هل تنجح محاولات إسقاط تسوية درعا والجنوب السوريّ؟

العميد د. أمين محمد حطيط

كانت الشرارة الأولى للحرب الكونية التي استهدفت سورية تنطلق من درعا، وألبست الحراكات تلك يومها لباس الثورة التي تنفجر ضد الواقع السياسي والمعيشي حتى والأمني والاستراتيجي للدولة السورية. واستمرّت درعا ومنطقتها في موقع مميّز على خريطة الحراكات الميدانية خاصة بعد أن تحوّل ما أسمي ثورة إلى حرب تخوضها الجماعات المسلحة والإرهابية التي تقاطرت إلى سورية من أربع رياح الأرض في سياق خطة محكمة وضعت ونفذت بقيادة أميركية وانتظام من دول عربية وإقليمية وأوروبية تسعى جميعها إلى إسقاط سورية ونظامها، وإعادة تركيبها على أساس طائفي عرقي ومذهبي واهن يكون التقسيم فيه جوهر الحل وتكون التبعية لأميركا والانصياع لمقتضيات المشروع الصهيوأميركي سمته الرئيسية.

بيد انّ الحرب الكونية التي استهدفت سورية ونفذت فيها بخطط متتابعة واستراتيجيّات متتالية، لم تفلح في تحقيق أهدافها ـ رغم أنها توصلت في العام 2015 إلى السيطرة على أكثر من 65 إلى 70 % من مساحة سورية، لكن الحكومة السورية وبدعم من حلفائها في محور المقاومة وروسيا، أطلقت في العام 2015 خطة استعادة السيطرة على ما خرج من يدها وعاث فيه الإرهابيون فساداً وأنزلوا به الدمار برعاية أميركية أوروبية تركية عربية مستفيدة مما أسمي تحالف دولي تحت اسم ملفق هو «أصدقاء سورية» وهو تحالف مارس أبشع أنواع السياسات العدوانية ضدّ سورية شعباً وأرضاً ونظاماً وثروات.

وضعت الخطة السورية لاستعادة المناطق إلى كنف الدولة وقامت على ركنيين رئيسين، العفو والمصالحة أولاً، فإنْ فشلت المحاولة يكون الثاني متمثلاً بالعمل العسكري الذي يخرج الإرهابيين من الأرض التي يسيطرون عليها ويحرّر المواطنين السوريين من قبضتهم الإجرامية. ووضعت القيادة السورية خططاً تنفيذية مناسبة لكلّ من هذين المسارين، وسجل المسار الأول أيّ المسار التصالحي نجاحاً منقطع النظير وحقق تحرير مناطق شاسعة في سورية من غير قتال. ونجح مع المسار القتالي في تحرير بسط سلطة الدولة على أكثر من 80% من الأرض السورية الآن.

بيد أنّ المصالحات التي نفّذت، كانت محكومة بقواعد وضعتها الدولة تراعي بحزم المصلحة الوطنية أمننا وانتظام الحياة العامة في المناطق التي تجري فيها المصالحة، وعليه كانت تؤدي المصالحة إلى العفو عن كلّ مسلّح أراد أن يعود إلى حياته المدنية العادية في كنف الدولة مواطناً عادياً، ويتخلّى عن سلاحه وارتباطه ويخضع لأحكام القانون كافة منذ لحظة دخول المصالحة حيز التنفيذ، أما مَن لا يرتضي ذلك فيخرج مع سلاحه من المنطقة حتى تتمكن الدولة عبر القوى العسكرية والأمنية ومن دون شريك بسط الأمن وحماية السكان وحقوقهم ونشر سيادة الدولة كلياً على المنطقة المساعدة.

لكن المصالحة في درعا لم تراع مبادئ المصالحة التي اعتمدت في بقية المناطق، حيث إنه وبتدخل مباشر من الحليف الروسي ومن أجل تسهيل المهمة التي هي على وجه من التعقيد والخطر، صيغت لتلك المنطقة منظومة قواعد وأحكام أعطت المسلحين مكاسب لم ينلها أحد سواهم في المناطق الأخرى في إطار المسار التصالحي، وكان هذا التساهل بسبب خصوصية درعا ورغبة من الدولة السورية في الإسراع في طي صفحة الخطر الإسرائيلي الأميركي الجاثم في الجنوب والرامي إلى إقامة كيان انفصالي برعاية إسرائيلية مباشرة تذكر بما صنعت «إسرائيل» في لبنان وأقامت «المنطقة الأمنية» وجنّدت ما أسمته «جيش لبنان الجنوبي» ليكون قناعها لاستمرار احتلالها للمنطقة.

وهكذا فإنّ خطر الاحتلال والانفصال الذي ترعاه «إسرائيل» فرض المرونة في تطبيق قواعد المصالحة في درعا ومنطقتها، ولذا اعتمدت للمنطقة قواعد خاصة قضت بقبول مَن يرغب من المسلحين في البقاء في درعا مع سلاحهم وانتظام من يرغب أيضاً منهم في الفيلق الخامس الذي أسّسته الدولة في السنوات الأخيرة ليكون جزءاً من الجيش العربي السوري، وله خصوصية معينة، وهكذا شكل لواء خاص بمسلّحي درعا الحق بهذا الفيلق تحت تسمية اللواء الثامن الذي انتظم إفرادياً فيه ما بين 1500 إلى 1700 مسلّح.

وكانت الدولة ومعها روسيا التي تولي عناية خاصة للفيلق الخامس تنظيماً وتسليحاً حتى وإدارة عمليات، تعوّل على ترويض هؤلاء المسلحين سواء في الفيلق او في إدارات الدولة الأخرى التي أدخلوا اليها وحملهم على التخلي عن ماضيهم الإجرامي بحق الشعب والوطن، والعمل بنفس وطني خالص لا شائبة فيه.

بيد أن كثيراً من المسلحين الذين احتفظوا بسلاحهم في دوائر الدولة أو خارجها خيّبوا الظنّ السوريّ والروسيّ بهم وعاد بعضهم إلى ارتكاب الأعمال الإرهابيّة ضدّ الجيش العربي السوري ومراكزه المنتشرة في المنطقة كما وضدّ المدنيين، وراحوا يبدون من التصرفات ما بات ينذر بسقوط التسوية خاصة بعد أن أعلن من تولى قيادة اللواء الثامن في الفيلق الخامس (لواء مسلحي درعا) سعيه إلى إقامة «جيش الجنوب السوري» (ما يذكر بجيش لبنان الجنوبي) ورغبته في إقامة كيان خاص بدرعا ومنطقتها مستقلاً ذاتياً عن الحكومة المركزية في دمشق. وهنا يُطرَح سؤالان: الأول لماذا هذا التحرك المناهض للدولة ووحدتها الآن بعد عامين تقريباً من إتمام المصالحة؟ والثاني هل تنجح المحاولة؟

في الإجابة على السؤال الأول نرى أن المصالحة في درعا تعثرت وباتت مهدّدة بالسقوط للأسباب التالية:

واقع المسلحين الذين توزّعوا بعد المصالحة بين فئات أربع: فئة الوطنيين الجديين بالمصالحة وترك السلاح، وفئة المكابرين المتمسكين بحمل السلاح في صيغة ترعاها روسيا، وفئة معتزلي العمل المسلح كلياً والانكفاء، وفئة الخلايا النائمة التي لا زالت على ارتباط بالخارج وتتحرّك بأوامره وهي مع الفئة الثانية الأخطر على الأمن والاستقرار خاصة بعد أن تحوّلت الآن من نائمة إلى عاملة فاعلة وشجعت عناصر الفئة الثانية على التفكير بالانقلاب على المصالحة.

تأثير اليد الأجنبية الأميركية الإسرائيلية التي تعمل باستراتيجية «إطالة أمد الصراع» والسير نحو إنشاء الكيانات الانفصالية، كما هو حال الكرد في الشمال او السعي التركي في إدلب.

الواقع المعيشي الصعب الذي بدأ بالحرب وتفاقم بسبب الكورونا وتعاظم مع قانون قيصر وما فرضه من حصار متشدد على سورية.

تأخر الحل النهائي للأزمة السورية وخشية المسلحين وتعثر تحرير إدلب وشرقي الفرات ما دغدغ مشاعر المسلحين للعودة إلى الميدان ضد الدولة مع الخشية من تطبيق أحكام التجنيد الإجباري بحقهم واضطرارهم إلى قتال رفاقهم بالأمس.

كل هذه العوامل تضافرت معاً ودفعت بعض مسلحي الفئة الثانية والرابعة إلى ان تتوق للعودة عن المصالحة واستعادة الوضع الذي كانوا فيه قبلها وحتى السير قدماً نحو الاستجابة للسعي الإسرائيلي ضد وحدة سورية واستقرارها ومنع استعادة السيطرة التامة وبسط السيادة على كامل أراضيها؟

أما الإجابة على السؤال الثاني، فنرى فيها أن محاولة الانقلاب على المصالحة وإخراج درعا من سيطرة الدولة والعودة إلى العمل بأوامر أميركية إسرائيلية، أنها محاولة لن تنجح خاصة أن سورية اليوم لديها القدرة على مواجهة الخطر بما يقتضيه الموقف من عمل أو تدابير يبدو أنها وضعت موضع التنفيذ وفقاً لخطة علاج مركب أولاً من تدابير تنظيمية وأمنية واستخبارية لاحتواء الخطر ثم منع تفاقم الخطر واجتثاثه في مرحلة ثانية عبر العمل بما يلزم أمنياً وعسكرياً على السواء وهنا نرى أنّ قرار حلّ اللواء الثامن وإخراجه من الفيلق الخامس وتحويل من يرغب من عناصره إلى قوات الدفاع الوطني هو خطوة أولى ستعقبها خطوات أشدّ أثراً وأكثر فعالية ما يمكننا من القول إن محاولات نشر الفوضى والإرهاب في درعا لن تنجح وأن الدولة واعية لما يجري كما أنّ الرأي العام الشعبي في المنطقة هو في معظمه متمسك بالدولة ولن يوفر البيئة الحاضنة للإرهابيين الراغبين بالعودة إلى الوراء..

أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

فيديوات متعلقة

قرار «إسرائيل» بالتنقيب عن النفط في لبنان:‏ إعلان حرب أم استثمار فرصة؟

العميد د. أمين محمد حطيط

منذ أن ظهر التباين بين لبنان والعدو الإسرائيلي بشأن حدود المنطقة البحرية الاقتصادية الخالصة للبنان، امتنعت «إسرائيل» عن الاقتراب من المنطقة التي يتمسك بها لبنان ويصرّ على أنها جزء من حقوقه خشية من ردّ فعل المقاومة، ولم تفلح الوساطة الأميركية رغم مضيّ أكثر من 6 سنوات على انطلاقاتها لم تفلح في حلّ الخلاف حول المنطقة المتنازع عليها والبالغة مساحتها 862 كلم2.

الخلاف اللبناني الإسرائيلي هذا فاقمه أيضاً العدوان الإسرائيلي على 13 منطقة حدودية جنوبي خط الحدود الدولية مع فلسطين المحتلة، التي تطمح «إسرائيل» لإسقاطها وإعادة ترسيمها مجدّداً بما يكسبها مساحات تحتلها الآن وتدّعي خلافاً للحقيقة والقانون بأنها مناطق متنازع عليها، وهي ليست مطلقاً محلّ نزاع لأن اتفاقية بوليه نيوكمب نهائية وحاسمة وتؤكد أنّ هذه المناطق لبنانية من دون أدنى شكّ وبهذا اعترفت الأمم المتحدة في العام 2000 وعلى هذا جرى التحقق من الاندحار الإسرائيلي من قبل لجنة برئاستي في ذاك العام.

بيد انّ المطامع الإسرائيلية لا تقتصر في لبنان على البحر وما فيه او الحدود البرية ومناطقها الـ 13 المعتدى عليها بل تشمل أيضاً الحدود اللبنانية السورية حيث ضمّت «إسرائيل» وبدعم أميركي مزارع شبعا اللبنانية إلى الجولان السوري وضمّت إليها كامل المنطقة مضافة إليها الغجر اللبنانية وبعض المساحات في العباسية والنخيلة، ما جعل الحقوق اللبنانية موضع المطامع الإسرائيلية تصل إلى 862 كلم2 في البحر، و25 مليون متر مربع جنوبي خط الحدود الدولية مع فلسطين المحتلة و42 كلم2 في مزارع شبعا والغجر.

وترى «إسرائيل» انّ القانون الدولي لن يوفر لها أيّ فرصة لنيل شيء مما تطمع به، فقانون البحار يعطي الحق للبنان في البحر واتفاقية بوليه نيوكمب المصادق عليها دولياً تثبت حدوده مع فلسطين بشكل نهائي لا يغيّر في نهائيته ما أقدم عليه ترامب في خريطته المرفقة برؤيته للسلام تلك الخريطة التي أغفلت الحدود وعملت بخط هدنة مؤقت، وأخيراً الاتفاقات اللبنانية السورية حول مزارع شبعا التي تؤكد لبنانية المزارع.

ولأنّ القانون بكلّ قواعده نصاً واتفاقيات دولية يمنع «إسرائيل» من نيل ما تطلب، فإنّ «إسرائيل» تعود إلى منطق القوة الذي هو في الأصل أساس نشأتها، ولكن إعمال منطق القوة ضدّ لبنان بعد العام 2006 بات بالحسّ «الإسرائيلي» العملي والتجريبي متعذّراً بسبب معادلة الردع الاستراتيجي التي فرضتها المقاومة التي يقودها ويمارسها حزب الله. أضف إلى ذلك انّ وجود المقاومة وحلفائها في السلطة اللبنانية بات من شأنه أن يمنع أيّ حكومة في لبنان من التنازل لـ «إسرائيل» مهما كانت الضغوط الأميركية. ما يعني أنّ «إسرائيل» وصلت في مواجهة لبنان إلى الحائط المسدود لأنّ القانون لا يعطيها حقاً والمقاومة تحرمها من استعمال القوة لاغتصاب ما تريده. وباتت «إسرائيل» أمام فرض من اثنين: أما أن تخضع لقواعد القانون وتتخلى عن أطماعها، أو أن تزيل عقبة حزب الله لتعود وتستند إلى منطق حق القوة وتغتصب ما تريد إما باتفاقية إذعان وإما بفرض ميداني تنتجه الحرب.

وفي السنوات الأخيرة راهنت «إسرائيل» على الحرب الكونيّة على سورية لتفكيك محور المقاومة وإسقاط حزب الله، لكن الحرب استنفدت مراحلها ولم يتحقق شيء مما تمنّت، وراهنت على استراتيجية الضغوط القصوى ضدّ محور المقاومة بما فيه إيران وسورية وحزب لله، ولمست في الأسابيع الأخيرة نوعاً من الجنون الأميركي ضد ّلبنان عامة وحزب الله خاصة، وظنّت انّ ما كتبته صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية من أنّ «لبنان يتجه إلى الانهيار والبؤس والجوع»، انه كلام سيتحقق، ونظرت بارتياح إلى سلوك سفيرة أميركا في لبنان السلوك الخارج على كل قواعد القانون الدولي العام واتفاقية فيينا التي تنظم السلوك والعلاقات الدبلوماسية بين الدول، وكانت غبطتها شديدة عندما لمست الانقسام اللبناني العمودي والحادّ حول أداء تلك السفيرة، وكوّنت من كلّ مشاهداتها صورة جعلتها تظنّ بأن فرصة اتخاذ القرارات الصعبة في مواجهة لبنان قد حانت، فسارعت إلى استغلالها واتخذت في مجلس وزرائها قراراً بالسماح بالتنقيب عن النفط والغاز في المناطق المتنازع عليها مع لبنان وتحديداً في البلوكات 8 و9 و10 من تلك المنطقة اللبنانية. فإلى أين سيقود هذا القرار؟

في البدء لا بدّ من التأكيد أنّ حسم النزاع على حدود المنطقة الاقتصادية من جانب واحد هو عمل غير مقبول خاصة إذا جاء من طرف لم يوقع قانون البحار كما هو حال «إسرائيل»، كما أنّ قبول لبنان الرسمي بالأمر الواقع الإسرائيلي المفروض هو أمر غير مقبول وغير متوقع، وبالتالي يكون على لبنان ومن أجل حماية حقوقه أن يتصرف بكلّ ما هو متاح له من مسالك ويلج كلّ ما يمكنه ولوجه من أبواب، وتأتي في طليعة تلك الوسائل الدبلوماسية بما فيها اللجوء إلى الأمم المتحدة وهيئاتها وكذلك اللجوء إلى طرف ثالث من الدول التي تدعي صداقة لبنان وفي طليعتها أميركا.

بيد أننا لا نثق بكلّ تلك المخارج. فالتجارب علمتنا أنها عقيمة ويكفي ان نتذكر انّ تحرير الجنوب لم يتمّ بالقرار 425 الذي بقي 22 عاماً طيّ النسيان، ولو لم تكن هناك مقاومة لكان احتلال الجنوب مستمرّاً ما يعني أنّ على لبنان أن لا يركن إلا لقوّته المشكّلة من الجيش والمقاومة التي يحتضنها شعب متمسك بحقوقه، وهذا تعرفه «إسرائيل» وسمعته أكثر من مرة من قائد المقاومة الذي وبكلّ وضوح أنذر «إسرائيل» بالردّ على أيّ عدوان على المنطقة الاقتصادية في الحدود التي ترسمها لها الدولة اللبنانيّة، فهل «إسرائيل» المطلعة على هذا الموقف تسعى إلى هذه المواجهة باتخاذها قرار التنقيب؟

«إسرائيل» تعرف انّ المقاومة لا تهدّد استعراضياً، وأنها قادرة على المواجهة ولكنها كما يبدو تظنّ انّ سياسة الضغوط القصوى والحصار الخانق ومحاولات الفتنة مع احتمالات الحرب الأهلية الشاملة في لبنان ستمنع المقاومة عن الردّ او ستشغل المقاومة عن هم الجنوب لتدافع عن نفسها وعن بيئتها في الداخل، ما يوفر لـ «إسرائيل» فرصة العمل من جانب واحد وهي فرصة لا تتكرّر وتكون «إسرائيل» اتخذت قرارها محدوّة باحتمال من ثلاثة:

1

ـ جسّ نبض لبنان للوقوف على إرادته وقدرته على الردّ. ولأنه لا يعنيها ولا تهتمّ بكلّ ما هو سياسة ودبلوماسية فإنّ «إسرائيل» ستراقب ردّ الفعل في الميدان من قبل الجيش اللبناني وحزب الله ومقاومته بتنسيق أو من غير تنسيق مع الحكومة. فإذا لمست الجدية اللبنانية في اللجوء إلى القوّة فإنها ستجد لنفسها مخرجاً يجنّبها المواجهة التي قد تطوّر إلى حرب لا تريدها الآن.

2

ـ الضغط على لبنان وهو في حالة التردّي القائمة والانهيار، الضغط عليه للذهاب إلى مفاوضات غير متكافئة لفرض التنازل عن حدوده البرية وإعادة ترسيمها والتنازل عن مزارع شبعا والغجر والتنازل عن 500 كلم2 على الأقل من المنطقة الاقتصادية الخالصة.

3

ـ استدراج لبنان ومقاومته إلى حرب تندلع إذا ردّت المقاومة على العدوان، حرب تظنّ «إسرائيل» أنّ ظروفها باتت مؤاتية لها مع استشراء الإرهاب الاقتصادي الأميركي واستراتيجية التجويع للتركيع، فتستدرج لبنان إلى حرب تحمل المقاومة فيها مسؤولية اندلاعها والآلة الإعلامية الصهيوأميركية المتكئة على الداخل اللبناني باتت جاهزة لهذا الأمر، لكن «إسرائيل» كما قلنا ونكرّر لن تدخل الحرب إلا بعد أن تطمئن إلى اهتراء الداخل اللبناني والفتنة الجاهزة للانفجار لإشغال المقاومة عن الهمّ الوطني الكبير.

وعليه نرى القرار الإسرائيلي بالتنقيب على النفط داخل المنطقة الاقتصادية اللبنانية قراراً بالغ الخطورة يستدعي من لبنان أعلى درجات الحذر والحكمة والحزم في التعامل، لأنّ تداعياته مفتوحة على كلّ الاحتمالات من البسيط في السياسة إلى الخطير في الحرب وبينهما صيانة الحقوق أو هدرها ورغم انخفاض احتمال الحرب فعلى لبنان ومقاومته أن يستعدّا لكلّ ذلك خاصة في الأشهر التي تفصلنا عن تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل موعد الانتخابات الأميركية.

أستاذ جامعي – خبير استراتيجي.

مقالات متعلقة

صراع المعادلتين: “ارحلوا عنا أو تُقتَلُون»‏‎ ‎في مقابل «استسلموا أو تُقتَلُون»!؟

العميد د. أمين محمد حطيط

في أعلى درجات الوقاحة والفجور سنّت أميركا قانون قيصر لخنق سورية وفرضت تطبيقه على كلّ من يتعامل معها وبرّرت سلوكها بالقول إنه من أجل حماية المدنيّين، وهو ادّعاء كاذب طبعاً، حيث لا يخنق المرء حتى الموت مع الادّعاء بأنّ الفعل من أجل إحيائه.

لقد شنّت أميركا على سورية أبشع حرب اقتصادية تطالها منذ عقود بقصد أن تحرمها من انتصاراتها وتسلبها أو تمنع عليها استثمار تلك الانتصارات التي دفعت ثمنها دماء زكية وجهوداً مضنية ومعاناة قاسية خلال عشر سنوات خلت، وتريد أميركا أن تمنع إعادة إعمار سورية لتمنع عودتها إلى حياتها الطبيعية والانطلاق مجدّداً في مسار الدول الحديثة التي تؤمّن الرفاه لشعبها وتحقق الندّية في التعامل مع الآخرين دون استتباع أو تبعية أو هيمنة إلخ…

قانون قيصر عدوان اقتصاديّ أميركيّ يروّج له بأنه ضدّ سورية فحسب، لكنه في الحقيقة يطال سورية وكلّ العالم المتعامل مع سورية اقتصادياً، إنه قانون أميركي يُراد منه عزل سورية كلياً عن دورة الاقتصاد العالميّ ومنعها من التعامل مع الخارج في أيّ سبيل أو طريق، وهو يطال لبنان كأول متضرّر منه لأنّ التزام لبنان به يؤدّي كما تريد أميركا إلى إقفال الحدود البرية مع سورية ليس في المعابر غير الشرعية التي كثر الحديث عنها وإيلائها أهمية لا تستحقها، بل وإقفال عملي للمعابر الشرعية عبر التهديد بالعقوبات لكلّ اقتصادي أو متموّل أو رجل أعمال يجتاز تلك الحدود ببضاعة أو بمال أو بخدمة أو بقصد استثمار في سورية.

ولا تكتفي أميركا في ارتكاب هذه الجريمة فحسب بل إنها تضيّق الخناق على لبنان في مسألة عملته الوطنية من أجل الإضرار به أولاً ثم التضييق على سورية ثانياً وهي تدير عبر منظومة «جبهة أميركا في لبنان» حرباً نقدية تشكل فرعاً من فروع الحرب الاقتصادية التي يتعرّض لها لبنان بحجة محاصرة المقاومة، تنفذ هذه الحرب مع معرفة أميركا بتأثيرها على المواطن اللبناني – كلّ مواطن – ثم تصرّ عليها راسمة معادلة أولية: «التجويع للتركيع»، أما المعادلة الأساسية التي تريدها أميركا من حربها التي تستعمل خدمة للمشروع الصهيوأميركي العام فهي «التجويع للاستسلام» التي تقود إلى نزع سلاح المقاومة وتفكيكها، ما يمكن من دفع لبنان إلى التنازل لـ «إسرائيل» في البر والبحر في الأرض والماء والنفط، فتكون أميركا بذلك عاقبت مكوّنين من محور المقاومة بضربة واحدة مؤمّلة النفس بأن تحقق لها تدابيرها الاقتصادية الكيدية ما عجرت عصابتها الإرهابية في سورية وقبلها الحرب الصهيونية على لبنان عن تحقيقه.

فأميركا بكلّ بساطة تقول للبنان وسورية “تستسلمون أو تموتون جوعاً“. وهي معادلة تنطوي بشكل واضح على التخيير بين الموت على درجة واحدة تكون عبر الموت جوعاً أو الموت على درجتين تكون الأولى منهما بنزع السلاح ومصادر القوة تليها الثانية بالقتل والاعتقال والتصفية. أميركا تخيّر المقاومة وبيئتها بين الموت أو القتل. هذه هي بكلّ بساطة ووضوح معادلة أميركا بعد هزيمتها في سورية وعجزها عن تحقيق أهدافها في وجه محور المقاومة.

وتعتقد أميركا بأنها بهذه المعادلة الإجراميّة التي تنتهك حقوق الإنسان وتنتهك قواعد وأحكام القانون الدولي، والتي تعتبر ضرباً من ضروب الجرائم ضدّ الإنسانية، ويمكن تصنيفها بأنها جريمة إبادة جماعية، المعادلة التي تخيّر المقاومة بالتخلي عن سلاحها وإنجازاتها تمهيداً لاجتثاثها بشرياً، وتتصوّر أميركا أنها ستنجح في معادلتها، خاصة أنها مطمئنة إلى وجود من سيتطوّع لخدمتها في الداخل اللبناني أو في الإقليم ويكون معها في حربها ضدّ المقاومة، ويصدّق مقولتها بأنّ سلاح المقاومة هو سبب المشكلة الاقتصادية وانّ الحلّ يبدأ بنزعه.

بيد أنّ ردّ المقاومة لم يتأخر وعشية البدء بتطبيق قانون قيصر جاء الردً حاسماً وصاعقاً على لسان الأمين العام لحزب الله في لبنان، ردّ فهم المدققون فيه والخبراء الاستراتيجيون الذي يغوصون في كلام السيد فهموا فحواه وما رمى إليه ورأوا بأنه ردّ باسم محور المقاومة كله يرمي إلى تزخيم المواجهة وعدم التراجع بأيّ قدر، فهو ردّ يقول لأميركا بأنّ معادلتها مرفوضة، وبأنّ تجويع جمهور المقاومة وشعوب دولها مرفوض، وبأنّ نزع سلاح المقاومة مستحيل وبأنّ مَن يحلم بذلك فهو واهم أو مشتبه وأنه يبني على الظنّ العقيم.

وصحيح أنّ السيد نصرالله احتفظ لنفسه بنص المعادلة التي تطلقها المقاومة في مواجهة معادلة العدوان الآنفة الذكر أيّ معادلة «استسلموا أو تموتون جوعاً» أو بصيغة أخرى «استسلموا او تقتلوا»، فإنّ رفضه للاستسلام والتسليم لأميركا ورفضه لصيغة أخرى من جدار المكر الإسرائيلي المسمّى «الجدار الطيب» في جنوب لبنان، وتمسكه بسلاح المقاومة لأنه مسألة وجود ومسألة حياة أو موت وتهديده للعدو الذي يستعدّ لقتل المقاومة وجمهورها وشعوب دولها، تهديده له بالقتل متوعّداً له ثلاث مرات بالقول «سأقتلك»، يعني بكلّ بساطة انّ المقاومة صاغت معادلتها في وجه معادلة العدوان، وبات المسرح اليوم محلّ صراع بين معادلتين… معادلة العدوان الأميركيّ التي تقول للمقاومة وشعوبها «استسلموا أو تقتلون» ومعادلة المقاومة الدفاعية التي تتضمّن «دعونا وشأننا وارحلوا أو تقتلون».

وكما انّ تطبيق معادلة العدوان يشمل كلّ يد تمتد للعمل مع المقاومة ودولها وشعوبها مهما كان العمل أو التعامل، فإنّ معادلة المقاومة الدفاعية ستكون موجهة في تطبيقها أيضاً لكلّ مَن يخدم العدوان في فعل أو سلوك، لأنّ العمل بالمعادلة الدفاعية الجديدة لن يكون محصوراً في جهة أو طرف بل سيكون مفتوحاً على كلّ الاتجاهات والمستويات والأهداف في ما تصحّ تسميته بكلّ ثقة بأنه «حرب شاملة» لا يستبعد منها طرف او موضوع او مكان.

وعليه نرى انّ المنطقة باتت بين احتمالين لا ثالث لهما… الأول أن تفهم أميركا جدية معادلة المقاومة الدفاعية وتتجنّب المواجهة وتتراجع عن عدوانها وتحفظ نفسها ومصالحها وحلفاءها وعملاءها في المنطقة بدءاً من الأفراد صعوداً إلى الكيانات، أو تصرّ على غيّها وتجازف بالدخول في حرب مفتوحة شاملة مع المقاومة، حرب لا تستثني عدواً او حليفاً او عميلاً لأميركا او مصلحة لهم في المنطقة، أما حلم أميركا بالتركيع عبر التجويع فهو حلم لن يتحقق والأشهر الخمسة المقبلة ستحمل الجواب حول أيّ احتمال ستكون عليه الأمور.

*أستاذ جامعي – خبير استراتيجي

هل يتحرّر لبنان… خاصة من الاستعمار الاقتصاديّ الأميركيّ؟

العميد د. أمين محمد حطيط

تنظر أميركا إلى لبنان باعتباره الحلقة الأضعف في محور المقاومة، ونظرتها هذه ليست من باب القدرات القتالية للمقاومة وهي قدرات حققت الكثير مما أزعج أميركا وأقلقها، بل من باب البنية اللبنانية والوهن البنوي في تركيبته السياسية والديمغرافية والاقتصادية وقدرتها أيّ قدرة أميركا على تجنيد من يلزم فيه لتنفيذ المهامّ التي تخدم سياستها لا بل تمارس عبره عدوانها المستمرّ على المنطقة.

ففي لبنان تجد أميركا سياسيين يجاهرون بمواقفهم التي تصبّ في خدمة المصالح الأميركية على حساب المصالح اللبنانية، وتجد موظفين كباراً يمارسون مهامّ وظائفهم بمنظور وفهم أميركي بحت حتى وبأفضل مما تقوم به أميركا نفسها، وتجد أحزاباً وهيئات وتنظيمات تعمل في خدمة هذا المشروع الأميركي الاستعماري بجدية والتزام وحرص على النجاح يفوق ما تطلب أو تتمنى الإدارة الأميركية.

والأدهى من كلّ ذلك نجد انّ أميركا التي تتلقى السهام الجارحة في داخلها لا بل تثخن بالجراح اليوم من باب جائحة كورونا والاضطرابات الشعبية التي اندلعت تحت عنوان رفض «التمييز العنصري» في الداخل الأميركي، أميركا التي أخفقت في سياساتها تجاه الصين وروسيا، واضطرت للتعامل بواقعية بعيدة عن التهديد العسكري الجدّي مع كلّ من إيران وكوريا الشمالية، أميركا التي تآكلت هيبتها العسكرية وضاع حلمها بالأحادية القطبية في النظام العالمي المنهار، أميركا التي لا يتوقع عاقل أنها ستعود وسترمّم هذه الأحادية مهما كانت نتائج المواجهة العالمية القائمة حالياً؛ الأدهى في الأمر أنّ أميركا هذه تجد في لبنان من يتعبّد لها ويأسر نفسه في حبائل مشاريعها الكيدية والاستعماريّة والعدوانيّة، ويرى فيها الملاذ والملجأ والحصن الذي يلجأ إليه لمعاقبة شركائه في الوطن بعد أن يجنّد نفسه عندها مخبراً محرّضاً أو جاسوساً عميلاً أو مأجوراً في خدمتها.

لقد شكلت أميركا ممن يتبعها أو ينصاع لها أو يأتمر بأوامرها ما يمكن وصفه بـ «جبهة أميركا في لبنان» التي يتوزع أعضاؤها الأدوار ويتساندون في ما بينهم بحيث يحمي بعضهم بعضاً في أيّ موقع كان لأنّ تلك المواقع التي يشغلها من يحمل الهوية اللبنانية تستفيد منها أو تخدم السياسة الأميركية فيكون واجباً عليهم حمايتها. لأنهم يرون فيها محميات يمنع المسّ بها ويسلّط السيف الأميركي على رقبة كلّ مَن يفكر بهذا الأمر. وعليه نرى انّ مهامّ أعضاء «جبهة أميركا في لبنان» نوعان… الأول المهامّ الأصلية المباشرة التي تخدم تلك السياسة، والثانية مهامّ احتياطية فرعية تمارس من أجل حماية الأعضاء بعضهم لبعض في مواقع الدولة. وفي ممارسة مهامهم الأصلية يطالب أعضاء «جبهة أميركا في لبنان» بما يلي:

1

ـ نزع سلاح المقاومة الذي هو مصدر قوة رئيسي للبنان للدفاع عنه أرضاً وشعباً وثروة وكياناً، وهو مصدر قلق عميق لـ «إسرائيل» وأميركا يهدّد مطامعهما خاصة في الأرض والثروة، وانّ نزعه يسهّل لأميركا وضع يدها على كامل المفاصل اللبنانية ويمكّنها من تعديل الحدود ورسم حدود بحرية وإنهاء ملف مزارع شبعا خدمة لـ «إسرائيل»، كما جاء في رؤية ترامب.

2

ـ الابتعاد عن سورية من أجل إحكام الحصار عليها خدمة لسياسة العقوبات الأميركية التي تسعّر اليوم مع بدء تطبيق قانون قيصر الأميركي الكيدي الإجرامي. يريدون سدّ الرئة اللبنانية التي تتنفس منها سورية يريدون ذلك رغم انّ علاقة لبنان بسورية هي من طبيعة تجعلها مسألة حياة أو موت للبنان هذا قبل أن ينص عليها في وثيقة الاتفاق الوطني في الطائف بأنها علاقات مميّزة وقبل أن تصاغ تلك العلاقات في 22 اتفاقية متنوّعة المواضيع لتفعليها.

3

ـ رفض إقامة أيّ علاقة اقتصادية مع العمق المشرقي للبنان من سورية إلى الصين مروراً بإيران وروسيا، ويصرّون على تضييع الفرص عن لبنان من أجل ان يبقى تحت الاستعمار الاقتصادي الأميركي الذي فرض عليه نهجاً اقتصادياً حوّل اقتصاده إلى اقتصاد ريعي وحرمه من الخدمات الأساسية ومنعه من إقامة بنية تحتية تناسب تطوّر العصر وأغرقه بالديون… كلّ ذلك خدمة لاستراتيجية أميركية تقوم في جوهرها على إفقار التابع المستعمر من أجل إبقائه تحت السيطرة على أساس «جوّعه يتبعك».

لقد نجحت «جبهة أميركا في لبنان» في تحقيق ما طلب ويطلب منها في مسألة العلاقة مع سورية والمسألة الاقتصادية وفشلت في مسألة سلاح المقاومة، وسبب فشلها هنا عائد إلى انّ للسلاح قوة تمسكه وتحميه لا تخضع للدولة بشكل كلي بل تنسق معها ضمن مفهوم «التنسيق السلبي» الذي تفرضه الرغبة في عدم التصادم والاحتكاك، من دون أن يصل هذا التنسيق إلى حدّ الخضوع التامّ للقرار الرسمي اللبناني، الخضوع الذي لو حصل لتعطل دور السلاح ولكان لبنان اليوم من غير مقاومة ومن غير سلاح مقاوم، وبالمناسبة نذكر بأنّ أحد الأسباب الجوهرية التي تحول دون وضع سلاح المقاومة بأمرة الدولة هو هذا الخطر، حيث إنّ وضعه بيدها يعني حتماً تعطيل استعماله لأنه يجعل قرار الاستعمال بيد جهة رسمية يكون فيها بعض من «جبهة أميركا في لبنان»، وأن حصول ذلك يعني زوال معادلة الردع الاستراتيجي التي فرضتها المقاومة على «إسرائيل» وبها حمت لبنان ومنعت الحرب عليه.

لقد نجحت «جبهة أميركا في لبنان» في تحقيق أغراض أميركا من مسائل العلاقة مع سورية والمسألة الاقتصادية، لأنّ هذا الأمر يتطلب قراراً رسمياً ويتوزّع من بيدهم سلطة القرار أو صلاحيته بين فئات أربع: الأول خاضع مباشر للقرار الأميركي بوصفه عضواً في «جبهة أميركا في لبنان» والثاني خائف على مصالحه من ردّة الفعل الأميركي عليه انْ خالف الإيحاء الأميركي ثم يغلف خوفه على مصالحه الشخصية بالادّعاء بانه خائف على المصالح الوطنية اللبنانية، والثالث عاجز بمفرده لا يملك صلاحية اتخاذ القرار المناسب وحده. ورابع غير مكترث للصراع بذاته أو لنتائجه قادر على التكيّف مع تلك النتائج كيفما كانت. وفي هذا التصنيف يكمن مأزق لبنان، المأزق الذي يضيّق فسحة الأمل بالتحرّر من الاستعمار الأميركي الفعلي المفروض عليه والذي يصل أحياناً إلى حدّ ظهور سفير أميركا في لبنان وكأنه الحاكم الفعلي فيه.

بيد أنّ الغريب في الشأن هو فجور «جبهة أميركا في لبنان» في توصيفها لواقع لبنان حيث تقلب هذه الحقيقة وتدّعي وجود عكسها في أبشع عملية تزوير وتقليب للحقائق، فبدل الإقرار بهذا الاستعمار تطلق مقولة «الدويلة التي تحكم الدولة»، وتقصد دويلة حزب الله التي هي وهم في رؤوس أعضاء «جبهة أميركا في لبنان»، يصرحون به ليخفوا حقيقة الاستعمار الأميركي الذي هم في خدمته، ويطلقون مقولة «حكومة حزب الله» التي لو كانت حقيقة قائمة لذهبت إلى سورية بكلّ ثقة بالنفس ولفتحت الطريق للبنان للانتظام في الاقتصاد المشرقيّ وكسرت الاحتكار الأميركي لسوقه. أما الدرجة الأعلى من الفجور فتتمثل في مطالبة أميركا وجبهتها في لبنان بالإصلاح وتضع الإصلاحات شرطاً للمساعدات. وطبعاً لا يمكن لعاقل إلا أن يؤيد هذا الشرط لا بل يجعله هدفاً رئيسياً من أهداف سياسته، بيد انّ سلوك أميركا وأتباعها يخالف الطلب اللفظي، حيث إنّ النسبة الكبرى من منظومة الفساد في لبنان وناهبي المال العام هم أعضاء في «جبهة أميركا في لبنان» وتمنع أميركا المسّ بهم وتضع الخطوط الحمر التي تحميهم ويتطوّع أعضاء الجبهة كلّ في موقعه من أجل حمايتهم.

هذا هو مشهد لبنان ومأساته، ومجريات الصراع فيه، صراع شرس بين مَن يريد أن يستكمل استعماره وإحكام السيطرة عليه بنزع سلاح المقاومة، ومن يريد أن يستكمل التحرير الذي بدأ في العام 2000 بتحرير الجنوب وتصاعد في إرساء منظومة الردع الاستراتيجي بوجه العدو، ويعمل لتحرير لبنان اقتصادياً من الاستعمار الأميركي وليطهره من الفساد الداخلي الذي يرعاه هذا الاستعمار.

صراع ليس بالأمر السهل خاصة أنه دخل اليوم إلى لقمة عيش المواطن التي أقحمتها أميركا في الصراع من باب الحصار والعقوبات وقانون قيصر والتلاعب بالنقد الوطني، لكن رغم ذلك ليس الفوز فيه مستحيلاً بالنسبة للمقاومة خاصة أنّ الطرف المناهض لها عاجز كلياً، مهما حشد من طاقات ومهما ابتدع من أساليب، عاجز عن نزع سلاحها، يبقى عليها هي ان تعمل بالمتاح والمتوفر من أجل خوض معركة التحرير الاقتصادي والإصلاح في أهمّ حرب يواجهها لبنان الحديث. وهنا يبرز دور الشعب الذي عليه تقع الأعباء التي لا يستهان بها.

أستاذ جامعي – خبير استراتيجي.

فبديوات متعلقة

مقالات متعلقة

كيف يُواجَه «قانون قيصر» الإجراميّ ومشتقاته وأمثاله…؟

العميد د. أمين محمد حطيط

تصاعدَ التهويل واشتدّت الحرب النفسية التي تشنّها أميركا على سورية وحلفائها والمتعاملين معها في المجال الاقتصادي والمالي تهويل وضغوط من باب تطبيق “قانون قيصر” الأميركي الكيدي الإجرامي الذي يستهدف خنق الاقتصاد السوري وتجويع الشعب السوري عبر عزل سورية عن العالم اقتصادياً ومنع التعامل معها على أيّ صعيد مالي واستثماري، بقصد دفعها إلى موقع تتخلى فيه عن انتصاراتها في الحرب الكونية التي استهدفتها خلال 10 سنوات ولا تزال، ثم القبول بشروط الاستسلام الأميركي التي طالما رفضتها منذ العام 1973 وحتى اليوم.

بيد أنّ القانون الذي أقرّه الكونغرس الأميركي مستنداً إلى أسباب موجبة لفقها تحت عنوان “محاسبة النظام السوري لانتهاكه حقوق المدنيين السوريين وسلامتهم” يشكل (أيّ القانون) أكبر طعنة لهذه الحقوق في أبسط أشكالها من حيث الغذاء والدواء ومتطلبات العيش الأوّلي الضروري، ولا يغيّر من طبيعته ومفاعيله الإجرامية وتصنيفه كجريمة ضدّ الإنسانية، ادّعاء أميركا انه لن يمسّ بمصالح المدنيين. فأميركا احترفت النفاق والتزوير وتستسهل الكذب والخداع فتقتل الإنسان مدّعية أنها تقدّم له مساعدة للحياة.

فأميركا التي تتشدّق بحقوق الإنسان وتشنّ الحروب زاعمة السعي لحمايتها تحترف وبكلّ وقاحة انتهاك حقوق الإنسان أينما كان. فالسياسة لدى أميركا هي سياسة جمع المال وتراكم الثروات لطبقة من الرأسماليين على حساب الإنسان أينما وجد ولنا في ما يحصل اليوم في مدن أميركا وشوارعها من اضطرابات ومواجهات سببها العنصرية وانتهاك حقوق الإنسان خير مثال على ما نقول، حيث إنّ الحكومة الأميركية تتصرف خلافاً لما تتشدّق به حول حقوق الإنسان إلى الحدّ الذي يجعلنا نعتقد ونؤمن بأنّ مقولة “حماية حقوق الإنسان” هي سلعة أميركية معدّة للتصدير وللاستهلاك الخارجي فقط وليس للتطبيق والاستعمال الداخلي”.

إنّ أميركا وتحت عنوان “حماية حقوق الإنسان السوري”، سنّت قانوناً لتقتل هذا الإنسان ولتشنّ عليه حرباً تؤدي إلى القتل الممنهج عبر قرارات تتخذها هيئاتها الدستورية وتفرضها على العالم في تجاوز واضح لسيادة الدول واستقلالها. ونحن نفهم أنّ تتخذ أميركا تدبيراً تلزم به نفسها ضدّ دولة ما، وهذا حقّ سيادي لها، أما أن تفرض تدبيراً هي قرّرته، وتلزم به دولاً أخرى فهو أمر في منتهى العدوان والانتهاك للسيادة الوطنية لأيّ دولة أجنبية تكرهها أميركا على تطبيق قراراتها العدوانية.

فالجريمة الأميركية من باب “قانون قيصر” ومشتقاته وأمثاله من التدابير الكيدية التي تسمّيها أميركا “عقوبات” خلافاً لمدلول الكلمة الاصطلاحي قانوناً هي جريمة ضدّ الإنسانية يرتكبها من ليس له الصلاحية بالقيام بها. لأنّ العقوبة هي ما تقرّره وتفرضه جهة مخوّلة شرعاً وقانوناً بحقّ طرف وضع تحت سلطتها وكان لها حياله صلاحية العقاب. وأميركا ليست وليّ أمر سورية وليست مخوّلة من أيّ جهة دولية بأن تكون شرطي العالم بل إنها جعلت لنفسها هذه الصلاحية افتئاتاً على القانون والشرعية الدولية وأحكام وقواعد القانون الدولي العالم. وتكون الجريمة الأميركية من باب هذا القانون مركبة من جرائم عدة أوّلها التصدّي لأمر ليس من صلاحيتها، ثانيها عدوان على شعب لم يمارس هو وحكومته أيّ سلوك عدائي ضدّها وثالثها انتهاك لسيادة الدول التي تكرهها أميركا على التقيّد بقانونها. وهنا يطرح السؤال كيف نواجه القرار حتى نعطل مفاعيله ثم هل من طريق لمحاسبة أميركا على جريمتها المتمثلة بهذا القانون وسواه من الجرائم المشابهة؟

نطرح هذا مع علمنا بأنّ أميركا تتصرّف على أساس أنها فوق القانون وأن ليس من سلطة في العالم قادرة على محاسبتها وهي في الوقت الذي تطالب بملاحقة الدول أمام القضاء الدولي لا تقبل بأن تلاحق كدولة أو يلاحق أفرادها لدى هذا القضاء الذي لم توقع على اتفاقيات إنشائه.

أما عن المواجهة فإنها برأينا تكون بمنع تحقيق القرار لأهدافه التي هي في الحدّ الأدنى:

1

ـ إطالة أمد الصراع في سورية ومنعها من تحرير ما تبقى من أرضها في يد الإرهاب أو تحت الاحتلال التركي أو الأميركي وترى انّ الخنق الاقتصادي يعطل العمل العسكري ويمنع الحسم.

2

ـ حمل الشعب السوري على العودة إلى الشارع والانفضاض من حول قيادته تحت وطأة الجوع والمطالبة أو الاستجابة للمطالب الأميركية بإسقاط النظام.

3

ـ منع حلفاء سورية من مساعدتها ومنع تمتين أواصر العلاقات البينية معها وبشكل أدق منعهم من الانتظام في دورة إعادة البناء التي تعمّق الحلف أو الأحلاف الاستراتيجية بين سورية وأصدقائها.

4

ـ عرقلة عودة سورية إلى الانتظام في المنظومة الدولية كدولة قوية مؤثرة متمسكة باستقلالها وسيادتها، رافضة أيّ تبعية أو تنازل عن حقوقها وحقوق الأمة خاصة في فلسطين.

هذه هي الأهداف المباشرة التي ترمي أميركا إلى تحقيقها من خلال تطبيق قانون قيصر وأمثاله مما سبق أو قد يلحق من تدابير كيدية تتخذها بحقها وتباهي بها وبكلّ وقاحة وفجور، مؤكدة أنها تؤلم سورية كما سمعنا جيمس جيفري المبعوث الأميركي إلى سورية والمنطقة الذي باهى وبكلّ صلف “انّ تدابير أميركا تسبّبت بانهيار الليرة السورية”… (ما تسبّب بضائقة اقتصادية مسّت المواطن السوري بلقمة عيشه ودواء دائه).

وعليه فإنّ مواجهة هذا التدابير يجب أن تتركز قبل كلّ شيء على منعها من تحقيق أهدافها عبر سلة من التدابير التي تفهم أميركا بأنّ خطتها الإجرامية لن تنجح، ولن تحقق رغباتها في استسلام سورية. فسورية التي عانت ما عانت وضحّت ما ضحّت خلال حرب الدفاع عن نفسها وحققت الانتصار الاستراتيجي التاريخي في إفشال العدوان عليها من المستحيل ان تضيّع ما قدّمت وضحّت به وتسلّم لأميركا بما تريد بمجرد أنها مارست التضييق الاقتصادي عليها. وانّ في الردّ السوري الأوّلي على القانون هذا برفض الإذعان للشروط والإملاءات الأميركية ما يؤكد أنّ سورية اتخذت قرارها بالمواجهة الدفاعيّة ويبقى وضع استراتيجية الدفاع الاقتصاديّ ومطالبة كلّ مَن يعنيه الأمر في الداخل السوري والخارج بالقيام بدوره في هذا الدفاع. دفاع يكون مركباً من تدابير عسكرية وإعلامية واقتصادية وسواها التي تقدّر سورية وحلفاؤها نجاعتها خاصة في مجال:

أ ـ العمل العسكري: حيث سيكون من المفيد العودة إلى الميدان سريعاً واستغلال الظرف الدولي والأميركي القائم والانشغال التركي الحالي واستئناف معركة تحرير إدلب التي اتخذ قرار تحريرها بشكل لا عودة عنه. وسيكون هذا الأمر محرجاً لأميركا عندما يتمّ إنجاز التحرير لأنها ستجد نفسها وحيدة في احتلال شمال شرقي الفرات وستجد إمكان انطلاق المقاومة لمنع إنضاج الحالة الانفصاليّة أمرأ في متناول يد الشعب والدولة السورية وعندها ستوقن أن لا طائل من قيصر وقانونه لأنّ الدولة السورية تعمل لاجتثاث أسس المشروع الأميركي في سورية.

ب ـ العمل الشعبي والإعلامي والحرب النفسية إذ بعد أن أثبت الشعب مناعته في مواجهة الضغوط الأجنبية وقدرته على التحمّل، فإنّ تحصين هذه المناعة والقدرة سيكون مطلوباً من أجل تمتين علاقة الشعب بقائده وحكومته وإفهام أميركا أنّ الجوع لن يخرج الشعب عن مبادئه. طبعاً ويجب أن يترافق ذلك مع أقصى ما يمكن من تدابير من أجل تخفيف الضغط الاقتصادي على الشعب، وهنا ننوّه بما شهدته السويداء مؤخراً من تظاهرات شعبيّة تؤكد رفض العدوان الأميركي وتتمسّك بالدولة المركزية وقيادتها.

ج ـ أما الدور المعوّل عليه وبشكل أساسي فهو دور الحلفاء خاصة إيران وروسيا والصين، وهم جمعاً أو فرادى، قادرون على تحدّي أميركا في قانونها وقادرون على كسر إرادتها ولنا في عملية ناقلات النفط الإيراني الخمس إلى فنزويلا خير مثال. إن بضعة مليارات من الدولات مع عمل شركات هذه الدول داخل سورية كافية لتعطيل مفاعيل قانون قيصر.

د ـ وأخيراً يكون مفيداً جداً الذهاب إلى السوق المشرقيّة والتكامل الاقتصاديّ بين الدول التي تحيط بسورية، لبنان والعراق، إيران ما يعطل مفاعيل انهيار العملة في هذه الدول ويشجع الإنتاج والتبادل البيني للسلع من دون الخضوع لسلطان الدولار.

إنّ سورية ومعها وحلفاؤها خاصة إيران وروسيا والصين قادرون مجدّداً على إفشال أميركا في جريمتها الجديدة، وقادرون على إفهامها أنّ قانونها يسري عليها هي ولا يتجاوزها للغير وان قرارها ليس قدراً، ومن انتصر على أميركا في الميدان وفي مواجهة الإرهاب وفي الحرب النفسية والسياسية قادر أيضاً على إضافة انتصار جديد في المجال الاقتصادي. فأميركا اليوم تتراجع وتنهشها الاضطرابات والارتباكات وغير مؤهّلة لتحقيق نصر مهما كانت طبيعته.

*أستاذ جامعي – خبير استراتيجي

هل سيعود لبنان إلى العام 1975؟ أم 2005؟ أم 2008؟ فتنة أم احتواء؟

العميد د. أمين محمد حطيط

بعد الفشل الذريع الذي أصاب مشاريع الغرب بقيادة أميركية في المنطقة، عاد المعتدون إلى الساحة اللبنانية لإنجاز شيء يشكل لهم جائزة ترضية بعد الإخفاق الاستراتيجي في سورية. فقد اندلعت الحرب الكونية على سورية تحت عنوان رئيسي: إسقاط القلعة الوسطى من محور المقاومة لتفكيك المحور وفرض التسوية التصفووية بتسليم فلسطين كلها لـ «إسرائيل» وشطب حق العودة للفلسطينيين وإعطاء «إسرائيل» ما تريد من أرض الجوار في لبنان وسورية.

بيد انّ الحرب الإرهابية على سورية تكاد تنتهي اليوم على إخفاق كبير وفشل في تحقيق أهدافها، وانّ الوقت المتبقي لترامب لفرض رؤيته للسلام المسماة «صفقة القرن» بات ضيقاً لا يسمح بترف التسويف والانتظار وان الأوضاع في أميركا تتدحرج بسرعة حتى باتت تهدّد ترامب نفسه، لذلك يبدو أنّ المخطط عاد إلى لبنان لدفعه إلى فتنة تحاصر حزب الله وتقود إلى ترويضه ووضع اليد على سلاحه لإراحة «إسرائيل» من هذا الهمّ الذي حرمها حرية قرار الحرب وفرض عليها معادلة ردع استراتيجي وقواعد اشتباك ندّية جعلت الردّ على عدوانها حتمياً ليعيد التوازن إلى الميدان. يريدون فتنة تحاكي ما حصل في العام 1975 وأدّى إلى إخراج المقاومة الفلسطينية أو فتنة الـ 2005 التي هيّأت البيئة لعودة الجيش العربي السوري من لبنان إلى سورية، ويرون الآن حاجة إلى فتنة ثالثة تؤدّي إلى التخلص من سلاح المقاومة التي يقودها وينفذها حزب الله.

لقد أدرك الصهاينة انّ وجود سلاح المقاومة في لبنان يمنع نجاحهم وهو السلاح الذي تحرّكه إرادة فولاذية صلبة واعية وتستعمله حيث يجب وكيف يجب، سلاح من شأنه أن يفسد عليهم خططهم لأنه يشكل رأس حربة محور المقاومة الاستراتيجي القادر رغم كلّ الضغوط والحروب عليه القادر على الاستمرار في رفض وتعطيل خطط تصفية القضية الفلسطينية كما أنّ هذا السلاح بموقعه وانتشاره الجغرافي على حدود فلسطين وبالنوعية والدقة التي بات عليها قادر على أداء المهام المطلوبة في مسيرة حفظ لبنان والدفاع عنه ومنع استباحة حقوقه، كما هو قادر للعمل في إطار محور المقاومة خدمة لاستراتيجية تحرير فلسطين وإعادة الحق فيها إلى أهله.

لقد بات سلاح حزب الله بعد التطورات التي حصلت في المنطقة والعالم الهدف الرئيسي البديل لكلّ الأهداف التي طرحت منذ العدوان على سورية وبات يشكل بالنسبة لأميركا و»إسرائيل» هاجساً تشكل معالجته والتخلص منه دليلاً على الانتصار في مسعى التصفية، أما الفشل فيه فيكون قرينة على الهزيمة الاستراتيجية.

بيد أنّ نزع السلاح هذا لا يمكن أن يتمّ بفرار من مجلس الأمن وقد جرّبوا حظهم منذ 16 سنة بالقرار 1559 وفشلوا، ولا يمكن أن يحصل بحرب ساحقة تدمّره وقد جرّبوا ذلك في العام 2006 وهزموا، ولا يمكن أن يحصل بالحصار وقطع طرق الإمداد وتجفيف مصادره وقد جرّبوا أولاً بالقرار 1701 ثم كان الأدهى والأعظم الحرب الإرهابية التي شنّت على سورية طيلة 10 سنوات والتي آلت إلى الفشل الذريع والهزيمة والإخفاق في المسّ بالمقاومة التي ارتقت في معارج الخبرة الميدانية والقوة العسكرية كمّاً ونوعاً. لذلك لم يبقَ بيدهم إلا ورقة الفوضى والفتنة في لبنان فتنة تغرق حزب الله وسلاحه في وحول الداخل وتشغله عن أهدافه الاستراتيجية الكبرى في مواجهة العدو الأساسي للعرب والمسلمين «إسرائيل» وراعيتها أميركا. فتنة تمهّد الطريق لـ «إسرائيل» لتنفيذ ما ربها باجتياح جديد.

ومن أجل هذه الفوضى التي تحدثها الفتنة والفراغ كان الأداء الأميركي في لبنان منذ مطلع العام 2019 وكانت زيارة بومبيو إلى بيروت واجتماعاته مع من يأمل انخراطهم في مشروع الفتنة والفوضى التي تحاصر حزب الله، ومن أجل ذلك كان الإعداد لاستغلال «ثورة» شعبية محقة انطلقت في 17 تشرين الأول مطالبة بمطالب معيشية محقة 100%، وهي ثورة تأخرت وكان يجب ان تحصل ضدّ طبقة الفساد السياسي قبل زمن. ثورة أيّدنا ونؤيّد كلّ ما طرحته في أيامها الأولى لأنها ثورة مظلومين محرومين ضدّ ظالمين ناهبين.

بيد انّ المخطط للفوضى فوجئ بحكمة الفريق الوطني في التعامل مع الثورة والفراغ الحكومي الذي تسبّبت به استقالة سعد الحريري، فكانت حكومة جديدة تتبنّى مطالب الثوار وتقطع الطريق على الفراغ وتحول دون انتشار الفوضى وتعقد السير في مسارب الفتنة، ثم جاءت جائحة كورونا لتحدث إخلالاً في الخطط الموضوعة وعرقلة ظاهرة في تنفيذها. وفقد المخطط ثلاثة أشهر ثمينة وشعر بأنّ الوقت يضيق عليه ويهدّد أحلامه التي لم يتبقّ لتنفيذها إلا أشهراً ستة هي ما تبقى من ولاية ترامب المهدّد بعدم العودة إلى البيت الأبيض والذي يرزح ويئنّ تحت وطأة الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية رفضاً للعنصرية في أميركياً وطلباً للعدالة.

انّ لبنان وسورية الآن هدفاً لموجة عدوان أميركي متجدّد من طبيعة خاصة، طبيعة مركبة من عنصرين الأول يتمثل بالتضييق والحصار حتى الاختناق اقتصادياً ولأجل هذا يعدّ لتطبيق قانون قيصر الإرهابي في سورية اعتباراً من 17 حزيران/ يونيو2020، والثاني يتشكل بعمل شوارعي أساسه الفتنة المنتجة للفوضى التي تتلاقى مع الحصار لدفع البلد إلى الانهيار وإغراق السلاح في الوحول لا بل ودماء الداخل فيتحقق المطلوب، ولهذا تتوجه أنظار المخطط وعملائه إلى لبنان من أجل الإعداد للفتنة التي أسند تنفيذها إلى جماعات عرفت بارتباطها بالمشاريع الأجنبية الاستعمارية وتعمل اليوم بأمرة مباشرة من السفيرة الأميركية في عوكر/ بيروت التي حوّلت سفارتها إلى غرفة عمليات لشؤون الفتنة.

انّ لبنان اليوم على أبواب عدوان خطير عنوانه الفتنة والحرب الأهلية الممهّدة لعدوان إسرائيلي، خطة تذكر بما حصل في العام 1975 حيث رفع حزب الكتائب شعار نزع سلاح المقاومة الفلسطينية وافتعل مجزرة عين الرمانة بحق الفلسطينيين وأنتج بيئة قادت «إسرائيل» إلى تنفيذ اجتياحين في لبنان وصلت في الثاني منهما إلى بيروت فأخرجت المقاومة الفلسطينية ثم انقلبت الأمور إلى عملية مراجعة النظام السياسي مراجعة أدّت إلى خسارة حزب الكتائب والطائفة المارونية مواقعهم المتقدّمة في الحكم وباتوا واحداً من ثلاثة شركاء أساسيين يتولون السلطة واقعياً…

بيد انّ تلك الفتنة والحرب التي استمرّت 14 عاماً بين كرّ وفرّ تسبّبت في تدمير لبنان وانهيار عملته (كان الدولار يساوي 3 ليرات ووصل إلى 3000 ليرة، أيّ خسرت الليرة 1000 ضعف من قيمتها) كما هجر 50% من اللبنانيين إلى الداخل والخارج في أعظم وأقسى مأساة حلت بلبنان في العصر الحديث، فهل يريد من يخطط للبنان تكرار هذه التجربة الكارثية؟ وهل سينساق لبنانيون لتدمير بلدهم مقابل دراهم معدودة كما فعلوا في العام 1975؟

نطرح السؤال خاصة أنّ تجربة الاعتبار من التاريخ ليست مشجعة، فقد كانت محاولة أخرى في العام 2004 عبر القرار 1559 بالرعاية الأميركية محاولة ترجمت بقتل واغتيالات وحصار فأدّت إلى خروج الجيش العربي السوري ثم استدعاء الجيش الإسرائيلي إلى لبنان في عدوان فشل في تحقيق أهدافه في العام 2006 ثم تكرّرت بفتنة أطفأ نارها حزب الله بحسم الأمور في ذاك اليوم المجيد من أيار 2008.

أننا حتى الحظة نعتقد بأنّ العمل للفتنة والدعوة اليها لن تنجح في إشعال النار في لبنان، كما أنها حتى ولو نجحت فإنّ هناك عوامل تمنع انتشارها وتسهّل إخمادها، عوامل أهمّها قدرة الجيش اللبناني على إحكام السيطرة على الوضع في مناطق الاحتكاك، يضاف إليها قدرة الفريق المستهدف بالفتنة على حسم الأمور سريعاً في مناطق الخطر والاشتعال، دون ان نهمل أيضاً وجود أصوات وطنية عاقلة ترفض الانجرار اليها.

بيد أنه ومع الثقة وحسن الظنّ نرى أنّ على الجميع من رسميين وغير رسميين تحمّل مسؤولياتهم لأنّ الفتنة إذا انفجرت وسعرت نارها قد تفلت الأمور عن السيطرة خاصة أنّ من يقودها دولة عظمى (أميركا) يعمل تحت قيادتها دول إقليمية عربية وغير عربية تجمعهم رغم عدائهم مصلحة «إسرائيل» بنزع سلاح المقاومة. لذلك نرى أنّ وجوب اتخاذ التدابير الاحترازية على صعيد الإعلام والسياسة والميدان لتعقيد عمل الفتنويّين أمر واجب ولنا في ما حصل يوم 6\6\2020 عبرة حيث أدّى فشل الدعوة إلى التظاهر ضدّ سلاح المقاومة إلى انقلاب المظاهرة إلى غوغاء تكسر وتحرق ثم تطلق الإشاعات حول قتل وخطف ثم تثير النعرات المذهبية والطائفية… لكن الفتنة فشلت في ظلّ حكمة الجيش وقوّته ووعي القيادات وحرصهم.

نعم انّ لبنان مستهدف بفتنة كبرى تحاكي ما حصل في 1975 و2005، ورغم انّ الظروف مختلفة والمستهدف مختلف فإنّ الخطر لا يمكن تجاهله، ورغم ثقتنا بقدرة الجيش والمقاومة ومعهما معظم الشعب للتصدّي لها فإنّ الهواجس تقلقنا فيجب الحذر والحذر الشديد.

أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

هل يحتاج لبنان الى نظام جديد؟

العميد د. أمين محمد حطيط

عندما أعلن لبنان الكبير في العام 1920 من قبل المفوّض السامي الفرنسي، كان جزءاً ممن اعتبروا بموجب الوضع الجديد لبنانيين في الدولة الوليدة، كان هذا الجزء يرفض الإعلان ويرفض قيام دولة تسلخهم عن سورية التي يعتبرونها الوطن الكبير لهم، شأنهم في ذلك شأن العلويين والدروز في سورية الذين رفضوا الانسلاخ عن الوطن الكبير وأطلقوا بلسان صالح العلي العلويّ صرخة «أكون مواطناً بسيطاً في سورية الكبرى ولا أقبل أن أكون حاكماً رئيساً في دولة قزم تخصّص للعلويين»، وكان للدروز وللعلويين ما أرادوا واستمرّوا جزءاً من الوطن الأمّ سورية، أما في لبنان فإنّ فريق رفض لبنان الكبير لم يصمد ولم يحقق غرضه بالبقاء في سورية، وأذعن للأمر الواقع وقبل بأن يكون الشمال والجنوب والبقاع جزءاً من هذه الدولة.

ولما دنت ساعة رحيل فرنسا وإعلان استقلال لبنان في العام 1943 تنازعت القوى السياسية اللبنانية المواقف بين فريق تدغدغ أفكاره أحلام العودة إلى سورية وفريق يتمسك بفرنسا أمّاً حنوناً تحضنه وتحميه من المحيط الشرقي الذي يرى أنه لا يتجانس معه بالدين، حتى ويغالي البعض بالقول إنه لا يتجانس معه بالقوميّة إلى حدّ كبير. وكحلّ وسط بين الفريقين ابتدعت معادلة تجمع رفضين بحيث يتنازل الفريق القومي عن طلب العودة إلى سورية ويتنازل الفريق اللبناني عن طلب الحماية الفرنسية، ويشترك الفريقان في العيش في لبنان كمواطنين يبتدعون صيغة حكم تحفظ لهم حقوقهم وتحفظ لبنان المستقل كما أعلنه المفوض السامي غورو، وهكذا نشأ الميثاق الوطني اللبناني المتضمّن موافقة مكونات الشعب اللبناني على العيش المشترك في دولة مستقلة، وابتدعت لهذه الدولة صيغة حكم طائفي توزع السلطة والحقوق على أساس طائفي أما الواجبات فتلقى على عاتق المكلفين على أساس فردي.

ولأنّ الصيغة الطائفية أخلّت بالمساواة بين الأفراد في الحقوق ومنحت فئة من اللبنانيين امتيازات جعلتها الفئة الحاكمة الممتازة، وصنّفت الطوائف من حيث الحقوق في درجات متفاوتة بحيث حرمت الطوائف الأقلّ عدداً من حق المشاركة بالسلطة أو تقلّد الوظائف العامة العليا ما أنشأ الشعور بالغبن، في مقابل تمسك أصحاب الامتيازات بامتيازاتهم مبرّرين ذلك بالخوف على المصير. وفي النتيجة نشأت في لبنان عقدتان عقدة الخوف وعقدة الغبن. عقدتان أفسدتا لدى الكثير الشعور بالمواطنية حتى وبالانتماء إلى لبنان وجعلتهم يتطلعون إلى الخارج للاستقواء به، ما فرض على لبنان واقعاً من عدم الاستقرار جعل الأوضاع تنفجر داخلياً مرة في كلّ عقد من الزمن، ما فرض على أصحاب الشأن مراجعة الصيغة مع التمسك بالميثاق، وحتى يطمئن الخائفون على المصير أطلق السيد موسى الصدر شعار «لبنان وطن نهائي لكلّ أبنائه»، وهو الشعار الذي أدخل في الدستور بعد اعتماده في اتفاق الطائف الذي ختم 14 عاماً من الحرب الأهلية في لبنان وأعاد توزيع السلطة والنظر بصيغتها على أسس جديدة.

لقد أمل الكثيرون في لبنان ان يشكل اتفاق الطائف 1989 مخرجاً يُرسي الاستقرار القائم على المساواة بين اللبنانيّين، خاصة أنه تضمّن من النصوص ما يعالج مخاوف وطموحات معظمهم. فنصّ على نهائيّة الكيان وعلى العلاقات المميّزة مع سورية وأعاد توزيع السلطة، كما نصّ على عدم مشروعيّة السلطة التي لا تراعي العيش المشترك بمعنى السلطة التي لا يشارك الجميع فيها، وأخيراً نصّ على وجوب إلغاء الطائفية السياسية لإقامة دولة المواطن بدلاً من دولة الطوائف، وأشار إلى وجوب المرور بمرحلة انتقالية مؤقتة تراعى فيها حقوق الطوائف في السلطة والوظائف العامة ريثما تلغى الطائفية السياسية.

بيد أنّ التطبيق جاء مجافياً للاتفاق، فمن حيث النهائية ظلت الأصوات تُسمع بإعادة النظر بالكيان (تقسيم… فيدرالية إلخ…) وفي العلاقة مع سورية انقلبت لتكون سورية عدواً للبعض وصديقاً حليفاً للبعض الآخر، وفي السلطة قامت بدعة الترويكا واختصرت الدولة بـ 3 أشخاص تقريباً وظلت طوائف مبعدة عنها (العلويون مثلاً لا وزير لهم) وحجب موضوع الطائفيّة السياسيّة ووضعت دونه الشروط التعجيزية من قبيل معالجة النفوس قبل النصوص، او القانون الموحّد للأحوال الشخصية وما إليه…

تسبّب التطبيق المخزي للدستور ولاتفاق الطائف بكوارث متعدّدة الوجوه حلت بكلّ لبنان واستشرى الفساد الذي تغذيه الطائفية، وتشكلت مواقع لشخصيات استبدادية تصادر طوائفها وتراكم الأموال سرقة واغتصاباً من المال العام، في مقابل تردّي كلّ شيء في الدولة التي انهارت ماليتها وانهار نقدها وشحّت مواردها ووقف معظم مواطنيها على عتبة الفقر والمجاعة، وأصبح الخوف على المستقبل شعوراً مشتركاً بين كلّ اللبنانيين.

إنّ ما عاناه لبنان ويعانيه اليوم هو نتيجة حتمية لاعتماد نظام طائفي ظالم يخلّ بالمساوة بين المواطنين، ولما رمّم النظام بنصوص قيل إنها مناسبة، فإنّ التعديل لم يطبق لا بل شهد الواقع تطبيقاً معاكساً، ولذلك كانت صرخات تطالب بمراجعة النظام مجدّداً، وأننا نرى انّ لهذه الصرخات مبرّرها فالكلّ يجمع بصراحة أو ضمناً على أنّ الوضع القائم لا يمكن ان يستمرّ حتى أولئك الذين يتمسّكون بالنصوص القائمة المعطل معظمها يعرفون انّ الاستمرار فيها أمر مستحيل وأنّ التطوير أو الإصلاح أو التعديل أمر لا بدّ منه. اعتقاد نكاد نقول إنه يشمل الجميع كما يشملهم الخوف على المصير كما قدّمنا ولا يتمسك بما هو قائم إلا قلة قليلة جداً من المستفيدين الذين هم فئة الـ 2% التي جمعت الثروات من خيرات الوطن.

وعليه ومنطلقين من مسلّمة أنّ الوضع القائم غير مقبول بات واجباً البحث عن حلّ او مخرج من المأساة القائمة، ولكن هنا ينبغي الحذر في اختيار الحلّ. إذ لا يقبل ان ننتقل من وضع ملتهب إلى وضع متفجّر أسوأ، ولا يمكن أن ننتقل من وضع غير مستقر إلى وضع زلزالي، وقبل أن نخوض في الحلّ الأسلم علينا الاتفاق حول آلية الوصول إليه. وهي آلية يمكن ان تبتكر لبنانياً من خلال النصوص الدستورية القائمة رغم انّ دستورنا يعتبر من أشدّ الدساتير جموداً، أو من خلال مؤتمر وطني تعتمد فيه أولاً مبادئ وطنية عامة تراعي نهائيّة الكيان والمساواة على أساس المواطنية وتحفظ الطوائف بصيغة لا تمسّ بحقوق الأفراد وكرامتهم، فهل نبادر إلى البحث؟ أم ننتظر الطوفان الأكبر أو الحريق الشامل؟

وفي هذا السياق نرى وجوب قبول أيّ يطرح يشكل في ذهن أصحابه مخرجاً لمأزق لبنان القائم، ويناقش بعقل منفتح وفقاً لأسس وطنيّة تمنع المسّ بوحدة لبنان وأمنه وسيادته وحقوق المواطن فيه ومبادئ العدالة والمساواة. فإذا وافقها يعتمد والا يستبعد، قبولاً او استبعاداً يتمّ على درجتين أولاً في الهيئة المصغرة التي تناقشه وتوصي به ثم من قبل عامة الشعب بناء لاستفتاء شعبي حقيقي. أما المكابرة ورفض المراجعة او إعادة النظر لمجرد الرفض فإنه يعني الإصرار على دمار الوطن وتهجير سكانه بحثاً عن لقمة العيش، من دون أن نغفل احتمال الانفجار الأمني الذي لا يمكن تفاديه مع اشتداد الجوع وتسارع الانهيار العام.

*أستاذ جامعي – خبير استراتيجي.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

خطرُ حكومة الرأسين الإسرائيليّة: كيف يواجَه؟

العميد د. أمين محمد حطيط

بعد نيّف وسنة وبعد 3 انتخابات عامة توصّل نتنياهو إلى تشكيل حكومة ائتلاف مع حزب «أزرق أبيض» ضمن فيه رئاسة الحكومة في الكيان الصهيوني لـ 18 شهراً تعقبها 18 شهراً أخرى يكون فيها رئيس حكومة بديلاً. فترة يظنها كافية لتصفية ملفاته القضائية التي إذا فعلت ووصلت إلى منتهاها فإنها تقوده إلى السجن بعيداً عن أيّ منصب رسمي.

في المقابل ضمن بني غانتس رئيس «أبيض أزرق» والذي فشل في تشكيل حكومة بمفرده بعيداً عن الليكود ورئيسه نتنياهو، الوصول لأول مرة إلى منصب «رئيس حكومة بديل» الآن ورئيس حكومة أساسي بعد 18 شهراً أيّ بعد انتهاء مدة رئاسة نتنياهو. ومع تشكل هذا الائتلاف الحكومي ذي الرأسين في كيان العدو تطرح أسئلة كثيرة حول الأداء الإسرائيلي في الإقليم بشكل عام وتنفيذ «رؤية ترامب للسلام» والمسماة «صفقة القرن» التي قد تستوجب من الثنائي الإسرائيلي الأميركي عمليات عسكرية تلزمها لإزالة العوائق من أمامها.

قبل مناقشة هذه الأسئلة والإجابة عليها، لا بدّ من استعادة مقولة قديمة تفيد بأنّ «إسرائيل» في كلّ مرة يتعاظم فيها مأزق داخلي أو يشتدّ بتصورها خطر خارجي أو يتزامن الاثنان معاً فإنها تلجأ إلى حكومة ائتلاف تسمّيها «حكومة وحدة وطنية» تذهب بها لمواجهة المأزق أو الخطر بفتح جبهة حرب تنسي جمهورها المأزق او تبعد او تعالج الخطر.

وصحيح أنّ تشكيل الحكومة الراهنة أملته ظواهر عجز أيّ من الطرفين عن تشكيل حكومته الخاصة رغم محاولات تكرّرت بعد 3 دورات انتخابية، إلا انّ الواقع الإسرائيلي من حيث التحديات الداخلية وما تتصوّره من مخاطر خارجية يوحي بأنّ مثل هذه الحكومة ذات الرأسين الأساسي والاحتياط المتناوبين على رئاستها هي حكومة تشكل مصلحة لـ «إسرائيل» الآن، في ظلّ ما تضخمه حكومة نتنياهو الراحلة من خطر خارجي محدق يتمثل حسب زعمها بالوجود الإيراني في سورية وبتنظيم المقاومة في جبهة الجولان بالتعاون والتنسيق بين سورية وحزب الله الذي بات يملك حسب الزعم الإسرائيلي 150 ألف صاروخ متفاوتة المدى فضلاً عن 1000 صاروخ ذات رؤوس الدقيقة. وهذه ترسانة تغطي كامل مساحة فلسطين المحتلة. وكلّ ذلك لا يعالج برأيهم إلا بالعمل العسكري الذي يجهض هذا الخطر بتدمير هذا السلاح.

أما التحدي الآخر ففيه أيضاً ما يستحق «جمع الكلمة» على حدّ قول أحد خبرائهم الاستراتيجيين حيث إنّ من مصلحة «إسرائيل» أن تبدأ بتنفيذ «رؤية ترامب للسلام» المسماة «صفقة القرن» بما فيها من ضمّ أرض وإطاحة حلم الدولة الفلسطينية، وصولاً إلى التصفية النهائية للقضية الفلسطينية كلياً بإسقاط حق العودة وتشكيل «دولة إسرائيل» نهائياً على أساس أنها «وطن قومي لليهود» أو كما جاء في قانونهم الأخير «دولة يهودية». ومن أجل ذلك وفي غضون 48 ساعة من إعلان الاتفاق على تشكيل حكومة ائتلاف اعلن نتنياهو انه «آن الأوان لتضمّ إسرائيل نهائياً مستعمرات الضفة الغربية وغور الأردن» التي تشكل مساحة 30% من الضفة الغربية.

إذن أمام حكومة الرأسين الإسرائيليين ملفان وتحديان كبيران، فكيف ستعالجهما أو كيف ستتصرف حيالهما؟

بالنسبة للموضوع الأول أيّ إيران وحزب الله، تتمنّى «إسرائيل» ان تواكبها الولايات المتحدة في قرار مشترك للذهاب إلى حرب تدميرية واسعة وخاطفة تفرض على إيران الخروج من سورية، وتدمّر ترسانة صواريخ حزب الله. فهل هذا في متناول يد حكومة الرأسين؟

في الإجابة نقول إنّ الزمن الذي كانت الحرب في المنظور الإسرائيلي بمثابة مناورة تحدّد هي وقتها ومدّتها ونطاقها وحجم المغانم التي تريدها، ثم تذهب إليها وتنفذها كما خططت أو بأفضل مما خططت، إنّ هذا الزمن ولى إلى غير رجعة حيث كانت الصورة الأخيرة لها في العام 1982 في لبنان، أما بعدها فقد رسمت صورة جديدة في العام 2006 وفي لبنان أيضاً حيث كسرت المقاومة التي يقودها وينظمها حزب الله كلّ معادلات «إسرائيل» وتصوّرات قادتها وحطمت مقولة الجيش الذي لا يُقهر، ثم كانت الحرب العدوانية على سورية وتطورات رافقت هذه الحرب لتعزز مقولة الردع الاستراتيجي المتبادل ومقولة ان «إسرائيل يمكن ان تطلق الطلقة الأولى إيذاناً ببدء الحرب لكنها لن تستطيع التحكم بشيء من مجرياتها».

فـ «إسرائيل» اليوم وفي مواجهة محور المقاومة المتماسك والمتكامل في قدراته العسكرية الميدانية تبدو عاجزة عن شنّ حرب تحقق لها ما تشاء وتتحمل فيها الخسائر التي تنزلها بها قوات العدو. نعم «إسرائيل» تملك القوة العسكرية التدميرية الهامة لكنها لا تملك القدرة الكافية لتحقيق الإنجاز العسكري الذي حدّدته أيّ إنهاء الوجود الإيراني في سورية وتدمير سلاح حزب الله، كما أنها غير قادرة على احتواء ردة الفعل على جبهتها الداخلية التي فشلت في الارتقاء إلى مستوى «شعب يعمل تحت النار» رغم كلّ الجهود التي بذلت من أجل ذلك. ونشير أيضاً إلى انّ الوجود الإيراني في سورية ليس من الطبيعة التي يعالج بها بحرب من دون ان تصل إلى مستوى احتلال شامل، فهو وجود مستشارين موزعين هنا وهناك يصعب تحديدهم وإحصاؤهم.

وفي ظلّ استبعاد لجوء «إسرائيل» بمفردها إلى شنّ حرب على الجبهة الشمالية تبقى مناقشة فكرة حرب الثنائي الأميركي الإسرائيلي ضدّ محور المقاومة، وهنا أيضا نقول إنّ أميركا وقبل 6 أشهر من انتخاباتها وفي ظلّ الظروف الدولية المعقدة وبائياً ومالياً واقتصادياً وعسكرياً بالنسبة لها ليست في وارد فتح جبهة في الشرق الأوسط وهي التي تتحضّر للمواجهة الأخطر في الشرق الأقصى الذي قد يفرض عليها حرباً مع الصين قبل ان تستكمل انزلاقها إلى بحرها.

وعليه نصل إلى استنتاج أول بن الحرب التي ترى فيها «إسرائيل» علاجاً للخطر الإيراني والصاروخي من حزب الله هي حرب ليست في متناول يدها ويبقى لديها أن تنفذ عمليات عسكرية استعراضية إعلامية في سورية ليست لها أي قيمة عملانية او استراتيجية لتؤكد جدية مواكبتها للخطر المزعوم، رغم انّ جلّ ما تدعيه كاذب ومنافٍ للحقيقة.

أما الأخطر في مواجهة المقاومة وسورية ولبنان فهو ممارسة أميركا وإسرائيل الضغوط في إطار الحرب الاقتصادية الإجرامية التي تشن عليهم، ولذلك تضع أميركا «قانون قيصر» الإجرامي موضع التنفيذ لخنق سورية اقتصادياً، وتثار مسألة الحدود بين لبنان وسورية لخنق لبنان والمقاومة. هنا على لبنان بشكل خاص أن يتوجه إلى الميدان الاقتصادي المشرقي عبر سورية، ويعتمد خطة التكامل الاقتصادي من نواة أربع دول (لبنان سورية والعراق وإيران) لتتسع إلى عمق اقتصادي دولي يصل إلى الصين، فتتعطل بذلك خطة الإجرام الاقتصادي او الإرهاب الاقتصادي التي تمارسها عليه لإخضاعه.

أما التحدي الآخر والذي فيه ضمّ مزيد من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وغور الأردن فإنّ هذا الأمر يبدو لـ «إسرائيل» سهلاً ومتاحاً رغم «إشارات القلق» التي يبديها حيناً الجانب الأميركي متهما «إسرائيل» بالتسرع او بيانات الاستنكار الخجولة من هنا وهناك، ونعتقد ان ترامب الذي أعطى «إسرائيل» في رؤيته فوق ما تطلب لن يمنعها من هضم ما قدّمه لها، ولن تأبه «إسرائيل» لمواقف الرفض والاستنكار الإعلامي العربية والدولية لتتوقف عن عمليتها الإجرامية بضمّ الأراضي، لكنها حتماً ستنظر إلى ردود الفعل الأردنية والفلسطينية التي تؤثر عليها جدياً فيما لو اتخذت.

وعليه نرى أنّ وقف خطة «حكومة الرأسين» الإسرائيلية بصدد ضمّ الأراضي يتطلب موقفاً أردنياً فلسطيناً حازماً يؤذي «إسرائيل» كلّ على صعيده وفي نطاقه، فبإمكان الأردن لعب ورقة التنسيق الأمني وورقة التعاون الاقتصادي والمناطق الصناعية وحركة البضائع وأنبوب الغاز وغيرها من مسائل التبادل التجاري والسياحي والأمني مع «إسرائيل» وصولاً إلى وضع مصير اتفاقية وادي عربة على الطاولة، هنا تجد «إسرائيل» ان توسّعها في الأرض يؤدي إلى انحسار في المصالح وبالمقارنة ستضطر لاختيار المصالح فتتوقف.

أما الموقف الفلسطيني فيكفي أن يتمثل بأمرين اثنين: وقف التنسيق الأمني كلياً، ووقف تدابير القمع التي تمنع الشعب من إطلاق انتفاضته المباركة المتنظرة التي تهز الأرض في الضفة تحت أقدام المحتلّ، عندها نستطيع القول بأنّ هناك موقفاً جدياً يواجه العدوان الإسرائيلي ويوقف تنفيذ صفقة القرن فلسطينياً.

*أستاذ جامعي – خبير استراتيجي.

هل سقط وقف إطلاق النار في إدلب؟ وماذا بعد؟

العميد الركن د. أمين محمد حطيط

. لم نكن نتوقع أن تنفذ تركيا بروتوكول موسكو الإضافي الذي «منحها» هدية كبرى هي وقف إطلاق النار في ريف إدلب وتجميد العمليات القتالية على طرفي خطوط التماس التي رسمتها بنادق رجال الجيش العربي السوري وأقدامهم التي لو تابعت الحركة القتالية لكانت وصلت إلى الحدود مع تركيا وطوت صفحة الإرهاب في إدلب وريفها. فتركيا امتهنت منذ أن فتح لها باب استنة وأعطيت فرصة عضوية المثلث الراعي للمسألة السورية ميدانياً، ومن ثم سياسياً، سياسة النكول والابتزاز وتلمّس الطرق إلى حيث يؤكل الكتف بأقل جهد ممكن.

أما روسيا التي منحت تركيا هذه الهدية العظيمة بعد ان كانت وجهت عبر رئيسها بوتين لأردغان رسائل المهانة والإذلال في قصر الكرملين في موسكو، فقد ظنت ان الرسائل القاسية معطوفة على العطية التي حملها لها بروتوكول موسكو من شأنها أن تغيّر السلوك التركي في سورية وأن تتجه تركيا بشكل جدي هذه المرة ليس إلى تنفيذ بروتوكول موسكو فحسب، بل وكل الاتفاقات السابقة بدءاً من مخرجات استنة وصولاً لاتفاق سوتشي. وهذا يعني بالفهم الروسي توقف تركيا عن السير بمشروعها الخاص في سورية والذي يشمل اقتطاع أرض وتهجير سكان وتغيير ديمغرافي للمناطق الحدودية ووضع اليد على ثروات طبيعية وعرقلة الحركة الاقتصادية والصناعية في الشمال السوري. وكلها أمور تستحق بالفهم الروسي التضحية لضمان حل يحفظ الحقوق السورية دون ان يغضب تركيا او يستفزها.

بيد ان الميدان السوري شهد بعد بروتوكول موسكو مناورات تركية وتذاكياً من نوع جديد، حيث عملت تركيا هذه المرة باستراتيجية الباطن والظاهر المتناقضين او المتعاكسين، ففي خطابها مع الروسي كانت تؤكد المرة تلو المرة على التزامها ببروتوكول موسكو بما في ذلك طي صفحة المطالب بتراجع الجيش السوري بعيداً عن الخطوط التي وصل اليها إثر انتصاراته في عملياته العسكرية الأخيرة، كما وفتح الـ M4 الذي يربط حلب باللاذقية وضمان أمن الحركة عليه بتسيير الدوريات المشتركة الروسية التركية والسير قدماً بتفكيك الجماعات الإرهابية المسلحة المناهضة للحل السياسي، ومن جهة ثانية كانت توجّه جبهة النصرة وغيرها من الإرهابيين المتطرفين من تركمان وإيغور وسواهم لقطع طريق M4 ومنع تسيير الدوريات المشتركة عليها مع ضمان عدم استعمال القوة ضدهم. وفي النتيجة ربحت تركيا بـ»تذاكيها» وأبقت الطريق مقطوعة وجاءت الأيام بعد ذلك لتغيّبها عن جدول الأعمال المشترك لروسيا وتركيا.

لكن تركيا لم تكتف بما حصلت عليها، بل قادها غدرها إلى خرق وقف إطلاق النار ومهاجمة الجيش العربي السوري في سهل الغاب عبر تنظيمات إرهابية متطرفة جلها يعمل بأوامر المخابرات التركية ما يثبت أن تركيا مستمرة في مشروعها الخاص الذي لم تتراجع عنه، حيث لا يوجد أي دليل او أي قرينة تشير إلى هذا التراجع او توحي به، لا بالعكس فإن كل ما تقوم به تركيا ميدانياً يثبت استمرارها على السير قدماً فيه. وهي إذا توقفت فترة فإنما يكون توقفها لعائق ميداني لا علاقة له لا من قريب او بعيد بقرار تركي استراتيجي او مراجعة للسياسة التركية في سورية.

شنّ الهجوم الإرهابي في سهل الغاب شمالي غربي حماه، وإسقاط قرار وقف إطلاق النار عملياً وتمكّن المهاجمون من السيطرة على مساحة جنوبي خط التماس القائم (رغم أنها صغيرة ومحدودة) معطوفة على الإخفاق في فتح طريق الـ M4 مواكبة مع التصعيد التركي ضد الحكومة السورية، كلها وقائع وسلوكيات تدعو إلى وقف الرهان على سياسة تركية يمكن أن تكون صادقة ونظيفة ووفية لتعهداتها وتستحق أن يكون لها شرف الانضواء في منظومة إقليمية دولية لرعاية الحل في سورية.

وإذا كانت الحسابات الروسية تحول دون الانتقال في العلاقة مع تركيا من العمل المشترك إلى المواجهة والعداء الآن، وأن إيران تجد ان حسن التعامل مع تركيا يروّضها ويقلل الخسائر التي يفرضها الحل الذي لا تشارك فيه تركيا، فإن الحسابات السورية تبقى مقروءة من منظار أخر يوحي بأن سورية لا تستطيع أن تنتظر إلى ما شاء الله لإنجاز تحرير إدلب ووضع حد للإرهاب العالمي فيه، ولا تستطيع أن تعطي وقتاً إضافياً لتركيا لتعميق مشروعها الخاص في سورية بشكل يصعب معالجة آثاره ومفاعيله، ولذلك نرى أن الوقت الآن لا يلعب لصالح سورية التي تحتاج بإلحاح لطي صفحة إدلب والتفرغ لصفحة الشرقي الشمالي السوري حيث الاحتلال الأميركي وظاهرة الانفصال الكردي وتلاعب اليد التركية. وهي حالة مركبة فيها قدر من التعقيد تُفضل معالجتها بالتفرغ الميداني والسياسي حتى لا تتزاحم المؤثرات فتعرقل الحل.

لكل ذلك يبدو أن سورية ستجد نفسها وقريباً جداً مضطرة لاستئناف القتال والعمل باستراتيجيتها الناجعة القائمة على التحرير بالوثبات المتتالية، وهي الاستراتيجية التي مكّنتها من تحرير أكثر 5000 كلم 2 في ريفي حلب وحماه وأدت إلى السيطرة على طريق الـ M5 وأظهرت الوهن التركي في مواجهة الجيش العربي السوري وحلفائه وأجبرت أردوغان على أن يستغيث ببوتين استجداء لوقف إطلاق النار، أما روسيا فتجد نفسها مضطرة لأكثر من سبب لمواصلة دعم وإسناد الجيش العربي السوري في عملياته تلك، خاصة أنها فهمت مغزى الزيارة الإيرانية لدمشق مؤخراً.

فالسلوكيّات التركية في سورية باتت تبرّر العودة السورية لاستئناف التحرير بالقوة واجتثاث الإرهاب بكل مسمّياته وأشكاله من إدلب وتُضاف إليها الظروف الإقليمية والدولية هذه المرة التي تعزز هذا الاتجاه وتؤكد عليه إذ إنها اليوم في أفضل الأحوال التي تساعد على إطلاق هذه العمليات. فتركيا تحت وطأة ضغوط وبائية وسياسية واقتصادية داخلية فضلاً عن غرقها وانشغالها في ليبيا ما يمنعها من الدخول في مواجهة واسعة في سورية، وأميركا تنفذ في المنطقة إعادة انتشار عسكري، صحيح أنه لن يصل إلى الانسحاب منها، لكنه يشير إلى خفض في قواتها المنتشرة حالياً وأوروبا مشغولة عن العالم بوباء كورونا الذي لم تسيطر عليه حتى الآن. كل ذلك لا يطرح السؤال هل سيتخذ قرار تحرير إدلب بالقوة العسكرية، بل متى سيوضع هذا القرار موضع التنفيذ؟ الذي نتوقعه قريباً.

أستاذ جامعي – باحـث استراتيجي.

هل تنجح أميركا بتعديل تفويض اليونيفيل في الجنوب؟

العميد د. أمين محمد حطيط

بعد أن فشلت “إسرائيل” في تحقيق أهداف عدوانها على لبنان في العام 2006 بسبب بسالة المقاومة في الدفاع، قدّمت لها أميركا جائزة ترضية تمثلت بالقرار 1701 الذي غيّر بعض الشيء من تفويض قوات اليونيفيل المنتدبة إلى لبنان منذ العدوان الإسرائيلي الأول في العام 1978، كما عدّل تشكيلها ورفعها إلى 15000 عسكري منهم قوة بحرية ألحقت بـ “اليونيفيل” لأول مرة، وقد حاولت أميركا تشديد أحكام القرار يومها وإصداره تحت الفصل السابع وجعل القوات المنتدَبة قوات متعددة الجنسية، لكنها فشلت في مساعيها أمام الواقع الذي ارتسم في الميدان والإقليم يومها والذي لم يكن لصالح أميركا و”إسرائيل” المهزومة. ونذكّر هنا بالفقرة 10 من مشروع القرار الأميركي التي كانت تتحدث عن ذلك، لكن الرفض اللبناني المقاوم أسقطها.

وفي الأشهر الأولى لوصول التعزيزات العسكرية الدولية والتي شكلت قوات الأطلسي النسبة الأكبر فيها براً وبحراً حيث بلغت 75% من مجمل القوات (11000 من أصل 15000 براً وبحراً) حاولت تلك القوات الأطلسية خاصة الفرنسية والإسبانية أن تفرض قواعد اشتباك عملية ميدانية تتخطى منطوق القرار 1701 الذي صدر تحت الفصل السادس والذي يقيّد الأمم المتحدة في المهمة بحصرها في مساندة الجيش اللبناني في مهامه، ويقيّدها في بقعة العمليات ويحصرها في منطقة جنوبي الليطاني بين الحدود الدولية وخط جنوبي النهر ويقيّدها بإطلاق النار ويمنعها من ذلك إلا في حال الدفاع عن النفس أو لزوم مهمة مساندة الجيش. أما الممارسة العملية التي حاول الأطلسيون فرضها يومها فكانت تتخطى كلّ ذلك بعيداً عن القرار. وكانت المفاجأة أنّ الحكومة اللبنانية ورغم تحذير الجيش ورفض المقاومة واستنكار الشخصيات والقوى الوطنية، التزمت الصمت يومها أمام سياسة الفرض بالأمر الواقع، ما استدعى تصدّي الأهالي المدنيّين للأمر حتى كادت تقع مواجهات يسقط فيها ضحايا.

أمام هذا الواقع أدركت القوى الأطلسيّة التي استأثرت منذ العام 2006 بقيادة قوات اليونيفيل أنّ سياسة الأمر الواقع وفرض قواعد اشتباك تتخطى ما قبل به لبنان بمقاومته خاصة في القرار 1701 انّ هذا لن ينجح لا بل انّ الإصرار عليه سيعرّض سلامة القوى للخطر وسيحوّلها بنظر الأهالي إلى قوات احتلال يكون مصيرها كمصير قوات الاحتلال الإسرائيلي، عندها تراجع الأطلسيون ومعهم كلّ اليونيفيل عن المحاولة واعتمدت قواعد اشتباك تلتزم نص القرار 1701 بالشكل الذي ذكرنا.

بيد أنّ أميركا لم تسقط التعديل من رأسها وكانت مع كلّ تجديد او تمديد لمهمة اليونيفيل في لبنان، تحاول فرضه مرة جديدة وكانت تواجَه بالرفض اللبناني الذي كان يضغط على القوى المشاركة في القوات الدولية بما يشكله من خطر عليها فتهدّد بالانسحاب في حال تمّ التعديل الذي كانت تريده أميركا بتحويل قوات اليونيفيل من قوات سلام تعمل برضى الأطراف في بيئة ديمغرافية تتقبّلها، إلى قوات قتال في بيئة تعاديها أو ترفضها. وفي المحصّلة فشلت أميركا طيلة العقد المنصرم من أجراء أيّ تعديل للقرار 1701.

واليوم تتكرّر المحاولة قبل أشهر ثلاثة من انتهاء تفويض اليونيفيل وتريد أميركا إجراء تعديل يخوّل اليونيفيل بمهام بعيداً عن مساندة الجيش ويجيز لها فتح النار خارج حالات الدفاع عن النفس. والبعض يقول أيضاً السماح لها بالعمل في النطاق الأمني شمالي خط الليطاني في العمق اللبناني والقصد من كلّ ذلك تكليف اليونيفيل القيام بمهمة تخدم حصرياً المصالح “الإسرائيلية” بجمع المعلومات والتفتيش عن سلاح المقاومة ونزعه وهي المهمة التي عجزت “إسرائيل” عنها في حرب الـ 33 يوماً وتراها اليوم أكثر ألحاحاً مع ما يُتدَاول عن امتلاك المقاومة لترسانة صواريخ تخطت الـ 100 ألف صاروخ حسب قول “إسرائيل”، ومنها كمّ مهمّ من الصواريخ الدقيقة التي تقضّ مضاجع “إسرائيل”.

إنّ المحاولة الأميركية خطرة وخبيثة وإذا قيّض لها النجاح فإنها ستضع المقاومة والشعب في الجنوب وجهاً لوجه وينقلب الأمن والاستقرار السائدين حالياً في المنطقة إلى حالة من الاضطراب والاختلال الأمني التي لا يمكن لأحد أن يتوقع إلى أين تصل في حال تدحرجها. ولذلك نرى انّ على لبنان أن يضع مجلس الأمن منذ الآن بين خيارين أما التمديد لـ “اليونيفيل” دون أيّ تعديل للقرار 1701 او سحب هذه القوات التي تقدّم حتى في واقعها الحالي خدمات لـ “إسرائيل” أكثر منها للبنان.

وبالمناسبة نقول إنّ اليونيفيل لم تنفذ مهامها التي أسندت اليها بالقرار 1701 في واقعه الحالي خاصة لجهة مزارع شبعا والغجر ومناطق الاحتلال الإسرائيلي الـ 13 شمالي الحدود الدولية والخط الأزرق المعتمد للتحقق من الانسحاب الإسرائيلي، والذي تريده أميركا و”إسرائيل” خطاً للتفاوض على حدود جديدة وفقاً لصفقة القرن، ولم تلتفت أميركا او أحد من المعنيين إلى هذا التقصير، بينما تصرّ أميركا على أمر آخر يتعلق بتعديل التفويض لمحاصرة المقاومة والتفتيش عن سلاحها ودفع الجنوبيين إلى حالة من القلق لا يعرفون معها متى تدخل عليهم في بيوتهم وممتلكاتهم قوات أجنبية ترتدي القبعات الزرقاء لتفتش أماكن تظنّ أنها فيها ممنوعات متجاوزة الجيش اللبناني وقوى الأمن اللبناني ذات الصلاحية وممارسة لوظيفة قوات احتلال وليس قوات سلام او حفظ سلام.

لبنان: انتهاكات إسرائيل الجوية "خطيرة" - وكالة سند للأنباء

إننا ورغم شكّنا بقدرة أميركا على إجراء التعديل، وذلك لأكثر من اعتبار أهمّها ما يتعلق بخوف الدول المشاركة في اليونيفيل على أمن قواتها إذا جرى التعديل دون موافقة بيئة المقاومة وشعبها في الجنوب، وكذلك حاجة ذلك لموافقة الحكومة اللبنانية التي بتركيبتها الحالية لا يمكن لها أن توافق على التعديل ولا يغيّر من الأمر شيء القول بانّ مندوبة لبنان في الأمم المتحدة قد توافق، فهذا الأمر هو أمر تأسيسي استراتيجي لا يمكن للمندوبة أن تتخذ فيه قراراً دون العودة الى وزارة الخارجية، رغم كلّ ما يُقال بهذا الصدد، أضف إلى ذلك توقع الرفض الروسي والصيني والفرنسي تبعاً للرفض اللبناني.

بيد أنه ورغم كلّ ما ذكر نرى أنّ على الحكومة اللبنانية ومنذ الآن إبلاغ مجلس الأمن بكتاب خطي واضح رفضها أيّ تعديل للقرار 1701 ورفضها أيّ مراجعة لقواعد الاشتباك مهما كان الأمر طفيفاً. وقبل أن ينظر بتعديلات تقيّد لبنان وتطلق يد الأمم المتحدة فيه لمصلحة “إسرائيل”، وأنّ على الأمم المتحدة تطبيق القرار بأحكامه الحالية وتأمين المصالح اللبنانية التي قيل إنها اعتُمدت لترعاها.

*أستاذ جامعي – وخبير استراتيجي

فيديو متعلق

مقالات متعلقة

لماذا يفشل الغرب في مواجهة إيران؟

العميد د. أمين محمد حطيط

منذ أن نجحت الثورة الإسلاميّة في إيران في إقامة دولة مستقلة فعلياً تحوّلت إيران إلى عقدة للغرب الاستعماريّ لا يطيقها ويبحث عن أيّ وسيلة تقود إلى إنهاء هذه الظاهرة التي شكلت كابوساً للغرب عامة ولأميركا و«إسرائيل» خاصة. ولم يحاول الغرب التعايش مع هذا المتغيّر الدولي بل رأى أنّ الحلّ الوحيد له هو الإجهاز على هذه الدولة قبل تفاقم خطرها المتمثل بما أطلق عليه «تصدير الثورة» واجتياح الفكر التحريري الاستقلالي جيران إيران أولاً، وفي طليعتهم دول الخليج التي تشكل محميات للاستعمار يحكمها عبر عائلات تتحكّم بها وتمكّنه من وضع اليد على نفطها ومالها.

ولأجل التخلّص من النظام الإسلامي في إيران شنّت الحرب عليها من قبل صدام حسين بتوجيه أميركي وتمويل خليجي خاصة السعودية التي أفهمها الأميركيّون أنّ بقاء هذا النظام في إيران يشكل خطراً على العائلة المالكة في السعودية وكلّ العائلات المالكة في الخليج.

بيد أنّ إيران رغم حالة التفكّك والتضعضع الذاتي التي كانت عليها في الأشهر الأولى لانتصار الثورة، استطاعت ان تصمد وتستوعب الهجوم العراقي رغم أنها خسرت أرضاً في البدء وتكبّدت خسائر فادحة، لكنها صمدت واستعادت أرضها وقبلت بإنهاء الحرب من دون أن تتمكّن من معاقبة المعتدي، لكن أميركا لم ترضها تلك النتيجة وتحت عناوين وذرائع شتى فرضت عليها تدابير كيدية أسمتها عقوبات رغم عدم انطباق التسمية على الحقيقة القانونية لتلك التدابير. ومنذ 32 عاماً وحتى الآن ترزح إيران تحت وطأة ما يسمّى عقوبات متنوّعة منها ما هو أحادي كتلك التي تفرضها أميركا، ومنها ما هو جماعي خارج مجلس الأمن كتلك التي يفرضها الاتحاد الأوروبيّ وأميركا، ومنها ما هو دولي أممي كتلك التي تفرض بقرار من مجلس الأمن بضغط أميركي.

لقد لجأ الغرب إلى العقوبات التي من شأنها أن تخنق إيران وتجعلها تتراجع عن سياستها الاستقلاليّة، وعن دعمها لحركات التحرّر والمقاومة في العالم ومنعها أيضاً من امتلاك مصادر القوة (العسكرية والاقتصادية والعلمية) لإبقائها دولة من العالم الثالث وسوقاً استهلاكية لسلع الغرب وفرض التبعية الاقتصادية بعد السياسية لمجموعة المنتصرين في الحرب الثانية.

لكن إيران سفّهت أحلام محاصريها وثبتت على سياستها الاستقلالية، رغم ما أحدثته الحرب الاقتصادية من شرور وأضرار في الداخل الإيراني، لا بل حققت إيران رغم الحصار قفزات في مجال القوة الإنتاجية والصناعية يكاد المراقب يقول معها إنّ إيران وصلت إلى المستوى الذي زرع اليأس في النفس الاستعمارية وأفهمها انّ إسقاط إيران بات حلماً لا يُدرَك.

لقد طوّرت إيران نفسها بشكل تكاملي متعدّد الاتجاهات وفي كلّ المجالات التي تميّز الدول المتقدّمة في العالم المعاصر، سواء في ذلك على صعيد السلع الاستهلاكية المعيشية وقد حققت فيه شبه اكتفاء ذاتي بلغ 85% او في المجالات العلمية والصناعية، وقد طرقت بنجاح الباب النووي السلمي ووصلت أيضاً إلى مستوى مَن يطلق الأقمار الصناعيّة ويضعها بنجاح على مدار تشغيلي استثماري، او على صعيد البنية التحتية خاصة في مجالات النقل والكهرباء والاتصالات والخدمات العامة، والأهمّ كان في مجال التصنيع العسكري الذي تمارس فيه القوى العظمى احتكاراً صارماً وتمنع مشاركتها فيه، لكن إيران عرفت كيف تلج مجاله وتؤمّن لنفسها ولقواتها المسلحة من جيش وحرس ثوري وتعبئة شعبية ما يلزمهم من السلاح والذخيرة المتطوّرة التي تمكّنهم من تأمين دفاع موثوق محكم عن إيران أرضاً وشعباً ونظاماً وثروات، كما ويمكّنها من مؤازرة الحلفاء في ممارستهم لحق المقاومة والدفاع المشروع عن النفس. وهنا يطرح السؤال كيف نجحت إيران حيث فشل الآخرون؟

بكلّ تأكيد نجحت إيران في المواجهة طيلة السنوات الـ 41 من عمر ثورتها، أما سبب النجاح برأينا فهو عائد إلى عوامل تميّز الواقع الإيراني من وجوهه كلها، عوامل تضافرت بشكل ليس من شأنه تخطي الصعوبات والمآزق بل من شأنها أيضاً أن ترتقي بإيران إلى مصاف الدول الكبرى في نظام عالمي قيد التشكل على أساس المجموعات الاستراتيجية، حيث تتجه إيران اليوم لتكون نواة مجموعة استراتيجية تفرض نفسها في النظام العالمي الجديد ويمكن ذكر أهمّ عوامل القوة هذه:

1

ـ العامل الفكري العقائدي الديني. أقامت إيران نظامها السياسي على أسس دينية عقائدية، تتفتح فيه على مقولة إنشاء الدولة المستقلة القوية الممهّدة للإمام المهدي، وباتت العقيدة الدينية حافزاً للتضحية والإقدام والتطوّر خلافاً لما جعلها آخرون من المسلمين عامل تخلّف. فالإسلام الحركيّ الذي تعمل به إيران هو إسلام يقود الحياة ويطوّر المجتمع وينافس من أجل الرفاه دون انحراف إسلام محفز وليس مثبطاً. ويضاف ذلك إلى طبيعة الإنسان الإيراني المتميّز بالصلابة وطول النفس والعناد والإصرار على النجاح والتمسك بالحقوق.

2

ـ العامل السياسي: اعتمدت إيران نظاماً سياسياً متماسكاً تحتلّ الإرادة الشعبية الصلب والأساس في إنتاجه وتجديد السلطة عبر انتخابات نزيهة تجعل منه منتجاً شعبياً وتجعل الشعب مدافعاً عنه يرفض أيّ مسّ فيه، لأنه نظامه الذي اختاره ويجدّد أشخاصه بإرادته، هذا في الأصل؛ أما في الهيكلية فالنظام السياسي الإيراني نظام قوي متماسك قائم على المؤسسات المنفصلة والمتعاونة والتي يراقب بعضها بعضاً في حدود الدستور ويعمل في ظلّ قيادة رشيدة تجمع الديني إلى السياسي في أدائها فيطمئن الشعب إلى حكمتها وقوتها والتزامها بالدستور وفلسفته وأحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها.

3

ـ العامل الجغرافيّ الطبيعيّ. تمتلك إيران موقعاً جغرافياً ومساحة وثروات طبيعية تجعلها في موقع الاستغناء عن الآخر بنسبة عالية من دون أن يكون الآخر بموقع الاستغناء عنها اقتصادياً او سياسياً. وهذا العنصر مكّن إيران من النجاح في سياسة الاكتفاء الذاتي اقتصادياً والوصول إلى موقع التأثير دولياً وإقليمياً في المجالات الأخرى.

4

ـ العامل الاستراتيجي التحالفي. في هذا العامل أمرأن الأول طبيعة الخيار الإيراني في تقديم الدعم وإنشاء التحالفات دولياً والثاني النجاح في تشكيل محور المقاومة الإقليميّ. فإيران تبني تحالفاتها على أساس دعم قضية حق لرفع ظلم، وتقيم علاقة مع الأشخاص والمكوّنات الذين يؤمنون بعدالة هذه القضية ويستعدّون للدفاع عنها وخير مثال هنا موقفها من قضية فلسطين التي جهد الآخرون في إبعادها عنها ففشلوا. وهنا التباين بين إيران ودول الغرب الاستعماريّ التي تقيم التحالف انطلاقاً من المصالح الفردية والذاتية التي تريد اقتناصها من الآخرين. ففي الحالة الإيرانيّة يكون التكتل أو المحور او التحالف انطلاقاً من المبادئ التي تجمع المتحالفين ولذا تقيم تحالفاتها على مبادئ وحقوق وقضايا عادلة ثم تبحث في الأشخاص الذين يخدمونه. وبهذا أنشات إيران شبكة تحالفات متفاوتة السقوف أهمية وتأثيراً، أولها محور المقاومة يليها التفاهم مع روسيا والصين، وبعدها العمل في منظومة شنغهاي الاقتصادية وغيرها. وتوصف السياسة الإيرانية بأنها أخلاقية إنسانية لا غدر فيها، وحليف إيران مطمئن، في حين يوصف أداء الغرب باللاإنساني أو اللاأخلاقي وحليفه قلق.

هذه أهمّ العوامل التي منحت إيران مناعة وقوة وقدرة جعلتها تستعصي على الحرب والحصار وفرضتها لاعباً إقليمياً مركزياً وطرفاً دولياً لا يمكن تجاوزه وأبعدت ضمن المنطق والمعقول شبح الحرب عنها، وأكسبتها قدرة تمكنها من المسّ بهيبة أميركا الدولة المتصدّية لقيادة العالم. وعليه نرى مع وجود إيران هذه نستبعد حرباً تشنّها أميركا او «إسرائيل» على محور المقاومة، ونرى أنّ الأشهر والسنوات المقبلة ستحمل ترهّلاً وتراجعاً في صفوف أعداء إيران مترافقاً مع تقدّم إيران وحلفائها بشكل حثيث نحو تحقيق أهدافهم الاستراتيجية الكبرى خاصة لجهة المحافظة على الاستقلالية الوطنية وحمل الآخرين على التسليم بها ونصرة قضية فلسطين وصولاً إلى تحصيل حقوق شعبها وليس من فراغ يحتفل بيوم القدس العالم سنوياً وبشكل ثابت.

*أستاذ جامعي – خبير استراتيجي.

مصرف لبنان: إمبراطوريّة الحاكم كيف تُعالَج؟

العميد د. أمين محمد حطيط

في زمن الانهيار والإفلاس الواقعي في لبنان خرج حاكم مصرف لبنان على اللبنانيين بمطالعة فضاضة ظنّ أنه يقدّم بها سند براءته مما آل اليه الوضع المالي في الدولة. وضعٌ تفاقمت فيه الخسائر وتهدّدت ودائع المودعين بالتبخر وفقدت السيولة أو خشي من فقدها في المصارف التي لجأت وبشكل غير قانوني إلى التقنين في الاستجابة لطلبات المودعين (أيّ مارست capital control وبشكل غير قانوني) واختلّ سعر صرف العملة الوطنية مقابل الدولار إلى الحدّ الذي بات للدولار فيه 4 أسعار صرف (رسميّ بين المصارف 1507، وواقعيّ لدى الصرافين تجاوز 4000 ليرة وسعر تحويل السحوبات من قبل المودع، 3200 وسعر تحويل الحوالات الواردة إلى الشركات المالية 3600 ليرة). فهل وفق الحاكم في مسعاه في التنصل من المسؤولية عن الكارثة وهل أقنع الخبراء وأرضى اللبنانيين؟

قد تكون الإيجابية المهمة لمطالعة رياض سلامة هي ما أعلنه للمودعين بأنّ أموالهم المودعة لدى المصارف موجودة وأنها تستعمل. ما يعني أن لا خوف عليها وهو التقى في ذلك مع تصريح سابق لرئيس الحكومة كان أشدّ وضوحاً وأشدّ صراحة ودقة وتحديداً عندما قال إنّ ودائع 98% من المودعين هي مضمونة وإنها لا تمسّ. وبالتالي حتى هذه المسحة الإيجابية في قول سلامة للطمأنينة على أموال المودعين جاءت تعزيزاً لموقف رسمي مسؤول سبق إطلاقه وبدقة أوضح.

بعد ذلك تنصل سلامة من كلّ مسؤولية عن الأوضاع، مؤكداً انّ المجلس المركزي في المصرف هو الذي يضع السياسات ويتخذ القرارات ويقبل أو يرفض الطلبات الواردة اليه، متناسياً ان هذا المجلس لا ينعقد في ظلّ انتهاء ولاية نواب الحاكم الأربعة منذ أكثر من سنة، وصحيح أنّ مسؤولية عدم التعيين تقع على عاتق الحكومة (شغرت المقاعد في ظلّ حكومة سعد الحريري وتعذر إملاء الشواغر بسبب التنازع التحاصصي بين السياسيين)، لكن سلامة استمرّ بنفسه وبشخصه و”تطبيقاً للقانون الذي لا يقبل تعطيل أعمال المجلس” استمرّ في اتخاذ القرارات وتسيير الأعمال بشكل يكاد يكون منفرداً.

وبالمناسبة نقول إنّ الصلاحيات والحصانة التي أعطيت لحاكم مصرف لبنان بموجب قانون النقد والتسليف والذي لم يقرّه مجلس النواب بل صدر بمرسوم بعد مضيّ 40 يوماً على إحالته من الحكومة إلى المجلس في العام 1963، تجعل منه شبه إمبراطور مطلق الصلاحية إذ يعيّن لست لسنوات لا يمكن إقالته فيها إلا في حالات حصرية وضيقة جداً، ويتمتع بأوسع الصلاحيات لإدارة المصرف وتسيير أعماله ويعيّن ويقيل جميع الموظفين من جميع الرتب (م26 نقد وتسليف) ويُستشار في تعيين نوابه بحيث جرى التعامل على عدم تعيين من لا يرضى الحاكم به. والمضحك المثير للسخرية هنا انّ الحاكم هو من يعيّن لنوابه وظائفهم (م 18 نقد وتسليف)، حيث بإمكانه أن يقرّب او يقصي منهم مَن يشاء دون رقيب ما يعني انّ النص يجعل من 4 نواب للحاكم رهن مشيئة الحاكم الذي يمكنه تهميشهم او تفعيلهم وخطورة هذا الأمر تنعكس على عمل المجلس المركزي لاحقاً.

هذا الواقع الإمبراطوري في مصرف لبنان جعل الحاكم ذا سلطة تمكنه قول نعم أو لا لأيّ كان في الدولة بما في ذلك رئيس الجمهورية او مجلس الوزراء مجتمعاً. وبالتالي هذا الواقع يقفل الطريق على حاكم مصرف لبنان بأن يقول “أُجبرت” او “اضطررت” او “ضغطت” لأفعل هذا او ذاك، ما يعني أن كلّ ما يحصل في مصرف لبنان يقع بشكل مباشر على عاتق الحاكم ولا تخفف من مسؤوليته شراكة المجلس المركزي بالفعل، فهو رئيس هذا المجلس وهو يملك الهيمنة على 4 من أعضائه هم نوابه كما ذكرنا، وهو من يضع جدول أعماله. وبالتالي انّ التلطي خلف المجلس المركزي امر ليس منتجاً لما يريده الحاكم من براءة في هذا المجال. طبعاً وهنا لا يمكن أن نهمل مسؤولية الحكومة عن الشغور في مواقع نواب الحاكم وتالياً المجلس المركزي.

أما عن مسالة إعلام الحكومة بقرارات المجلس وما يحصل في المصرف، فإننا نميّز بين قرارات الحاكم وتعاميمه، وبين قرارات المجلس المركزي، حيث إنّ مفوض الحكومة يبدي رأيه في الثانية ويطلع على الأولى بمقدار ما يعلمه الحاكم بها، وهنا نذكر أيضاً بأنّ موقع المفوّض شاغر منذ 15 شهراً. هذا الشغور حصل في ظلّ حكومة سعد الحريري وهو مستمر إلى الآن، وتتحمّل الحكومة مسؤوليته قطعاً. فوظيفة مفوض الحكومة في المصرف هامة للغاية، لأنه هو عين الحكومة في المصرف، وإذا مارس المفوّض صلاحياته فإنه يشكل خط أمان يمنع انحراف المصرف عن مساره بشكل او بآخر. فمفوّض الحكومة هو حلقة الوصل بين المصرف والحكومة عبر وزير المال الذي يمكنه إذا مارس صلاحياته وكان خبيراً او استعان بخبراء في الشأن المالي أن يمنع عبر الحكومة أيّ شذوذ في إدارة المصرف.

وهنا نصل إلى مسألة الاستقلالية التي يتمسك بها حاكم مصرف لبنان، فنجد أنّ النص جاء صريحاً على انّ المصرف “شخص معنوي من القانون العام ويتمتع بالاستقلال المالي” (م13 من النقد والتسليف) وبعطف النص على نص صلاحيات الحاكم بأنه يتمتع بواسع الصلاحيات في إدارة المصرف (م 26 نقد وتسليف) نصل إلى القول بأنه يجب التمييز بين نوعين من التصرفات تصرفات الحاكم في إدارة المصرف وشؤونه الداخلية، وبين تسيير المرفق العام لجهة مسّه بالدولة والمواطن. ففي الأولى نعم نوافق الحاكم على استقلاليته وحقه في الفعل أو الامتناع دون الأصغاء لأحد، أما في الثانية فواجب الحاكم أن ينصاع للسياسة العامة للدولة وينسّق مع الحكومة في كلّ ما له علاقة بالأمن المالي والأمن الاجتماعي وليس له أن يتذرّع بأيّ استقلالية غير موجودة في النص أصلاً. وهنا تثار مسؤولية مفوض الحكومة ووزير المال ومجلس الوزراء الذي هو السلطة التنفيذية بحسب الدستور. ولو كانت الاستقلالية هي كما يقول الحاكم لما كان حاجة إلى الرقيب الحكومي في المجلس الذي هو مفوّض الحكومة.

أما عن الهندسات المالية التي اشترى بها الوقت كما اعترف، فإنّ تبريره مرفوض حتى من قبل أقلّ الخبراء خبرة في هذا المجال، خاصة إذا قارنّا بين ما تكبّده المصرف من خسائر الدولة حصدتها المصارف أرباحاً، وبين قيمة المهلة الذي يزعم أنه اشتراها.

وعليه نقول إنّ رياض سلامة حاكم مصرف لبنان لم يقنعنا بتبريراته، ولكننا لا نوافق على أنّ المسؤولية في ما وصلت اليه الأمور تقع عليه وحده، فهو عضو رئيسي في المنظومة التي تسبّبت بهذا الانهيار، لكنه ليس الوحيد فيها، فكلّ أعضاء المجلس المركزي مع مفوّض الحكومة مع زير المال مع الحكومات المتعاقبة شركاء في صنع هذه الكارثة، ويتحمّلون مسؤولية الفعل المباشر أو مسؤولية السكوت عن الخطأ خاصة في السنوات الخمس الأخيرة التي تفاقم فيها الوضع وحدث فيها الانهيار.

أما المعالجة فإنها برأينا لا تكون فقط بإعادة النظر في تركيبة حاكمية مصرف لبنان حاكماً ونواباً ومفوّض حكومة ومجلساً مركزياً، بل يجب أن يبدأ العلاج بمراجعة قانون النقد والتسليف الذي يجب أن يُسقط إمبراطورية الحاكم ويقيم المؤسسة المتماسكة المتوازنة، حيث تظهر فيها الرقابة الجدية على إدارة المصرف ضمن منظومة تحفظ الاستقلال الإداري الداخلي من دون تفرّد، وتؤمّن رقابة الحكومة وتدخلها حيث يقتضي.

*أستاذ جامعي – خبير استراتيجي.

المقاومة بين رسائل الخارج وهجوم الداخل

العميد د. أمين محمد حطيط

رغم ما أحدثه كورونا من انشغال عالمي، وما فرضه من حجر على أكثر من 4 مليارات نسمة، ورغم افتضاح عجز أميركا و»إسرائيل» عن التصدّي لهذا الوباء الذي كشف حالة الوهن في بنيتهما الصحية وأظهر المخاطر التي تحيق باقتصادهما، رغم كلّ ذلك وجد الأميركي والإسرائيلي الوقت للتهديد او العدوان على محور المقاومة متوخياً تحقيق أهداف ظنّ أنه قادر على الوصول اليها أو فرضها او مفترضاً أنّ العدو أو الخصم سيخضع له ويدعه يحققها. فما هي تلك الأهداف وكيف كان ردّ محور المقاومة وما النتائج والمرتقب بعدها؟

نبدأ بالموضوع الأول الذي تمثل بالتحرّش الأميركي بالبحرية الإيرانية في الخليج، وهو تحرّش ظنّ الأميركي انّ بإمكانه عبره ان يعطل مفاعيل القصف الإيراني لقاعدة «عين الأسد» الأميركية في العراق، وأن يستغلّ انشغال إيران بمواجهة كورونا، ويظهرها عاجزة عن الردّ، وأخيراً أن يصنع عبر التحرّش والمواجهة خبراً يتداوله الإعلام في ترتيب أوّل ما يحجب إخفاقه الداخلي في مواجهة كورونا، كما يضخم الأخطار الخارجية على الأمن القومي الأميركي، ما يُسكت المناكفات والصراعات الداخلية بين ترامب وحكام الولايات، تلك الصراعات التي فضحت كورونا وجودها وفتحت المجال لتصوّر وقوع الأسوأ على صعيدها..

لكن إيران لم تسكت على التحرّش وتصرّفت بحزم وعلى وجهين، الأول عملاني في الميدان حيث وجّهت زوارقها للتحرّك في محيط قطع الأسطول الأميركي الخامس واقتربت إلى الحدّ الحرج عسكرياً من القطعة البحرية الأميركية، اقتراب له من الدلالات ما يفهمه العسكريون وهي ليست في صالح الهيبة الأميركية. أما الوجه الثاني للردّ الإيراني فقد كان في البيان التحذيري الناري الشديد اللهجة الذي وجّهه الحرس الثوري الإيراني إلى أميركا محذراً قيادتها من «الحسابات الخاطئة». وفي الوجهين دلالة واضحة انّ إيران على جهوزية عسكرية تامة للردّ على أيّ استفزاز او عدوان وأن ليس من شأن كورونا أن يؤثر على هذه الجهوزية اذا اضطرت إيران للجوء اليها ولن تكون عملية قصف «عين الأسد» إلا نموذجاً مصغراً للردّ الإيراني المقبل الذي سيأخذ بعين الاختبار متغيّرات الواقع العسكري الأميركي خلال الشهرين الأخيرين، بما في ذلك نشر الباتريوت في العراق. وبالتالي يعتبر جسّ النبض الأميركي لإيران قد فشل في تحقيق أهدافه وعزّزت إيران معادلة الردع بوجه أميركا مخدومة بقواعد اشتباك أصبحت أميركا تعرف كيف أنّ عليها احترامها.

أما الموضوع الثاني فقد تمثل بالعدوان الإسرائيلي على سورية حيث استهدف سيارة جيب للمقاومة كان على متنها مقاومون عائدون من سورية إلى لبنان، وتمّ العدوان في شكل يثير سؤال مهمّ: هل الإسرائيلي قصد النتيجة بالشكل الذي انتهى إليه الأمر أيّ عدم المسّ بالمقاومين مع تدمير السيارة أو انّ خللاً ما ضيّع على «إسرائيل» فرصة إصابة المقاومين داخل السيارة ما مكّنهم من تركها قبل أن يطلق الصاروخ الثاني؟ فإذا كان الفرض الأول هو الصحيح فانّ ذلك يعني انّ «إسرائيل» تصرّفت مع قيد رادع وخشيت من ردّ المقاومة التي أنذر قائدها «إسرائيل» بأنّ أيّ مسّ بمقاوم سيلقى الردّ المناسب من لبنان أو من سورية داخل أو خارج مزارع شبعا. أما إذا كان الفرض الثاني هو الصحيح فإنه يعني أنّ المقاومين عرفوا كيف ينتقلون وكيف يضيّعون على العدو فرصة النيل منهم.

ولكن ومهما كان من أمر قصد العدو الإسرائيلي، فإنه يستفاد من مجريات الميدان أنّ العدوان جاء ليوجه رسالة إلى المقاومة بأنّ الظروف الصحية الإسرائيلية بسبب كورونا لم تشغل «إسرائيل» عن ملاحقة المقاومة وتتبّع خطواتها في لبنان وسورية وهي رسالة يحتاجها نتنياهو اليوم من أجل القفز فوق المأزق السياسي الشخصي والحكومي الداخلي المتمثل بالعجز عن تشكيل حكومة منذ أكثر من سنة وبعد أكثر من دورة انتخابات نيابية.

بيد أنّ المقاومة لم تدع لنتنياهو فرصة تحقيق أهدافه من العدوان حيث وجّهت له صفعة سريعة أنست الجميع ما حملته المسيرة الصهيونيّة من رسائل وأنتجت إرباكاً في «إسرائيل» فاق كل ما هو متوقع. حيث إنه وفي أقلّ من 48 ساعة من اقتراف «إسرائيل» جريمتها فتحت 3 ثغرات في السياج الإسرائيلي الحدودي وتركت فيها من الآثار ما أفهم «إسرائيل» بأنّ تدمير الأنفاق التي فاخرت بالنجاح في إنجازه، لم يغيّر شيئاً في أهمية وجدية تهديد السيد حسن نصرالله من احتمال توجيه الأمر للمقاومين للعمل القتالي الهجوميّ في الجليل، وهو أمر يرعب الصهاينة على كلّ مستوياتهم.

How Did The Enemy Interpret The Lebanese-Palestinian Border Fence Incident?

كما انّ الرسالة تؤكد بأنّ المقاومة التي نجحت نجاحاً باهراً في عرضها للجيش الصحي في الداخل اللبناني والتي تنخرط بكلّ جدية وفعالية في مواجهة كورونا، انّ هذه المقاومة على جهوزية تامة للعمل العسكري المناسب في مواجهة أيّ عدوان او تهديد او خطر إسرائيلي.

وعليه نرى أنّ الرسائل العسكرية الأميركية والإسرائيلية إلى محور المقاومة استدعت من الردود ما عطل مفاعليها وما أجهض أهداف العدو الذي أرسلها، وبذلك يكون محور المقاومة أكد على ما كان صاغه من معادلات الردع وقواعد الاشتباك التي لا تمكّن الطرف الآخر من ممارسة سياسة اليد العليا ما يعني انّ المقاومة ومحورها أفشلا الاستفزاز وردّا على الرسائل بما يؤلم الطرف الآخر.

بيد أنه إلى هذا النجاح يبدو في الأفق أمر مقلق في لبنان يتمثل بما يبدو أنه يحضّر على الصعيد الداخلي فيه، اذ يبدو انّ أميركا تخطط لشيء خطر تضع هي خطوطه وتقود تنفيذه الذي يوكل إلى أطراف محليّين اشتهروا بحقدهم وبعدائهم للمقاومة وانصياعهم لقرارات أجنبية تمسّ بأمنها وأمن لبنان واستقراره وتعرّض مصالحه للخطر. وهنا نتوقف عند ما تقوم به السفيرة الأميركية في بيروت من تحشيد لهذه القوى ما يعيد إلى الأذهان الانقلاب الذي نفّذته تلك القوى في العام 2005.

وللتذكير بالدور الأميركي في لبنان في تلك الفترة نستعيد ما حصل بعد احتلال العراق ورفض سورية الانصياع للمطالب الأميركية حيث كان القرار 1559 «الناظم للشأن اللبناني أميركياً» والذي أعقبه قتل رفيق الحريري وتشكيل جماعة 14 آذار المسيّرة أميركياً والمعادية لسورية وللمقاومة. وهي الجماعات التي نفذت بتوجيه أميركي انقلاباً سياسياً على مرحلتين الأولى تمثلت بإسقاط حكومة عمر كرامي التي يملك قرارها حلفاء سورية والثاني الحصول على أغلبية نيابية وتشكيل حكومة تعادي سورية، حكومة أرست قواعد تعامل عدائية مع سورية لا زالت نافذة حتى اليوم رغم كلّ التبدّلات.

نذكّر بهذا الماضي حتى نسقطه على الحاضر، حيث إنّ وزير خارجية أميركا جورج بومبيو أطلق في آذار 2019 خطة تغيير الحكومة لإخراج المقاومة منها والتنكّر للأغلبية النيابية واستعادة قرار لبنان كلياً إلى اليد الأميركية بعيداً عن أيّ أثر لمحور المقاومة فيه، وقد حققت خطة بومبيو بعض أهدافها وفشلت في تحقيق الجزء الأهمّ منها وهو عزل المقاومة ومحاصرتها بما يعطل فعاليتها، لذلك جاءت السفيرة الأميركية شيا اليوم في خطة استلحاق لتحقيق ما فاتهم تحقيقه، من أجل ذلك تسعى شيا إلى تشكيل حلف معارض، هدفه إسقاط حكومة دياب التي يصفونها بأنها حكومة اللون الواحد المسيطر عليها من حزب الله. وهي الحكومة التي نجحت بشكل واضح حتى الآن في مقاربتها لأخطر الملفات (الدَّيْن – كورونا – المغتربين).

تقوم أميركا بـ «هجومها» من دون أن يعنيها ما سيتسبّب به إسقاط الحكومة من فراغ سياسي او إشاعة اضطراب مالي واجتماعي وحتى أمني، فالمهمّ لديها كيف تسقط حزب الله حتى ولو سقط لبنان معه. وهنا التحدي الذي يواجه الآن المقاومة وحلفاءها، الذين ينبغي ان يعلموا انّ الوقت الآن ليس للغنج والدلال او تحصيل المكاسب الشخصية، فأميركا تلعب الآن لعبتها الأخيرة التي ليس لديها الوقت الطويل لتنفيذها فهي مهلة لا تتعدّى الأشهر الستة، فإما أن تنجح ويغرق لبنان، او تفشل وينجو لبنان وهي جادّة في خطتها خاصة بعد سلسلة الإخفاقات التي حصدها ترامب في أكثر من اتجاه، وهو يؤمن انّ في نجاحه في لبنان مصلحة له ولـ «إسرائيل» على حدّ سواء. وهنا أهمية المواجهة من قبل المقاومة وحلفائها حتى لا تتكرّر استقالة عمر كرامي عام 2005، ولا محاصرة العماد لحود بعدها ولا الانقلاب السياسي مجدّداً، ولا الفتن وعمليات القتل الممنهج…

*أستاذ جامعي وخبير استراتيجي.

لمَ فجور الطبقة السياسيّة ضدّ حكومة دياب؟ وكيف يكون الردّ…؟

العميد د. أمين محمد حطيط

بات من المسلّم به انّ حكومة حسان دياب القائمة في لبنان منذ نيّف و3 أشهر تقريباً هي حكومة تختلف في كثير من الوجوه والمفاصل عن الحكومات التي شهدتها جمهورية الطائف التي انطلقت بعد العام 1989. ولأنّ هذه الحكومة تختلف عن سابقاتها فقد سجل أمران هامان يتصلان بأدائها وبردة الفعل على هذا الأداء:

ـ الأول جرأة الحكومة ونجاحها في اتخاذ القرارات الكبرى مثل قرار تعليق إيفاء اليوروبوند او خطة مواجهة كورونا او خطة إعادة المغتربين إلخ…

ـ الثاني ردة فعل الطبقة السياسية التي شاركت في حكومات لبنان منذ ثلاثة عقود، خاصة أولئك الذين أخرجوا أنفسهم من الحكومة الحالية واختاروا المعارضة بذريعة انّ صوتهم كان مهمّشاً داخل مجلس الوزراء في ظلّ عهد العماد عون الحالي واعتقادهم بأنهم لا يُستغنى عنهم، وبالتالي سيعودون إلى الحكم على حصان أبيض بعد فشل سريع للحكومة الحالية، كما يرتقبون.

في الموضوع الأول، لمس اللبناني ولأول مرة منذ العام 2005 انّ لديه مسؤولاً يهتمّ بشأنه ويحرص على أمنه وسلامته، وسلّم الجميع بأنهم أمام أداء حكومي فاعل ومنتج لا بل انّ الحكومة تعقد اجتماعات تحت عناوين شتى وبشكل مستمرّ وتكاملي وتعطي كلّ مكوّن وهيئة دورها وتترك لها ممارسة اختصاصها بشكل منسّق مع الآخرين بدءاً من الاجتماعات الوزارية المحدودة إلى اجتماعات اللجان الوزارية مروراً باجتماعات الهيئات المختصة الفرعية والعامة وصولاً إلى المجلس الأعلى للدفاع وانتهاء بالهيئة الأعلى التي تمارس السلطة التنفيذية أيّ مجلس الوزراء.

اجتماعات تتمّ بشكل منهجي وقانوني مدروس ومنتج وقد سمعنا الكثير من الناس من رسميين وغير رسميين يشكرون الله على أنّ الجائحة كورونا عصفت بلبنان في ظلّ هذه الحكومة لأنها لو حصلت في ظلّ الحكومة السابقة لكان مصير لبنان الصحّي أسوأ حالاً من مصير المالية العامة التي تلامس الإفلاس، ويتردّد انّ حكومة دياب عقدت في ثلاثة أشهر من الاجتماعات واتخذت من القرارات الخطيرة أكثر مما عقدت حكومتا سعد الحريري من اجتماعات في ثلاث سنوات. وفي خلاصة الأمر نقول انّ نجاح حكومة دياب في الشهرين الأولين لممارستها السلطة هو نجاح فرض نفسه ولا ينكره إلا موتور او جاهل او أعمى.

أما في الثاني أيّ ردات فعل الطبقة السياسية على أداء الحكومة ونجاحها وهي الطبقة التي كما ذكرنا أخرجت نفسها كيدياً او تبعياً او تآمرياً من الحكم لأول مرة منذ 1992 لبعضها، ومنذ 2005 لبعضها الآخر، فإنها ردات غاية في السلبية وتتسم بالهستيريا إذ هالها ان تنجح الحكومة حيث فشلت هي وهالها أن تكشف الحكومة جرائمها وتهدّد أموالاً سرقتها وتتحضّر لاستعادته. ومن أجل الدفاع عن مصالحها ومسروقاتها لجأت إلى الحرب الاستباقية على الحكومة متوسّلة الزور والبهتان والكذب وتحريف الحقائق للتنصل من أعمالها الإجرامية عندما مارست الحكم خلال عقود ثلاثة سبقت، وهي تتصرّف الآن وبكلّ وقاحة وفجور وكأنّ الناس بلا ذاكرة او كأن الناس معدومو العقول والأفئدة، وأنهم سيسيرون خلف الزعيم الناهب للأموال المصادر للكرامات من دون ان يكون هناك مَن يجرؤ على قول الحقيقة ويواجه افتراءهم وكذبهم وتنصّلهم من المسؤولية وإلقاء عبئها على حكومة “ليس لها في القصر قبل أمس العصر”.

نعم لقد هال أركان الطبقة السياسية أن تنجح الحكومة حيث فشلوا بعد ان نهبوا وأفسدوا، وهالهم ان تكشف الحكومة عيوبهم وعوراتهم التي ظهر نموذج منها عندما قرّرت الحكومة تقديم مساعدات نقدية للعائلات الأشدّ فقراً وحاجة، إذ انّ الحكومة ومن أجل كسب الوقت اعتمدت البيانات الممسوكة في وزارة الشؤون الاجتماعية التي دأب على الإمساك بحقيبتها تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية ونظمت تلك اللوائح بالعائلات الأشدّ فقراً وحاجة. لقد اعتمدت الحكومة ومن أجل كسب الوقت المعطيات الجاهزة في وزارة الشؤون الاجتماعية مع بعض الإضافات الجاهزة، وأوكلت إلى الجيش بما يتمتع به من صدقية ودقة تنظيم وأمانة ان يتولى عملية التوزيع بعد التحقق والتدقيق، وهنا ظهرت الفضيحة الفظيعة حيث تبيّن انّ اللوائح تعطي غير المستحق وتحرم المستحق فتوقف التوزيع حتى يكتمل التدقيق.

ومن جهة أخرى هال الطبقة السياسية التي نهبت البلاد وأفلستها أن تتصدّى الحكومة لعملية إصلاح تنجّي لبنان من الغرق، وأدركت انّ الإصلاح يمرّ بممرّ إجباري هو الإصلاح المالي مالاً وأشخاصاً قائمين عليه. هنا بدأت عملية تحسّس الرقاب وانفجار الجنون والهستيريا وأطلقوا مقولة “رفض الـ هيركاتhair cut ويعنون بها رفض الاقتطاع من الودائع المصرفية. ناسبين زوراً إلى الحكومة سعيها إلى ذلك رغم انّ أحداً لم يطرح هذا التدبير الذي يعتبر برأينا في الصيغة المتداولة إعلامياً نوعاً من السطو غير المسموح به على أموال الغير.

لكن قولهم في مكان والحقيقة في مكان آخر. فمسودة الورقة الاقتصادية الإنقاذية التي قيل إنها تتضمّن هذا الأمر هي خلوّ منه، وإنّ هناك أفكاراً تبحث عن طريقة قانونية يُستعاد بموجبها المال المنهوب خاصة في السنوات الأخيرة، ولقد هال طبقة الفساد السياسي في لبنان ان تفكر الحكومة باستعادة تلك الأموال التي نهبوها تحت عناوين متعدّدة، فشنوا عليها الحرب الاستباقية وانهالوا عليها بالتشنيع والتقريع رافضين ما لم تطرحه الحكومة أصلاً في مسودّة ورقتها.

ووضعاً للأمور في نصابها نقول إننا من حيث المبدأ نرفض أيّ مسّ بمال المودعين خاصة أنّ هؤلاء وثقوا بالنظام المصرفي اللبناني وأودعوا جنى العمر في مصارف لبنان سواء في ذلك من اغترب وعمل في الخارج او من عمل في الداخل، إنه رفض مبدئي لا يمكن المساومة عليه، ولكن هذا لا يعني توفير حماية لمن استفاد من خطط وهندسات وسلوكيات مصرفية تمّت في لبنان وحققت له المال بشبهة وانعدام مشروعية وأدّت إلى ما أدّت اليه من عجز في مالية الدولة بما شكل إفلاساً واقعياً لها. تُضاف إلى ذلك أموال هدرتها الحكومات السابقة ليستفيد منها بغير وجه حق سياسيون من أرباب الفساد أيضاً، وأخيراً هناك الأموال التي تشكلت نتيجة الرشى والسرقة واستغلال الوظيفة العامة لمدّ اليد على المال العام. أيّ في الخلاصة هناك مال من الكسب غير المشروع، ومال منهوب ومال مهدور، وجلّ هذه الأموال هرّبت إلى الخارج بالتعاون الحثيث والتسهيل من قبل حاكم مصرف لبنان والمصارف المعنية.

انّ جنون وهستيريا الطبقة السياسة مرتكبة النهب والكسب غير المشروع سببه خوفها من تجريدها من أموال سرقتها ومن مواقع سياسية أزيحت عنها وخاب ظنها بالعودة السريعة اليها، ومن فضائح متعدّدة كشفتها الحكومة القائمة، لذلك تقوم هذه الطبقة بشنّ الحرب الظالمة على الحكومة من أجل منعها من متابعة العمل الذي قدّمت نموذجاً فذاً عنه في مواجهتها للوباء الجرثومي الذي يجتاح العالم فنجحت نجاحاً باهراً حيث سقطت قوى عظمى ولهذا نرى أنّ خير عمل تقوم به الحكومة في مواجهة عدوان الفاسدين يلخص بما يلي:

1

ـ عدم السكوت على مواقف التجنّي والافتراء والتنصل من المسؤولية. فإلى جانب العمل الحكومي الرسمي الحثيث الذي يجعل الأعمال تتكلم يجب وضع الأمور في نصابها من خلال عمل إعلامي مقارن يظهر الحقائق للرأي العام ويظهر ما كان قائماً وما ترغب الحكومة به ويجب أن يكون باب القضاء مشرعاً للمحاسبة.

2

ـ عرض الواقع المالي الحقيقي كما تسلمته، ووضع خطة واضحة لاستعادة المال المنهوب والمهدور والمهرّب ووقف الهدر والرشوة والتفريق في ذلك بين استعادة الدولة أموالها من اللصوص والسارقين، وهو حق قانوني لها، وبين اقتطاع مال المودعين الذين جنوا مالهم بالطرق المشروعة وهو اقتطاع مرفوض.

3

ـ استبدال كافة الأشخاص الذين تولوا مهام إدارة المال العام خلال السنوات الثلاثين السابقة.

4

ـ السير قدماً بالقرارات الاستراتيجية الجريئة مثل قرار تجميد دفع الديون. من دون تهيّب الضغط الداخلي او الخارجي. وهنا يجب تذكير الجميع في الحكومة وخارجها انّ هذه الحكومة تقوم بمهمة وطنية مقدّسة فإما ان تنجح وينجو لبنان وإما ان تفشل ويذهب لبنان إلى المجهول.

*أستاذ جامعي وخبير استراتيجي

هل تستغلّ كورونا لشنّ عدوان على محور المقاومة؟

العميد د. أمين محمد حطيط

تتزايد موجات التهويل بشنّ حرب على مكوّنات محور المقاومة بشكل متوازٍ مع انشغال العالم بالمواجهة القاسية مع الوباء الذي يجتاحه ويصيب مئات الآلاف ويقتل عشرات الآلاف من البشر في معظم أنحاء المعمورة عامة، وفي العالم المصنّف بأنه العالم الأوّل من حيث التقدّم والحضارة خاصة أميركا وأوروبا الغربية.

فمن مسرّب لقول بأنّ أميركا تتحضّر لشنّ حرب صاعقة مدمّرة في العراق تحقق لها العودة لاحتلاله بصيغة مطوّرة تختلف عن صيغة الاحتلال الأولى، إلى قول بأنّ الحرب الفعلية ستكون أميركية «إسرائيلية» ضدّ إيران المنشغلة بمواجهة الحرب على كورونا في ظلّ تشديد التدابير الوحشية التي تتخذها أميركا ضدّها تحت مسمّى العقوبات، إلى رأي يروّج لفرضية أقدام «إسرائيل» على استغلال فرصة انشغال حزب الله ولبنان بمواجهة كورونا وللقيام بحرب خاطفة ضدّه تحقق لها ما فشلت في تحقيقه من أهداف منذ 20 عاماً، إلى رأي أخير يتضمّن القول إنّ «إسرائيل» ستجد في غزة الحلقة الضعيفة التي تغريها بالعدوان عليها وتسجيل نقاط قوّة وردع تحتاج اليها في ظلّ أزمتها الداخلية. فهل هذه الفرضيات قابلة للتنفيذ؟ وهل الحرب بذاتها فرضية محتملة في ظلّ هذه الظروف؟

قبل مناقشة تلك الفرضيات لا بدّ من التذكير بشروط يفترض تحققها للقيام بأيّ هجوم من طرف ضدّ آخر وفي طليعة هذه الشروط وجوب امتلاك المهاجم القدرة على تحقيق الإنجاز العسكري المحدّد هدفاً لهجومه (نقول القدرة وليس القوّة، لأن المعوّل عليه هنا هو القدرة أيّ تناسب القوة المتوفرة مع الهدف المحدّد ما يعني أخذ قوة العدو الدفاعية بعين الاعتبار عندما نقيّم القدرة)؛ أما الشرط الثاني فيتمثل بقدرة المهاجم على حسم الحرب ووقفها في التوقيت الذي يريد، ما يعني وجوب امتلاكه القدرة على اقتياد الخصم إلى الانهيار الإدراكي او الميداني الذي يجبره على أن يتوقف عن القتال بمجرد ان يعلن المهاجم انتهاء عملياته العسكرية، أما الثالث فهو امتلاك المهاجم المناعة الدفاعية الكافية التي يحتاجها لاحتواء ردة فعل العدو ومنع الأخير من إنزال أضرار به لا يقوى على تحمّلها، أما الأخير فيتصل بالبيئة الدولية الإقليمية والعامة التي تتيح للمهاجم أن يستثمر نتائج انتصاره وان يصرف إنجازه الميداني (إذا تحقق) في السياسة. فهل هذه الشروط متحققة في الواقع القائم؟

بداية لا ننكر أبداً بأنّ الجهات الأربع (إيران العراق لبنان غزة) المحتمل استهدافها بعدوان تقوم به أميركا و»إسرائيل» مجتمعتين او منفردتين، أنّ هذه الجهات مشغولة وبمستويات متفاوتة بمواجهة جائحة كورونا، ولكن يجب ان نذكّر أيضاً بأنّ أميركا و»إسرائيل» تترنحان تحت ضربات هذا الفيروس، وبالتالي انّ القول بالانشغال يشمل الجميع فعلياً، وتتقدّم أميركا و»إسرائيل» الجمع المحتمل استهدافه بدرجة الانشغال، حيث انّ في أميركا وحدها ربع الإصابات التي حلّت بكلّ العالم (330 ألف من أصل مليون و300 ألف في العالم). وانّ كورونا اقتحم جيوش أميركا و»إسرائيل» وأثر في الجهوزية القتالية والمستوى المعنوي فيهما بشكل بالغ السلبيّة.

ومن جهة أخرى، فإنّ هذه الجائحة فضحت أميركا وأظهرت هشاشة الوضع الداخلي فيها وهشاشة التماسك الوطني بين ولاياتها وهشاشة الروابط التحالفية خاصة مع أوروبا فضلاً عن كشفها المستوى اللاأخلاقي في التعامل مع الإنسان عامة ومع حلفائها خاصة، حيث إنّ كورونا أظهر انّ هذه التي تسمّى الولايات المتحدة الأميركية او التي تريد أن تحكم العالم وتسيطر على مقدّراته هي كيان واهن في الوضع الداخلي وعلى المستوى التحالفي والوطني والصحي والأخلاقي وانّ الهيبة التي أرادت أميركا ان تحكم العالم بها هي هيبة مصطنعة كاذبة وقد سقطت فعلياً، ولم يكن سقوطها في قاعدة عين الأسد في العراق إلا البداية التي جاءت كورونا لتعززها. وبالتالي نقول إنّ كياناً واهناً أمام وباء نجح الآخرون في مواجهته حيث عجزت أميركا وتسرّب إلى جيشها وأنهك شعبها، انّ كياناً هذه حاله ليس هو الكيان الممتلك قدرة الذهاب إلى حرب. وما نقوله عن أميركا ينسحب على «إسرائيل» وإنْ كان من أبواب أخرى ومستويات مختلفة.

وعلى جبهة الأطراف المستهدفين بالعدوان المبحوث فيه، نجد انّ كورونا لم تشغلهم إلى حدّ يصرفهم عن إدارة حرب دفاعية ناجحة خاصة انّ القوى المخصّصة لمواجهة العدوان ليست هي نفسها المنوط بها الاتقاء من الفيروس، وان كانت القيادة قد تخصّص جزءاً من وقتها لهذه المهمة الطارئة، لكن ذلك لا يعيق عملها الرئيسي في المهمة الدفاعية، ما يعني انّ المراهنة على الانشغال بمواجهة كورونا وعلى أهميته هو رهان في غير محله.

ونعود إلى الشروط المتقدّم ذكرها ولنتوقف فيها خاصة عند أمرين الأول ردة فعل المعتدى عليه، والثاني قدراته على الاستمرار في الميدان. وهنا لن نصرف كثير وقت في النقاش حول الموضوع بعد أن بات من المسلم به انّ «إسرائيل» عجزت عن تأمين الدفاع المتين على الجبهة الداخلية وفشلت في الوصول إلى حالة «شعب يعمل تحت النار»، ما يعني انّ الحرب إذا وقعت فستضعها بين حصارين حصار نار المقاومة التي ستطال كلّ هدف في فلسطين المحتلة صغيراً كان أم كبيراً، وحصار فيروس كورونا الذي اقتحم أيضاً الجيش الإسرائيلي ويبدو أنه طال القيادة في المستويين العسكري والسياسي.

أما أميركا التي لها في منطقة الشرق الأوسط ما يناهز السبعين ألف عسكري منتشرين في 54 قاعدة عسكرية برية أساسية (يُضاف اليها القواعد الظرفية الصغيرة وهي كثيرة وعددها متحرّك) وأكثر من 60 قطعة بحرية موزعة على 3 أساطيل، فإنها باتت تعلم بعد صفعة عين الأسد أنها لا تستطيع أن تطمئن إلى الدفاع عن وجودها هذا بشكل محكم وآمن يحقق الطمأنينة، وأنّ 4 منصات باتريوت نشرت حديثاً في العراق لن تقدّم ولن تؤخّر. ويبقى ان نشير إلى الأمر الثاني لنؤكد قطعاً بانّ أيّاً من أميركا و»إسرائيل» لن تستطيعا حسم الحرب ووقفها في التوقيت الملائم لهما، وهنا تكون الكارثة التي يكفي فيها أن ينظر إلى حالة أفغانستان او اليمن ليُعرَف نموذج مصغر لها.

يقودنا هذا إلى القول إلى أنّ التهويل بالحرب من قبل أميركا و»إسرائيل» هو عمل إعلامي نفسي يدخل في إطار الحرب النفسية غير القابلة للتحوّل إلى حرب في الميدان العسكري، وانّ كلاً من «إسرائيل» وأميركا بحاجة لهذا التهويل بالحرب للضغط في السياسة او لحجب عيوب الأشغال عن أزمات وإخفاقات او لتغطية انسحاب وانزياح او لصيانة قدرات ردعية تآكلت او استعادة لهيبة تهشمت في الآونة الأخيرة، ثم جاء فيروس كورونا ليكشف مقدار الوهن لدى أميركا التي انقلب رئيسها إلى ممثل يثير السخرية في معرض إدارته للحرب على هذا الوباء.

وعليه نقول في زمن سقطت فيه الأقنعة وكشفت فيه الحقائق وتآكلت فيه الهيبة التي تبيّن أنها ليست واقعية، في زمن يستعدّ فيه العالم للدخول في نظام ما بعد كورونا، زمن تعاد فيه صياغة التحالفات ورسم الخرائط الاستراتيجية الجديدة تسقط فيه أحلاف وتقوم أخرى، يكون انتحارياً من يقدم على حرب لا يضمن حسمها لصالحه وفوزه فيها بدون أيّ شك، وانّ أيّاً من أميركا او «إسرائيل» ليستا في هذا الوضع وليستا على هذه القدرة، ما يجعلنا نستبعد بشكل شبه قاطع الحرب التي تهوّل بها أميركا و»إسرائيل» لإنزال ضربة قاصمة بمحور المقاومة، أما إنْ حصلت المجازفة وارتكب الخطأ الاستراتيجي وكانت الحماقة هي المسيّرة لذوي الشأن واتخذ القرار الانتحاري فإنها ستكون حرب تحرير «الشرق الأوسط» من الوجود الأجنبي الاستعماري، وهذا ما يجب أن لا يثنسى من مواقف قادة المقاومة ومحورها تلك المواقف التي أطلقت على ألسنة أولئك القادة من إيران الى العراق ولبنان وغزة واليمن…

*أستاذ جامعي وخبير استراتيجي.

بين الطوارئ والتعبئة العامة فرق شاسع… الحكومة أصابت

العميد د. أمين محمد حطيط

إذا أراد المرء أن يكون موضوعيّاً في نظرته لتصرف الحكومة اللبنانية تجاه فيروس كورونا الذي يحتاج العالم فإنه يجد أنّ الحكومة لم تقتصر ولم تتأخر في اتخاذ تدبير مناسب في ظرفه لمواجهة هذا الخطر وحماية اللبنانيين منه، لا بل بالعكس قد يجد البعض أنّ الحكومة اتخذت تدابير استباقية قبل تشكل الضرورة الأكيدة لاعتمادها، خاصة إذا قسنا ذلك على ما اتخذ في أوروبا في المرحلة نفسها ولمواجهة الخطر ذاتها، ومع هذا نجد أنّ معارضي الحكومة يمعنون في انتقادها ورفضهم لكلّ ما قامت به ويصرّون على سلوك التلفيق والبهتان ضدّها لا لشيء إلا لتهشيمها وإسقاطها والعودة الى محاولة السعي الأولى للفراغ السياسي المنتج للفوضى.

وفي هذا السياق يصرّ بعض هؤلاء على وجوب إعلان حالة الطوارئ في لبنان لمواجهة وباء «كورونا» ولا يرون في غير الطوارئ حلاً للموضوع، فهل يدرك هؤلاء ماذا تعني حالة الطوارئ وهل لبنان بحاجة فعلاً لمثل هذا التدبير؟ وهل المطالبون بحالة الطوارئ مستعدون فعلاً لتقبّل التدابير التي يمكن للدولة أن تتخذها في ظل حالة الطوارئ؟

بحسب المادتين 1 و 3 من قانون الدفاع الوطني المعتمد بالمرسوم الاشتراعي 102\1983 تعلن حالة الطوارئ إذا تعرّضت البلاد للأخطار الناجمة عن أيّ اعتداء على أرض الوطن وأيّ عدوان ضدّه ولضمان سيادة الدولة وسلامة المواطنين في مواجهة تلك الأخطار. أما في المواد 2 و 4 من القانون نفسه فيضيف المشترع مصطلحات أخرى إلى جانب مصطلح «حالة الطوارئ» هما «التعبئة العامة» أو الجزئية و«تكليف الجيش حفظ الأمن» و «إعلان المنطقة العسكرية». وهنا نسأل هل كان يدرك أولئك المطالبون بإعلان حالة الطوارئ، لا بل وأعلنوها هم من خلال وسائلهم الإعلامية إعلاناً وقحاً مخالفاً لكلّ قانون، هل كان يدرك هؤلاء ماذا يعني طلبهم وهل الظروف تستوجبه؟

نعود الى النص حيث إنه وبحسب القانون تعلن حالة الطوارئ العامة المنصوص عليها قانوناً (كما ورد في قانون الدفاع الوطني والمرسوم الاشتراعي 52 تاريخ 5\8\1967) لتكون تدبيراً دفاعياً ذا طبيعة عسكرية يهدف إلى مقاومة أيّ اعتداء (لاحظ انّ المشترع استعمل أيضاً عبارة مقاومة أيّ اعتداء في المادة 1 من م.ا. 102\1983 ) ما يعني أن حالة الطوارئ ترمي الى إنشاء بيئة دفاعية عامة مرتكزها الطابع العسكري للدفاع ضدّ عدوان على أرض الوطن أو سكانه ومرتكزها قيادة الجيش التي تقود الوضع، بيئة تمكن الدولة من حشد طاقاتها لمقاومته أيّ جميع طاقاتها ذات الطبيعة العسكرية أولاً، ثم ذات الطبيعة المساندة أو المعززة للأولى ثانياً، ثم وضع اليد على ما يمكن ان يحدّ من فعالية عملية الحشد وتعطيله، ومن أجل ذلك توضع كلّ القوى العسكرية بتصرف قيادة الجيش ويتاح للدولة وخلافا لأيّ نص قانوني ان تتخذ من التدابير ما يخدم العملية الدفاعية دون التوقف عند حق لهذا أو مطلب لذاك (يمكنها مصادرة الأملاك، منع التجول، مراقبة الإعلام إلخ…).

من يقف على ما تعنيه حالة الطوارئ وأسبابها الموجبة يدرك فوراً انها في مكان والحالة اللبنانية الراهنة في مكان آخر ولا تماس بينهما، وأنّ الدولة لو كانت بصدد ممارسة الكيدية لكانت استغلت الظرف واستجابت لمطالبة معارضيها وسارعت الى إعلان حالة طوارئ (غير لازمة) واستغلتها لكمّ الأفواه ومصادرة الممتلكات والاتكاء على قضاء استثنائي تشرف عليه من أجل الانتقام من خصومها كما تفعل الأنظمة البوليسية القمعية في العالم. وكان هؤلاء المعارضون أول ضحايا حالة الطوارئ التي ينادون بها، فهل يعلم المطالبون بحالة الطوارئ وينتقدون الى حدّ التجريح وتهديد الحكومة بالملاحقة القضائية لتقصيرها في إعلان حالة الطوارئ، هل يعلمون هذه الحقيقة؟ أم أنهم يطالبون بحالة الطوارئ لأنهم يخفون خلف طلباتهم نيات خسيسة خبيثة ضدّ الدولة او ضدّ بعض الأطراف الآخرين الشركاء في الوطن، أو انهم لا يعرفون وطرحوا طلباتهم بدافع الخفة والجهل وسعياً للإساءة للحكومة التي يعارضون والتي حجبوا الثقة عنها؟ نطرح التساؤل مع ظننا بوجود الفئتين معاً ونتمنى أن نكون مخطئين هنا وأن يكون الطلب فقط بسبب الجهل.

أما من جهة المصطلحات أخرى فإننا نجد انّ المشترع نص على «حالة التأهّب الكلي والجزئي» و«التعبئة العامة أو الجزئية» التي تعلن في حال «تعرّض الوطن او مجموعة من السكان للخطر دون أيّ يحدّد المشترع طبيعة ومصدر الخطر وإذا أعلنت، فإنها تتيح للدولة فرض الرقابة على مصادر الطاقة والمواد الأولية للإنتاج ومراقبة النقل والانتقال والاتصالات ومصادرة الأشخاص والأموال خدمة للمصلحة العامة المتمثلة في مواجهة الخطر الذي من أجله أُعلنت. وهذا ما ينطبق بالضبط على الحالة التي يمرّ بها لبنان في مواجهة فيروس كورونا الذي يتهدّد السكان في لبنان حالة تستوجب ما ذكر، وبالتالي يكون اختيار الحكومة لإعلان حالة التعبئة العامة في موقعه القانوني والعملي الملائم، وتكون الحكومة باعتمادها هذا الخيار قد أكدت علمها بالقانون أولاً وأكدت عمقاً في فهمه وفهم الواقع واتخذت التدبير المناسب لمواجهة خطر وبائي يهدّد الصحة العامة، ويبقى أن يستجيب الجميع لقرارات الحكومة وان يظهروا التعاون معها ويتوقف الآخرون عن الدسائس والاستغلال السياسي البعيد عن مصالح لبنان واللبنانيين.

لقد أصابت الحكومة في قرارها وسلوكها وأخطأ معارضوها، في مواجهة وباء يجتاح العالم، وأثبتت تدابير الحكومة حتى الآن انّ هذه الحكومة على قدر المسؤولية، خلافاً لما اعتاد اللبنانيون عليه مع معظم الحكومات السابقة.

*أستاذ جامعي وباحث استراتيجي.

لماذا بروتوكول موسكو المضاف حول إدلب؟ وماذا بعده؟

العميد د. أمين محمد حطيط

يسأل سائل لماذا مدّت روسيا اليد إلى أردوغان الغريق في إدلب وأريافها ومنحته فرصة جديدة للاستمرار عضواً في ثلاثية استانة الراعية لعملية البحث عن حلً في سورية، وهل كان بروتوكول موسكو المضاف إلى تفاهم سوتشي ضرورياً بعد طول خداع ونكول تركيّ وبعد الهزيمة التي تجرّعها أردوغان في منطقة إدلب وبلغت ذروتها في سراقب حيث ذاق مرارة هزيمة نكراء أنزلت به بحجم أذهبَ أحلامه وأوهامه (أو هكذا يجب أن يكون) وهل كان ضرورياً ان تقوم روسيا بكلّ ذلك رغم علمها لا بل يقينها بأنّ أردوغان ليس من الأشخاص الصادقين الذين يؤمن لهم او يستحقون الثقة بهم بعد أن جرّبته خلال السنوات الثلاث الماضية، وتأكدت من فشله في كلّ الاختبارات التي خضع لها؟

رداً على ذلك، وإذا نظرنا الى المسألة من منظور عملاني ظرفي، فإنّ أجوبة الأسئلة تلك تكون سلبية ومضمونها القول إنّ البروتوكول لم يكن ضرورياً او ليس مقبولاً في ظرفه، فأردوغان بعد معركة سراقب الثانية ظهر كليماً لا بل مثخناً بجراح الهزيمة ورأى أحلامه تتلاشى وتدفن مع جثث الـ 270 جندياً وضابطاً من جيشه التركي الذين اعترف بمقتلهم في الميدان في مواجهة منظومة الدفاع عن سورية، ويتأكد من أنّ أوهامه اختفت مع شروق شمس الحقيقة في سراقب بعد تحريرها الثاني الذي لم يستغرق أكثر من 10 ساعات فقط نفذ فيها الجيش العربي السوري ومعه وحدات من حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني معركة من أهمّ معارك القتال الليلي في الأماكن الآهلة، معركة أذهلت «إسرائيل» وأصابتها بدوار عسكريّ واستراتيجيّ عنيف نتج عن تفكيرها بما ينتظرها في الجليل عندما تدقّ ساعة تحريره.

نقول إنّ الإجابة ستكون سلبية ولم يكن البروتوكول ضرورياً، لأنّ أردوغان سيستفيد منه لحفظ ماء وجهه ولن ينفذ ما تعهّد به فيه، لأنّ التنفيذ سيجعله في مواجهة مباشرة مع كلّ ما اعتقد به أو ما خطط له، او ما دخل الى سورية من أجله، فكيف يحترم وحدة الأراضي السورية وهو الساعي للسيطرة عليها كلياً او جزئياً او أقله كما صرّح وأطلق المصطلح الغريب العجيب القائل بـ «حدود القلب العثماني» التي تتجاوز الحدود السياسية لتركيا القائمة حالياً وهو يريدها أن تصل لتشمل الموصل في العراق وحلب وحماة وحمص وإدلب في سورية. وكيف ينفّذ تعهّده بقتال إرهابيّي جبهة النصرة وهو الذي يعتبرها جيشه البديل الذي يعوّل عليه لتحقيق أحلامه؟

فأردوغان يحتاج من بروتوكول موسكو بنداً واحداً هو وقف إطلاق النار من أجل وقف العمليات العسكرية التي ينفذها الجيش العربي السوري وحلفاؤه والتي أدت الى تحقيق الأمن لحلب ومحيطها وفتح الطريق السريع لها، M5 ويعتبر هذا التدبير أي وقف إطلاق النار غنيمة له في ظرف الهزيمة المنكرة التي أنزلت به، ومن اجلها ذهب الى موسكو ودفع ثمناً باهظاً من كرامته وهيبته التي ضاعت في خنادق إدلب وسراقب وفي ممرات الكرملين في موسكو بين يدي قيصرها.

هذا في التحليل البسيط والنظر المباشر، ولكن إذا دققنا في الوضع استراتيجياً فنصل الى نتيجة أخرى، حيث إنّ لروسيا ولسورية مصلحة في هذا البروتوكول رغم تضمّنه بند وقف إطلاق النار الذي أوقف عملية التحرير راهناً، حيث إنّ هذا البروتوكول ومع علم الجميع أنه لن ينفذ منه إلا بند وقف إطلاق النار وبشكل مؤقت، فيه من الإيجابيات ما لا يمكن إهماله، فهذا البروتوكول:

1

ـ يثبت ويضمن استقرار الأمن في المناطق المحرّرة حديثاً ويمنح الوقت الكافي للجيش العربي السوري لبناء منظومة الدفاع الملائمة التي تحمي تلك المناطق، ويؤمّن فتح طريق الـ M5 بشكل آمن وأكيد ويفتح طريق M4 بشكل مقبول برعاية روسية يكون التركي شريكاً في الحراسة فيها.

2

ـ يطوي ملف الخسائر التركية التي بلغت المئات بين قتيل وجريح، ويوقف المساعي التركية الرسمية للتحريض ضد سورية التي لا ترى في تركيا عدواً، وتميّز بين تركيا الدولة والشعب وهما جاران وصديقان وبين أردوغان الرئيس الذي يعمل بعقيدة وذهنية اخوانية ويمارس العدوان والإرهاب ضدّ سورية. وبالتالي سيكون وقف إطلاق النار الآن مدخلاً لتبريد الجرح التركي. وهذا ما تريده سورية التي تنظر الى العلاقة مع تركيا استراتيجياً وموضوعياً ولا تريد عداءها.

3

ـ يمنح الفرصة للجيش العربي السوري وحلفائه لإعاده التنظيم بعد معارك الشهرين المنصرمين، وتهيئة البيئة العملانية وتسوية خطوط التماس لتكون مناسبة للعمليات القتالية المستقبلية التي ستنطلق عندما تخلّ المجموعات الإرهابية بقواعد مناطق خفض التصعيد ووقف إطلاق النار، او تمتنع عن الانسحاب من محيط الـ M4 لمسافة 6 كلم شمالي وجنوبي الطريق.

4

ـ يقيم فضّ اشتباك ميداني بين تركيا وسورية التي لا ترغب أصلاً بمواجهة تركيا، ما يمكّن سورية من التفرّغ لمواجهة الإرهاب ويتيح لتركيا مواصلة إشغال مقعدها في منظومة استانة. وفكّ الاشتباك هذا كان هدفاً سعت اليه روسيا للحفاظ على منظومة استانة التي لا زالت ترى فيها الآلية السياسية الوحيدة المتوفرة للوصول الى حلّ للأزمة السورية وفقاً للمبادئ الأساسية التي تراعي وحدة سورية وسيادتها واستقلالها.

أما على صعيد العلاقة الروسية التركية البينية، فانّ من مصلحة روسيا وبعد أن صفعت أردوغان في الميدان لا بل أدّبته بالنار أن تظهر له بأنها لا زالت تشكل له ملاذاً يطمئن اليه بعد أن خذلته اوروبا واميركا والاطلسي وبعد عزلته عربياً، وأن تحتضنه في لحظة هزيمته وعزلته حتى تبقيه في منطقة وسطى بينها وبين الغرب الأطلسي من دون أن يكون متطرفاً لصالح ذاك الحلف الذي ينتمي اليه، تقوم بهذا مع يقينها بانه لن يكون حليفها ولن يتخلى او لن يُسمح له بالتخلي عن عضويته الأطلسية. ومع هذا يمكن أن تجعله روسيا بعلاقتها المدروسة معه أقلّ ضرراً وأهون خطراً عليها إذا أبقت معه على هذه العلاقة التي لا تستلزم من قبلها التفريط بالعناوين الأساسية لاستراتيجيتها وسياستها او لتحالفاتها وقد يكفيها بعض التسهيلات او السلوكيات السياسية او الاقتصادية التي لا تمسّ بنية المنظومة الروسية الاستراتيجية.

لكلّ ذلك نرى أن بروتوكول موسكو الإضافي كان ضرورياً وفي وقته الصحيح، ومع هذا نرى أيضاً انّ هذا البروتوكول لن يصمد طويلاً ولن يستعيد إدلب، اذ سيسقط بعد ان يؤدي دوره في فضّ الاشتباك السوري التركي، ويستعيد تركيا الى منظومة أستانة ويعطي وقتاً معقولاً للقوى العاملة في محيط إدلب للانطلاق الى وثبة التحرير المقبلة، التي ستكون حتمية لأنّ المجموعات الإرهابية التي تعرف انّ مصيرها محتوم وأنه لن يبقى لها وجود في أي شبر من الأرض السورية. هذه المجموعات لن تعمل بالبروتوكول ولن تنفذ شيئاً منه بما في ذلك وقف إطلاق النار، وعندما تصل خروقها الى الحد الذي يبرر استئناف العمليات سنرى القوات العربية السورية تستأنف التحرير الذي لن يكون إلا عسكرياً كما ثبت بالتجربة والبرهان خلال السنوات التسع الماضية.

*أستاذ جامعي وخبير استراتيجي.

فيديوات متعقلة

مقالات متعلقة

«درع الربيع» التركيّة عدوان لن يحقّق أهدافه

العميد د. أمين محمد حطيط

للمرة الرابعة تطلق تركيا عملية عسكرية عدوانية ضدّ سورية من أجل احتلال أرض منها وتهجير شعبها وإجراءات تغيير ديمغرافي فيها تمهيداً لضمّها، الضمّ الذي تحلم به وتراه تطبيقاً لما تسمّيه «الميثاق الملي التركي الذي يعطيها الحق كما تدّعي بمثل عمليات الضمّ تلك لقطاع واسع من الأرض العربية من الموصل في العراق شرقاً الى إدلب في سورية غرباً وحلب ما بينهما أيضاً. فهل سيحقق هذا العدوان المتجدّد بصيغته وعنوانه ذاك أهدافه؟

لقد أدخلت تركيا من أجل تنفيذ عدوانها هذا ما يناهز الـ 15 ألف عسكري تركي من جيشها المصنّف الثاني في الحلف الأطلسي بعد الجيش الأميركي، واتخذت من مخرجات استانة وتفاهمات ستوشي غطاء لعملها العسكري العدواني وعوّلت او على الأقلّ هكذا أظهر أردوغان، عوّلت على دعم الحلف الأطلسي لها، وقدرتها على تحييد روسيا، ومنع إيران من التدخل في المعركة لاستفراد سورية وجيشها وهي تظنّ انّ هذا الجيش أيّ الجيش العربي السوري بات منهكاً بعد 9 سنوات من المعارك المتواصلة ولن يقوى على الصمود بوجهها.

وهنا لا بدّ من أن ننوّه بأننا وكثيرون ممن تابع الأحداث والمواجهات بين الجيش السوري والإرهابيين الذين يلقون كامل الدعم والإسناد من تركيا التي تتخذهم أداة لتحقيق أحلامها في السيطرة واقتطاع أرض سورية كما ذكرنا، اننا كنا نستبعد أن تجري مواجهة مباشرة بين تركيا وسورية يخوضها جيشا البلدين على الأرض السورية، وكنا نقول إنّ مثل هذه المواجهة لا يمكن ان تحصل الا إذا ارتكب أردوغان فعلاً جنونياً وفجوراً وقحاً وأسقط القناع كلياً عن وجهه وجازف بموقعه في منظومة الرعاية في استانة. ويبدو أنّ اردوغان فعل كلّ ذلك وزجّ بجيشه في الميدان وقرّر مواجهة الجيش العربي السوري من دون أن يحسب حساباً لأيّ عاقبة ومفعول. فإلى أين يقود أردوغان تركيا والمنطقة وماذا بإمكانه أن يحقق؟

قد يكون أردوغان قد قاسَ عملية «درع الربيع» الجديدة على عمليات «غصن الزيتون» أو «درع الفرات» أو «نبع السلام» السابقة التي نفذها على الأرض السورية، لكنه هنا أخطأ الحساب جيداً. ففي تلك السابقة كان يواجه عصابات كردية لا تملك المشروعيّة ولا القوّة التي تمكنها من منع أردوغان من تنفيذ خططه، ومع ذلك كانت تصمد بوجهه بعض الوقت، وتعرقل تقدّمه وتوقع في تشكيلاته بعض الخسائر وتجعل من التنفيذ مكلفاً وفي سقف أدنى من المطلوب تركياً، أما عمليته الرابعة هذه فكلّ ما فيها مختلف كالتالي:

1

ـ ينفذ أردوغان عدوان «درع الربيع» ضدّ سورية وجيشها. وهو جيش ليس كما يعتقد او يتصوّر أردوغان، فالجيش العربي السوري وبعد 9 سنوات من القتال المتعدّد الأشكال والظروف هو جيش محترف عالي المعنويات مسانَد من قوى حليفة، ويخوض المعارك اليوم وفي جعبته الكمّ الكبير من الانتصارات والإنجازات والخبرات. جيش يملك إرادة النصر مهما كانت العراقيل. ثم أنّ المواجهة مع هذا الجيش وعلى أرضه تسقط أيّ مشروعية لعدوان أردوغان وتمنع أيّ تبرير لها. أيّ انّ ظرف القتال التركي مناقض لما كان في العمليّات الثلاث السابقة التي كان يدّعي فيها إنه يقاتل ضدّ الإرهاب حماية للأمن القومي التركي، حيث إنه هنا يعمل مع الإرهاب لانتهاك الأمن القومي السوري وضدّ وحدة سورية وسيادتها المؤكد عليها في كلّ وثيقة أو نص أو قرار يتناول الشأن السوري.

2

ـ يواجه أردوغان في سورية محور المقاومة برمّته، وقد كان لافتاً بيان المركز الاستشاري الإيراني في دمشق الذي أضاء على طبيعة معركة إدلب ومنطقتها بين الأتراك وجبهة الدفاع عن سورية. وهو بيان يصدر للمرة الأولى عن هذا المركز رغم أنّ دعم محور المقاومة واشتراكه في القتال الدفاعي مع الجيش العربي السوري بدأ منذ العام 2013 ولم يصدر بيان إيراني به، فقد شاءت إيران اليوم وعلانية أن تقول لأردوغان أنت تواجهنا، وصحيح أنّ إيران لا زالت تتمسك بالعمل السياسي مع تركيا لحلّ الأزمة السورية، فإنّ ذلك لا يعني أنها تتردّد في المواجهة العسكرية عندما يمارس أردوغان خداعاً أو استغلالاً. ولهذا شاركت وأعلنت أنّ الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني هما في الميدان جنباً الى جنب مع الجيش السوري ومن يريد الفهم عليه ان يفهم ما أرادت إيران من البيان هذا.

3

ـ أما روسيا التي طلب منها أردوغان البقاء بعيداً عن المعركة وتركه ليصفي حساباته مع الرئيس الأسد منفرداً، فأعتقد أنه طلب لن يلقى آذاناً صاغية لديها، حيث إنّ لروسيا مصالح في سورية أكبر من تلك المصالح التي تربطها بتركيا، وقد يتجه الروسي للعمل بلون رمادي يوحي بأنه يحافظ على العلاقة مع أردوغان إلا أنّ هذا التساهل معه لا يمكن أن يصل الى حدّ التخلي عن سورية ووقف دعمها الذي له أهداف ذات صلة بالأمن القومي الروسي لا يفاوض بوتين عليها مع أحد.

4

ـ ويبقى الدعم الغربي المعوّل عليه تركياً والذي يلجأ أردوغان للابتزاز من أجله بلعب ورقة النازحين السوريين لديه، فأعتقد أنه لن يحصل ولن يجد أردوغان في عدوانه «درع الربيع» دعماً أطلسياً أوروبياً أو أميركياً أكثر من الدعم اللفظي الكلامي والتأييد الدبلوماسي والسياسي. فأردوغان ينفذ عدواناً على الغير ولا يتعرّض لعدوان الغير عليه، واتفاقية الحلف الأطلسي في موادها الرابعة والخامسة تفرض المساعدة من الأعضاء لبعضهم بعضاً عندما يتعرّض العضو لعدوان على أرضه ولا تتيح المساعدة في حال كان هو المعتدي. ولأجل ذلك ورغم الاجتماعات والاتصالات الثنائية بقي الدعم الأطلسي لأردوغان في عدوانه بعيداً عن تقديم أو الوعد بتقديم الدعم العسكري الميدانيّ.

لكلّ ذلك ورغم أنّ أردوغان قام بفعل جنونيّ متهوّر واتجه للمواجهة مع الجيش العربي السوري ظاناً انّ هذه المواجهة ستحقق له بعضاً من أحلامه، فإننا نرى أنّ جنون أردوغان لن ينبت مكاسب له ولن يمكنه من حصاد يرضيه سوى الخيبة والفشل وفقدان ما تحقق له من مكاسب في الميدان سابقاً وفي سوتشي واستانة حاضراً، وسيندم أردوغان على حماقته وجنونه ضدّ الجيش العربي السوري إيّما ندامة.

أستاذ جامعي وباحث استراتيجي.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

ما بعد حلب: قواعد اشتباك جديدة ومسرح عمليّات مختلف

العميد د. أمين محمد حطيط

بعد أن فاز أردوغان بـ “ورقة يانصيب” تمثلت باتفاق سوتشي حول إدلب السورية، استعملها بذهنية أنها تشرّع له السيطرة على منطقة تتجاوز مع منطقة عفرين التي كان قد احتلها ومع منطقة شمالي حلب غربي الفرات، مساحة الـ 14 الف كلم2 من مساحة سورية البالغة 185 الف كلم2، وإذا ضمّت إليها ما احتله في الأشهر الأخيرة من العام المنصرم وأسماه “منطقة آمنة” لامست الـ 4500 كلم2، إذا جُمع كلّ ذلك يكون أردوغان عبر الاحتيال والإرهاب والعدوان امتلك السيطرة على 1/10 من سورية ما يتيح له ادّعاء الفوز بتعويض كافٍ له للقول بأنه انتصر في سورية وامتلك مفتاحاً فاعلاً للتدخل في شؤونها عوّض له شيئاً من خسارته لمشاريعه الأولى الرامية الى السيطرة على 6 دول عربية عبر الاخوان المسلمين او السيطرة على سورية وبعض العراق.

أقنع أردوغان نفسه بأن بوتين سيكون مطواعاً لرغباته مستجيباً لطلباته، لأنه ظنّ بأنّ الروسي بحاجة إليه لكونه عضواً في الحلف الأطلسي ويحكم دولة ذات موقع استراتيجي مميّز بشكل عام وذات خصوصية مفرطة بالنسبة لروسيا، كما أنّ تركيا تملك من الإمكانات والقدرات ما يجعلها قادرة على التأثير في اقتصاديات دول الجوار اللصيق والبعيد، وروسيا منها، ثم جاء التساهل الروسي مع عدوانيّات أردوغان ليعزّز اعتقاد الأخير.

أما سورية التي قبلت باتفاق سوتشي وفقاً لفهم ساعدها الروسي على تظهيره، فإنها تعاملت معه على أساس أنه جسر لتحرير إدلب على مراحل قد تتطلّب وقتاً طويلاً نسبياً لكنه مسار تحرير محدود الكلفة مضمون النتائج، كما وعد الروسي، ومع هذا ولأنّ المؤمن لا يُلدغ من الجحر مرتين ولأنّ سورية لدغت من الجحر التركي وذاقت منها الأمرّين من خلال غدره وانقلابه على اتفاقات سابقة، فإنها تعاطت مع الأمر وفقاً لعنوانين سياسي وعسكري: الأول ثقة بالتعهّد الروسي، ولذلك أوقفت العمل العسكري الذي كانت تستعدّ له في أيلول 2018 والثاني بالمحافظة على الجهوزية لإطلاق هذا العمل عندما تتهيّأ ظروفه الميدانية والسياسية والاستراتيجية بعد تعثر الأول واعتمدت له استراتيجية الوثبات المدروسة والتحرير بالقضم المتتابع.

لقد رفعت تركيا لوحة تفاهم سوتشي كشعار، ولكنها عملت بمقتضيات مشروعها الخاص حصرياً، ولم تنفذ من اتفاق سوتشي حرفاً واحداً لمصلحة سورية، لكن سورية التي كما قلنا لم تثق لحظة بأردوغان، كانت تستغلّ كلّ عدوان إرهابي تدعمه تركيا، او كلّ خرق مباشر لتفاهم سوتشي ومناطق خفض التصعيد وتنفذ ردة فعل عليه تتمثل بوثبة تحرير مدروسة، وبهذا نفّذت وثبات مورك ثم خان شيخون ثم معرة النعمان ثم سراقب. وكانت مع كلّ وثبة تُحدث تغييراً ميدانياً له أحياناً أبعاد استراتيجية وتأثيرات سياسية، لكن الأخطر والأهمّ والأعمق تغييراً كان في ما أحدثته العمليات الأخيرة التي صحّت تسميتها بـ “عملية الأمن لحلب وطرقها“ فما هي نتائج هذه العمليات وما هي مفاعيلها؟

لقد حققت عملية “الأمن لحلب وطرقها “والتي نفّذت رداً على جرائم الإرهابيين ومحاولتهم اقتحام مواقع سورية محررة في غربي حلب وريفها وريف إدلب، إنجازات عسكرية هامة في طليعتها تحرير ما كان تبقى بيد الإرهابيين من أحياء حلب الغربية وأكمل بذلك تحرير حلب التي أنجز معظمه في العام 2016، ثم وسعت نطاق الأمن المباشر لحلب بشعاع يتراوح بين 12 و15 كلم، أيّ إبعاد صواريخ الإرهابيين عن المدينة وتأمينها أمنياً بالكامل، ولا تقلّ أهمية ما تحقق على صعيد المواصلات من والى حلب حيث تمّ فتح المطار الدولي وفتح طريق حلب دمشق الدولي السريع بعد 9 سنوات إقفال. وبهذه الإنجازات تكون قد حرّرت وطهّرت من الإرهاب مساحة 3000 كلم2.

لقد أذهلت نتائج “عملية الأمن لحلب” واستئناف العمل وتشغيل المواصلات الجوية والبرية اليها، أميركا التي فهمت المعنى الحقيقي للإنجاز المتحقق بربط عاصمة سورية الاقتصادية (حلب) بالعاصمة السياسية ( دمشق) وتفعيل شرايين الاتصال والانتقال بين أهمّ مراكز الثقل النوعي الاستراتيجي السوري، فالذي يفهم المدلول ويحلّل الصورة يعلم انّ سورية بهذا العمل تدفن نهائياً مشاريع العدوان التي استهدفتها، وتجمع أوراق المناورة في مواجهة الحرب الاقتصادية التي تشنّ عليها، أما أردوغان الذي اختلّ توازنه لا بل دخل متخبّطاً في حالة انعدام الوزن والهذيان راح يطلق التهديدات التي يعلم هو قبل غيره أنه ليس قادراً على تنفيذها، ولكنه أصرّ على ممارسة العمل باستراتيجية الضفادع والتهويل عبر إدخال 10.000 عسكري من الجيش التركي وإنذار سورية بوجوب العودة الى خطوط ما قبل العملية، فجاءت مواقف الرئيس الأسد الهادئة لفظاً والمدوّية مضموناً لتوجّه إليه صفعة قوية خاصة عندما تعهّد الرئيس بمواصلة العمليات لسحق الإرهاب وتحرير الأرض دونما مبالاة بالفقاعات الصوتية الآتية من الشمال (ويقصد مواقف أردوغان تلك) واتبعتها قيادة الجيش ببيان إغلاق الأجواء السورية ضدّ أيّ طيران معادٍ.

لقد رسمت عملية “الأمن لحلب وطرقها” مسرحاً ميدانياً فرض فيه الجيش السوري وحلفاؤه قواعد عمل واشتباك جديدة، رافقتها سلوكيات أطلسية لا يمكن تجاوزها، حيث انّ أردوغان وبعد ان لمس فشل ما لجأ اليه من تهويل تركي ضدّ سورية لجأ الى الأطلسي وهدّد به ـ وهنا كان الردّ الصادم لأردوغان حيث لم يستجب هذا الحلف لشيء من طلبات حاكم تركيا لا بل وجه اليه صفعة مؤلمة عندما استبعده عن مناورات آذار المقبل التي سيشارك فيها 41 ألف عسكري أطلسي ليس فيهم تركي واحد.

أما أميركا التي كانت ولا زالت تستعمل أردوغان أداة مشاغلة ليطيل أمد الصراع في سورية ويؤخر استحقاق تحرير شرقي الفرات من الـ 800 عسكري أميركي المعلن عن وجودهم هناك، فإنها اكتفت بتصريح وقح تستنكر فيه قيام سورية بفتح وتشغيل مطار حلب وطريق حلب السريع الـ M5.

هذه السلوكيات أكدت بأنّ حلفاء أردوغان المفترضين تركوه يتخبّط ولن يغيّر هذا الاستنتاج ما يُقال عن لقاء تركي فرنسي ألماني روسي للبحث في مسألة إدلب، التي بات أردوغان مستميتاً لتجميد الوضع فيها على ما هو عليه الآن خاصة أنه يخشى من استئناف العمليات السورية لتحرير تلك المدينة التي لا تبعد عن المواقع الأمامية للجيش العربي السوري الآن أكثر من 14 كلم.

وأخيراً… مع استبعادنا أيّ مواجهة عسكرية روسية – تركية، أو مواجهة سورية – أطلسية، والاعتقاد بأنّ المواجهة السورية – التركية تبقى منخفضة الاحتمال جداً لن تقع إلا إذا ارتكب أردوغان فعلاً جنونياً كاملاً، فإننا نرى انّ الميدان السوري بات محكوماً بقواعد عمل واشتباك جديدة تؤلم تركيا كالتالي:

1 ـ جهوزية الجيش السوري وحلفائه لمعالجة أيّ عائق يعترض تنفيذ مهماته حتى ولو كان هذا العائق جيشاً تركياً، وعلى أردوغان أن يستوعب جيداً ما جرى لجنوده الذين قتلوا بنار سورية عندما حاول الإرهابيون الاحتماء بهم، أو ما حصل لقواعده النارية التي قدّمت الدعم للإرهابيين في هجومهم على النيرب، وأخيراً البيان الصريح الذي أعلنت فيه القيادة السورية أنها تغلق أجواءها بوجه كلّ عدو وأنها ستستعمل كلّ الوسائل المتاحة من أجل ذلك (وطبعاً يدخل ضمنها صواريخ “أس300” التي بات أمر تشغيلها بيد سورية).

2 ـ إنّ روسيا ليست بصدد إعطاء مهل إضافية لتركيا وإنها ملتزمة بدعم الجيش العربي السوري في مهماته لتحرير إدلب، ولن يكون أمام أردوغان فرص جديدة او مناورة احتيال أخرى. فروسيا نفد صبرها وهي تقرّ مطلقاً بحق الجيش السوري في تنفيذ تلك المهمات وله أن يتابع وفقاً لما يراه وعلى الآخرين احترام وحدة الأرض والسيادة السورية.

3 ـ عدم واقعية او جدية او جهوزية الحلف الأطلسي لدعم تركيا في مشروعها الخاص في إدلب وجلّ ما يمكن تقديمه هو دعم لفظي لا أكثر. وقد طويت صفحة مسرحيات الكيماوي التي كان الأطلسي يلعبها لتبرير التدخل العدواني المباشر ضدّ الجيش العربي السوري.

4 ـ انكشاف محدودية قوة تركيا في مساندة الإرهابيين واستعمالهم خدمة لمشروعها الخاص الذي بات نجاحه شبه مستحيل، وستكون لهذا الانكشاف ارتدادات خطيرة على معنويات الإرهابيّين الذين كانوا يتصرّفون بطمأنينة مطلقة الى قوة تركيا الداعمة لهم ولمسوا الآن، بل تأكدوا انّ الجيش السوري لا يعبأ ولا يهتمّ بما تدّعيه تركيا من هيبة عسكرية او ما تضعه من خطوط حمر، وكانت عملية النيرب التي سحقهم فيها الجيش العربي السوري نموذجاً.

*أستاذ جامعي وخبير استراتيجي.

عمليّة الأمن لحلب وطرقها: نجاح سوريّ وخيبة تركيّة!

 العميد د. أمين محمد حطيط

لو نفّذت تركيا موجباتها، لكانت حلب وإدلب وأريافهما بغنى عن العملية العسكرية التي يتابعها الجيش السوري الآن، تلك الموجبات التي تعهّدت تركيا بأدائها بمقتضى تفاهم سوتشي المبرم في 17 أيلول/ سبتمبر 2018، هذا التفاهم الذي راعى الى الحدّ الأقصى المصالح التركية مقابل قيام تركيا وبمشاركة روسيّة بتدابير على مراحل تؤول في نهاية المطاف إلى إبعاد الإرهابيين عن إدلب وريفها، وضمان عودة المنطقة الى الدولة السورية مع الالتزام الكليّ بوحدة الأراضيّ السورية وسيادة سورية على أراضيها.

لكن تركيا التي مارست الخديعة المركبة بوجه كلّ من روسيا وإيران شريكتيها في استانة، ونكثت بتعهّداتها وأخلّت بالتزاماتها وعملت وفقاً لمشروع تركي خاص يمنع في أقل تقدير عودة الأرض الى أصحابها، ويجعل من الإرهابيين جيشاً خاصاً بها تستعمله حيث شاءت، ثم تتخذ من المنطقة باباً لتدخل منه الى عمق الدولة السورية للتحكم بنظامها السياسي كله حسب الظن او التخطيط التركي.

كان التناقض قائماً بين سلوكيّات تركيا على الأرض وتعهّداتها في استانة وسوتشي، وكانت سورية بكلّ مكوناتها وعناوينها تدفع ثمن هذا التناقض والزئبقيّة التركيّة الإجراميّة التي ترجمت في الشهر الماضي عمليات إرهابية واسعة النطاق نفذت على اتجاهات ثلاثة في الباب وغربي حلب والنيرب، عمليات لو قيّض لها النجاح لكانت وضعت حلب برمّتها أمام وضع جديد أقلّ ما يُقال فيه إنه حصار وتطويق من الخارج وشلّ حركة في الداخل ما يحوّل المشهد ورقة ضغط قوية في يد تركيا ضدّ سورية وتكون تركيا قد تقدّمت بإرهابييها نحو حلب ووسّعت مناطق سيطرتهم خلافاً لما كان عليها أن تفعل من إنشاء منطقة عازلة وإخراج للإرهابيين منها والسير قدماً نحو تحرير إدلب لإعادتها الى الدولة السورية.

في مواجهة هذا الموقف البالغ الخطورة وربطاً بالقرار الاستراتيجي السوري المتّخذ منذ العام 2018، وانتقاماً لدماء من أصيبوا بنار الإرهابيين في حلب من مدنيين وعسكريين وعملاً باستراتيجيّة التحرير بالقضم المتتابع، أطلق الجيش العربي السوري عمليّة عسكريّة نوعيّة في المنطقة (شرقي إدلب وجنوبي وجنوب غرب حلب) تصحّ تسميتها «عملية الأمن لحلب وطرقها» عملية أراد منها أن تحقق على الأقلّ إبعاد الإرهابيين عن المدينة بما يضمن أمن سكانها، وفتح الطريق الدولي إليها من حماة M5 ليضمن الحركة الآمنة والسريعة منها وإليها وأن تكون حلقة من حلقات سلسلة العمليات التحريريّة التي يقوم بها الجيش على درب التحرير والتطهير بالقضم المتتابع.

وفي التنفيذ، اعتمد الجيش العربي السوري مناورة نوعيّة مطوّرة نوعاً ما عن مناوراته السابقة، متكئاً في ذلك على ما توفر لديه من خبرات واحتراف عالي المستوى وإمكانات ميدانيّة وقدرات ناريّة مكّنته من اعتماد هذه المناورة التي أرساها على أسس ثلاثة أولها العمل على محاور متعدّدة من أجل تشتيت دفاع العدو وإرباكه ومنعه من نقل القوى والإسناد المتبادل، والثاني الرشاقة والسرعة الصاعقة في الحركة ما تسبّب في مزيد من الإرباك والضعضعة في صفوف الإرهابيين وقادهم الى الانهيار الإدراكي والمعنوي وحرم الأتراك من فرصة التأثير والتدخل التي يهوّلون بها دائماً، وثالثها اللجوء إلى النيران الكثيفة والدقيقة ضدّ القواعد والمراكز الإرهابيّة القياديّة والناريّة ما حرم الإرهابيين من أيّ دعم ناري مؤثر وحملهم في معظمهم على اختيار درب الفرار من الميدان بعد أن بات القتال ميؤوساً منه.

أمام هول الصدمة تحرّكت تركيا عسكرياً في الميدان وسياسياً باتجاه موسكو طلباً لوقف العملية العسكرية الصاعقة التي حققت في الأيام الأولى منها نتائج باهرة فوق ما توقع منفذوها، حيث إنّ الجيش حرّر معرة النعمان واندفع شمالاً باتجاه سراقب التي لم تتأخر عملية تطويقها ثم تحريرها، وتابع باتجاه حلب حيث لاقته قوى تحرّكت من جنوبها الشرقي ما أدّى الى تحرير الـM5  الذي لم يبق منه بيد الإرهابيين عند كتابة هذه السطور سوى 15 كلم اعتقد أنّ أياماً قليلة تكفي لتطهيرها وتفتح بعدها أمام حركة المرور الآمنة والسريعة.

أمام هذا المشهد، كانت خيبة تركيا كبيرة هذه المرّة، حيث إنها فشلت على المسارين العسكري والسياسي ولم تستطع أن توقف العملية العسكرية السورية الهجوميّة كما أنها لم تحقق ما عوّلت عليه من هجمات الإرهابيين على المحاور الثلاثة شمال وجنوب وجنوب غرب حلب، الهجمات التي احتواها الجيش ثم سحق منفّذيها بعدما ما أوقعته من خسائر في صفوف العسكريين والمدنيين والعسكريين السوريين. أما على المسار السياسيّ مع روسيا، فكان الغضب منها وعدم الاستجابة لها.

في مواجهة ذلك أدخلت تركيا 2000 جنديّ وضابط تركيّ في الميدان في حركة استعراضية ظنّت أنها ستُرهب الجيش السوري، فكانت النتيجة عكسية حيث إنّ النار السورية أسقطت 13 منهم بين قتيل وجريح، لدى مطاردتها للإرهابيين الذين حاولوا الاحتماء بالقافلة العسكرية التركية، سقوط القتلى الأتراك أسقط معه الهيبة التركية التي ظنّت تركيا أنها مانعة الجيش العربي السوري من التحرّك والعمل في الميدان لتحرير أرضه. أما على الاتجاه السياسي فقد كانت خيبة تركيا بليغة أيضاً، وبعد أن كانت روسيا تستجيب لها في كلّ مرة تطلب وقف إطلاق النار وتجميد العمليات السورية، رفضت هذه المرة روسيا الطلب التركي لا بل ساهمت هي بطيرانها في مدّ الجيش السوري بالدعم الناري المركّز وانكشفت الأوهام التي كانت تركيا والإرهابيّون يعوّلون عليها.

لقد راهنت تركيا على نجاح خداعها وتحقيق مشروعها في إدلب على أمور ثلاثة: قدرات الإرهابيين وإجرامهم، قدراتها وهيبتها العسكرية، الرعاية والاهتمام الروسي. ولكن هذه الأوراق سقطت دفعة واحدة وفي أقلّ من أسبوع وانكشفت تركيا أمام حقيقة مرّة عنوانها «حبل الكذب قصير» وظهر لها أنّ سورية تملك من القدرات العسكرية والصلابة السياسية ما يمكنها من تنفيذ العمليات الهجومية المرنة دون التوقف عند التهويل والصراخ التركي، وأنّ الإرهابيين الذين راهنت عليهم تشتّت جمعهم وتداعت صفوفهم وانهاروا ففرّوا من الميدان بأسرع مما يظنّ أحد، وأخيراً تحققت انّ صبر الروسي وسكوته على خداعها قد نفد وفرض عليها واقعاً جديداً يختلف عن كلّ ما سبقه. وبالاختصار يمكن القول الآن إنّ المشروع التركي الخاص في شمال غربي سورية في طريقه الى الانهيار، بعد أن أخرجت حلب من الميدان وأفقدتها ورقة ضغط كبرى لتمرير المشروع، وبعد أن باتت القوات السورية على بعد 12 كلم من إدلب و8 كلم من إريحا، وتتطلع الى جسر الشغور وهو على بعد 40 كلم من الشرق و12 كلم من الجنوب حيث مواقع القوات السورية.

في عدوانها الإرهابي الأخير على حلب ومحيطها شاءت تركيا شيئاً فحصدت خلافه، وباتت الصورة اليوم مختلفة كلياً عما قبل، حيث يمكن القول بانّ مصطلحات وعناوين هامة سقطت لتقوم مكانها مفردات جديدة وباتت الحاجة إلى كتاب جديد وقلم آخر تخطّ بهما الأمور، حيث لن يكون معنى بعد اليوم لعبارة مناطق «خفض التصعيد» أو «المنطقة المنزوعة السلاح»، او «نقاط المراقبة» التركية التي بات منها 8 من أصل 12 محاصراً من قبل الجيش العربي السوري، وسيكون البحث عن الطريقة المناسبة لخروج نقاط المراقبة التركية الـ 12، والاتفاق على أسلوب مرن لسحب الـ 3500 عسكري الذين أدخلتهم تركيا خلال الأسبوعين الماضيين، وإيجاد تفاهم عملي واقعي لمنع صدام الجيشين السوري والتركي، وقد تعود الحياة الى اتفاق أضنة 1998.

وبالخلاصة نستطيع القول إنّ عملية «الأمن لحلب وطرقها» حققت أهدافها وأكثر مما تحدّد وبأقصر ما هو متوقع وأثبتت أن قرار سورية الاستراتيجي هو قرار للتنفيذ، وإذا أبدت سورية مرونة في الميدان، فإنّ ذلك لا يؤثر على الطبيعة النهائية للقرار، كما أكدت أنّ المشروع التركي لإدلب هو مشروع عبثيّ غير قابل للحياة وأنّ مَن يعتمد المرتزقة الإرهابيين جيشاً يتجرّع المرارة والخيبة والخسارة نتيجة.

*أستاذ جامعي وباحث استراتيجي.

Related Videos

Related News

%d bloggers like this: