arab and Islamic world?

A: Palestine is part of the Arab and Islamic lands, and within this framework, we say that the Islamic world should be coherent and united in the face of Israel as God says in Quran: “Indeed this, your religion, is one religion, one and I am your Lord, so worship Me.” (Al-Anbya – Verse: 92)

On the one hand, according to Islamic logic, the attack on Palestine means an attack on the Islamic Ummah.

On the other hand, Palestine contains the most important sanctities of Muslims, including Jerusalem, which hosts Muslim’s first Qiblah and the Al-Aqsa Mosque; and there are other religious symbols related to Islam and Christianity.

Third, the Palestinian people are part of the Arab people and the Islamic Ummah, and attacking that part means attacking the whole. For all of this, Palestine, in its three dimensions -the land, the people, and the holy sites-has a fundamental position for the Arab and Islamic world.

Q: Why does Iran, after the Islamic Revolution, has kept insisting on liberating the Palestinian lands?

A: What distinguishes Iran from other Arab countries is that first it is an independent, sovereign state whose rule stems from the will of the people and was established on the basis of an Islamic revolution that seeks to achieve the nations’ rights and resist the usurpers.

Therefore, Iran is working for the sake of Islam, the people, and the Islamic Ummah. This feature does not exist in most Arab regimes, wherein the ruler is appointed by foreigners.

 In Arab states, a ruler comes and goes by an external decision, and policies and governments are determined by powers outside the countries. Therefore, at a time when we find that Iran is a country in which the rule emanates from the people and takes care of the interests of the people and nations, most of Arab rulers are guardians of the interests of foreign powers.

 There is a big difference between a sovereign, independent ruler who safeguards his nation’s interests and a subordinate ruler who guards the interests of foreigners. For this reason, Iran adheres to the Palestinian cause while many Arabs neglect Palestine in order to satisfy the colonialists and the Zionist regime and their American master.

Q: How do you see the stances of Arab states towards the Palestinian issue? How do you assess normalization of ties with Israel?

A: Unfortunately, some Arabs are heading towards overt surrender to the Israeli enemy.

Under the slogan of normalization of ties with Israel and the forged Abraham Accords, these regimes accepted to be slaves of Israel and servants of American interests, providing it with resources and reassurance. This approach should be stopped.

We call on Arab people to move against this approach adopted by their governments. They need to retreat from this treacherous behavior.

Normalization of ties with Israel, in our opinion, is a betrayal of the Ummah and a betrayal of the Palestinian cause. It violates their rights and legitimacy.
That is why we find that today there are sides and groups in the Arab and Islamic world that condemn normalization of ties with the Zionist regime and call for an end to it and a return to the idea of Palestine from the river to the sea.

Q: Is it possible to bet on the American-European role in resolving the Palestinian-Israeli conflict?

A: The Palestinian tragedy is a result and product of European-American conspiracy.

The Europeans continue to insult Palestine and the Palestinian people since they adopted the Sykes–Picot Agreement in Britain and France, which was followed by the Balfour Declaration.

Then, they decided to partition Palestine in the United Nations, which was ruled by Europeans and Westerners. 

They are insulting the Arab world and the Islamic Ummah by aggression against Palestine.

Whoever harmed Palestine cannot heal its wounds, and therefore we are not betting on a real European stance or on a just and fair American position in order to restore rights to their owners.

The only bet is on the peoples, on the will of the Muslim nations, and on the governments that line up in support of the resistance axis, which constitutes a milestone in the modern era.

Resistance forces have succeeded to withstand colonial domination in the region and now are drawing a scheme of liberating Palestine in the people’s minds.

Q: How could Israel preoccupy Islamic countries with internal disputes and divert attention from the Zionist threats?

A: Israel is afraid of the unity of the Arab-Islamic world because if the Arabs and the Muslims get united, what Imam Khomeini said about the Zionist regime’s demise will be realized.

To divide the Islamic world and preventing Muslim unity, Israel is working to undermine the Arab-Islamic frontier. Unfortunately, it finds those who listen to it and engage in its projects.

The comprehensive war that targeted Syria, and the great strife that has been called the Arab Spring, are not but a case of conspiracy plotted by the Zionists and Europeans to disperse and divide Muslims so that they do not unite to liberate Palestine.

RELATED NEWS

After neutrality: internationalization … another controversial file in Lebanon! What is the solution? بعد الحياد: التدويل ملف خلافيّ آخر في لبنان فما الحلّ؟

**English Machine translation Please scroll down for the Arabic original version **

After neutrality: internationalization … another controversial file in Lebanon! What is the solution?

Brigadier General Dr. Amin Mohammed Hatit

As if Lebanon was short of additional controversial files, so the internationalization of the Lebanese crisis came to fill in the presentation of this deficiency, and to create additional divergence between the Lebanese parties and to increase the vertical division around dangerous paths that may raise the entire Lebanese fate, and bring us back to the first point of disagreement over identity and the entity itself as well as the political tracks. Addressing Lebanon’s fate with its general and superficial proposals, which may sometimes amount to lightness, is totally incompatible with the eagerness of Lebanese groups that have fought to defend Lebanon’s territory when they were occupied or when faced with the enemy’s attempt to reoccupy them. If anyone who wants to put forward internationalization has specific ideas to get Lebanon out of the crisis in which it is mired, let him put his detailed draft and guarantee the topics for which he wants to get an answer, and then indicate whether these topics need an external will, an external decision or an international will to impose them.

On the issue of neutrality, for example, we previously explained how closely the issue is related to the external will, and that neutrality in the first place cannot be established in a country unless it is accepted by the close surroundings first and the international system in general, otherwise it will not be of any use, and we showed that Lebanon in its and location and current reality is between a friendly sister state, and an enemy entity that usurps the land of Palestine that covets Lebanon and produces anxiety and worries for him, in light of this situation, it is impossible to be neutral if the two countries do not accept, an acceptance that cannot be requested or obtained before addressing all Lebanese dangers, concerns and concerns related to the sister state and the enemy entity, which is out of reach, circumstance and possibility, even impossible.

If we transcend the issue of neutrality, which is sterile in itself and illogical in its circumstance, because it is uprooting the Lebanon’s emotional connection with the interests of its brothers and brothers and making Lebanon move in an orbit outside of itself, even outside the regional and international belonging, races, religions and geographies. If we go beyond that, we will be surprised by the presentation of something far worse, which is internationalization, and placing Lebanon under Chapter VII of the United Nations Charter, which means bypassing the Lebanese decision and conducting it with the stick and the international force. Here we ask, is this what they wants from the introduction of Chapter VII or internationalization? What is the meaning of internationalization in the first place and as a goal?

Is it intended to call abroad to review resolution 318 /1920, under which the French High Commissioner established Greater Lebanon a century ago? In other words, will the intended internationalization be a request for France and Britain its partner in Sykes-Picot, and the perpetrator of the crime of giving Palestine to the Jews to establish a state for them under the name “Israel”? Will the required internationalization be summoning these colonial countries to review the Lebanese entity and allocating Palestinian refugees and displaced Syrians with with some of its land to solve the problem of “Israel”?

Or will internationalization be an International Trusteeship of the United States this time leading to America’s extradition of the decision to review Lebanon’s border with occupied Palestine by land and sea? That is, to draw a new land border other than the one drawn by the “Pollet NewKamp” agreement, which Trump dropped from his map attached to his vision of peace, as denied by Frederick Hoff himself (delegate – American mediator) falsely claiming that Lebanon has no land border with Palestine and therefore dropped the map attached to Decree 6433 / 2011? Or is it intended to impose a maritime border between Lebanon and occupied Palestine that contradicts Lebanon’s rights in its economic zone, as proposed by Frederic Hoff himself and gave Israel an area more than 1790 km 2 (360+1430) of Lebanon’s maritime area?

Or is it that the demands of internationalization want to strip Lebanon of its power by which it liberated the land and established the equation of effective strategic deterrence, that paralyzed “Israeli” aggression and imposed the equation of “tooth for a tooth and an eye for an eye” and military objective with the equivalent military objective whatever its location and nature? Does the owner of the idea of ​​internationalization want to summon foreign armies to implement what Israel has been unable to confront the resistance weapon?

In 2007, 14 years from now, and in the face of the impasse of governance in Lebanon, Mr. Hassan Nasrallah called for a Lebanese national conference, which he called a “cold-blooded constituent conference” to develop national solutions to what stands in the way of the Lebanese path in governance, politics, administration, security and defense. Then, today, some of those who rejected the idea of the Constituent Conference and the National Conference on Lebanon’s internal issues applaud those who put forward the idea of internationalization despite its implications or what may include an implicit abdication of sovereignty, an independent national decision or the independence of Lebanon, a recognition of the shortcomings or lack of political majority, and the need for external guardianship that is exercised in the form of mandate or colonization and imposes its decision on Lebanon and the Lebanese and market the country and its people with the stick of foreign interests.

These disadvantages and risks are not removed by some of the explanations that have been attached, because to say that Taif agreement was international, or that the international resolutions issued by the Security Council is internationalization, is an inaccurate approach so as not to say more, in Taif it was a Saudi hosting and external assistance to the Lebanese deputies who agreed on an improved version of the government they included in a document they called the “Document of National Accord”, Taif agreement was not an external decision imposed on Lebanon by any chapter of the UN Charter. International resolutions are resolutions that mean Lebanon’s relationship with an external party, which is incompatible with what is raised here.

The Lebanese situation has become dangerous, which imposes caution and accuracy in dealing with it, and it is not permissible at all to entertain or waste effort or time with proposals whose owners do not realize its dangers, and they provoke suspicion, confusion and misbelief, and therefore we say who had a draft solution should presents it for discussion in a sincere national dialogue, and to avoid excitement that generate doubts, and separation. And if the hidden goals of all these platform proposals are to reach what America and “Israel” want in stripping Lebanon of its real and effective sources of power and confiscating its rights, then, from now we say that those who have shed blood for these things will not be spared it in the future in order to protect Lebanon’s national gains, its sovereign rights and its real historical affiliation, and then to remember something inevitable, which is that the world today is busy with its worries about us.

بعد الحياد: التدويل ملف خلافيّ آخر في لبنان فما الحلّ؟

العميد د. أمين محمد حطيط

كأنّ لبنان كانت تنقصه ملفات خلافيّة إضافيّة فجاء مَن طرح التدويل للأزمة اللبنانية ليسدّ بطرحه هذا النقص، ويحدث تباعداً إضافياً بين الأطراف اللبنانيّة ويزيد في الانقسام العموديّ حول مسارات خطرة قد تطرح المصير اللبناني برمّته، ويعيدنا إلى نقطة الخلاف الأولى على الهوية والكيان بذاته فضلاً عن المسارات السياسيّة والمصيرية الأخرى. فتناول مصير لبنان بطروحات فيها من العمومية والسطحية ما قد يصل إلى الخفة أحياناً هو أمر لا يتناسب مطلقاً مع حرص فئات لبنانية امتشقت السلاح للدفاع عن أرض لبنان عندما احتُلت أو عندما واجهت محاولة العدو لاحتلالها مجدّداً. وإذا كان لدى من يريد طرح التدويل أفكاراً محدّدة لإخراج لبنان من الأزمة التي يتخبّط فيها فليقم بوضع مشروعه التفصيلي ويضمّنه المواضيع التي يريد أن يحصل على إجابة لها، ثم يبيّن إن كانت هذه المواضيع بحاجة لإرادة أو قرار خارجي أو إرادة دولية لفرضها.

ففي موضوع الحياد مثلاً، بيّنا سابقاً كم أنّ الموضوع وثيق الصلة بالإرادة الخارجية، وأنّ الحياد أصلاً لا يمكن أن يرسى في دولة ما لم يكن قبول به من المحيط اللصيق أولاً والمنظومة الدولية عامة وإلا لا تكون له أيّة جدوى، وبيّنا أنّ لبنان في واقعه الحالي وموقعه الجغرافي بين دولة شقيقة صديقة شريكة له في الهموم، وكيان عدو مغتصب لأرض فلسطين يطمع بلبنان وينتج له القلق والهموم، في ظلّ هذا الوضع يستحيل أن يكون محايداً إنْ لم تقبل الدولتان وهو قبول لا يمكن أن يطلب أو يحصل عليه قبل معالجة كلّ الأخطار والقلق والهموم اللبنانية ذات الصلة بالدولة الشقيقة والكيان العدو وهو أمر بعيد المنال ظرفاً وإمكانية حاضراً حتى الاستحالة.

فإذا تجاوزنا أو طوينا موضوع الحياد، الطرح العقيم في ذاته وغير المنطقي في ظرفه، لأنه يجتثّ قنوات ارتباط لبنان الشعوري بمصالح أشقائه وإخوانه ويجعل لبنان يتحرّك في مدار خارج ذاته لا بل خارج الانتماء الإقليمي والدولي أعراقاً وأدياناً وجغرافيّة، إذا تجاوزنا ذلك فإننا نفاجأ بطرح أمرّ وأدهى هو التدويل ووضع لبنان تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة أيّ تجاوز القرار اللبناني وتسييره بالعصا والقوة الدولية. وهنا نسأل هل هذا ما يريده من طرح الفصل السابع أو التدويل؟ وماذا يُراد من التدويل أصلاً وهدفاً؟

هل يُراد استدعاء الخارج لمراجعة القرار 318 / 1920 الذي بموجبه أنشأ المفوض السامي الفرنسي لبنان الكبير منذ نيّف وقرن من الزمن؟ أيّ هل التدويل المقصود سيكون بمثابة طلب لفرنسا وخلفها بريطانيا شريكتها في سايكس بيكو، ومرتكبة جريمة إعطاء فلسطين لليهود لإقامة دولة لهم تحت اسم «إسرائيل»، فهل التدويل المطلوب سيكون استدعاء هذه الدول الاستعمارية لمراجعة الكيان اللبناني وتخصيص اللاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين بشيء من أرضه لحلّ مشكلة «إسرائيل»؟

أم هل التدويل سيكون وصاية دولية أميركية هذه المرة تفضي إلى تسليم أميركا قرار مراجعة الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة براً وبحراً؟ أيّ لرسم حدود برية جديدة غير تلك التي رسمتها اتفاقية «بوليه نيوكمب» والتي أسقطها ترامب من خريطته المرفقة برؤيته للسلام، كما أنكرها فريدريك هوف ذاته (المندوب – الوسيط الأميركي) مدّعياً كذباً وتزويراً بأن ليس للبنان حدود برية مع فلسطين ولذا أسقطتها الخريطة المرفقة بالمرسوم 6433 / 2011؟ أو يُراد فرض حدود بحرية بين لبنان وفلسطين المحتلة تناقض حقوق لبنان في منطقته الاقتصادية كما اقترح الأميركي فريدريك هوف ذاته وأهدى بموجبه «إسرائيل» مساحة تتجاوز 1790 كلم 2 (360+1430) من مساحة لبنان البحرية؟

أم أنّ المطالِب بالتدويل يريد تجريد لبنان من أحد فروع قوته التي بها حرّر الأرض وبها أقام معادلة الردع الاستراتيجي الفاعل فحمى لبنان وشلّ اليد «الإسرائيلية» عن الاعتداء عليه وفرض على «إسرائيل» معادلة «السنّ بالسنّ والعين بالعين…» والهدف العسكري بالهدف العسكري المكافئ له أيّاً يكن مكانه وطبيعته؟ هل صاحب فكرة التدويل يريد استدعاء الجيوش الأجنبية لتنفيذ ما عجزت عنه «إسرائيل» في مواجهة سلاح المقاومة؟

كثيرة هي الشكوك والظنون التي تُثار أو تثور في الذهن عندما تطرح فكرة التدويل، فهل من يطرحها يدرك ذلك؟ أم أنّ «عاطفته الجامحة المدّعاة بأنها عمل من أجل لبنان» حجبت عنه الرؤية السليمة وجعلته من غير قصد يعمل لتقريب أجَل لبنان وإنهائه من غير أن يدري؟

في العام 2007 أيّ قبل 14 عاماً من الآن ووقوفاً عند مأزق الحكم في لبنان دعا السيد حسن نصرالله إلى مؤتمر وطني لبناني أسماه «مؤتمراً تأسيسياً يُنظم على البارد» لبلورة حلول وطنية لما يعترض المسار اللبناني في الحكم والسياسة والإدارة والأمن والدفاع، وبدل أن تلاقيه العقول بالحجة والقلوب بالثقة، كان العكس تماماً وكان الرفض الحادّ الذي لا مبرّر له سوى الخبث والعدائية الغرائزية، ثم تجد اليوم بعضاً ممن رفض فكرة المؤتمر التأسيسي والمؤتمر الوطني حول مسائل لبنان الداخلية يصفقون لمن يطرح فكرة التدويل رغم ما تنطوي عليه أو بما قد تتضمّن من تنازل ضمني عن السيادة والقرار الوطني المستقلّ أو استقلال لبنان وإقرار بالقصور أو عدم بلوغ سنّ الرشد السياسي وإظهار الحاجة إلى وصاية خارجية تمارس بشكل انتداب أو استعمار وتفرض قرارها على لبنان واللبنانيين وتسوق البلد وشعبه بعصا المصالح الأجنبية.

انّ هذه المساوئ والمخاطر لا يزيلها بعض ما استلحق من شروحات، فالقول بأنّ الطائف كان تدويلاً، أو أنّ القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن هي تدويل، هو مقاربة غير دقيقة حتى لا نقول أكثر، ففي الطائف كانت استضافة سعودية ومساعدة خارجية للنواب اللبنانيين الذي توافقوا على صيغة مطوّرة للحكم أدرجوها في وثيقة أسموها «وثيقة الوفاق الوطني» ولم يكن الطائف قراراً خارجياً فرض على لبنان بأيّ فصل من فصول ميثاق الأمم المتحدة (إلا إذا كان النواب باعوا القرار أو أكرهوا عليه، وهذا ما ينكره جميع من كان في الطائف). أما القرارات الدولية فهي قرارات تعني علاقة لبنان بطرف خارجي الأمر غير المتوافق مع ما يُطرح في المسألة هنا.

إنّ الوضع اللبناني بات من الخطورة ما يفرض الحذر والدقة في التعاطي معه، ولا يجوز مطلقاً التسلي أو هدر الجهد أو الوقت بطروحات لا يدرك أصحابها مخاطرها كما أنهم يستثيرون فيها الشبهة والالتباس وسوء الظنون لأنها طروحات حمّالة أوجه، وعليه نقول من كان لديه مشروع حلّ للأزمة اللبنانية التي نقرّ جميعاً بوجودها لا بل بملامستها درجة شبه الاستعصاء، نقول من كان لديه مشروع حلّ فليدرج مشروعه ووسائل اعتماده في مخطوطة يعرضها للنقاش والحوار الوطني الصادق الهادف، وليتجنّب الإثارة وتوليد الشكوك التي لا تزيد الوضع إلا تباعداً أو تفسّخاً. وإذا كانت الأهداف الخفية من كلّ هذه الطروحات المنبرية الوصول إلى ما تريده أميركا و»إسرائيل» من تجريد لبنان من مصادر قوّته الحقيقية والفعّالة ومصادرة حقوقه، فإننا من الآن نقول إنّ من قدّم الدماء في سبيل تلك الأمور لن يبخل مستقبلاً من أجل حماية مكتسبات لبنان الوطنية وحقوقه السيادية وانتمائه الحقيقي التاريخي، ثم ليتذكر أمراً لا بدّ منه وهو أنّ العالم اليوم مشغول بهمومه عنا فلننشغل نحن بهمومنا ولا نطرحها على الآخرين.

Iran-America: A Nuclear File or Beyond That? إيران – أميركا: ملف نوويّ أم أبعد من ذلك؟

**English Machine translation Please scroll down for the Arabic original version **

Iran-America: A Nuclear File or Beyond That?

Brigadier General Dr. Amin MohammedHatit*

On the 42nd anniversary of its victory, and at a time when the Islamic Revolution in Iran boasted of its distinct and multi-heading achievements, including strategic, political, scientific, economic, and military, etc., it faces important challenges that are not the issue of the economic war waged against it or the blockade and sanctions related to the Iranian nuclear file and the international agreement around it, at least.

Iran has chosen, since the success of its revolution and its orientation to build a truly independent state, the state enjoying its sovereign rights and investing its wealth outside the major blocs, protected by self and allied power.

On the other hand, the West viewed the Iranian independence approach as a departure from the “international order” imposed on the world after the Second World War, which is based on the idea of ​​”ruling the victors’ club in that war” controlling the fate and course of the world and preventing new members from entering this club except through one of the two powers.

The contrast between Iran, and the colonial system system stems from a fundamental idea, namely, Iran’s quest for a strong independent state to exercise its sovereign rights, and the rejection of the club of victors in the second war and because. Iran rejected dependency and maintained its independence and rights and extended the hand to those who were able to help who were abused in the region and the world, Iran was also attacked by a destructive war for 8 years, followed and is still by escalating and brutal manner economic war and a continuous blockade to the extent that it affects the people in most of their rights up to Food and medicine.

The economic war “sanctions” is not the result of Iran’s entry into the nuclear field and its success in making an advanced centrifugal system or enriching uranium by 20% or its ability to enrich with higher rates. All these titles and details are pretexts begged to justify the Western aggression against Iran. The real reason for the Western aggression against Iran lies in Iran’s endeavour to build a strong and independent self and its readiness to support the oppressed, especially the Palestinian people whose homeland was robbed by the Zionist entity, and therefore the policy of the West in the face of Iran is to deprive Iran of its power and resources, which can later undermine its independence and prevent it from helping those who want to return to their homeland in Palestine.

Iran has realised from the start the reality of the West’s stances towards it, its goals and strategies adopted against it, and decided to defend itself, its principles and its people and move forward to achieve its goals: independence, the exercise of all rights, building the protecting power, and adopted a defensive strategy of “long breath”, “strategic patience”, “courage in the situation” without provocation or an un-calculated challenge, but a kind of “constructive ambiguity” that does not provide the adversary with an excuse or attack.

In this environment, Iran entered the nuclear field and passed the threshold of possession of technology, announcing its attempt to use this technology for peaceful civilian and humanitarian purposes, but the West found in the subject a door and a new pretext to do more blockade measures and economic war and impose what he calls “sanctions” to tame Iran, while waving military action to destroy Iranian infrastructure not only in the nuclear field but in every area can be destroyed to prevent Iran from developing and advancing.

But Iran, in its reality and alliances, has surprised the adversary and the enemy, as it has with characteristic intelligence that it has the military power to be able to defend itself as reliably and to respond punitively and retaliatory to the aggressor, whose bases, positions and strategic positions are at the reach of Iran and under the influence of the missile system are legitimate targets for the defensive response. Iran had succeeded in preparing itself and announcing it even before it revealed its level of nuclear status.

This reality prevented the enemy Iran from committing any stupidity Israel did on the day its planes destroyed the Iraqi Tammuz reactor, and the matter passed as if it had not happened.

The agreement that led to the 5+1 negotiations with Iran on its nuclear file, which was approved by the Security Council and converted into a legitimate UN document, was not the fruit of the morals and humanity of the 5 + 1 group and its desire to solve the issue peacefully, but rather the inability of that group to resort to military force to prevent Iran from pursuing its nuclear project. That’s why the agreement on the nuclear file was a way out for all. Iran has reserved its right to follow the nuclear path within restrictions that affirm its peaceful and civilian nature and dismantle a package of sanctions imposed on it in an malicious and criminal form, and the other side affirms “a right that it claims and sees as a right Acquired »by preventing anyone else from entering the military nuclear club.

But America, working to prevent Iran from independence, strength, and supporting the oppressed, turned against the agreement and carried out the strangest behaviour that anyone could imagine. America disavows everything it has committed the sanctions remained and even tightened, Iran smartly responded, by gradually retreating from its commitments, accompanied by the demonstration of its defensive military power capable of self-defence, presence and interests.

And it appeared that regardless of who lives in the White House, Trump or Biden, the policy of the Iranian and American parties has become clear, Iran wants to exercise a right, and America wants to blackmail and prevent Iran from exercising its rights, regardless of the titles of those rights, Who will be the predominant?

Mr. Ali Khamenei answered very clearly to this question, showing that the world has entered the “post-American phase” and the rational person must explain and realise that the pioneer of persuasive patience in the world is not ready to retreat and concede to a force that has entered a phase of decline. The American empire, as we said in a previous article, is preparing for its demise and someone who strengthens and tightens his grip on the sources of power wins, and if it takes some pain while awaiting the greatest victory. Biden must know that Iran believes and trusts that it is ultimately the victor, and he should not waste time returning to the nuclear agreement because delaying will not be in his interest, and he knows that there is no solution except through this agreement. Will the media debates today be a show of strength and preparation for negotiations for America’s return to a file that Biden claims is his priority?

It is a few weeks and the answer comes?

*University professor – strategic expert.

إيران – أميركا: ملف نوويّ أم أبعد من ذلك؟

 العميد د. أمين محمد حطيط*

في الذكرى الـ 42 لانتصارها وفي الوقت الذي تفاخر فيه الثورة الإسلامية في إيران بإنجازاتها المميّزة والمتعدّدة العناوين من استراتيجية وسياسية وعلمية واقتصادية وعسكرية إلخ… فإنها تواجه تحديات هامة ليست مسألة الحرب الاقتصادية التي تشنّ عليها أو الحصار والعقوبات المرتبطة بالملف النووي الإيراني والاتفاق الدولي حولها أقلها.

لقد اختارت إيران منذ نجاح ثورتها وتوجّهها الى بناء الدولة المستقلة فعلياً، الدولة المتمتعة بحقوقها السياديّة واستثمار ثرواتها، اختارت العمل في بناء الذات وحشد الطاقات وعقد التحالفات التي تمكّنها من بناء القوة التي تمكنها من ممارسة استقلالها الحقيقيّ العمليّ بعيداً عن الاستقلال الشكليّ النظريّ الذي تعيشه معظم دول العالم خارج التكتلات الكبرى، وبالتالي كانت استراتيجيّة إيران قائمة بشكل رئيسيّ على فكرة الاستقلال الذي تحميه القوة الذاتية والتحالفية وتتمتع بالثروة وممارسة الحقوق السيادية.

وفي المقابل نظر الغرب الى النهج الاستقلالي الإيراني بأنه خروج عن «النظام الدولي» المفروض على العالم بعد الحرب العالمية الثانية والذي يقوم على فكرة «تحكم نادي المنتصرين في تلك الحرب» تحكّمه بمصير ومسار العالم ومنع دخول أعضاء جدد الى هذا النادي إلا من باب إحدى القوّتين العظميين وبعد أن تؤدّى مراسم الطاعة وتعتنق التبعية عقيدة في السلوك.

فالتباين بين إيران الثورة – الدولة المستقلة ومنظومة الغرب الاستعماري ناشئ من فكرة أساسية، هي سعي إيران لإقامة الدولة المستقلة القوية الممارسة حقوقها السيادية، ورفض نادي المنتصرين في الحرب الثانية لفكرة وجود قوة في العالم خارج سيطرته بعيداً عن قراره، ولهذا… ولأنّ إيران رفضت التبعية وتمسّكت باستقلالها وبحقوقها ومدّت اليد لمن استطاعت ان تساعده من المظلومين المعتدى عليهم في المنطقة والعالم، لأنها كذلك فقد اعتُدي عليها بحرب تدميرية لمدة 8 سنوات، ثم أتبعت ولا تزال عرضة لحرب اقتصادية وحصار مستمرّ يمارس بشكل تصاعدي وحشي الى حدّ أنه يطال الشعب في معظم حقوقه وصولاً الى الغذاء والدواء.

إنّ الحرب والحصار الاقتصادي المنفذ بما تسمّيه أميركا «عقوبات»، ليس وليد الساعة وليس نتيجة دخول إيران المجال النوويّ ونجاحها في صنع منظومة الطرد المركزي المتقدّمة او تخصيب اليورانيوم بنسبة 20% او قدرتها على التخصيب بنسب أعلى، انّ كلّ هذه العناوين والتفاصيل هي ذرائع تتوسّلها القوى الاستعارية لتبرّر حربها وحصارها لإيران، اما السبب الحقيقي للعدوان الغربي على إيران – الثورة الإسلامية فإنه يكمن في سعي إيران الى بناء الذات القوية المستقلة واستعدادها او سلوكها في نصرة المظلومين وعلى رأسهم الشعب الفلسطيني الذي سُلب وطنه على يد الكيان الصهيوني، ولذلك فإنّ سياسة الغرب تقوم في مواجهة إيران على حرمانها من القوة ومصادرها، ما يمكن لاحقاً من نسف استقلالها وإعادتها الى ربقة التبعية للغرب الاستعماري كما يحول بينها وبين مساعدة من يريد العودة الى وطنه في فلسطين.

لقد أدركت إيران منذ البدء حقيقة مواقف الغرب حيالها وأهدافه واستراتيجياته المعتمدة ضدّها، وقرّرت الدفاع عن نفسها وعن مبادئها وعن شعبها والسير قدُماً لتحقيق الأهداف التي رمت اليها الثورة الإسلامية: الاستقلال، ممارسة الحقوق كافة، بناء القوة التي تمكن من حماية ذلك، واعتمدت استراتيجية دفاعية تحكمها قواعد «النفس الطويل» و«الصبر الاستراتيجي» و«الشجاعة في الموقف» من غير استفزاز أو تحدّ غير محسوب لا بل يقترب الى نوع من «الغموض البناء» الذي لا يوفر للخصم فرصة أو ذريعة للاعتداء.

في ظلّ هذه البيئة دخلت إيران المجال النوويّ واجتازت عتبة امتلاك التقنية معلنة سعيها لاستخدام هذه التقنية للأغراض المدنية والإنسانية السلمية، لكن الغرب وجد في الموضوع باباً وذريعة جديدة للقيام بمزيد من إجراءات الحصار والحرب الاقتصادية وفرض ما يسمّيه «العقوبات» لترويض إيران، مع التلويح بالعمل العسكري لتدمير البنى التحتية الإيرانية ليس في المجال النووي فحسب بل وفي كلّ مجال يمكن تدميره لمنع إيران من التطوّر والتقدّم.

لكن إيران في واقعها وتحالفاتها فاجأت الخصم والعدو، حيث إنها وبذكاء مميّز أفهمت الآخر أنها تملك من القوة العسكرية ما يمكنها من الدفاع عن النفس بالقدر الموثوق كما ويمكنها من الردّ العقابي والثأري على المعتدي الذي تشكل قواعده ومراكزه ومواقعه الاستراتيجية التي هي في متناول اليد النارية لإيران وتحت تأثير المنظومة الصاروخية تشكل أهدافاً مشروعة للردّ الدفاعي. وكانت إيران قد نجحت في تحضير نفسها للأمر وفي الإعلان عن ذلك حتى قبل أن تكشف عن المستوى الذي وصلت إليه في المجال النووي.

هذا الواقع منع الخصم والعدو لإيران من ارتكاب أيّ حماقة تذكر بما قامت به «إسرائيل» يوم دمّرت طائراتها مفاعل تموز العراقي ومرّ الأمر وكأنه لم يحصل، لكن إيران فرضت على الجميع معادلة ردع تحميها وتمنع من الاعتداء عليها وفرضت على الآخر الذهاب الى المفاوضات لبحث الموضوع.

إنّ الاتفاق الذي أفضت اليه مفاوضات 5+1 مع إيران حول ملفها النووي، والذي صادق عليه مجلس الأمن وحوّله وثيقة أممية شرعية، لم يكن ثمرة أخلاق وإنسانية مجموعة 5+1 ورغبتها بحلّ المسألة سلمياً، بل كان نتيجة عجز تلك المجموعة عن اللجوء الى القوة لعسكرية لمنع إيران من متابعة مشروعها النووي، ولهذا شكل الاتفاق حول الملف النووي مخرجاً للجميع، إيران احتفظت بحقها في السير في المسار النووي ضمن قيود تؤكد على طبيعته السلمية المدنية وتفكّ حزمة من عقوبات فرضت عليها بشكل كيدي إجرامي، والطرف الآخر يؤكد على «حق يدّعيه ويراه حقاً مكتسباً» بمنع أحد من دخول النادي النووي العسكري سواه.

لكن أميركا التي تعمل بسياسة منع إيران من الاستقلال والقوة ونصرة المظلوم، انقلبت على الاتفاق وقامت بأغرب سلوك يمكن ان يتصوّره أحد، سلوك مضمونه ان تستمرّ إيران بالوفاء بالتزاماتها في الاتفاق وأن تتنصل أميركا من كلّ ما التزمت به وان تبقي العقوبات لا بل تتشدّد فيها، وكان الردّ الإيراني الذكي بالتراجع المتدرج عن تلك الالتزامات، تراجع ترافق مع إظهار القوة العسكرية الدفاعية والقادرة على الدفاع عن النفس وجوداً ومصالح.

وظهر أنه وبصرف النظر عمن يسكن البيت الأبيض ترامب الخارج على الاتفاق ام بايدن الذي يوحي بأنه يريد العودة إليه بشروط، ان سياسة الطرفين الإيراني والأميركي باتت واضحة، إيران تريد ممارسة حق، وأميركا تريد الابتزاز ومنع إيران من ممارسة حقوقها وبصرف النظر عن عناوين تلك الحقوق، فلمن تكون الغالبة؟

لقد أجاب السيد علي الخامنئي بوضوح كلي على السؤال هذا، مظهراً انّ العالم دخل «مرحلة ما بعد أميركا» وعلى العاقل أن يفسّر وان يدرك أنّ رائد الصبر الاستدراجي في العالم غير مستعدّ للتراجع والتنازل أمام قوة دخلت مرحلة الأفول، فالإمبراطورية الأميركية كما قلنا في مقالة سابقة تتأهّب للزوال ويفوز من يشدّ ويُحكم قبضته على مصادر قوته وانْ تطلب الأمر تحمّل بعض الألم وهو ينتظر النصر الأكبر، وعلى بايدن أن يعرف انّ إيران تعتقد وتثق بأنها في نهاية المطاف هي المنتصرة وعليه ان لا يضيّع وقتاً في العودة للاتفاق النووي لأنّ التأخير لن يكون في مصلحته، وهو يعلم ان لا سبيل للحلّ إلا بالاتفاق هذا وليس متاحاً اليوم شيء سواه . فهل تكون السجالات الإعلامية اليوم عرضاً للقوة وتحضيراً للتفاوض لعودة أميركا الى ملف يدّعي بايدن بأنه يشكل أولوية لديه؟ ام النزعة الاستعمارية والتمسك بالعنجهية الأميركية والعداء ضدّ إيران سيطيح هذه الأولوية؟ إنها أسابيع قليلة ويأتي الجواب؟

*أستاذ جامعي – خبير استراتيجي.

فيديوات ذات صلة

Kochavi’s threats and claims, what are their background, and what is the path and response? تهديدات كوخافي وادّعاءاته ما خلفيّتها وما المسار والردّ؟

**Machine translation Please scroll down for the Arabic original **

Kochavi’s threats and claims, what are their background, and what is the path and response?

This image has an empty alt attribute; its file name is Untitled-747.png
*University Professor  –    Strategist

Whoever listened to the chief of staff of the Israeli army at the Zionist “Institute for National Security Studies” conference would almost imagine that “Israel” is on the verge of launching a comprehensive open war that would lead to the establishment of an empire for itself on the territory of the Middle East and West Asia after destroying, all its opponents from states, entities and organizations opposed to the Zionist-Western occupation project of the region. Where is this perception and perception of reality?   

Kochavi claims that “Israel” now has full strategic military plans to completely destroy Iran’s nuclear program, which is reminiscent of israel’s destruction of iraq’s July nuclear reactor and an end to Iraq’s nuclear ambitions, despite the fact that it had modest ambitions that did not exceed limited civilian affairs and under foreign supervision that did not allow any development towards the limits of the military threat, yet Israel destroyed the reactor and no one in the world has ever mentioned a lip to the aggression and treated as if Israel was exercising its acquired right to prevent others from developing.

He claimed that “Israel” knows very well the locations, stores and missile silos in Lebanon and Gaza, which are accurate and ordinary, places that he claims are located within the populated places, so “Israel” prepared plans to destroy those bases or warehouses and will not dissuade them from carrying out the destruction of the presence of civilians and killing them no matter what. “It’s not like we’re going to be able to do that,” he said.

Kochavi then brags about what “Israel” is doing publicly in pursuing the Iranian presence and the resistance factions from Iran’s allies in Syria and Iraq, and claims that “Israel” continues with a policy of seeking to eradicate that presence and put an end to its effectiveness against the Israeli colonial project, and that “the strategy of working in the battle between wars “It will continue and will not stop.

What is more strange is Kochavi’s claim that Israel will carry out its tasks without slipping into a large-scale open war and that it will remain in control of the field so that the war will stop after the end of the specific mission in Iran, Lebanon and Gaza as well as Syria and Iraq, a task that will not Israel is alone in its implementation, as it claims, and there is a newly emerging military alliance led by Israel, which is in the middle of it and extends from Greece and Cyprus in the west to the UAE and Bahrain in the east and with them, as stated, Jordan, Saudi Arabia, Egypt,etc…

Whoever heard what came in the words of Kochavi almost thought that he heard the words of a superficial amateur who has no experience with military science, military plans and military alliances, as reality belies Kochavi’s contempt and expectations in more than one place, including:

1 The chief of staff of the aggression imagines the keys of the field is in his hand to open his doors of his own volition and close it by his decision, and this he thought of the most naive and foolish, and jumping over reality, “Israel” launches the first shot but the last shot is not in its hands, and it is enough to remind him of the war of 33 days in 2006, where “Israel” persisted in asking for a cease-fire, and brought in the major powers and the Security Council to reach that for nothing except because it was no longer able to continue the war on the security and social levels as well as the military and political, and Kochavi forgets that the Axis of Resistance that he will face is practising on long wars, whether they are Confrontations that lead to resolution or attrition operations, and “Israel” is unable to do both, as it cannot now resolve a war and cannot engage in a war of attrition.

2 The enemy chief of staff claims that only a few dozen civilians in “Israel” will be killed while the enemy’s missiles fall on them, and he forgets that the enemy’s entity in all occupied Palestine is under fire and that there are accurate missiles that can destroy the 25 major strategic objectives and important strategic objectives. The 50’s, destroying it 5 times, and that if it opens its squares, the fire will not stop until it achieves all its destructive goals, as there is no opportunity or room for the enemy to move, especially as he failed miserably to implement the saying “a people working under fire.”

3 As for the so-called alliance, Kochavi seems to have ignored that his Gulf alliance is a weak, weak cartoon alliance, a rapidly cracking glass entity on the one hand and a rapidly combustible entity on the other, but in the West, relying on Cyprus and Greece to fight the resistance is objectively and subjectively misplaced.

4 The hope of “Israel” in America remains to protect it from the reaction of the Resistance and its Axis and its participation in the war against it. Here, objectively, we say that if America were ready for the war promoted by Kochavi, it would have started under the reckless fool Trump, who saw a personal interest in it, but under Biden, the matter is so unlikely that it will not happen. Biden’s strategy in his Middle Eastern relations in general and with The axis of resistance in particular is not based on a “hard power strategy,” as it appears from more than one behaviour, not the last of which is the appointment of Robert Malley as a special American representative to Iran, an appointment that made Iran’s enemies describe it as an unfortunate event on them.

In summary, we say that an enemy army, like any other army, may have multiple plans to address the dangers it expects. This is self-evident at the military level, but we must distinguish between the existence of the plan as a military duty that must be implemented and the effectiveness of the plan and the ability to implement it  and achieve its objectives on the other.

In our opinion, there are a number of facts and concerns that led the Israeli enemy official to launch these positions and to announce these plans and perceptions, both internal and external, some of which can be mentioned as follows:

1 To send a message of reassurance to the interior that “Israel” has become a level of self-strength and alliance reassuring, a force reached as a result of its military effort and political success, which was represented by normalization with some Arab regimes and the ability to forge regional military alliances with it and others for the first time in the history of “Israel.”

2. Withholding the reality of the Israeli army in terms of deteriorating morale, which the Israeli studies confirm that it is at a moral level that does not qualify it to go to war, especially in terms of the forces of land and the weapon of paratroopers, as well as the failure of the Iron Dome and the like to achieve the objectives for which it was established.

3 To send a message to Biden to dissuade him from returning to the Iran nuclear deal, considering that the alternative military solution to address this issue is ready in Israel and awaits understanding, timing and the U.S. green light.

4 Tightening the nerve of the “new – old allies” of the Arab regimes, especially in Saudi Arabia and the UAE, who fear that America will review its relationship with them, especially after Biden decided to freeze the supply of weapons to them as a matter of the Yemen war.

5 To humiliate the Axis of Resistance that achieved its strategic victory in Syria and Iraq, and to inform the Axis that “Israel” and those with it are ready to prevent the Axis from investing victory, and that “Israel” are ready to return to the field effectively and decisively to make up for the previous losses.


The axis of resistance, with all its components, is well aware of the size, value, truth, and goals of what Kochavi said, and deals with these positions as should be an objective and intelligent deal, and although he realizes that it is a psychological war and intimidation that is not applicable, it is also working on the guidance of saying that “Israel” is at the end will dig her grave with its grave with its own hand, and it will spark the fire that burns it and end it. No one thinks that what was said by the Iranian military official in response to Kochavi that “Haifa and Tel Aviv will be annihilated if Israel implements something of its threats.”

تهديدات كوخافي وادّعاءاته ما خلفيّتها وما المسار والردّ؟

العميد د. أمين محمد حطيط

This image has an empty alt attribute; its file name is Untitled-747.png
*أستاذ جامعي – خبير استراتيجي

مَن استمع إلى كلام رئيس أركان جيش العدو الإسرائيلي في مؤتمر “معهد دراسات الأمن القومي” الصهيوني يكاد يتصوّر بأنّ “إسرائيل” باتت على قاب قوسين أو أدنى من الانطلاق في حرب مفتوحة شاملة تقود الى إقامة امبراطورية لها على مساحة الشرق الأوسط وغربي آسيا بعد أن تدمّر كلّ معارضيها من دول وكيانات وتنظيمات مقاومة للمشروع الصهيونيّ – الغربيّ الاحتلاليّ للمنطقة. فأين موقع هذا التصوّر والظنّ من الحقيقة والواقع؟

يدّعي كوخافي بانّ “إسرائيل” باتت لديها خطط عسكرية استراتيجية كاملة لتدمير البرنامج النووي الإيراني بشكل كامل، يحدوه في هذا القول ما يذكّر بقيام “إسرائيل” بتدمير مفاعل تموز النووي العراقي ووضع حدّ لطموحات العراق النووية رغم أنها كانت طموحات متواضعة لا تتعدّى الشأن المدني المحدود وبإشراف أجنبيّ لا يسمح بأيّ تطوير نحو حدود الخطر العسكري، ومع ذلك دمّرت “إسرائيل” المفاعل ولم ينبس أحد في العالم ببنت شفة استنكاراً للعدوان وتعامل الجميع وكأنّ “إسرائيل” تقوم بممارسة حق مكتسب لها هو منع الآخرين من تطوّر علميّ لا توافق عليه.

وزعم كوخافي بأنّ “إسرائيل” تعلم جيداً مواقع ومخازن ومرابض الصواريخ في لبنان وغزة الدقيقة منها والعادية، وهي أماكن بزعمه تقع ضمن الأماكن الآهلة، ولذلك فإنّ “إسرائيل” أعدّت الخطط لتدمير تلك القواعد او المخازن ولن يثنيها عن تنفيذ عملية التدمير وجود مدنيّين وقتلهم مهما كانت أعدادهم، ثم انه “يمنّ” على هؤلاء بأنه سيعلِمهم قبل ساعات بقرار “إسرائيل” البدء بالقصف التدميريّ ليغادروا المنطقة ويخلوا،الأمر بينه وبين مقاتلي حزب الله في لبنان أو المقاومة الفلسطينية في غزة (لم يقل كوخافي الى أين سيغادر المدنيون خاصة أهل غزة).

ثم يتباهى كوخافي بما تقوم به “إسرائيل” علناً من ملاحقة الوجود الإيراني وفصائل المقاومة من حلفاء إيران في سورية والعراق، ويدّعي انّ “إسرائيل” مستمرّة بسياسة السعي لاجتثاث ذاك الوجود ووضع حدّ لفعاليته ضدّ المشروع الإسرائيلي الاستعماري، وأنّ “استراتيجية العمل بالمعركة ما بين الحروب” سيستمرّ العمل بها ولن تتوقف.

اما الأكثر غرابة في الأمر فهو ادّعاء كوخافي بأنّ “إسرائيل” ستنفذ مهامها دون أن تنزلق الى حرب واسعة مفتوحة وأنها ستبقى مسيطرة على زمام الأمور في الميدان بحيث توقف الحرب بعد أن تنتهي المهمة المحدّدة في كلّ من إيران ولبنان وغزة فضلاً عن سورية والعراق، وهي المهمة التي لن تكون “إسرائيل” وحيدة في تنفيذها كما يدّعي، بل انّ هناك حلفاً عسكرياً ناشئاً حديثاً بقيادة “إسرائيل” التي تتوسّطه ويمتدّ من اليونان وقبرص في الغرب الى الإمارات والبحرين في الشرق ومعهم كما جاء في تخصّصات كوخافي الأردن والسعودية ومصر إلخ…

مَن سمع ما جاء على لسان كوخافي كاد يظنّ بأنه يسمع كلام هاوٍ سطحيّ لا عهد له بالعلم العسكري والخطط العسكرية والأحلاف العسكرية، حيث إنّ الواقع يكذب تخرّصات كوخافي وتوقعاته في أكثر من محلّ نذكر منها:

1 ـ يتصوّر رئيس أركان العدوان مفاتيح الميدان هي بيده يفتح أبوابه بإرادته ويغلقه بقراره، وهذا ظنّ فيه منتهى السذاجة والحمق، والقفز فوق الواقع، فـ “إسرائيل” تطلق الطلقة الأولى لكن الطلقة الأخيرة ليست بيدها، ويكفي أن نذكره بحرب الـ 33 يوماً في العام 2006، حيث استماتت “إسرائيل” مستجدية وقف إطلاق النار وأدخلت القوى الكبرى ومجلس الأمن للوصول الى ذلك لا لشيء إلا لأنها لم تعد قادرة على الاستمرار في الحرب على الصعد الأمنية والاجتماعية فضلاً عن العسكرية والسياسية، وينسى كوخافي انّ محور المقاومة الذي سيواجهه تمرّس على الحروب الطويلة سواء كانت مواجهات تفضي الى حسم او عمليات استنزاف، و”إسرائيل” لا تقدر على الأمرين فهي لا تستطيع الآن أن تحسم حرباً ولا تستطيع ان تنخرط في حرب استنزاف.

2

ـ يدّعي رئيس أركان العدو أنه فقط بضعة عشرات من المدنيين في “إسرائيل” سيُقتلون خلال هطول صواريخ العدو عليهم، وينسى انّ كيان العدو في فلسطين المحتلة كلها بات تحت النار وانّ هناك من الصواريخ الدقيقة ما يمكن من تدمير الأهداف الاستراتيجية الأساسية الكبرى الـ 25 والأهداف الاستراتيجية الهامة الـ 50، تدميرها 5 مرات، وانّ النار إذا فتحت أساطينها لن تتوقف إلا بتحقيق أهدافها التدميريّة كلها حيث لا يبقى للعدو فرصة او مجال لحركة خاصة أنه فشل فشلاً ذريعاً في تطبيق مقولة “شعب يعمل تحت النار”.

3

ـ أما عن الحلف المزعوم، يبدو أنّ كوخافي تجاهل أنه حلف كرتوني واهن ضعيف، ففي الخليج هو كيان زجاجي قابل للتكسير السريع من جهة وكيان سريع الالتهاب قابل للاحتراق السريع من جهة أخرى، اما في الغرب فإنّ التعويل على قبرص واليونان لمحاربة المقاومة ظنّ في غير محله موضوعياً وذاتياً.

4

ـ يبقى أمل “إسرائيل” بأميركا لتحميها من ردّ فعل المقاومة ومحورها وتشاركها في الحرب عليها. وهنا وبشكل موضوعي نقول لو كانت أميركا جاهزة للحرب التي يروّج لها كوخافي لكانت باشرتها في ظلّ الأحمق الأرعن ترامب الذي كان يرى له مصلحة شخصية فيها، أما في ظلّ بايدن فإنّ الأمر مستبعَد الى حدّ القطع بعدم إمكان حدوثه، فاستراتيجية بايدن في علاقاته الشرق أوسطية عامة ومع محور المقاومة خاصة لا تقوم على “استراتيجية القوة الصلبة”، كما يبدو من اكثر من تصرف او سلوك ليس آخرها تعيين روبرت مالي ممثلاً أميركياً خاصاً لدى إيران، التعيين الذي جعل أعداء إيران يصفونه بأنه واقعة شؤم عليهم.

في الخلاصة نقول بأنّ جيش العدو كأيّ جيش قد تكون لديه خطط متعددة لمعالجة الأخطار التي يتوقعها. وهذا أمر بديهي على الصعيد العسكري، ولكن يجب ان نميّز بين وجود الخطة كواجب عسكري لا بدّ من تنفيذه وبين فعالية الخطة والقدرة على تنفيذها وتحقيق أهدافها من جانب آخر، ومع هذا التمييز قد نسلّم بوجود الخطط، ولكن موقفنا من النتائج يختلف، وهنا نقول بأنّ العراضة القوليّة التي جاء بها كوخافي، مقرونة بالأعمال الجوية الاستعراضيّة في الأجواء اللبنانية بما في ذلك إدخال طائرات F35، كلها من قبيل الحرب النفسية او عمليات الضغط لتحقيق مآرب أخرى، فما هي هذه الأهداف التي يرمي اليها رئيس أركان العدوان؟

برأينا إنّ هناك جملة من وقائع ومخاوف حملت مسؤول العدو الإسرائيلي على إطلاق هذه المواقف والإعلان عن هذه الخطط والتصوّرات منها الداخلي ومنها الخارجي ويمكن ذكر بعضها كالتالي:

1

ـ توجيه رسالة طمأنة للداخل بأنّ “إسرائيل” باتت في مستوى من القوة الذاتية والتحالفية مطمئن وهي قوة وصلت اليها نتيجة جهدها العسكري ونجاحها السياسي الذي تمثل بالتطبيع مع بعض الأنظمة العربية والقدرة على صياغة تحالفات إقليمية عسكرية معها ومع غيرها لأول مرة في تاريخ “إسرائيل”.

2

ـ حجب حقيقة الجيش الإسرائيلي من حيث المعنويات المتردّية والتي تؤكد الدارسات الإسرائيلية بأنه في مستوى معنوي لا يؤهّله لخوض حرب، خاصة على صعيد قوى البرّ وسلاح المظليين فضلاً عن فشل القبة الحديدية وما شابهها في تحقيق الأهداف التي من أجلها أنشئت.

3

ـ توجيه رسالة الى بايدن لثنيه عن العودة الى الاتفاق النووي الإيراني، باعتبار انّ الحلّ العسكري البديل لمعالجة هذا الأمر جاهز في “إسرائيل” وينتظر التفاهم والتوقيت والضوء الأخضر الأميركي.

4

ـ شدّ عصب منظومة “الحلفاء الجدد – القدامى” من الأنظمة العربية خاصة في السعودية والإمارات الذين يخشون من مراجعة أميركا للعلاقة معهم خاصة بعد أن قرّر بايدن تجميد تزويدهم بالأسلحة من باب حرب اليمن.

5

ـ التهويل على محور المقاومة الذي حقق انتصاره الاستراتيجي في سورية والعراق، وإعلامه بأنّ “إسرائيل” ومن معها جاهزون لمنعه من استثمار الانتصار، وأنهم جاهزون للعودة للميدان بشكل فاعل وحاسم لتعويض الخسائر السابقة.

انّ محور المقاومة بكلّ مكوّناته يدرك جيداً حجم وقيمة وحقيقة وأهداف ما جاء على لسان كوخافي ويتعامل مع هذه المواقف كما يتوجب ان يكون التعامل الموضوعي الفطن، ورغم انه يدرك أنها حرب نفسية وتهويل غير قابل للتطبيق فإنه يعمل أيضاً على هدي القول بانّ “إسرائيل” في نهاية المطاف ستحفر قبرها بيدها وستقتدح النار التي تحرقها وتنهيها ولا يظنّن أحد أنّ ما جاء على لسان المسؤول العسكري الإيراني رداً على كوخافي بأنّ “حيفا وتل أبيب ستبادان إنْ نفّذت إسرائيل شيئاً من تهديداتها”.

Ayatollah Khamenei opened door of dialogue via his letters to Western youth: Lebanese analyst

By Reza Moshfegh

January 20, 2021 – 10:50

TEHRAN – A senior Lebanese political analyst says that the Leader of the Islamic Revolution Ayatollah Ali Khamenei opened a door for dialogue between the Islamic and Western world via his letters to the youth in Europe and North America.

In a letter dated January 21, 2015, and another on November 29, 2015, Ayatollah Khamenei elaborated on the truth of Islam and malicious attempts by certain Western leaders to distort the image of Islam. 

“The door to dialogue that was opened by Ayatollah Khamenei is a constructive step and we always say the door to dialogue, even if it is half open, is much better than closing it completely,” Amin Hoteit tells the Tehran Times.

“Ayatollah Khamenei knows that the Western media is hiding the facts, and this media is in the hands of the malicious colonial groups that besieges the youth and their minds,” according to the Lebanese university instructor and researcher.

The following is the text of the interview: 

Q:    What are the implications of Ayatollah Khamenei’s letters to young people in the West when he urged them to examine Islam first hand rather than believe prejudiced views?

A: The two letters that the Leader of the Islamic Republic wrote to the youth in Europe and North America were a move in consistence with a sound Islamic principle, which is to show the truth and the Islamic call through dialogue. 

Ayatollah Khamenei knows that the Western media is hiding the facts, and this media is in the hands of the malicious colonial groups that besiege the youth and their minds. 

For this reason, he decided to address the youth, showing them the clear and shining truth, and not leaving them prey to a shameless, lecherous, malicious and unjust media.

Q: Do you think that the circumstances are proper for dialogue with Western youth and coming generations?

A: There is no doubt that when the youth receive this message, they will be in a position of tension between two currents: the false path led by the media and politicians, and the path of truth that these messages represent it.

I think that a large number of Western youths will follow what was mentioned in the message of Imam Khamenei if they use logic and common sense.

Since Ayatollah Khamenei is telling the truth, this message will have a good and effective impact on the hearts of young people, and it will make them more prepared to receive other messages and then confront suppressive governments.

Q:    How would you assess the dominance of the Western media over the thought of the youth and the average citizen in the West?

A: I think that the reason that encouraged Imam Khamenei to write these letters was the fabrication and forgery that we find in the paid media that claim freedom of opinion while in fact, they are confiscating free opinion.

Western outlets claim freedom of expression but they are misrepresenting the truth. Therefore, this move was correct and timely which will lead to important results.

The door to dialogue that was opened by Ayatollah Khamenei is a constructive step and we always say the door to dialogue, even if it is half open, is much better than closing it completely.

That is why I think that although the platform for peaceful dialogue is not available in light of this Western regime’s crimes, restricted dialogue in the existing circumstances is better than a break and turning our back.

Q:    How do you see the position of the resistance in the world in the light of Western media propaganda?

A: Unfortunately, Western thought is mostly a prisoner of the media, so you find those who are not biased for injustice heading towards neutrality and a rare few who openly adhere to the truth, contrary to what the media propagates. 

Today, when you find someone who lights a candle in this dark tunnel in which the West moves, the truth-seekers will receive this light, no matter how weak it is. 

Therefore, I believe that the direct speech from the Leader of the Islamic Republic to the youth can push their thought and logic to search the truth, meanwhile addressing their minds is a very important matter and should be followed up.

The resistance plays a prominent and important role in various fields, but we should be aware that the resistance, with its media, its fields of action, and its scope of works under siege by regional dictatorships and their media.

Therefore, we should not lose any opportunity to gain access to the hearts and minds of the youth in a smooth way despite the obstacles. By dictatorships and their flags.

Q: What is the message of the Islamic Revolution to young generations in the region and the globe?

A: The message of the Islamic revolution to the world and the youth, in particular, is a clear message based on four pillars: first, building a secure society, secondly building a society of cooperation and brotherhood among human beings, thirdly preventing maliciousness and confronting arrogance, injustice, colonialism and domination, and fourthly building our homelands and our countries with cooperation, benevolence and peace, and live a safer world full of peace and prosperity. 

Consequently, the message of the Islamic Revolution is completely opposite to the message of colonialism, which wants hegemony and domination to possess and usurp wealth.
 

RELATED NEWS

المرسوم 6433 / 2011 جريمة بحق لبنان والتمسّك به جريمة أكبر

العميد د. أمين محمد حطيط

من غير إطالة والعودة الى مسار إجراءات تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان، نكتفي بالتذكير بأنّ لبنان في تداوله لهذا الملف ارتكب جملة أخطاء عرّضت حقوقه للخطر والضياع، وكان الخطأ الأوّل في العام 2007 عندما أرسل وفداً ناقص الأهلية والمؤهّلات القانونية والمهنية الى قبرص للتفاوض على الحدود الغربية الجنوبية للمنطقة الاقتصادية تلك. وكان خطأ يومها في وضع النقطة (1)، ولكن لبنان وبسبب أو آخر لم يوقع الاتفاق النهائي مع قبرص ما جعل الحقّ قابلاً للتصحيح بالتراجع عن الخطأ، فلبنان لم يبرم الاتفاق هذا، ولم يجعل لاتفاقية ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية وضعاً قانونياً ملزماً له خاصة أنّ رئيس الجمهورية لم يوقع ومجلس الوزراء لم يقرّ، ومجلس النواب لم يأخذ علماً ولم يصدّق وبقيت المسألة في إطار مشروع اتفاق لم يسلك مساره القانوني.

وبعد جمود سنتين، حرك الملف ووضع بعهدة قيادة الجيش بقرار من رئيس الجمهورية، وهنا رُسم خط جديد لحدود المنطقة الاقتصادية اللبنانية الجنوبي يعدّل الخط السابق وينقل نقطة الزاوية الجنوبية الغربية للمستطيل من النقطة 1 الى النقطة 23 ويعطي لبنان مساحة 863 كلم 2 زيادة عما كانت الاتفاقية مع قبرص تعطيه. وهنا ظنّ لبنان أنه صحّح الخطأ المرتكب من قبل وفد فؤاد السنيورة الى قبرص واستعاد مساحة مهمة للبنان في منطقته الاقتصادية الخالصة، وحتى يثبت العمل دولياً سارع الى توقيع مرسوم أرسله الى الأمانة العامة للأمم المتحدة يعلمها بها بحدود المنطقة الاقتصادية اللبنانية التي رسمها وفقاً لاتفاقية قانون البحار للعام 1982 التي انضمّ إليها لبنان في العام 1994.

وهنا وللوهلة الأولى ظنّ المتابعون للقضية أنّ في فعل الحكومة اللبنانية وإيداعها المرسوم 6433/2011 الأمم المتحدة صيانة لحقوق لبنان ودفاعاً عن ثرواته وحدوده وتصحيحاً لخطأ عرضها للخطر، ولكن في الحقيقة انطوى هذا المرسوم أو واجه أمرين خطيرين: الأول إقليمي دولي والثاني حقوقي داخلي.

ففي الأول امتنعت «إسرائيل» عن الإقرار بالحقوق اللبنانية المحددة بالمرسوم المودع لدى الأمم المتحدة واعتبرت انّ لبنان بتوقيعه مشروع الاتفاقية مع قبرص يكون قد أقرّ عملياً بمدى الحق الذي يدّعيه، وهي لا تتقبّل فكرة أي تعديل وتتمسك بالنقطة 1 الظاهرة في الخريطة المرفقة بمشروع اتفاقية لبنان/ قبرص.

اما في الثاني وهنا الوضع أشدّ وأدهى فيتعلق بالمرسوم ذاته والخريطة المرفقة به، حيث إنّ دراسة الملف تؤدّي الى تسجيل الملاحظات الخطيرة التالية:

أولاً: رسم لبنان خط حدود منطقته الجنوبيّة من النقطة 18 قرب الشاطئ الى النقطة 23 واختار النقطة 18 بعيدة عن الشاطئ لمسافة تتعدى عشرات الأمتار (28 م) من غير أيّ سند او مرجع او مرتكز قانوني ما يجعل قانون الخط (18-23) خطاً واهناً لا يرتكز على حجة قانونية تمكن من الدفاع عنه.

ثانياً: أرفق بالمرسوم خريطة يظهر عليها اسم «إسرائيل» بدل فلسطين في اعتراف واضح وبوثيقة رسمية لبنانية موقعة من رئيس الدولة بكيان العدو خلافاً للموقف الرسمي اللبناني.

ثالثاً: لم تظهر الخريطة المرفقة بالمرسوم 6433 /2011 حدود لبنان الدولية مع فلسطين المحتلة، وفي ذلك مماشاة للعدو الإسرائيلي الذي يريد التنصل من اتفاقية بوليه نيوكمب.

أما من حي الشكل فقد غاب عن المرسوم توقيع الوزراء/ الوزير المختص واكتُفي بتوقيع وزير الأشغال بينما وفقاً للقانون اللبناني فإنه يجب الحصول على تواقيع وزراء المال والدفاع والخارجية، وبغياب هذه التواقيع يكون في المرسوم عيب جوهري يقتضي التصحيح إما بالأبطال او بالإبدال.

وعلى ضوء ذلك بات ملحاً إلغاء المرسوم 6433 واعتباره كأنه لم يكن لأنّ التمسك به يعني ببساطة اعترافاً بـ «إسرائيل» وتنازلاً عن حدود لبنان الدولية مع فلسطين وإطاحة باتفاقية «بوليه نيوكمب» وباتفاقية الهدنة. وهذا ما فعله وللأسف اتفاق الإطار الذي يبقى من غير قيمة قانونية ملزمة وفقاً للنظام القانوني اللبناني حيث لم تصدّقه أيّة جهة رسمية مخوّلة او ذات صلاحية دستورية، ثم انّ موقف العماد عون صحّح او سدّ ما جاء فيه من ثغرات.

ومن جهة أخرى فإننا نذكر بأنّ لبنان وقبل إعداد المرسوم أعلاه، كان قد طلب من مكتب بريطاني مختص رأياً فنياً تقنياً قانونياً حول حدود المنطقة الاقتصادية اللبنانية الجنوبية الخالصة، واستجاب المكتب للطلب اللبناني وأودع نتيجة دراسته الاستشارية العلمية والقانونية والفنية الحكومة اللبنانية في آب 2011، وتظهر الدراسة انّ للبنان حق بمساحة 2290 كلم 2 زيادة على المساحة التي حدّدت له بمشروع اتفاقية مع قبرص، ولكن الغريب بالأمر انّ الدراسة البريطانية أخفيت في الأدراج، وتمسّك المسؤول اللبناني بما كان أعدّه من مرفقات ومضمون في المرسوم 6433 /2011 وأرسله إلى الأمم المتحدة بعد شهرين من تلقي الدراسة البريطانية، باعتباره وثيقة رسمية لبنانية تحدّد حدود المنطقة الاقتصادية اللبنانية.

مع هذا التباين في الموقفين اللبناني و»الإسرائيلي» تدخل أو أدخل الأميركيون لفضّ النزاع، على أساس انّ سقف الطلب اللبناني هو ما حدّد في المرسوم 6433 (أيّ المطالبة بـ 860 كلم 2) وسقف الطلب الإسرائيلي هو الخط B1-1 وانّ الخلاف واقع على 860 كلم2، وبعد طويل تفاوض غير مباشر توصل فريدريك هوف الى رسم خط اقترحه لفصل النزاع بحيث يعطي لبنان 55% من المنطقة المتنازع عليها ولم يستطع هوف أن يفرض اقتراحه على الطرفين فتجمّدت المفاوضات وأوقف هوف حركته المكوكيّة بين الطرفين.

في هذه الأثناء عاد لبنان وتحديداً قيادة الجيش لمراجعة الملف من أساسه واستعانت القيادة بأعرق وأهمّ الخبراء ومكاتب الدراسات الأوروبية وتوصّلت الى نتائج صادمة، حيث إنها وقفت على حقيقة خطر الأخذ بمشروع الاتفاق مع قبرص/ ووهن وخطورة الأخذ بما جاء في المرسوم 6433 /2011 الذي لا يمكن الدفاع عنه لأنه لا يستند الى أيّ حقيقة او مرجعية قانونية وتوصلت بنتيجة الدراسة الى رسم الخط النهائي العلمي والقانوني لحدود المنطقة الاقتصادية بشكل يأخذ بالاعتبار اتفاقية «بولية نيوكمب» واتفاقية الهدنة التي منهما تؤخذ نقطة البرّ التي تنطلق منها الحدود البرية شرقاً والحدود البحرية غرباً، كما وقانون البحار للعام 1982 الذي يحدّد قواعد وأسس رسم حدود المنطقة الاقتصادية البحرية، ورسمت بنتيجة ذلك خطاً جديداً هو ما يجب أن يكون حدود المنطقة اللبنانية جنوباً. وللمفارقة تبيّن أنّ هذا الخط هو متطابق بنسبة 99% مع الخط الموصى به من قبل المكتب الاستشاري البريطاني ذاك الخط الغارق في الأدراج الرسمية اللبنانية منذ آب 2011.

وعلى ضوء هذه الحقائق القانونية والوقائع الميدانية العملية بات على لبنان أن يسارع الى إصدار مرسوم يصحّح به خطأ الماضي ويصون مصالحه وثرواته، عليه أن يسارع بالفعل وعلى مرحلتين الأولى إلغاء المرسوم 6433 /2011 وإبلاغ الأمم المتحدة بالإلغاء وسحبه منها بتوقيع من سبق ووقع، والمرحلة الثانية إصدار مرسوم نهائيّ يتضمّن الحق اللبناني كاملا ويحمل تواقيع الوزراء المختصين.

أما القول بأننا لسنا بحاجة الى هذا الأمر فيعني ببساطة التمسك بالمرسوم 6433 الواهن والخطر وغير القابل للدفاع عنه ما سيؤدي الى التفريط الأكيد بالحقوق اللبنانية، فحجة لبنان بالمطالبة بحقه بـ 2290 كلم 2 ضعيفة بوجود المرسوم 6433 لأنّ الأخير يفسّر بأنه إقرار لبنان بمدى الحق اللبناني والإقرار سيّد الأحكام، فإذا لم يصحّح العيب هنا ضاع الحق اللبناني وانّ كلّ من يؤخر او يعارض او يعرقل سحب المرسوم 6433 من الأمم المتحدة وإرسال البديل الصحيح يكون عن قصد أو غير قصد يضعف الموقف اللبناني التفاوضي ويفرط بالحق اللبناني بثرواته البحرية إقراراً بالاعتراف بـ «إسرائيل» وتنازلاً عن اتفاقية «بوليه نيوكمب» والحدود الدولية التي ترسمها كما تظهر الخريطة المرفقة به.

*أستاذ جامعي – باحث استراتيجي.

مأزق ترسيم الحدود البحريّة الجنوبيّة هل يجد حلاً…؟

العميد د. أمين محمد حطيط

بعد أن فوجئت أميركا و»إسرائيل» بالطرح اللبناني في مفاوضات ترسيم الحدود في الناقورة، كان القرار الأميركي على هدي الموقف «الإسرائيلي» واضحاً وصارماً بوقف المفاوضات والانصراف إلى معالجة الموقف «المفاجئ» بما يعيد الوضع الى نقطة تجد فيها «إسرائيل» مصلحة لها للانطلاق منها في عملية التفاوض.

أما سبب المفاجأة «الإسرائيلية» – الأميركية فقد تمثل في أمرين… الأول متصل بالوثائق المرجعية للمفاوضات والثاني متصل بالمساحة المتنازع عليها بين لبنان والكيان الصهيوني الذي يمارس احتلاله لفلسطين.

ففي الموضوع الأول، أيّ الوثائق المرجعية، أظهرت «إسرائيل» أنها قبلت بالدخول بالعملية التفاوضية وفقاً لشروط تضمّنها ما أسمي اتفاق الإطار لتحديد إجراءات التفاوض، وانّ هذا الاتفاق لم ينصّ على اتفاقية ترسيم الحدود البرية للبنان مع فلسطين أيّ اتفاقية «بوليه نيوكمب»، ولم يأخذ باتفاقية الهدنة التي ألغتها «إسرائيل» في 29 حزيران 1967 ومن جانب واحد وكذلك لم يذكر اتفاقية قانون البحار للعام 1982 الذي امتنعت «إسرائيل» عن الانضمام اليها. واكتفى اتفاق الإطار بالأخذ فقط بتفاهم نيسان 1996 والقرار 1701/ 2006. كوثائق مرجعية حصرية للمفاوضات. وهو موقف «إسرائيلي» يطيح بحقوق لبنانية ثابتة في الحدود التي وللأسف أطاحت بها أميركا ولم يعلق لبنان على السلوك الأميركي يومها، حيث سكت لبنان عندما أكد ديفيد هيل بعد الإعلان عن اتفاق الإطار هذا، بأن ليس للبنان حدود برية مع «إسرائيل» متنكراً بذلك أو مسقطاً كلياً اتفاقية «بوليه نيوكمب» واتفاقية الهدنة التي تؤكد عليها، وهذا الإسقاط والتنكر الأميركي «الإسرائيلي» للحدود البرية اللبنانية يستنتج أيضاً من خريطة ترامب التي أرفقها برؤيته للسلام، حيث أنه رسم عليها الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة بخط متقطع ما يعني بالمصطلح الخرائطي للخطوط انه خط مؤقت بحاجة الى موقف او قرار لجعله نهائياً.

وفي المقابل أظهر الوفد اللبناني وبإشراف مباشر من رئيس الجمهورية تمسكاً بالوثائق الثلاث التي تعتبر أسلحته القانونية الفاعلة للحصول على حقوقه والتي يعتبر أيّ تنازل عن أيّ منها يشكل مقدّمة وتمهيداً للتفريط والتنازل عن حقوقه في الأرض والبحر والثروة.

اما في الموضوع الثاني أيّ ما يتعلق بالمساحة المتنازع عليها والتي ستكون موضوع التفاوض لحسم ملكيتها، هنا نجد ان «إسرائيل» تتمسك بمشروع الاتفاق بين لبنان وقبرص والذي ارتكب فيه خطأ باعتماد النقطة رقم واحد (وهذا الخطأ هو أصل الخلاف) كما أنها تنطلق أيضاً في الحدّ الأقصى «لتنازلها من المرسوم 6433 الذي أرسله لبنان في العام 2011 الى الأمم المتحدة وحدّد بموجبه يومها خط حدود المنطقة الاقتصادية اللبنانية الجنوبي وحصره بين النقطتين 23 في البحر ورأس الناقورة المنصوص عليه في اتفاقية «بوليه نيوكمب» في البر. لكن لبنان حمل وفده الى الناقورة خريطة أعدّت وفقاً لتفسير حديث ومتقدّم لقانون البحار معطوفاً على اتفاقية «بوليه نيوكمب» وواقع حال خط الساحل اللبناني والجزر المقابلة له.

وفي الخلاصة تكون المساحات المطروحة للتفاوض وفقاً لمواقف الأطراف في وضعية من اثنين، الموقف «الإسرائيلي» يتمسك بالتفاوض حول مساحة الـ 860 كلم2 الناشئة عن خلاف حصريّ حول ايّ من النقطتين يؤخذ بها 1 او 23، ويرى انّ التفاوض هدفه الوصول الى نقطة ثالثة بينهما؟ في حين انّ الموقف اللبناني ينطلق من تصوّره لحق لبنان بمساحة 2290 كلم2 كما تبيّن خريطته الأخيرة التي تتعارض مع الخريطة المرفقة بالمرسوم 6433 ومع ما جاء في اتفاق الإطار؟

ويبقى أن نشير الى الموقف الأميركي الذي يتمسك باتفاق الإطار ما يعني عدم الأخذ بالوثائق المرجعية اللبنانية، ويتمسك بالمرسوم 6433 وخريطته ما يعني حصر التفاوض على 860 كلم2، وهو بذلك يتماهى مع الموقف الإسرائيلي المعلن.

في ظلّ هذا المأزق الذي يبدو مزدوجاً وليس كما يحصره البعض في المساحة المتنازع عليها، نرى انّ السير بالتفاوض وفقا لما تريد «إسرائيل» وتضغط أميركا وتدّعيان انه اعمال او التزام باتفاق الإطار اّن ذلك من شأنه أن يهدر حقوق لبنان في المنطقة الاقتصادية. والأخطر من ذلك وهنا بيت القصيد يكرّس تنازلاّ لبنانياً خطيراً عن حق لبنان الثابت بحدوده الدولية البرية كما يؤدي الى الإقرار اللبناني بسقوط اتفاقية الهدنة 1949 فضلاً عن انه يقود الى حرمان لبنان مما توليه له اتفاقية قانون البحار 1982 من حقوق ومكتسبات، وكلّ ذلك يعتبر تنازلاً او تفريطاً بحقوق وطنية لبنانية لا يملك أيّ شخص مهما كان موقعه في الدولة صلاحيّة التصرف بها.

ولهذا نرى انّ الخروج من المأزق القائم ينبغي ان يكون بالعودة الى الأصول وتصحيح الأخطاء السابقة من دون أن يكون في التصحيح أخطاء تستدعي التصحيح أيضاً ومن دون ان يتسبّب التصحيح بمأزق يعقد الأمور ويصعّب الخروج منه. ولهذا نرى انّ على لبنان أن يلجأ الى الخطوات التالية:

الخطوة الأولى: توجيه كتاب الى الوسيط الأميركي والى الأمم المتحدة يتضمّن الموقف اللبناني من الوثائق المرجعية الثلاث ويرفض رفضاً قاطعاً أيّ خروج منها او عنها أو تجاوزها وهي بالتحديد: اتفاقية بوليه نيوكمب 1923، اتفاقية الهدنة 1949 قانون البحار 1982، وهو كتاب ضروري ملحّ الآن حتى لا يفسّر الموقف اللبناني بأنه تنازل عنها ويشكل تنازله سابقة يبنى عليها مستقبلاً. وهنا لا بدّ من التذكير بمواقفنا السابقة الرافضة لعبارة «ترسيم الحدود البرية» لأننا كنا ولا زلنا نعتبر انّ مثل هذا القول أو الطلب فيه تفريط حتى الخيانة للحقوق الوطنية، وقد أظهر الموقف الأميركي – الإسرائيلي المشترك انّ هناك قراراً بإسقاط هذه الحدود والعودة الى ترسيم جديد ينتهك حقوق لبنان في أرضه.

الخطوة الثانية: إقرار مرسوم تصحيحي مع الأسباب التفسيرية الموجبة يعدل المرسوم 6433 /2011 الذي هو بذاته احتفظ بحق لبنان بالتعديل في حال ظهور معطيات جديدة، ويودع المرسوم الجديد الأمم المتحدة بعد ان يوقع بالإضافة الى رئيسي الجمهورية والحكومة من وزراء الدفاع والمال والأشغال، ويمكن إصداره كما بات عرفاً مستقراً عبر الموافقات الاستثنائية او عبر الدعوة الى مجلس وزراء استثنائي للحكومة المستقيلة، كما يمكن تعليق المفاوضات وتأخير صدور المرسوم حتى تشكيل حكومة جديدة تتولى هي عبر مجلس وزراء قانوني إقرار المرسوم ذاك.

وقلنا بتوقيع الوزراء الثلاثة عملاً بالنظام القانوني اللبناني القائم والمعمول به، حيث يطلب توقيع وزير الدفاع لأنّ الذي سيُرسم وسيعدّ الخرائط هو الجيش، وقلنا بتوقيع وزير المال لأنّ أملاك الدولة تدار من قبل وزارة المال، وقلنا بتوقيع وزير الأشغال لأنّ المرسوم السابق وُقّع من قبله. ولا ضرر من إضافة توقيع وزير الخارجية إذا اقتضى الأمر لكونه هو الذي سيخاطب من ذكرنا أعلاه.

الخطوة الثالثة: العودة الى التفاوض غير المباشر بعد إنجاز الخطوتين أعلاه، فاذا امتنعت أميركا و»إسرائيل» يُصار الى العمل بالخرائط اللبنانية فإن تعرّضت «إسرائيل» لعمليات التنقيب اللبناني يُصار الى المعاملة بالمثل على قاعدة توازن الردع المتبادل.

ومع هذه الإجراءات القانونية والإدارية هناك ما هو أهمّ برأينا، وهو وحدة الموقف اللبناني والتمسك بالحقوق الوطنيّة ودعم الموقف الرسمي ومنع حصول أيّ تصدّع فيه، وتجنّب التعنّت والتمسك بالخطأ او الانشغال بتحميل المسؤوليات عن الأخطاء. فالمسألة ليست من يخطئ ومن يصيب الآن بل المسألة هي قضية حقوق وثروات وطنية يجب ان تُصان وتُحفظ.

*أستاذ جامعي – باحث استراتيجي.

خطة بومبيو تلفظ أنفاسها و لبنان لن يتنازل…؟

العميد د. أمين محمد حطيط

ظنّت أميركا أنّ لبنان الذي قادته بمؤامراتها وبفساد معظم مسؤوليه، وأوصلته الى حال الوهن الشديد ودفعت به الى قاع الانهيار المركب، انهيار مالي واقتصادي وسياسي وقبل ذلك وأهم من ذلك انهيار أخلاقي لدى معظم من يتولى شأناً عاماً فيه، ظنّت أميركا انّ لبنان الذي هذا حاله سيكون طيّعاً بيديها مستجيباً لإملاءاتها مستعداً للتنازل عن حقوقه ليقدّم ما أسمته «هدايا لترامب في أيامه الأخيرة» ويقتطع من لحمه ودمه أجزاء ليعوّض بها على ترامب خسائره التي لم تعوّضها كما يبدو حلقات التطبيع المتتالية من المشرق العربي الى مغربه.

ومع الظنّ هذا كان هاجس يسكن النفس الخبيثة ويشغل البال الأميركي، هاجس المقاومة في لبنان التي استطاعت في العام 2000 ثم في العام 2006 ان تصنع للبنان وللمنطقة ولمحور المقاومة انتصارات جاءت خارج السياق الكوني العام، اذ في الوقت التي نكست فيه الرؤوس أمام القطب الواحد بعد انهيار القطب الآخر دولياً أيّ الاتحاد السوفياتي وتزاحمت الدول والكيانات على الباب الأميركي طلباً للرضا وتقديماً لأوراق اعتمادهم تابعين وعملاء لأميركا، كانت المقاومة ومحورها تبدي شيئاً آخر وتتمسك بحقوقها وبعلانية تجاهر بأنها لن تتنازل عن حقوقها الوطنيّة وعن فلسطين وحقوق شعب فلسطين، وفي الوقت الذي أسمي «عصر أميركا الذهبي» عالمياً، العصر الذي عملت فيه أميركا بالقوة الصلبة وانتشرت في الخليج واحتلت أفغانستان والعراق في هذا الوقت سجلت المقاومة ومحورها النصر في لبنان وكسرت استراتيجية القوة الصلبة ثم لوت ذراع العاملين بالقوة الناعمة في لبنان وإيران في العام 2008 و2009، ثم أفشلت العمل باستراتيجية القوة الإرهابية العمياء في سورية.

وأميركا مسكونة بهذا الهاجس، لأنها تعلم أنّ حصادها في أيّ مجال سيكون مهدّداً وانتصارها لن يكون مستقراً وأنّ ما تريد لن يتحقق ما لم تكسر شوكة المقاومة ومحورها، ولذلك تقوم أميركا اليوم بأبشع أنواع التصرفات الوحشية والعدوانية ضدّ إيران وسورية ولبنان في إطار ما تسمّيه «سياسة الضغوط القصوى» وهي تؤمل أن تكسر المقاومة وتزيح خطرها وتتخلص من الهواجس التي تشكلها، فهل الهدف الأميركي ممكن التحقيق في المنطقة عامة وفي لبنان خاصة؟ وهل لبنان سيصل الى يوم يرى فيه انّ التنازل عن حقوقه بات أمراً لا مفرّ منه، وان أميركا تخيّره بين التنازل أو الانتحار والموت والانحلال والدمار؟

قبل الإجابة لا بدّ من التذكير بما تريده أميركا من لبنان ولا بدّ من استعادة لائحة الطلبات الأميركية المفروضة على لبنان وهل لبنان قادر على تلبيتها؟

تريد أميركا من لبنان ما يمكن تصنيفه تحت عنوانين، المطالب الأميركية الخالصة، والمصالح «الإسرائيلية» الخاصة، أما في الفئة الأولى فإنّ أميركا تريد أن يكون لبنان قاعدة أميركيّة تلعب دور الباب الغربي لمنطقة الشرق الأوسط، وأن لا يكون لها في النفوذ فيه شريك إقليمي أو دولي مهما كانت علاقة هذا الشريك بأميركا، أما في العنوان الثاني فإنها تريد إعطاء «إسرائيل» ما تطمع به في الجو والبر والبحر والتنازل لها عن 1800 كلم2 من المنطقة الاقتصادية اللبنانية، كما والتنازل عن الحدود البرية الدولية، والقبول بالاحتلال لمزارع شبعا ومنح «إسرائيل» حصة في مياه الليطاني، وأخيراً توطين نصف مليون لاجئ فلسطيني فيه.

هذه هي المطالب الأميركية – الإسرائيلية من لبنان، وتعتقد أميركا انّ بإمكانها انتزاع ذلك عبر مَن يعملون بإمرتها في الداخل بشرط أن تنجح في تعطيل قدرات المقاومة وعزلها ثم الحرب عليها وإسقاطها، ولذلك وضعت أميركا الخطط وحشدت العملاء من الداخل والإقليم، وأوكلت إليهم مهامّ وزعت عليهم لتحقيق هدف واحد هو “إسقاط المقاومة»، لأنّ هذا الإسقاط هو الممر الإجباري الوحيد لحصول أميركا و»إسرائيل» على ما يريدون في لبنان.

ومن عميق أسف نجد أنّ أميركا و»إسرائيل» وجدت في لبنان من العملاء والتابعين وفي كلّ القطاعات الإعلامية والسياسية والاقتصادية وبدائع المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية (NGO.S) ما جعلها مطمئنة الى انها ستحقق أهدافها وان المسالة مسالة أسابيع أو أشهر.

بيد أنّ الظنّ الأميركي كان شيئاً والنتائج في الميدان جاءت على شكل آخر، وإذا دققنا في نتائج الهجوم الأميركي الأخير الذي ينفذ وفقاً لخطة بومبيو2019 والتي تسبّبت في الفراغ السياسي والانهيار الاقتصادي والمالي للبنان والتهويل الأمني، نجد أنّ أميركا وبيد محلية لبنانية توصّلت الى إيلام الشعب اللبناني وتسبّبت عبر الفاسدين الذين ترعاهم وكانت قد وزعتهم على كلّ القطاعات… تمكنت من تجويع أكثر من نصف الشعب، إلا أنها لم تتمكن من المقاومة التي عرفت كيف تحصّن ذاتها وتحمي قدراتها العسكرية وتستمرّ في قوّتها التي ترعب «إسرائيل» وتالياً ترعب كلّ من تسوّل له نفسه انتزاع حق من حقوق لبنان، وبقيت «إسرائيل» تعيش حالة رعب جعلت جنودها يخشون من «الطفل حسين» الذي لاحق دجاجته حتى الشريط الشائك عند الحدود فأرعب العدو حتى جعله يطلق النار، لكن رصاصه لم يخف الطفل.

إنّ المقاومة ومجتمعها وحلفاءها في لبنان يعلمون ما تريد أميركا و»إسرائيل»، ويعرفون خططهم، ويدركون أنّ كلّ فاسد في الدولة هو عميل تابع للعدو بعلمه وقصده أو من غير علم، وفي الوقت ذاته يعلمون أن ليس بإمكان أميركا ان تصنع أكثر مما فعلت أو أن تستمرّ في خطة بومبيو الإجرامية والخبيثة وهي خطة لن يبقى متاحاً العمل بها أكثر من الأيام الثلاثين المتبقية لترامب وجلاده بومبيو. وتستطيع المقاومة أن تقول بعدها أنها حققت نصراً جديداً بإسقاط خطة بومبيو ومنعت أيّ تنازل من لبنان عن أيّ من الحقوق الوطنية. وكما انتصرت في العام 2000 و2006 سيكون النصر المنتظر مع الأيام الأولى للعام 2021.

أستاذ جامعي – باحث استراتيجي

Will the accelerated “normalisation” actually end the Palestine issue? «التطبيع» المتسارع هل يُصفّي قضيّة فلسطين فعليّاً؟

**Please scroll down for the English Machine translation**

العميد د. أمين محمد حطيط*

يبدي البعض استغراباً لشدة الوقاحة التي يتصرف بها كثير من الأنظمة العربية الرسمية في مسار الذلة والإذعان والاستسلام للمشروع الصهيوني الاستعماري، وتزاحمهم على ركوب قطار الاستسلام المسمّى تطبيعاً مع العدو «الإسرائيلي».

بيد أنّ عودة الى التاريخ العربي اللصيق أو القريب يجد انّ الاستغراب في غير محله، فتلك الأنظمة لم تكن يوماً عدواً لـ «إسرائيل»، ولم تعمل يوماً من أجل فلسطين لإعادة أهلها إليها بل بالعكس تماماً عملت في الشأن الفلسطيني من أجل تخدير الفلسطينيين وتمكين «إسرائيل» من كسب الوقت لتتمّ عمليات الاحتلال والقضم والهضم وصولاً للإجهاز على كامل فلسطين التاريخيّة التي لم يكن فيها من وظيفة فعليّة لصفقة ترامب الإجرامية إلا كشف المستور والإعلان العملي عن انتهاء وتصفية القضية الفلسطينية بمباركة عربية، وفتح الطريق أمام معظم الأنظمة العربية للسير زحفاً والجثو أمام المغتصب «الإسرائيلي». وانّ وزير خارجية المغرب عبّر بدقة عن حال العرب هؤلاء في سياق ما كان يصف أو ما فاخر به من علاقات تاريخية مميّزة بين المغرب و«إسرائيل» كانت قائمة قبل الإعلان عن التطبيع.

ومع هذا ورغم الألم الذي تنتجه مواقف وكلمات أو صور تظهر موقع «إسرائيل» المميّز عند هذه الدولة العربية أو تلك من قبيل ان ترى العلم «الإسرائيلي» على برج خليفة في الخليج في دبي في الإمارات العربية، أو قول وزير خارجية المغرب بأنّ أحداً من البلدان العربية لا يملك علاقات مع «إسرائيل» بمثل الفرادة التي تنفرد بها المغرب تاريخياً في صياغة تلك العلاقات المميّزة، أو إقدام هذه الدولة العربية أو تلك من دول التطبيع المستجدّ على إعطاء «إسرائيل» موقعاً تفضيلياً في التجارة الخارجية حتى ولو كانت السلع المستوردة من نتاج المستعمرات «الإسرائيلية» في الضفة الغربية، رغم كلّ هذا الألم فإننا نرى في التطبيع وآثاره ومفاعيله صوراً هامة من طبيعة أخرى نذكر أهمّها كالتالي:

1

ـ أسقط التطبيع الأقنعة وأزال أوراق التين عن عورات الدول العربية تلك، وأظهرها على حقيقتها الخيانيّة لقضية فلسطين ومَن يريد أن يعرف أسفار الخيانات المرتكبة من حكام عرب بحق فلسطين ما عليه إلا أن يُعمِل الذاكرة ويعود الى حرب الإنقاذ وكيف كانت تسلّم الأرض الى الصهاينة بعد تحريرها من تشكيلات جيش الإنقاذ، ومسيرة الخيانة مستمرة لحكام عرب كانت قائمة ولم تتوقف يوماً.

2

ـ كشف التطبيع بكلّ صراحة ووضوح الدور الوظيفي السلبي للجامعة العربية التي عملت في الآونة الأخيرة بشكل أكثر وقاحة ضدّ مصلحة العرب وضدّ فلسطين وهي الجامعة التي باتت كما يبدو تستعدّ للفظ أنفاسها الأخيرة لتفسح في المجال أمام قيام «جامعة الشرق الأوسط الإقليميّة» التي يتحوّل فيها العرب المطبّعون الى أيتام وخدام لدى «إسرائيل» التي ستمسك بعصا القيادة فيها تديرها بشكل منسّق مع تركيا وبإشراف أميركيّ مباشر، وعلينا أن لا ننسى كيف أنّ جامعة السقوط العربي تلك أخرجت سورية العربيّة من صفوفها وطلبت من الناتو تدمير ليبيا وتفتيتها الى الحدّ الذي تعذّر عليها بناء دولتها مجدّداً رغم مضيّ 10 سنوات على التدمير.

3

ـ يرسم التطبيع الخريطة الاستراتيجيّة في المنطقة، ويقيم المحاور والتحالفات الخالية من أحصنة طروادة، والخالية من المثبطين عملاء العدو، وبهذا يمكن لمحور المقاومة وحلفائه من عرب ودول إسلامية أن يضعوا استراتيجية المواجهة بوجهيها الدفاعي والهجوميّ من دون أن يقعوا فريسة التضليل والخداع. وهنا لا بدّ من الإشارة الى انّ المقاومة في جبهتها ومكوّنات محورها لم تخسر شيئاً ميدانياً بإعلان تطبيع من طبّع إذ لم يكن هؤلاء يوماً جنوداً لفلسطين وانقلبوا عليها الآن، بل كانوا خونة لفلسطين متستّرين وخرجوا من الصفوف الآن وتراجع خطرهم بعد أن فُضح أمرهم وباتت عمالتهم وخيانتهم علانية.

4

ـ يضع التطبيع بوصفه عملاً خيانياً الشعوب العربية أمام مسؤولياتها، التي يجب أن تضطلع بها تلك الشعوب تحت عنوانين، عنوان الرفض السلبي بالامتناع الكلي عن التعامل مع كلّ مَن ينتمي او يتصل بالعدو «الإسرائيلي» وشنّ أوسع الحملات للمقاطعة والتصرّف كما وكأنّ التطبيع لم يحصل، وعنوان الضغط الفاعل والنشط على الحكام في تلك البلدان من أجل إفهام الحاكم أنه أخطأ وأنّ الشعوب غير موافقة على خيانته ولن تسير بمقتضاها.

5

ـ أما العدو الذي يتباهى اليوم بهذا الانتصار الاستراتيجي الهائل، فهو يعلم وفي العمق أنّ اجتياحه للعالم العربي بالتطبيع وفرضه على أنظمة فيه للتركيع، فإنه يعلم انّ التطبيع بهذا الشكل والحجم هو عمل ليس من شأنه أن يوفر له إجابات موثوقة على أسئلة وجودية خطيرة تقضّ مضجعه خاصة أنه يرى في المواجهة جبهة إقليميّة قائمة ومستمرّة ترفض وجوده وترفض التنازل عن فلسطين رفضاً يعلم العدو أهميته خاصة عندما ينظر الى القوة التي يمتلكها الرافضون والتي فرضت على العدو تصرفاً يضع وجوده تحت علامة استفهام كبيرة. في الوقت الذي يعرف أنّ المطبّعين لم يخرجوا من الميدان العسكري في مواجهة «إسرائيل» لأنهم لم يكونوا يوماً فيه ولن يكونوا في الخندق مع «إسرائيل» في مواجهة المقاومة. نقول هذا رغم علمنا بالمزايا العسكرية والاستراتيجية التي تمنحها مسارات التطبيع لـ «إسرائيل» في مواجهة إيران بشكل خاص.

وفي الخلاصة نقول إنّ ما يسمّى التطبيع بصفته الخيانية التي لا شكّ فيها هو انقياد واستسلام للعدو لم ولن يحقق على الصعيد العام سلاماً ولن يوفر لمن طبّع من العرب مصلحة أو يكرّس لهم مكسباً، ورغم أنه سيحقق لـ «إسرائيل» بعض المكاسب والمصالح المتنوعة الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية وقد يكون فيها بعض العسكرية، لكنه لن يحلّ لها مأزقها الوجودي في ظلّ قوة محور المقاومة الرافض لهذا الوجود وقوته المتصاعدة رغم كلّ الضغوط الأميركية كما، قوة تعطف على فعالية وجود كتلة ديمغرافية فلسطينية كبيرة حرمتها الخيانة من حقها بالأرض والدولة المستقلة، ولذا ستبقى شاهداً على استحالة تصفية القضية الفلسطينية من غير استعادة الحق لصاحبه.

 ويبقى أن نؤكد انّ التطبيع المزعوم سيلقي بثقل المسؤولية على الشعوب في الدول المطبّعة، لتقول كلمتها وتعلن مواقفها بشكل يجهض أهداف التطبيع ويظهرها بأنها أعمال ذات طبيعة كرتونية غير مجدية، ولهذه الشعوب في الشعب المصري خير اسوة ومثال حيث أنه برفضه لـ «إسرائيل» حرمها من الحركة أو التغلغل أو الوجود المجدي في الشارع المصري بكلّ عناوينه.

* أستاذ جامعي – باحث استراتيجي.  

Will the accelerated “normalisation” actually end the Palestine issue?

Brigadier General Dr. Amin Mohammed Hatit*

Some are surprised by the severity of the insolence with which many official Arab regimes are acting in the path of humiliation, acquiescence and surrender to the Zionist colonial project, and their rivalry to board the train of surrender called normalization with the «Israeli» enemy.

However, a return to recent Arab history finds that astonishment is misplaced as these regimes have never been an enemy of “Israel”, nor ever worked in the interest of Palestine to return its people to it. On the contrary, they worked in the Palestinian affairs in order to numb the Palestinians and enable Israel to gain time to expand its occupation, and annexing the whole of historical Palestine. And one finds that there was no actual function of trump’s criminal deal, so-called the deal of the century, other than announcing the end of the Palestinian issue with Arab blessing, and open the way for most Arab regimes to march and kneel in front of the “Israeli” enemy. The Foreign Minister of Morocco expressed accurately the situation of those Arabs in what he described as historical relations between Morocco and Israel, that relations had existed before the announcement of normalization.

However, despite the pain caused by some behaviours, words, or images that show the privileged position which “Israel“ occupies in this or that Arab country; such as seeing the “Israeli” flag on the Burj Khalifa in Dubai, or the foreign minister of Morocco saying that none of the Arab countries have relations with Israel as unique as Morocco’s historical relations with “Israel”, or the preferential position in foreign trade was given to “Israel” by some of the newly normalizing Arab states. Even if the goods imported are the product of the “Israeli” settlements in the West Bank. despite all this pain, we see in the normalization and its effects important images of another nature. The most important of which are:

1. The normalization dropped the masks and removed the fig leaves from those Arab countries, and showed them for their betrayal of the question of Palestine, and who wants to know the journeys of betrayals committed by Arab rulers against Palestine, has to study the war of salvation, when those Arab rulers were handing over the land to the Zionists after the formations of the Salvation Army liberates it. The march of some Arab rulers’ betrayal continues and never stopped.

2. The normalization revealed openly and clearly the negative functional role of the Arab League, which has recently worked more brazenly against the interest of the Arabs and against Palestine, which seems to be preparing to take its last breath to give way to the establishment of the “Regional Middle East League “, in which the normalizing Arabs become orphans and servants of “Israel”, which will hold its stick of leadership, and for this League to be managed in a coordinated manner with Turkey and under direct American supervision. And we must not forget how the Arab League expelled Syria from it. And how it asked NATO to destroy Libya, and break it up to the extent that it was unable to build its state again despite 10 years of destruction.

3 Normalization charts the strategic map in the region, establishes the axes and alliances free of Trojan-horses, and free of disincentives from enemy agents, so that the axis of resistance and its allies from Arab and Islamic countries can put the strategy of confrontation in both its defensive and offensive plans without falling prey to misinformation and deception. Here it must be noted that the axis of resistance did not lose any of its factions on the ground because of those normalization steps, as those who normalized were not soldiers of Palestine and turned on it now, but they were traitors to Palestine in hiding and they came out of the ranks. On the contrary, their danger has decreased after they were exposed and their betrayal became public.

4 Normalization as an act of treason, demands from the Arab people to face their responsibilities, which must be carried out under two headings. First, passive resistance by totally refraining from dealing with anyone who belongs or communicates with the “Israeli” enemy and launching the broadest boycott campaigns for this purpose. Second, mount pressure on the rulers of the normalizing countries in order to make the ruler understand that he made a mistake and that the public do not agree to his betrayal and will not be part of it.

5 The enemy, which today boasts of this enormous strategic victory, knows in depth that its invasion of the Arab world by normalization does not provide him with reliable answers to serious existential questions that haunt him. Especially since he sees an existing and persistent regional front that rejects its existence and refuses to cede Palestine. The enemy knows the importance of this front, especially when the enemy knows what capabilities’ the rejectionists have, which has imposed on the enemy its conduct and places its existence under great question. While he knows that the normalizing countries did not leave the military field against “Israel” because they were never there in the first place, and will not be in the trenches with “Israel” against the axis of resistance.

In conclusion, we say that the so-called normalization as a betrayal, which is undoubtedly a surrender to the enemy, has not and will not achieve peace at the public level and will not provide those normalizing Arabs with any benefits or devote a gain to them. And although it will bring to “Israel” some gains and various strategic, political and economic benefits, and may also have some military benefits too, But it will not solve “Israel’s” existential dilemma under the strength of the axis of resistance, and its rising power despite all the American pressure. Not to mention the existence of a large Palestinian demographic bloc deprived of its right to land and an independent state. Therefore, the Palestinian issue is impossible to be settled without restoring the Palestinian right to its owner.

 It remains to emphasize that the so-called normalization will place the weight of responsibility on the people in the normalizing countries, to say their word and declare their position in a way that thwarts the objectives of normalization, and shows them as acts of a cartoonish nature useless. Those people can take a leaf out of the Egyptians’ book  . As they rejected “Israel”, they deprived it of movement or penetration or meaningful presence in the Egyptian’s streets.

* University professor – strategic researcher.

مفاوضات ترسيم الحدود البحريّة جنوباً توقفت؟ هل تُستأنف؟ وكيف…؟

العميد د. أمين محمد حطيط

في الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر المنصرم أيّ قبل شهر من الآن، وبعد أن اطلعت على ما قيل إنه مواجهة بين لبنان والعدو «الإسرائيلي» حول طرح المطالب اللبنانية في الحدود البحرية التي انعقدت مفاوضات الناقورة غير المباشرة بين لبنان و»إسرائيل» لترسيمها، بعد هذا كتبت مقالاً تحت عنوان «صُدمت إسرائيل! فهل تنسف مفاوضات ترسيم الحدود البحريّة؟”. كتبت هذا انطلاقاً من معرفتي بالطبيعة “الإسرائيلية” وتحليل أدائهم وسلوكياتهم في التفاوض، وبالفعل وصلنا اليوم الى وضع يشير إلى أنّ مصير المفاوضات بات تحت علامة استفهام كبيرة، ويكاد الموضوعيّ من المراقبين يقول بأن “إسرائيل نسفت المفاوضات أو تكاد”، فلماذا وصلنا الى هنا وهل تحقق ما كنا توقعناه؟

في البدء لا بدّ من التذكير بنظرة “إسرائيل” للتفاوض مع الغير، فـ “إسرائيل” تستثمر التفاوض أولاً من أجل كسب الوقت لإعداد شيء ما تفاجئ به خصمَها في سياق سياسة الأمر الواقع، أو تذهب الى التفاوض من أجل الاستحصال على تسليم أو إذعان الخصم بما تريد، فإذا اضطرت مرحلياً للتوقيع على شيء يستفيد الخصم منه فإنها تلحس توقيعها قبل أن تخرج من غرفة التفاوض والتوقيع، أيّ أنّ “إسرائيل” تريد التفاوض إما لكسب الوقت والتسويف وتنتهي المفاوضات إلى فشل، أو لانتزاع توقيع الخصم على إملاءاتها، أو توقع وتعطي شكلاً وتتنصل فعلاً من التنفيذ.

هذه الصورة ليست كلّ شيء في تعاطي “إسرائيل” مع الآخر والتفاوض معه لفصل النزاع على مطلب أو ادّعاء في مواجهة ما، فـ “إسرائيل” أيضاً تحب دوماً لعب دور الضحية في الوقت الذي تكون فيه تمارس دور الجلاد اللئيم، كما أنها تخشى على ما في يدها من مكاسب وتتجنّب الدخول في ميدان يؤلمها فإذا كان لدى الخصم من القوة ما يمكنه من إنزال ألم بها… هنا وهنا فقط وخشية هذا الألم تضطر “إسرائيل” للتفاوض المجدي، وللتنفيذ الفعلي على ما تمّ الاتفاق عليه، وبمعنى آخر إنّ “إسرائيل” التي لا تنظر إلا إلى مصالحها والتي لا تخشى إلا من القوة التي تؤلمها وتهدّد هذه المصالح، انّ “إسرائيل” هذه تحسب للخصم حساباً من خلال ما يملك من قوة وليس من خلال ما له من حق أو يكسبه القانون حق.

على ضوء ذلك ولأنّ لبنان يملك قوة مركّبة تحمي حقوقه في المنطقة الاقتصادية البحريّة جنوباً، دخلت “إسرائيل” معه عبر وسيط أميركي في تفاوض غير مباشر خلال السنوات السبع الماضية وعبر حركة مكوكية بين لبنان وفلسطين المحتلة، أفضت إلى ما أسمي “اتفاق إطار” التفاوض غير المباشر، الذي قيل فيه إنه وضع إجراءات التفاوض غير المباشر دون ان يتصل مضمونه الى الحق وأسسه.

لكن “إسرائيل” كما يبدو من تصرّفاتها بدءاً من الجولة الأولى الافتتاحيّة للمفاوضات غير المباشرة التي انعقدت في الناقورة في 14/11/2020 تصرّفت وكأنّ هناك اتفاقاً ما أبرم في المضمون تحت الطاولة، وأنّ وظيفة جلسات الناقورة إسباغ الشكل القانوني عليه، بمعنى أنها انطلقت مطمئنة الى أمور أساسية خمسة:

ـ الأول تخطّي المرجعيات القانونية التي تكرّس حقّ لبنان في الحدود البحرية وإخلاء أرضه براً من الاحتلال الإسرائيلي (اتفاقية بوليه نيوكمب – اتفاقية الهدنة – اتفاقية قانون البحار – القرار 425).

ـ الثاني حصر التفاوض بمساحة 862 كلم 2 هي المساحة الناشئة من خطي (1) و(23) ورأس الناقورة.

ـ الثالث التفاوض شبه المباشر وصفاً والمباشر فعلاً مع تحييد دور للأمم المتحدة من الرعاية وحصره في المسائل اللوجستية فقط.

ـ الرابع، القناعة بأنّ التفاوض لن يمسّ بأي مصلحة “إسرائيلية” تمّ تكريسها بالأمر الواقع مهما كانت طبيعة هذه المصلحة وتأثيرها على الحقوق اللبنانية.

ـ وأخيراً كانت “إسرائيل” مطمئنة الى انّ وجود الأميركي شاهراً سيف الضغط والعقوبات على رقاب المسؤولين اللبنانيين كافٍ وحده لإجبارهم على الإقرار والإذعان لما يُفرض عليهم “إسرائيلياً”.

بهذه الظنون أو الوعود أو التطمينات، ذهبت “إسرائيل” إلى الناقورة مطمئنة الى النتائج، لكنها صُدمت عندما شاهدت وسمعت وعاينت أداء الوفد اللبناني الذي كذّب ظنونها وتصوّراتها في كلّ ما كانت ذهبت إليه، حيث إنّ الوفد تمسك منذ اللحظة الأولى بالاتفاقيات المرجعية الأساسية التي أسقطها “تفاهم الإطار”، وتعامل مع الأمر على أساس أنّ كلّ ما كان قائماً قبل التفاوض يبقى خارج خيمة التفاوض وأن لبنان جاء ليثبت حقه وفقاً للقانون الدولي، وليس هو هنا ليبني على أخطاء ارتكبت أو وعود قطعت أياً كان المرتكب او الذي قطع الوعود طالما انّ الوضع بقي من دون اتفاق ملزم بين لبنان وبين “إسرائيل”، فأخطاؤه التي لا تكون “إسرائيل” طرفاً فيها لا تنال منها حقاً مكتسباً ولا تقيّده تجاهها.

وبهذا تجاوز الوفد مساحة الـ 862 كلم2 التي قيل إنها صلب النزاع، أما بين المباشر وغير المباشر فقد حرم الوفد اللبناني “إسرائيل” فرصة التقاط صورة ولو يتيمة معه او توجيه خطاب مباشر له، وأخيراً فإنّ لبنان وتحديداً رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي يتولى أمر التفاوض والإشراف المباشر عليه بمقتضى الدستور، وهو حق حصري له، انّ لبنان بشخص رئيسه لم ترعبه أميركا وعقوباتها، رغم أنها أنزلتها بالوزير جبران باسيل صهر الرئيس ورئيس التيار الوطني الحر، وبقي متمسكاً بحقوقه لا يعترف لأحد بمصالح تمسّها رغم الترهيب والتخويف والضغط التي تمارسه أميركا عليه.

وهكذا يكون لبنان قد خيّب العدو “الإسرائيلي” وأجهض آماله من المفاوضات، وطالت الخيبة أميركا التي تصوّرت أنها في المئة يوم الأخيرة من ولاية ترامب ستهدي “إسرائيل” من لبنان حدوداً بحرية تستجيب لمطالبها ولمصالحها، وصورة ثنائية يعتدّ بها لتكون خطوة على طريق التطبيع الذي أطلقت “إسرائيل” مع حكام الخليج قطاره.

إنها خيبة مزدوجة للأميركي و”الإسرائيلي” على حدّ سواء، ولأننا نفهم الطبيعة “الإسرائيلية” فإننا توقعنا أو تصوّرنا انّ “إسرائيل” ستسعى الى نسف المفاوضات التي أتت بالنسبة لها عقيمة طالما أنها لن تستجيب لطموحاتها، وهذا كان بالفعل المطلب “الإسرائيلي” بوقف التفاوض الآن وتأجيله الى أجل غير مسمّى تنتظر فيه “إسرائيل” معالجة الوضع والقرار في لبنان بواحد من أربعة حلول:

ـ الأول خضوع العماد ميشال عون تحت وطأة الضغوط الأميركية القاسية جداً، والتي جاء بها الأميركي بالأمس شاهراً سيفه عليه وعلى دائرته الشخصية وعلى لبنان تجويعاً وانهياراً وفراغاً سياسياً، خضوعه والعودة الى ما تقول به “إسرائيل” اتفاقات تحت الطاولة والاكتفاء بـ 500 كلم2 “منحها” فريدريك هوف للبنان يوم كان يقود الوساطة مع “إسرائيل” في العام 2014.

ـ الثاني انتظار انتهاء ولاية العماد ميشال عون في حال تمسكه بالحقوق اللبنانية، والتعويل على رئيس جمهورية جديد يأتي خلفاً له ويكون سريع التنازل كما هو حال الحكام العرب الآخرين، وهنا يكون على الجميع انتظار سنتين تقريباً من الآن لانطلاق التفاوض، هذا إذا رأت اميركا حاجة إليه ولم تقدم على توقيع اتفاق تعدّه هي في واشنطن وتأتي به الى لبنان لأخذ توقيعه.

ـ الثالث انتظار وقوع مواجهة عسكرية بين لبنان و”إسرائيل” تنتصر فيها الأخيرة التي تعدّ نفسها دائماً لحرب على المقاومة، وعند ذلك لا تكون “إسرائيل” بحاجة الى توقيع اتفاق او تفاوض عليه، بل ستكون سياسة الفرض بالأمر الواقع كما هو حالها مع الاستيطان او احتلال مزارع شبعا. او أصل احتلالها لفلسطين.

ـ إدراك “إسرائيل” بأنّ أيّاً من الأوضاع الثلاثة لن يتحقق، واضطرارها لبتّ النزاع والانطلاق في التنقيب الآمن بعيداً عن صواريخ المقاومة، هنا ستضطر للعودة والمناورة ما استطاعت وهو احتمال غير قويّ.

أما لبنان فإنه بقي متمسكاً بالحلّ المنطقي والحقوقي والعقلاني الذي يقوم الآن – بعد أن وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه وارتضى بالتفاوض غير المباشر بالصيغة القائمة – موقف يقوم على الاستمرار بتفاوض غير مباشر وحمل “إسرائيل” على الإقرار بحقوق لبنان وفقاً لأحكام القانون الدولي العام، كما قدّمها وفده في الناقورة وهي حقوق تحميها القوة اللبنانية الثلاثية الأبعاد… قوة الحق قانوناً، وقوة الموقف رسمياً متجسّداً بالرئيس عون والوفد العسكري – التقني المفاوض، والقوة العسكرية ميدانياً من جيش ومقاومة، حقوق على أساسها يمكن استئناف التفاوض، وحتى حينه سيجد لبنان نفسه معنياً باستعمال القوة من أيّ نوع متاح لمنع “إسرائيل” من الاستثمار النفطي في المنطقة المتنازع عليها والتي تبلغ مساحتها 2290 كلم2 حسب الخرائط التي قدّمها الوفد اللبناني الى الناقورة.

*أستاذ جامعي – باحث استراتيجي

العالم النوويّ الإيرانيّ…. والردّ؟

جريمة اغتيال

العميد د. أمين محمد حطيط

لا يحتاج الباحث لوقت أو جهد كبير للقول وهو متيقّن أنّ «إسرائيل» أقدمت على اغتيال العالم الفيزيائي النووي الشهيد محسن فخري زادة في داخل إيران، فـ «إسرائيل» في استراتيجيتها تعتمد قتل أعلام العدو في كلّ المجالات لتمنع عدوها من الاستفادة من طاقاتهم القيادية أو العلمية أو أيّ طاقات أخرى وفي أيّ مجال في سياق عملها باستراتيجية «حرمان العدو من مصادر القوة»، و«إسرائيل» تظهر وبشكل يومي انّ المشروع النووي الإيراني يقضّ مضاجعها، لأنها كما تروّج وتخشى من تطور هذا المشروع الى درجة الوصول الى تصنيع القنبلة النووية وعندها تسقط طمأنينة «إسرائيل» الى وضع التفوّق العسكري في المنطقة، التفوّق الذي يعطيها الاطمئنان الى استمرارية الوجود كما تزعم، ولأجل ذلك تقود «إسرائيل» الحرب الشعواء على هذا البرنامج وتحشد كلّ من تستطيع الوصول اليه ضده، ولأجل ذلك وقف نتنياهو قبل سنتين مهدّداً علانية إيران ومشيراً الى عالمها النووي زادة قائلاً «احفظوا هذا الاسم» في أوقح عملية تهديد تمارس على الهواء مباشرة.

فـ «إسرائيل» قتلت العالم زادة، هذه حقيقة واقعة، وفرضت السؤال على إيران والعالم أيّة تداعيات ستكون لهذه الجريمة وكيف ستردّ إيران، خاصة أنّ المنطقة والعالم يمرّان في مرحلة حساسة ودقيقة في ظلّ ما يمكن تسميته متغيرات انتقال السلطة في الولايات المتحدة الأميركية وتحوّلات العلاقات بين «إسرائيل» وبعض الدول العربية في سياق ما يُسمّى «التطبيع» الذي انطلق قطاره بدفع أميركي ترامبي، فضلاً عن تعقيدات المشهد الميداني في أكثر من منطقة في الشرق الأوسط وجواره بدءاً من لبيبا الى اليمن وسورية والعراق الخ…

لكن قبل مناقشة ما تقدّم لا بدّ من الإشارة الى مسألة الاغتيال بذاتها والإجابة على سؤال حول نجاح المعتدي في تنفيذ جريمته ونقول لا شكّ في أنّ هذه الجريمة تشكل خرقاً أمنياً كبيراً استلزم قدرات استخباريّة واحترافاً عالي المستوى لا تملكه إلا الدول المحترفة لعمليات «إرهاب الدولة «، وان الفاعل اكتشف ثغرة ما في المنظومة الأمنيّة الداخليّة في إيران فاستغلها واستطاع ان ينفد منها ما مكنه من النجاح في تنفيذ خطته الاجرامية، وبالمناسبة نقول لا يوجد نظام أمني في العالم يمكن أن تصل درجة الإحكام فيه الى المستوى المطلق بنسبة 100%، فمهما جهد المسؤول وعمل للوصول الى الإحكام المطلق يبقى هناك شيء، صغيراً كان أو كبيراً، يمنعه من تحقيق النجاح المطلق في الإحكام. واليوم سيكون على إيران البحث في الثغرة أو الثغرات التي نفذ منها العدو لمعالجتها بالقدر الأعلى لمنع تكرار ما حصل.

ونعود إلى مسألة التداعيات والردّ على الجريمة، ونقول إنّ مَن أمر بعملية الاغتيال ونفذها أيّ «إسرائيل» وفريق ترامب طبعاً، أراد وضع إيران في وضع من اثنين فإما ان تتقبّل الضربة وتبتلعها منتظرة بايدن لتعالج معه الملف النووي ولا تردّ هنا حتى لا تتدحرج الأمور الى حرب شاملة تجبر أميركا على التدخل ويكون التدمير الواسع لإيران ولمحور المقاومة، أو أن تردّ إيران أولاً ويتبعها محور المقاومة ما يستدرج أميركا الى الردّ وخلط الأوراق وصياغة المسرح والمشهد الميدانيّ بشكل يقطع الطريق على بايدن ويمنعه من تنفيذ خطته في إعادة إحياء التوقيع الأميركي على الاتفاق النووي الإيراني مع ما يوجبه من رفع العقوبات على إيران. أيّ أنّ «إسرائيل» في خطتها تجد الربح في الوضعين؛ فهي رابحة إنْ لم يحصل الردّ لأنها تكون جنت مكسباً بلا مقابل وأفلتت من العقاب، أو تكون افشلت خطة بايدن قبل أن ينطلق في تنفيذها. فهل هذه هي الحقيقة الحصرية؟

لا نعتقد أنّ مصلحة إيران ومعها مَن تبقى من محور المقاومة وبكلّ مكوّناته، لا أعتقد انّ مصلحتهم ان يحبسوا أنفسهم أسرى الحرب الشاملة وإعادة التوقيع الأميركي على الاتفاق النووي، خاصة أنهم يعلمون أنّ العدو شرس ووقح وفاجر لا يتورّع عن استغلال أيّ جزئية وهن في مواقفهم اذ يفسّرها فوراً بأنها ضعف او تردّد وخوف فيقدم على التصعيد في العدوان، ثم من قال إن بايدن الآتي باسم الديمقراطيّين الى الحكم هو حمامة سلام ستتصرّف بعيداً عن إملاءات الدولة العميقة، ومن يضمن ان يحدث بايدن انقلاباً حقيقياً في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، وهل ننسى أنّ بايدن كان نائب الرئيس الديمقراطي أوباما الذي أشعل نار الحريق العربي المسمّى تزويراً بأنه «ربيع عربي»؟ أو انّ الديمقراطيين هم مَن دمّروا لبيبا ومنعوا إعادة تشكل دولتها حتى الآن، أو انّ بايدن هو صاحب مشروع التقسيم للسيطرة المباشرة على الجزء انْ لم تتمكن اميركا من السيطرة على الكلّ لأنّ المبدأ لديه «ان اميركا وحدها يجب ان تقود العالم؟».

يجب أن يتعامل محور المقاومة مع هذه الحقائق والوقائع وقد كان مهماً جداً وفي موقعه في الزمان والظروف كلام السيد على الخامنئي مرشد الثورة الإسلامية في إيران، عندما قال «جرّبنا مسار التفاوض لرفع العقوبات ولم نحصل على نتيجة ترضي، وعلينا أن نجرّب مساراً آخر»، وكان مهماً أيضاً قرار مجلس النواب الإيراني المتخذ بعد اغتيال الشهيد زادة، والذي أكد فيه على الحكومة وفي مهلة 3 أشهر السعي الى رفع العقوبات او التنصّل من التزاماتها في الاتفاق النووي بما في ذلك رفع مستوى التخصيب الى 20% ووقف التعاون مع وكالة الطاقة الذرية الدولية وعدم استقبال مفتشيها في طهران خاصة أنّ الجزء الأكبر من هؤلاء هم جواسيس لأميركا ويظنّ انهم أسهموا بطريقة أو بأخرى في عملية الإعداد لاغتيال الشهيد زادة.

على ضوء ذلك نقول إنّ الردّ على جريمة الاغتيال ينبغي أن يكون حتمياً من أجل منع إرساء «سياسة الإفلات من العقاب» ما سيشجّع «إسرائيل» على المضيّ قدماً في اعتماد الاغتيال وسيلة أساسية في الصراع، فالردّ يجب أن يكون حتمياً وموجعاً من أجل حماية مَن تبقى من علماء ومن أجل الانتقام والثأر لدم الشهيد. كما يجب أن يكون الردّ من أجل ترميم او معالجة الندوب التي أحدثها الاغتيال في صورة او هيبة الأمن الإيراني، ولذلك يجب أن يكون الردّ من طبيعة مركبة في بعض جزئياتها شيء من طبيعة الاغتيال ذاته لتفهم «إسرائيل» انّ في بنيتها الأمنية ثغرات أيضاً يمكن النفاد منها.

أما الحذر وإعداد الحسابات للحرب الشاملة فإننا نميل الى القول بانّ أحداً من معسكر أعداء إيران ومحور المقاومة جاهز للحرب الشاملة، وهم يهوّلون بها في إطار حرب نفسيّة، لكنهم لا يجرؤون عليها، لانّ أيّ حرب مقبلة ستكون خلافاً لسابقاتها، ستكون حرباً لا متماثلة ولا يقوى معسكر العدوان على مجاراة معسكر المقاومة بها، لذلك نظنّ بانه مهما بلغت قسوة الردّ على «إسرائيل» عقاباً لها على جريمتها فإنّ الأمور ستبقى تحت السيطرة ولن تنزلق الى حرب شاملة، لأنّ العدو يعرف انّ الحرب الشاملة ليست في مصلحته.

ونختم بالقول إنّ الردّ الحتمي الآتي ينبغي أن يكون من القوة والتأثير بحيث يعزز معادلة الردّ الاستراتيجي الفاعل الذي يحمي محور المقاومة وجوداً ودوراً ومصالح، ردّ يقوم على أركان ثلاثة: الركن الداخلي وفيه تحسين أداء المنظومة الأمنية الإيرانية وسدّ الثغرات فيها، وسياسي لوضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته حيال دولة مارقة تمارس «إرهاب الدولة»، وعسكري أمني تختار إيران زمانه ومكانه ليأتي موجعاً لـ «إسرائيل» يمنعها عن التكرار.

أستاذ جامعي – باحث استراتيجي.

فيديوات ذات صلة

مقالات ذات صلة

ثلاثيّ «صفقة القرن» يقرع طبول الحرب… فما الممكن؟ وما المتوقع؟

العميد د. أمين محمد حطيط

رغم المكابرة يبدو أنّ دونالد ترامب سيجد نفسه ملزماً في 20 كانون الثاني/ يناير 2021 بالخروج من البيت الأبيض بعد أن خذلته صناديق الاقتراع. وبذلك يكون ظنّه قد خاب وخسر التجديد، أما الخيبة الأكبر والشعور بالخسارة الأعظم فقد كان من نصيب الضلعين الآخرين معه في مثلث «صفقة القرن» أيّ نتنياهو ومحمد بن سلمان اللذين عملا معه في تلك الجريمة التي بات واضحاّ أنّ أهدافها تتعدّى تثبيت «إسرائيل» بشكل نهائيّ على كامل أرض فلسطين التاريخيّة مع بعض جزر تعطى للفلسطينيّين ظرفيّاً لتذويبها لاحقاً بالكيان العنصري اليهودي، تتعدّى ذلك الى تهويد المنطقة بكاملها وإخراج كلّ من يرفض الاستسلام لـ «إسرائيل» منها، وما القرار الذي اتخذته الإمارات العربية بعد استسلامها لـ «إسرائيل» في إطار ما سُمّي «تطبيع» وفتح أبوابها لليهود من دون تأشيرة دخول، مترافقاً مع منع دخول مواطني 13 دولة عربية وإسلامية إليها إلا أول الغيث وصورة نموذجيّة لما سيكون عليه وجه المنطقة إذا نجح الثالوث غير المقدّس في فرض «صفقة القرن» نموذج يقول فيه الصهاينة وعملاؤهم «لا يدخل علينا شريف يرفض الاستسلام لإسرائيل».

بيد أنّ خسارة ترامب جعلت الثالوث يقلق على «صفقة القرن» هذه، قلق يفاقمه الظنّ بأنّ جو بايدن سيراجع معظم سياسات ترامب في المنطقة ويصحّح ما أفسده، وفي طليعة ذلك الملف النووي الإيراني، ما سيُعقد من أوضاع ضلعَي الصفقة ويثير خشيتهما من المستقبل. لذلك وكما يبدو اتجهت أفكار المثلث الشيطانيّة الى إنتاج واقع في المنطقة ينشر ظلاله على جو بايدن الرئيس الجديد ويلقي بثقله عليه ويمنعه من نقض ما حبكه ترامب، ولأجل ذلك يخطط الثالوث لحرب على إيران بخاصة وعلى محور المقاومة عامة تكون على وجه من اثنين أولهما أن تهاجم أميركا المنشآت النووية الإيرانية بشكل تدميري وتردّ إيران عليها وتندلع الحرب، والثاني أن تبدأ بهجوم «إسرائيلي» على إيران فتستدرج رداً من المقاومة على «إسرائيل» فتتدخل أميركا لحمايتها وفي الحالين سيرسم مشهد ميداني يصبح الحديث معه عن مفاوضات حول إحياء التوقيع الأميركي على الاتفاق النووي الإيراني مع الدول 5+1 حديث من غير مضمون ولا فائدة فيفرض ترامب بذلك قراره على بايدن بعد أن يكون قد خرج من البيت الأبيض.

إنه التخطيط للعمل العسكري ضدّ محور المقاومة إذن، تخطيط وإعداد نفذ في سياقه حتى الآن أكثر من عمل وأتمّ أكثر من سلوك بدءاً بإعادة الانتشار الأميركي في أفغانستان والعراق (حول إيران) مروراً بتحرك بعض قطع الأسطول البحري الأميركي في الخليج وإبعادها عن متناول الصواريخ الإيرانية، ثم نشر طائرات B-52 القاذفات الاستراتيجية الأميركية في قواعد جوية في الشرق الأوسط، وما أعقبها من اجتماع ثلاثي في «نيوم» السعودية بمشاركة بومبيو ونتنياهو ومحمد بن سلمان، وصولاً الى التعميم العسكري «الإسرائيلي» الصادر عن وزير حرب العدو والموجّه الى جيشه يأمره فيه بالاستعداد لمواجهة ظرف تقوم فيه أميركا بقصف إيران قريباً.

إنّ تحليلاً لكلّ ما تقدّم من معطيات يحمل المقدّر العسكري والاستراتيجي الى وضع احتمال شنّ حرب من قبل المثلث العدواني ذاك كأمر لا بدّ من وضعه في الحساب، ولكن لا يمكن اعتباره الاحتمال الممكن الوحيد لأكثر من اعتبار. ويجب الوقوف على الوجه الآخر من الصورة ربطاً بقدرات الطرف الذي سيُعتدى عليه وعلى إمكاناته وعلى اتقاء الضربة وإفشالها أولاً وعلى قدرته على الردّ وقلب مسار الأحداث عكس رغبات المعتدين.

وفي هذا السياق نتوقف عند مواقف وأحداث لا يمكن تجاوزها في معرض تقدير الموقف هذا، أوّلها كلام السيد علي الخامنئي منذ أيام لجهة قوله بأنّ إيران «جرّبت المفاوضات من أجل رفع العقوبات ووقف التدابير الكيديّة، لكنها لم تحصل على نتيجة وبات عليها ان تجرّب غيرها»، وأضاف «رغم أنّ الحلّ الآخر سيكون مؤلماً في البدء إلا أنه سيأتي بنتائج سعيدة»، كلام ترافق مع القصف اليمنيّ لمحطات «أرامكو» لتوزيع المحروقات قرب جدة، وهو قصف له دلالات استراتيجيّة وسياسية وعسكرية كبرى في مكانه وزمانه غداة الاجتماع الثلاثيّ التحضيريّ للحرب وعلى بعد بضع عشرات الكيلومترات من جدة، ثم إعادة الانتشار التركيّ وتنظيم مسرح العمليات في الشمال والشمال الغربي السوري حول إدلب، بما قد يُنبئ بقرب عمل عسكري قريب في المنطقة، وأخيراً ما يتمّ تسريبه من رفع درجة جهوزيّة المقاومة في لبنان وبكلّ أسلحتها استعداداً لأيّ طارئ ومن أيّ نوع.

على ضوء ما تقدّم نقول انّ مثلث العدوان قد يذهب الى الحرب، لكن محور المقاومة ليس في الوضع الذي يخشى من هذه الحرب، صحيح أنه لا يسعى إليها لكنه لا يخشاها، لا يخشاها بذاتها كما لا يخشى تداعياتها، فإذا تسبّبت الحرب بإقفال باب التفاوض ومنعت العودة إلى إحياء التوقيع الأميركي على الملف النووي الإيراني، فلن تكون المسألة بالنسبة لإيران نهاية الكون، وإذا تسبّبت الحرب بتدمير منشآت إيرانية فإنها ستؤدي حتماً الى تدمير الكثير في «إسرائيل» والسعودية وستؤدي حتماً الى إفساد فرحة «إسرائيل» مما تحقق حتى الآن من «صفقة القرن» وعمليات التطبيع.

نعم الحرب ستكون مؤلمة، كما يشير السيد الخامنئي، أو كما يوحي كلامه ضمناً وستكون طويلة أيضاً، لكن نتائجها ستكون سعيدة وستغيّر الكثير مما نخشاه ويقلقنا في المنطقة.

نقول بهذا من دون أن نتصوّر لحظة انّ «إسرائيل» لا تدرك كلّ ذلك، أو أنّ الدولة العميقة في أميركا لا تحيط به علماً، فإذا كانت رعونة المثلث العدواني قد تدفعه الى الحرب فإنّ مصالح الكيان الصهيوني والدولة الأميركية ستضغط لمنعها، والسؤال لمن ستكون الغلبة للمتهوّر أم للمتوازن؟

احتمال تقدّم المتهوّر في تهوّره لا يمكن نفيه رغم نسبته الضئيلة التي لا تتعدّى الـ 15%، أما احتمال تقدّم المتوازن فهي الأرجح، وهنا قد يتقدّم التصرف العسكري المحدود المتمثل ببنك أهداف أمنية أو عسكرية يستهدفها ترامب قبل رحيله بعد أن يكون قد قبض الثمن الباهظ مقابلها من السعودية، وهنا سيكون بنك الأهداف عبارة عن قيادات هامة تستهدف بالاغتيال على غرار عملية اغتيال الشهيد قاسم سليماني، كما تشمل مراكز عسكرية عملانية لفصائل المقاومة والحشد الشعبي في العراق وسورية، عمليات تتناغم وتنفذ بالموازاة مع ما يجري الآن من إحياء وتنشيط لخلايا داعش في موجة إرهاب جديدة تضرب العراق وسورية برعاية أميركية…

*أستاذ جامعي – باحث استراتيجي.

خطة «إسرائيليّة» خبيثة لحرف مفاوضات الناقورة عن مسارها…

العميد د. أمين محمد حطيط

ظهر تصرّف الوفد «الإسرائيلي» الى مفاوضات ترسيم الحدود البحرية في الناقورة، تصرّف المطمئنّ للمواضيع التي ستناقش وللنتيجة التي سيخرج بها والتي كما يبدو في نظره انّ أقلها الحصول على بضعة مئات من الكيلومترات من مساحة الـ 862 كلم2 التي يرى انّ النزاع محصور بها مع تجاوز للعدوان «الإسرائيلي» على الحدود البريّة بعد أن أطاح باتفاقية «بوليه نيوكمب» وألغى اتفاقية الهدنة وأنكر قانون البحار واعتمد ما فرضته «إسرائيل» من أمر واقع ونقل بعض العلامات الحدودية في الجنوب، ما مكّنها من اقتطاع أرض لبنانية ظناً منها انّ ما فعلت بات نهائياً على الأرض ولم يعد بحاجة إلا لإقرار لبناني وتوقيع على الأوراق، ولأجل ذلك كان إصرار منها ومن الوسيط الأميركي على إغفال «اتفاق الإطار» لاتفاقية «بوليه نيوكمب» ولاتفاقية الهدنة وقانون البحار والذهاب الى إسناد التفاوض على مرجعيات واهية لا تقدّم ولا تؤخّر في إثبات الحقوق اللبنانية في الحدود براً أو بحراً كتفاهم نيسان 1996.

لكن الوفد اللبناني فاجأ العدو «الإسرائيلي» في الناقورة بموقف علمي وقانوني صلب مبنيّ على عناصر ثلاثة أوّلها التأكيد على المرجعية الأساسية لاتفاقية الحدود 1923 والهدنة 1949 وقانون البحار 1982، والثاني انّ الوفد حدّد حقّ لبنان في حدوده والمنطقة الاقتصادية بالاستناد الى القانون وانه ليس وفد مساومة ربطاً بالضغوط، والثالث انّ شيئاً لا يقيّد الوفد اللبناني من الإجراءات والتصرفات السابقة لوضع يد السلطة الدستورية الوحيدة التي يخوّلها الدستور اللبناني التفاوض مع الخارج، وبالتالي كلّ ما حصل أو ما تمّ تداوله قبل أن يصل الملف الى يد رئيس الجمهورية وقبل أن يوافق عليه مجلس الوزراء ويصادق عليه مجلس النواب يبقى مشاريع او طروحات أولية تمهيدية وغير نهائية وتتيح إعادة النظر بها كلما ظهرت معطيات جديدة.

لقد صدم الموقف اللبناني هذا بما اتسم به من علم وقانون وتقنية والتزام وطني ووضوح، بالإضافة الى «الإسرائيليين» الوسيط الأميركي «النزيه» الذي أبدى استياءه ما جعله يشمّر عن ساعديه مجدّداً ليمارس موجة ضغوط جديدة متوازية مع حرب إعلامية ونفسية «إسرائيلية» قادها وزير الطاقة «الإسرائيلي» الذي ادّعى بأنّ لبنان غيّر موقفه سبع مرات، مشيراً الى المشاريع التمهيدية التي تمّ تداولها منذ العام 2007 من قبل جهات غير ذات صلاحيّة أو غير ذات اختصاص او بعمل مجتزأ لا يحيط بكامل جوانب القضية.

بيد أننا لا ننكر بأنّ هناك تداولاً إعلامياً لخطوط محدّدة قبل هذه المفاوضات بدءاً من خط (بي 1-1) ثم خط (بي1-23) ثم خط (رأس الناقورة – تخيلِت) ولكن كلّ هذه الخطوط لم تكن خطوطاً رسمية لبنانية، حيث انّ الخط الذي وقع مشروعه وفد السنيورة الى قبرص رفض من قبل الجيش وامتنع رئيس الجمهورية وتالياً مجلس الوزراء عن القبول به واعتماده واعتمد بدلاً منه وبموجب المرسوم 6433\2011 الخط المعروف بخط الـ 23 الذي صحّح الخطأ في مكان النقطة (1) وأبدلها بالنقطة 23 واحتفظ المسؤول اللبناني لنفسه بمراجعة هذا الخط إذا ظهرت معطيات جديدة.

وبالفعل عندما ظهرت معطيات جديدة متمثلة بصخرة تسمّى «جزيرة تخيلِت»، وبالعودة الى التفسير الدقيق لمواد قانون البحار وبالاستعانة بخبراء القانون الدولي وتفسير الاتفاقية بشكل دقيق توصّل لبنان الى رسم خطه النهائي الذي طرحه في المفاوضات في الناقورة، وهذا ما أبدى «الإسرائيلي» رفضاً له ودفعه للخروج من قاعة المفاوضات لافتتاح نوع آخر من التفاوض عبر الإعلام يقوده وزير الطاقة الإسرائيلي بمواقف يتوجه بها إلى رئيس الجمهورية مباشرة وفي ذلك خبث واحتيال ظاهر يريد منه العدو تحقيق مكاسب لم تتحقق له في انطلاق مفاوضات الناقورة. فهو يريد مفاوضات سياسية مباشرة تبدأ من الحدود وتصل الى الاستسلام والتطبيع. وهذا ما أعلنه صراحة وزير الطاقة الإسرائيلي عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ حيث قال موجهاً كلامه لرئيس الجمهورية «لو استطعنا الالتقاء وجهاً إلى وجه في إحدى الدول الأوروبيّة من أجل إجراء مفاوضاتٍ علنيّة ٍأو سريّةٍ لكانت لنا فرصة جيّدة لحلّ الخلاف حول الحدود البحرية مرة واحدة وللأبد»، وهو ينصب بهذا فخاً محكماً للبنان لا نرى أن الرد عليه سيكون إلا بالتمسك والتأكيد على الثوابت التالية:

1

ـ انّ المفاوضات في الناقورة هي مفاوضات عسكرية تقنية لا تمّت بصلة الى أيّ علاقة او نقاش او حوار ذي طبيعة سياسية، وبالتالي على وزير الطاقة الإسرائيلي التوقف عن مناورته الاحتيالية التي يغيّر عبرها طبيعة المفاوضات وينقلها من تفاوض عسكري تقني غير مباشر في الناقورة الى تفاوض سياسيين في موضوع الحدود والمصالح وبشكل مباشر عبر الإعلام ومباشر في أوروبا في لقاءات وجهاً لوجه.

2

ـ انّ المكان الوحيد لطرح الأفكار ومناقشتها وفي موضوع وحيد وحصري هو ترسيم الحدود البحرية وما يتصل بها، إن المكان الوحيد هو خيمة الناقورة، وانّ الجهة المكلفة بعرض الموقف اللبناني هي الوفد العسكري – التقني الذي لا يخاطب «الإسرائيلي» مباشرة ولا يجادله بل يعلمه بالمواقف ويردّ على مواقفه عبر وسيط هو الأميركي وتحت رعاية أممية تستضيف المفاوضات.

3

ـ انّ ما يدّعيه الإسرائيلي من تعدّد الخطوط وتقلب المواقف التي يظهرها لبنان لا قيمة له، حيث إنّ الموقف الرسمي الوحيد السابق لمفاوضات الناقورة هو الكتاب الذي وجّه للأمم المتحدة في العام 2011 واعتمد خط الـ 23 محتفظاً لبنان لنفسه بحق مراجعته مع ظهور معطيات جديدة، والآن أجريت المراجعة بعد ظهور المعطيات وطرح الخط النهائي في الناقورة.

4

ـ إنّ لبنان في الناقورة يخوض مفاوضات تقنية قانونية ليست لها طبيعة سياسية، وبالتالي انّ قواعد العلم والقانون هي التي تفرض الموقف وتفرض خط الحدود ما يعني انّ أخطاء الأشخاص غير ذوي الصلاحية ليست من شأنها أن تكبّل لبنان وتطيح بحقوقه المكرّسة له وفقاً لأحكام القانون الدولي العام غير القابل للتجاوز، وليس من شأنها أن تعطي «إسرائيل» حقوقاً مكتسبة من أعمال قانونية غير مكتملة لا بل باطلة، لأنها تمّت من قبل جهات غير ذات صلاحية دستورية فضلاً عن انّ «إسرائيل» لم تكن طرفاً فيها وانّ لبنان او الأطراف الأخرى لم يعملوا بقواعد التعاقد لمصلحة الغير خدمة لـ «إسرائيل».

5

ـ إنّ خط الحدود البحرية الوحيد الذي يناقش مع «إسرائيل» هو الخط الذي طرحه الوفد اللبناني في الناقورة وهو خط بُني على أساس اتفاقية «بوليه نيوكمب» التي تحدّد بدقة نقطة البدء في الحدود البرية التي هي نقطة الأساس في الحدود البحرية والتي هي نقطة صخرة رأس الناقورة، وعلى اتفاقية الهدنة واتفاقية قانون البحار، وان تجاوز اتفاق الإطار لهذه الوثائق وعدم نصه عليها ليس من شأنه أن يسقطها ويحرم لبنان من القوة القانونية والتقنية التي توليها الوثائق لموقفه.

6

ـ على «إسرائيل» ان تناقش بالعلم والقانون والطبوغرافيا وان تعترف بالحق اللبناني، أما تحوير التفاوض والذهاب به الى دهاليز السياسة والتاريخ والتصرفات السابقة مع الاتكال على العقوبات الأميركية فإنه لن يكون مقبولاً ولن يجدي نفعاً لأنّ لبنان يعمل بمنطق «الثبات الصلب على الحقوق دون تنازل«.

على ضوء هذه الثوابت سيحدّد مصير المفاوضات في الناقورة، فإنْ أصرّت «إسرائيل» على إخراج المفاوضات غير المباشرة عن مسارها والبحث عن إطار جديد، كما أعلن وزير الطاقة فإنها تكون قد اغتالت مفاوضات الناقورة وأنهتها، وإنْ أرادت أن تتكل على أخطاء وحكايات تاريخية فإنها تكون قد وضعت المفاوضات أمام حائط مسدود يؤدّي بها الى الفشل او التوقف والتأجيل، إما إذا أرادت نجاح المفاوضات فإنّ عليها العمل بالمنطق القانوني والإقلاع عن المحاولة الاحتيالية الخبيثة التي يقودها وزير الطاقة «الإسرائيلي» بدعوته الى التفاوض السياسي الذي بدأه الآن عبر الإعلام مع رئيس الجمهورية مباشرة متجاوزاً الوفد المخوّل بالتفاوض. ويريد أن يطوّره الى لقاء مباشر ثنائي في أوروبا يمهّد للتطبيع الذي تطمح إليه «إسرائيل» مع لبنان!

مقالات مرتبطة

هل يحضّر ترامب القوة للعدوان؟ أين وكيف…؟

العميد د. أمين محمد حطيط

ما إن تداولت وسائل الإعلام خبر هزيمة ترامب في الانتخابات الرئاسية وفشله في تجديد ولايته لأربع سنوات أخرى حتى وقبل ان تنتهي عمليات الفرز وتعلن النتيجة الرسمية بشكل نهائي قاطع، اقدم الرئيس الذي لم يتبق له في البيت الابيض سوى 70 يوماً فقط تنتهي في 20\1\2021 اليوم المحدّد دستورياً لانتهاء ولاية الرئيس، أقدم ترامب المكابر والرافض الإقرار بالهزيمة على إقالة وزير الدفاع مارك إسبر ودفع وكيل البنتاغون الى الاستقالة وتسريب خبر التحضير لإقالة كل من مدير المخابرات المركزية C.I.A ومدير مكتب التحقيق الفيدرالي F.B.I والذي يعد بمثابة وكالة الاستخبارات الداخلية، وأرفق التغييرات مع تسريبات إعلامية بالبدء بشحن الصواريخ والقنابل الذكية الى الامارات العربية ثم تنظيم جولة لوزير الخارجية بومبيو تشمل كلاً من فرنسا وتركيا والسعودية والإمارات العربية و»إسرائيل» مهّد لها بمؤتمر صحافي أهمّ ما اعلن فيه هو التأكيد على موقف ترامب بانّ الأمل بالفوز قائم لا بل حتمي، وانّ الدخول الى الولاية الثانية لترامب سيتمّ بسلاسة لأن ترامب لن ينقطع عن ممارسة الحكم.

إن تحليلاً لكل ما ذكر يقودنا الى استخلاص شيء أساسي مفاده بان ترامب يعيد تنظيم إدارته من أجل القيام بعمل ما عسكري أو أمني أو من طبيعة خاصة أخرى، وانه يريد ان يسند المهمة الى من يكون طوع بنانه ويلتزم بأوامره من دون نقاش او تردّد او تلكؤ والذي يعزز هذا التفسير هو انّ الإقالات المنفذة او المنتظرة برّرت أو تبرّر بصلابة أولئك المعزولين وعدم انصياعهم للرئيس، كما يوجب نظام عمل فريق «أمرك سيدي».

فإذا أخذنا بهذا التفسير أيّ الإعداد لاستعال القوة في مكان ما، فإنّ السؤال التالي سيكون أيّ ميدان سيختار ترامب لممارسة أفعال القوة تلك؟ وهنا سيكون منطقياً التفكير بالميدانين الأميركي الداخلي والدولي الخارجي.

ففي الوجه الداخلي يمكن أن يفسّر بنية ترامب بعد رفضه الإقرار بالهزيمة عدم تسليم السلطة الى من أكدت عليه صناديق الاقتراع بأنه الرئيس، وبالتالي سيتمسك ترامب بأصوات الـ 70 مليون أميركي (48% من المقترعين) الذين اقترعوا له ويستند الى قوة السلاح الذي انتشر بين المواطنين حتى فاق في آخر تقدير الـ 40 مليون قطعة سلاح، ويريد ان يأمن جانب القوى العسكرية والأمنية والقضائية حتى يطمئن الى نجاح الحركة الشعبية المؤيدة له والرافضة لخروجه من البيت الابيض. وبهذا تكون المناقلات والتعيينات بدءاً من رئيسة المحكمة العليا وصولاً الى من ذكر أعلاه، أعمالاً إعدادية لمسرح العمليات الرسمية والشعبية لتثبيت ترامب في موقعه بصرف النظر عما نطقت به صناديق الاقتراع. قرار يتخذه غير عابئ بما قد يقود إليه هذا التدبير من انفجار شعبي قد يؤدي الى حرب أهلية وتشرذم الدولة، فترامب يؤمن بأنّ الأكثرية البيضاء التي صوّتت له هي التي يحق لها أن تختار رئيس الولايات المتحدة فإن لم تجارِها الأكثرية الشعبية العامة فيجب ان يعمل برأي الأكثرية البيضاء كائناً ما كانت النتائج.

أما الوجه الخارجي لاستعمال القوة وهو الأخطر فإنه قد يكون بدافع الانتقام او تنفيذ ما تخلف عن تنفيذه رغم التعهّد به وسيكون في واحد او أكثر من مسارح عمليات أساسية أربعة، أولها منطقة الشرق الأوسط ضدّ محور المقاومة وإيران، والثاني في أميركا اللاتينية ضدّ فنزويلا وسواها، والثالث في الشرق الأقصى ضدّ الصين والأخير ضدّ روسيا.

ومن وجهة نظرنا ومن بين مسارح العمليات هذه نرجّح أن يكون الخيار المفضل الأول قائماً على المفاضلة بين الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية مع ترجيح مؤكد للشرق الأوسط، خاصة انّ ترامب سيجد فيه ما يلائمه أكثر لشنّ العمليات الحربية او تبريرها، حيث إنّ نفقات الحرب ستؤمّن من أموال النفط الخليجي (البعض يقول بانّ السعودية مع دول خليجية اخرى دفعت سلفاً نفقات هذه الحرب وتلقت وعداً بتنفيذها من دون أن يحدّد تاريخ شنّها) وإنّ افتعال سبب مباشر لاندلاع شرارة الحرب أمر سهل في ظلّ النيران المستمرّ اشتعالها في المنطقة منذ 10 سنوات مع وجود 65 الف جندي أميركي في 54 قاعدة عسكرية منتشرة في المنطقة ـ ثم إنّ هذه الحرب ستحقق الامن لـ «إسرائيل» بشكل نهائي عبر تفكيك محور المقاومة وتدمير أسلحته الخطرة بكل مكوّناته، ومضيفاً الى تدمير سورية إيران وحزب الله. وستوفر فرصاً أكبر لصفقة القرن التي أعطت إسرائيل أكثر مما كنت تطلب. فإذا اختار ترامب هذا الاتجاه، فإنّ السؤال التالي سيكون: ما هو بنك الأهداف وما هي العمليات العسكرية والأمنية المحتملة التنفيذ؟

طبعاً، نستبعد الحرب الشاملة في المنطقة بما فيها الاجتياح البري والاحتلال كما حصل في العراق ونستبعد العمل الواسع النطاق على جبهات متعددة براً وبحراً وجواً، نظراً لأن التحضير القانوني والإداري والعملاني واللوجستي من ترخيص وتحشيد ونقل عتاد وتجهيزات غير ممكن في الوقت المتاح، ومع التأكيد على استمرار سياسة التدابير الإجرامية اللاشرعية التي تسميها أميركا «عقوبات» ومع احتمال تصاعد الحرب السبيرانية فاننا نرى ان القيادة الأميركية الملتصقة بترامب لتنفيذ نزواته وموجات عنجهيته وغضبه ستجد نفسها أمام رزمة من الخيارات العسكرية الميدانية التي تتجنب المواجهات البرية والقتال على الأرض ولذلك سيكون الاختيار مركزاً على واحد أو أكثر مما يلي:

1

ـ ضربات تدميرية للمنشآت النووية الإيرانية وللوجود المقاوم في سورية والعراق ولبنان.

2

ـ عمليات بحرية في الخليج ضد إيران مترافقة مع عمليات برية ضد الأهداف الاستراتيجية الكبرى.

3

ـ ضربة عسكرية مركزة ضد ما يوصف بالصواريخ الدقيقة لحزب الله في لبنان، مترافقاً مع التعرّض للوجود العسكري لمحور المقاومة جنوبي سورية.

4

ـ تنفيذ عمليات اغتيال واسعة على صعيد محور المقاومة وقادته.

هذه الفرضيّات ستدفع محور المقاومة، الذي كما اتضح من كلام السيد حسن نصر الله أمس، أنّ ما يجري واقع تحت نظر المحور ويأخذه بالجدية القصوى ويضعه ضمن دائرة الأعمال المحتمل أن يقوم بها ترامب بتمويل عربي خليجي وتشجيع إسرائيلي ولتحقيق رغبات شخصيّة، ولهذا فإن هذا التصور يدفع المحور لاتخاذ تدابير دفاعية شاملة من قبله وبكل مكوّناته، تدابير تكون على وجهين:

أ ـ الأول الدفاع السلبي لتجنب الضرر أو للحد من الخسائر للحد الأقصى عبر اتخاذ التدابير التي تعقد مهمة المعتدي وتحول دون الوصول الى أهدافه بيسر وسهولة، وطبعاً هذا الامر متخذ، ولكن قد يستلزم المزيد من الإجراءات، للتحسين والتفعيل أكثر.

ب ـ اما الثاني وهو الأهم والأفعل ويكون بالدفاع الإيجابي الردعي الفاعل عبر العمل المركز باستراتيجية «الهدف بالهدف المقابل». وهنا سيكون لدى محور المقاومة بنك اهداف واسع يشمل بالإضافة الى القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة والاسطول البحري في الخليج بنك أهداف يشمل كامل المساحة المغتصبة في فلسطين المحتلة، والمراكز الاستراتيجية العسكرية والاقتصادية في الدول المموّلة للحرب فضلاً عن المعابر المائية في مضيق هرمز وباب المندب.

وفي كلّ الأحوال يجب أن لا يغيب عن البال أهمية الحرب النفسية التي ستسبق أي عمل وعدوان وترافقه وتستمر بعده خاصة أن العدو يتكئ عليها بشكل واسع، لكن محور المقاومة بات له الباع الطويل فيها حيث برع بها في العقدين الأخيرين الى حدّ انه بات يملك المناعة ضدّ سموم العدو ويملك القدرة للفتك بمعنوياته، خاصة بعد ان أكد في كلّ مناسبة ان العدو يمكن أن يطلق الطلقة الأولى، لكنه حتماً لن تكون له الطلقة الأخيرة، فهل يغامر ترامب بعمل جنوني غير محسوب ويتغيّر وجه المنطقة، ام انّ الدولة العميقة في أميركا ستمسك على يده وتلقيه خارج البيت الأبيض قبل تنفيذ قراره الانتحاري؟

أستاذ جامعي – باحث استراتيجي

%d bloggers like this: