الحراك الشعبي في لبنان: ازدياد المخاطر وضرورات الإسراع بالحلّ

أكتوبر 29, 2019

العميد د. أمين محمد حطيط

مهما كان توصيف الحراك الشعبي القائم في لبنان فمن الضروري ان نؤكد انّ هذا الحراك جاء صرخة مظلومين جائعين عاطلين عن العمل يعانون من ظلم السلطة وفساد معظم من تولاها، حيث نهب المال العام وتضاءلت فرص العمل وجاع الناس وانعدمت الخدمات العامة في الحدّ الأدنى، في حين اغتنى بضع عشرات أو قلة من مئات الأشخاص وكنزوا المال ووضعوا اليد على الدولة ومرافقها ومهما عددت من جرائم هؤلاء فإنك لا تحصيها.

كان من المؤكد ان يفجر الإجرام السلطوي غير المحدود هذه الصرخة الشعبية التي تعدّدت تسميتها من ثورة الى تحرك او حراك مروراً بالانتفاضة والاحتجاج الشعبي وما اليه. كان طبيعياً ان يحدث هذا الانفجار والا عدّ الشعب جثة لا روح فيها، وبالتالي انّ أيّ نقاش حول مبرر هذا الحراك وشرعيته يكون خارج المجال المسموح البحث فيه، وإلا اعتبر مجرد النقاش نوعاً من الضرر المعنوي والألم النفسي نتيجة المسّ بالمشاعر الصادقة المحقة وبالغضب المقدس لشعب عانى من نهب حقوقه وماله وتهجير أبنائه واستباحة دولته من قبل بضع عشرات من الأشخاص تولوا السلطة منذ عقود ثلاثة وأمعنوا في البلاد والعباد فساداً ونهباً.

حدث الانفجار الشعبي اذن كردة فعل طبيعية على جرائم غير محدودة في مفاعيلها، ووضع البلاد أمام مفترق طرق بعضها يقود الى إيجابية وتخليص الوطن والبعض الآخر يقود الى الهلاك والتدمير، وقبل ان نبحث في الحلّ عن طريق او آخر مما يقود إليه نتوقف عند مسالك الخطر التي ينبغي تجنّبها والحذر منها حتى لا تنقلب الأمور ضدّ أصحابها ونحصد همّاً وغمّاً وألماً في الوقت الذي يكون القصد الخروج من ذلك. اذن نحن أمام محظورات ينبغي تجنّبها ومطلوبات ينبغي ملاحقتها، ولكلّ شيء مما ذكر أساليبه فما هي؟

نبدأ بالمحظورات ونقف عند عدة مخاطر رئيسية وكلها بداأت تذرّ بقرنها وتلوح في الأفق غيومها الداكنة السوداء، التي إذا ما بدأت أمطار سوئها تتساقط فإنّ أحداً لن يمنع سيلها من ان يجرف ما تبقى من هذا الوطن كليا او جزئياً وفي هذا الإطار نحذر من:

1 ـ التشتت والتفرّق… انّ أجمل ما في هذا الحراك هو صورته الوطنية البهية التي تخطت الطائفية والمناطقية والفئوية التي حوصر الشعب اللبناني بها من قبل امراء الطوائف وصنعوا بها حواجز وسدود تمنع لقاء المواطنين من أجل ان تبقى الطائفة والمنطقة قطيعاً بيد الزعيم يحرسها من أوْكله بأن يمنع أحداً الخروج عن الطاعة وإلا كان مخذولاً مرذولاً في طائفته ممنوعاً من عمل او من ممارسة حق. ولهذا يجب ان يحفظ الحراك وجهه لا بل طبيعته الوطنية بعد ان تأكد الشعب انّ الفقر والحاجة وحّدت الجميع وأسقطت الحدود. ومن أجل وحدة الكلمة ينبغي التركيز على المطالب والحقوق وتجنّب الاستفزاز والشتيمة والسباب فلنبحث عما يجمعنا مع الآخر ونحاذر المسّ بمشاعره وشؤونه الشخصية. فالساعة ساعة مطالبة بحقوق وليست ساحة مبارزة بشتائم لا تقدّم ولا تؤخر. وليكن مؤكداً انّ تعاظم الحجم الشعبي المنتفض الثائر يقصّر المسافة للوصول الى الأهداف والعكس هوالصحيح.

2 ـ الانحراف عن الأهداف… لقد حدث الانفجار الشعبي لسبب مباشر محدّد هو سبب معيشي مالي تمثل بنية فرض رسم على مكالمة «الواتس أب» ثم توسع ليشمل مطالب معيشية واصلاحاً مالياً نقدياً ومحاربة الفساد واستعادة أموال منهوبة… وهي أهداف أجمع المنتفضون عليها وتبارى الكلّ في التمسك بها من غير أيّ تنسيق ولقاء سابق، لا بل توحد الشعب من الشمال الى الجنوب ومن البحر الى الداخل مطالباً بها. لأنها مطالب محقة تستحق ان يثور الشعب من اجلها. لكن ما يثير الخوف الان هو محاولة قلة قليلة ذات ارتباطات خارجية، محاولتها ان تزجّ في هذه المطالب مسائل ليست محلّ إجماع الآخرين ما يؤدّي الى حجب المطالب الأساسية وإثارة النزاع والفوضى في الحراك ونكتفي بالإشارة دون تفصيل وشرح الآن.

3 ـ وضع اليد الخارجية على الحراك… وهذا أخطر ما يخشى على صعيد الحراك ذاته والوطن ومستقبله كله. وانّ تجربة دول عربية سبقتنا الى هذه المنزلقات لا تزال قائمة على أرض الواقع أو لا تزال مآسيها ماثلة في الأذهان، انّ ذلك يجعلنا نخشى ونقلق خاصة انّ هناك مؤشرات تدق ناقوس الخطر وتنذر بأنّ التدخل الخارجي بات أمراً مظنوناً مؤكداً او ملموساً واقعاً. وعندما يكتمل إمساكه بالأمر سيكون لبنان في محلّ آخر وسيتحوّل الشعب اللبناني الى أدوات ومواد إشعال الحرائق بيد الأجنبي خدمة لمخططات دولية وسننتظر قرار الأجنبي في الحلّ توقيتاً ومضموناً وهذا ما نراه اليوم في أكثر من دولة عربية ولذلك كان مشروعاً السؤال هل انّ لبنان التحق بما أسموه زوراً «الربيع العربي» الذي هو حقيقة حريق لبلاد العرب، ثم السؤال عن أيّ نموذج سيطبّق فيه من نماذج تلك الحرائق العربية من تونس الى العراق مروراً بليبيا ومصر واليمن والبحرين وسورية؟ ام سيكون حالة خاصة؟ ان من حقنا ان نسأل وان نقلق وان نحذر.

لكلّ ذلك فإنّ السعي الى الحلّ بات عملاً وطنياً ضرورياً لا يتقدّمه عمل، وبات الإسراع اليه أمراً ملحاً يوجب مقاربته بأقصى درجات الجدية، وهنا نرى انّ الحلّ المنشود يجب ان يستجيب لقواعد ومبادئ يفرضها المنطق السليم أهمّها التزام مبدأ انّ «من أفسد لعقود لا يمكن ان توكل إليه مهمة الإصلاح»، وانّ «من نهب المال العام لا يمكن ان يراهن على شهامته لإعادته»، وانّ «الإصلاح لا يمكن ان يتمّ وتستقرّ الأمور في ظلّ استمرار النظام او القوانين التي سمحت به»، إذ يجب ان يكون الإصلاح في ظلّ نظام وطني وعلى يد رجال يتولون السلطة يوحون بالثقة ولهذا نقترح… ومع قناعتنا المطلقة بأنّ الطرف الخارجي المحرك لما يجري لن يوقف تحركه ولن يقبل بتمرير الحلّ مهما كانت صيغته وسيقول دائماً «غير كاف» ويتدرّج الى هدف جديد لأنّ المطلوب من قبله الفوضى المتواصلة وشلّ البلاد ولمدة طويلة ومع ذلك ومن أجل سحب الذرائع، نقترح العمل تدرّجاً بما يلي:

أ ـ المرحلة الأولى اختبارية وتكون عبر المؤسسات القائمة بعد ترميم الحكومة وتعديلها والإسراع في تنفيذ الورقة الإصلاحية في المهل المحدّدة واتخاذ مهلة شهر من الآن مهلة لاختبار الجدية في التنفيذ الذي لا يبدو محلّ ثقة الجمهور وهو ما دفع حزب الله للتهديد بموقف حاسم حازم حيال المماطلة.

ب ـ المرحلة لثانية جذرية وتعتبر الحلّ الحقيقي الناجع وتعتمد فور التأكد من عرقلة الصيغة الأولى وتشمل:

1 ـ استقالة الحكومة الحاضرة بعد الاتفاق على تشكيل حكومة انتقالية متوسطة يمنع وجودها أيّ فراغ في السلطة ويسدّ الأبواب أمام الفوضى.

2 ـ تفويض مجلس النواب صلاحياته التشريعية للحكومة الانتقالية في مواضيع محدّدة أهمّها قانون انتخاب وطني جديد، وقوانين المساءلة ومحاربة الفساد، واستعادة المال المنهوب وكافة القوانين الضريبية والمالية وكلّ ما نصّ عليه من قوانين في الورقة الإصلاحية.

3 ـ تصدر الحكومة الانتقالية كافة ما يوكل إليها أمره من قوانين في مهلة أقصاها آخر السنة الجارية وتستعين لذلك بخبراء وسياسيين واختصاصين مناسبين.

4 ـ بعد صدور القوانيين تلك يحلّ مجلس النواب ويُصار إلى انتخابات نيابية خارج القيد الطائفي ويشكل مجلس الشيوخ والهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية.

5 ـ تشكل بعد الانتخابات حكومة سياسية من الأكثرية النيابية وتتابع تطبيق القوانيين في سياق الإصلاح والمحاسبة.

انّ الإسراع في الحلّ هو في مصلحة الجميع إلا الخارج وعملائه، لأنه يختصر معاناة اللبنانيين، ويمنع تفشي أمراض اجتماعية ترافق عادة الحراكات الشعبية، كما يحول دون تدهور الوضع المالي والاقتصادي في لبنان، أما التسويف والمماطلة وعدم الاكتراث فإنها ستعقد الموضوع وترفع كلفة الحلّ وتفسح المجال أمام تدخل أكثر من يد أجنبية بدأت نذرها في الأفق وبدأ الحديث عن الفصل السابع وقرارات أخطر من القرار 1559، ولنتذكر انّ همّ أعداء لبنان هو إحداث فوضى تربك المقاومة وتقيّدها و…و… ورغم قوة المقاومة وصلابتها وقدرتها الأكيدة على حماية نفسها والدفاع عن سلاحها وعن لبنان، فإنها ليست مضطرة لبذل شيء مما لديها من أجل حماية نفسها وبيئتها وووطنها من خطر يمكن دفعه بسبل أهون…

أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

Related Videos

Related Artiles

تركيا وتكرار الأخطاء العدوانية في سورية!

أكتوبر 8, 2019

العميد د. امين محمد حطيط

قادت تركيا في الايام الأولى للحرب الكونية العدوان على سورية ميدانياً تحت توجيه واشراف مباشر من اميركا وظنت أنها ستسقط سورية في غضون شهرين او ثلاثة على الأكثر. لكن الميدان السوري سفه الأحلام التركية وحقق من الإنجازات العسكرية الميدانية ما فرض على أردوغان أن يُخفض من سقف أحلامه في سورية الى الحد الذي حصرها مؤخراً بإقامة منطقة نفوذ تركي يسميها منطقة آمنة يسكن فيها 4 ملايين سوري من المؤيدين له وفقاً لظنّه ما يمكنه من امتلاك قدرة التأثير والمشاركة في النظام السياسي في دمشق بعد مراجعة الدستور الذي ستراجعه اللجنة الدستورية التي شكلت مؤخراً. لكن طموح أردوغان الأخير يصطدم بأربع عقبات تتفاوت في تأثيرها وتعرقل تحقيق أهدافه حيث انه يواجه:

أولاً: وقبل أي شيء الرفض السوري لأي فعل او تدبير يمس بوحدة الأراضي السورية وبالسيادة السورية، ويعلم أردوغان ان هذا الرفض سيترجم فعلاً ميدانياً عندما تقضي الحاجة ويحل أوان المواجهة وفقاً لجدول الأولويات السورية في إطار الحرب الدفاعية التي تنفذها سورية بنجاح مع حلفائها في محور المقاومة وروسيا.

ثانياً: رفض منظومة استانة التي تجمع تركيا الى روسيا وإيران والتي تعمل تحت عنوان وحدة سورية وسيادتها وقرارها المستقل وهي ترفض أي دور للإرهاب والإرهابيين في صياغة مستقبل سورية، كما ورفض أي وجود أجنبي على الأراضي السورية دون قبول وموافقة من الحكومة السورية ولا يخفف من هذا الرفض ادعاء أردوغان أن عمله سيكون خدمة لوحدة الأراضي السورية.

ثالثاً: الصعوبات الميدانية الناجمة عن رفض الاكراد الحالمين بكيان انفصالي في الشمال السوري واستعدادهم للقتال لمنع تركيا من السيطرة على معظم المنطقة التي يحلمون بأن تكون دويلة لهم. ورغم ان هذا الامر الرفض الكردي ليس أمراً حاسماً يمنع تحقيق الاتراك من هدفهم الا انه يجعل من العملية التركية عملية صعبة محفوفة بالمخاطر وغير مضمونة النتائج خاصة إذا كان من شأن العرقلة الكردية ان تطيل التنفيذ وتوقع الخسائر في صفوف الأتراك وتفرض تدخل أيادي خارجية فيها.

رابعاً: المراوغة الأميركية والتحفظ الأوروبي. فأميركا التي تنشر بضعة آلاف من جنودها في المنطقة وتقيم قواعد عسكرية فيها برية وجوية تأمل بأن تبقي الأكراد في قبضتها للسيطرة على الثروة النفطية السورية ولمنع العودة الى سورية الموحدة وتمنع الحل السياسي لا بل وتعمل لإطالة امد الصراع وفقاً لاستراتيجيتها المعلنة، ولذلك قد لا توافق اميركا في العمق على المطلب التركي بإقامة منطقة آمنة بعمق 40 كلم وبجبهة 260 كلم، لكنها لا تبدي الرفض القاطع للعملية بحيث يغضب تركيا، اما الاتحاد الأوروبي فقد كان صريحاً بتحفظه لا بل تحذيره من هذه العملية.

وبمقتضى هذه الرمادية أو الزئبقية دخلت اميركا مع تركيا في اتفاق إنشاء المنطقة الآمنة. واعتمدت في نص الاتفاق عبارات ملتبسة مكنتها من تهدئة تركيا في غرفة التفاوض والصياغة ثم تراجعت أثناء التنفيذ الى الحد الذي أفرغ الاتفاق من محتواه وكانت الدوريات المشتركة التركية الأميركية في سورية مثيرة للسخرية من الناحية العملانية والميدانية الى الحد الذي أفهم أردوغان بان الاتفاق لن ينتج منطقة أمنية كما يحلم.

هذه الخلاصة وضعت أردوغان في مأزق، تفاقم نتيجة أمرين آخرين: الأول داخلي ويتصل بالوضع في حزبه حزب العدالة والتنمية وما يعانيه من تشرذم وانشطار وتراجع في الشعبية الى حد تلقي الصفعات القاسية في الانتخابات البلدية الأخيرة والتي كانت بلدية إسطنبول أوجعها له، والثاني خارجي يتصل بمنظومة استانة والتزامات أردوغان حيالها في ادلب وموجباته بمقتضى مقررات سوتشي واستانة ذات الصلة بقواعد خفض التصعيد وتفكيك الجماعات الإرهابية وعلى رأسها جبهة النصرة.

لكل ذلك رأى أردوغان ان اللجوء الى العمل العسكري من جانب واحد في شمال شرقي سورية سيعزز موقعه في الداخل ويظهر قوته ومصداقيته وحرصه على معالجة الاخطار الاستراتيجية عند الحدود الجنوبية، كما ويعزز موقعه في اطار منظومة استانة التي سيبرر امامها عدم تنفيذ التزاماته في إدلب بانشغاله في شرقي الفرات لمعالجة الحالة الانفصالية الكردية وفي هذا خدمة لأهداف المنظومة المتمثلة بالمحافظة على وحدة الأراضي السورية، وهو ما يكسبه أوراقاً تلزمه في المسألة السورية ويقربه من الحد او الصورة الأخيرة من أهدافه فيها كما تقدم، لكل ذلك اعلن أردوغان أنه قرر انشاء المنطقة الأمنية منفرداً، وأنه لن ينتظر اميركا وانه لن يتوقف عند الصعوبات الميدانية التي قد ينتجها الأكراد ولم يشر الى الموقف السوري الإيراني الرافض لأي عمل عسكري على الأراضي السورية دون موافقة الحكومة السورية.

و في المقابل حذرت قسد من انها ستخوض حرباً شاملة على الحدود مع تركيا اذا نفذت الأخيرة تهديدها. ويبدو ان قسد كانت مطمئنة للموقف الأميركي حيالها، لكنها صدمت بقرار أقدمت عليه اميركا وبدون إبلاغها دون إبلاغ قسد تمثل بسحب نقاط المراقبة الأميركية الحدودية بين سورية وتركيا في تل أبيض وراس العين، في تدبير أوحى لتركيا بأنها لن تصطدم بمواجهة أميركية في حال تحركت ميدانياً، وأوحى لقسد ان اميركا تخلي الميدان لتسهيل حركة القوات التركية وان القوات الأميركية لم تف بالتزاماتها حيال «قسد» وسحبت وحداتها من المناطق الحدودية مع تركيا « ما اشعر «قسد» بالخيبة والشعور بأن تخلي اميركا عنها يقترب، خاصة بعد أن أبلغت اميركا قسد بأنها لن تقوم بالدفاع عنها وانها لن تقاتل الجيش التركي لا بل انها ستنسحب من كامل الحدود مع تركيا الى الداخل ما وضع قسد في موضع صعب وأشعرها بأن اميركا طعنتها في الظهر على حد قول قيادتها، فهل هذا صحيح؟

في البدء، لا بد من التذكير بان اميركا معتادة على التخلي عن أدواتها، وكان خطأ جسيماً ارتكبه الاكراد عندما ظنوا بان اميركا قد تفضلهم على تركيا عند تنازع المصالح، وان أردوغان ما كان ليقدم على عملية عسكرية في منطقة ينتشر فيها الاميركيون دون ان يضمن الموافقة الأميركية. وها هو يزعم بعد اتصال مع ترامب بأن «اميركا لا تمانع عملاً عسكرياً تركياً ضد المقاتلين الاكراد»، لكن رغم كل ذلك فاني لا أعتقد أن اميركا انقلبت على استراتيجيتها في سورية رأساً على عقب وتخلت دفعة واحدة عن الورقة الكردية وأنها بصدد تسليم منطقة شرقي الفرات كلياً الى تركيا، فالأكراد لا زالوا يوفرون لأميركا غطاء ومصلحة تفرض بقاءها معهم بقدر محدد ولفترة تلزمها لترتيب وضعها المؤقت في سورية من دون ان تتضرر علاقتها بتركيا خلال تلك لفترة.

اما الأساس في مواجهة الخطة التركية فهو موقف سورية التي هي ومحور المقاومة وروسيا ليسوا في موقع القبول بعمل عسكري تركي منفرد دون تنسيق مع دمشق. عمل من شأنه ان يقيم سيطرة عسكرية تركية على ارض سورية بمساحة تعادل تقريباً مساحة لبنان، لا بل إن سورية وإيران وروسيا جميعا ينتظرون من تركيا تنفيذ التزاماتها في إدلب وفق مخرجات سوتشي واستانة وهي التزامات لا يتقدم عليها شيء وأن إشغال تركيا نفسها بما لم تكلّف به ليس من شانه ان يحجب تلك الالتزامات، بل ستجد تركيا ان الجيش العربي السوري سيتابع عمله العسكري ويسحب من يدها ورقة إدلب كما فعل في خان شيخون وتكون تركيا قد خسرت ورقة إدلب ولم تربح ورقة شرقي الفرات بشكل مستقر.

لكل ذلك نرى أن العملية العسكرية التي تتحضر لها تركيا شمالي الفرات ستكون من طبيعة العمليات المبتورة العقيمة التي لن تحقق أهدافها، وبالتالي لن تنتج الاثر السياسي الذي تعول تركيا عليه ولن تعالج مأزق أردوغان لا بل انها ستفاقمه لما ستتسبب به من خسائر عسكرية وفي صفوف المدنيين كما حذرت الأمم المتحدة، فضلا عن التداعيات السياسية الخارجية خاصة مع إيران وسورية. وعلى أردوغان ان يعلم ان الطريق الصحيح لتحقيق مصالح تركيا وجيرانها لا يكون بعدوان إضافي على سورية، بل يتمثل بالعمل المشترك مع مظلة استانة الثلاثية وتنفيذ القرارات المتعلقة بإدلب أولاً ثم التوجه لمعالجة الحالة الانفصالية شرقي الفرات. وكل سلوك تركي خارج هذا السياق سيكون خطاً وهدراً للوقت وللجهد ومنتجاً لفشل جديد يلحق بلائحة العمليات التركية الفاشلة منذ9 سنوات.

أستاذ جامعي وباحث استراتيجي.

Related Videos

Related News

عملية «نصر من الله» اليمنية والسقوط السعوديّ الفضائحيّ والتداعيات

أكتوبر 1, 2019

العميد د. أمين محمد حطيط

في معرض دفاعها عن اليمن قامت القوى اليمنية المشكلة من الجيش واللجان الشعبية بعملية عسكرية نوعية تكاد تكون من الوجهة العسكرية الميدانية الأضخم والأهم مما نفذ ضد قوات العدوان الذي تقوده السعودية ضد اليمن وتنفذه في إطار تحالف شكلته من قوى عربية بقصد وضع اليد على اليمن. وجاءت العملية بحجم وضخامة وعمق يتعدّى كل ما سبقها من عمليات ويفوق من حيث الأهمية العسكرية والقتالية عملية المسيَّرات اليمنية التي استهدفت أرامكو – بقيق منذ أسبوعين العملية التي شكلت يومها زلزالاً ضرب السعودية ومعسكر العدوان.

نفذت العملية التي وسمت باسم نصر من الله على مراحل بدأت الأولى منها في 25 أب /أغسطس 2019 الفائت وأدت إلى تحرير 350 كلم2 من أرض اليمن وسيطرة قوى اليمن الوطنية على 3 ألوية قتالية من قوى العدوان السعودي وتسبّبت في قتل وجرح 500 عسكري، منهم 200 قتلوا بنيران سلاح الجو التابع لتحالف العدوان كما وأسر 2000 عسكري ونيّف وتبين أن ألوية العدوان الساقطة بيد أهل اليمن مشكلة بنظام الاختلاط بالجنسيّات، حيث ينضوي فيها سعوديون تسند إليهم مراكز القيادة والسيطرة والمهام الدقيقة والحساسة ويقودون يمنيين مخدوعين ومضللين مع جنسيات أخرى التحق أفرادها تحت عنوان المرتزقة الذين جاؤوا من أجل المال الذي تغدقه السعودية تنفيذاً لخططها العدوانية على اليمن أي أن تشكيل الألوية الساقطة كان من يمني خُدع وأجنبي يرتزق وسعودي يأمر التشكيل من غير قناعة بالمهمة او إرادة قتال. وأبشع ما لوحظ في تشكيل تلك الألوية هو تجنيد الأطفال اليمنيين الذي لم يبلغوا الحلم ولم يدركوا الرشد بل سيقوا إلى حتفهم بقرار سعودي مجرم.

أما مسرح العملية الدفاعية تلك فقد كان على أرض يمنية في الشمال اختارتها قوى العدوان السعودي للتحشد والتجميع وتنظيم القوة المناسبة من أجل تنفيذ هجوم كاسح على الشمال اليمني عامة وعلى صعدة خاصة. ولصعدة كما يعلم الجميع خصوصية نظراً لأنها موطن ومنطقة أنصار الله الحوثيين. وابتغت السعودية من خطتها الهجومية أن تحتل صعدة بعد ان نفذت عليها خلال السنوات الخمس الماضية مئات الغارات الجوية ودمّرت بناءها وكادت أن تعطل الحياة فيها.

لكن أنصار الله الحوثيين الذي يمسكون بالأرض ويعملون في الدفاع وفقاً لخطة استراتيجية متماسكة مبنية على استطلاع واستعلام ومراقبة دقيقة للميدان، فقد وقفوا على النيات السعودية ونفذوا أكبر عملية استدراج استراتيجي في إطار الدفاع المتحرك، واستغلوا طبيعة الأرض الجبلية لمسرح العمليات وما تفرضه على القوى المتحركة فيها من ممرات إجبارية وتحديد محاور التقدّم، وقاموا بنشر جهاز دفاعي لاحتواء القوى المعدّة للهجوم، جهاز اختيرت عناصره من قوى يمنية متمرسة وذات إرادة قتالية فولاذيّة تحرّكها نفوس وقلوب ممتلئة بالعنفوان والشجاعة، ما جعل قوة العدوان السعودي التي وصلت في حجمها إلى 3 ألوية مشاة ومؤللة جعلها تسقط في قبضة رجال اليمن الأشداء الذين انزلوا بالعدوان كارثة عسكرية ميدانية عملانية واستراتيجية فريدة من نوعها تكاد تكون غير مسبوقة في التاريخ العسكري.

ومن جهة أخرى لا بدّ من الإشارة إلى أن وقائع العملية وأحداثها جرت بموازاة العمليّة الهجومية اليمنية الكبرى التي استهدفت أرامكو بقيق في السعودية العملية التي أدّت إلى تدمير جزء كبير من قاعدة النفط السعودية ما أدى إلى خفض إنتاجها من البترول بنسبة النصف تقريباً. وهي العملية التي جهدت السعودية وأميركا في السعي لإلقاء التبعة والمسؤولية فيها على إيران، اتهام توخّت منه قوى العدوان حجب انتصار اليمن والتعتيم على المستوى العسكري والقتالي الذي بلغته القوة المتصاعدة للجيش واللجان الشعبية اليمنية، ثم تهديد إيران لمنعها من الاستمرار في تقديم الدعم لليمن لمواجهة العدوان عليها.

وبقراءة تحليلية للعملية يمكن القول بأنها بمثابة الكارثة التي نزلت بالعدوان السعودي وتؤكد على ما يلي:

امتلاك اليمن بجيشه واللجان الشعبية إمكانات عسكرية عالية فاعلة، ما يمكنها من خوض المعارك الكبرى وتأمين مستلزمات النجاح فيها بدءاً من جمع المعلومات وتحليلها ووضع الخطط العسكرية التنفيذية الملائمة وتنفيذها بشجاعة واقتدار مؤكد، وإذا أجريت مقارنة تلك القدرات مع قدرات قوى العدوان لظهر التفاوت واضحاً لصالح اليمن رغم ما تملك قوى العدوان من أسلحة متطورة.

وهن قوى العدوان بقيادة سعودية. وترهّل بنيوي وضعف عضوي في تشكيلاتها وانعدام معنوياتها، حتى وصل الوضع إلى مستوى الفضيحة واجتمع عندها الانهيار الإدراكي مع الانهيار الميداني، وليس سهلاً أن يتقبل المراقب العسكري صورة الاستسلام الجماعي كما أظهرته الصور الموثقة وانهيار 3 ألوية قتال وأسر 2000 من عناصرها وسوقهم في الجبال كالقطيع، بعد أن غنمت القوى اليمنية منها الكثير من السلاح والآليات.

تكامل الأداء اليمني في نجران مع الأداء اليمني في بقيق وتناسق العمل الدفاعي المتحرّك مع العمل الهجومي البعيد المدى في العمق ليرسم للجيش واللجان الشعبية اليمنية صورة عسكرية فيها القوة المتناسقة المتكاملة من نار وحركة ذات الاقتدار العملاني الذي يمكن أصحابه من مواجهة أي ظرف في الميدان بثقة واقتدار في الهجوم والدفاع على السواء رغم السيطرة الجويّة للعدو.

تشكل تحوّل استراتيجي هام في الصراع على اليمن انتقل فيه الجيش واللجان الشعبية اليمنية من حالة الدفاع المحدود والقتال بالجماعات الصغيرة للإزعاج والتي تنفذ عبر الإغارات والكمائن الصغيرة والدفاع عن مراكز نقطية، إلى وضع الجيش القادر على الدفاع بالتشكيلات الكبرى بشكل مناطقي مساحي، أو الهجوم بالتشكيلات العسكرية العاملة بمبادئ التساند المتبادل بين الأسلحة والقادرة على مهاجمة تشكيلات بحجم لواء وفرقة ما يفتح الطريق أمام اليمن لتنفيذ عمليات كبرى وتحرير اليمن من الجيوش الأجنبيّة.

حجب ادعاءات العدوان وتخطّي مقولة مسؤولية إيران عن عملية بقيق وتهديدها بالحرب، فما حصل في نجران يفوق من الوجهة العسكرية العملانية بأهميته عملية بقيق رغم ما كان للأخيرة من مفاعيل وتداعيات استراتيجية بالغة الأهمية. وبالتالي ستؤدي عملية نصر من الله إلى طي صفحة بقيق من حيث المسؤولية، لأن مَن نفّذ عملية نصر من الله قادر بالتأكيد على تنفيذ عملية بقيق.

تأكيد مبدأ أن الإرادة والمعنويات هي مرتكز الجيوش والضروري للنجاح وأن السلاح لا يصنع جيشاً إذا لم تكن لدى عناصره القناعة والإرادة، وبالتالي تأكد مرة أخرى ان السعودية لديها بشر وسلاح وآليات ولكن ليس لديها جيش في مواجهة اليمن الذي ليس لديه السلاح الكثيف والمتطور ولكن لديه الإرادة والمعنويات وبها صنع الجيش الذي يحارب وينتصر في الهجوم والدفاع.

أما المفاعيل والتداعيات المنطقيّة لكل ما تقدّم فإننا نراها في:

السقوط النهائي الكلي لأي ظن أو فكرة بأن بإمكان السعودية أن تنتصر أو بإمكانها المحافظة على ما بيدها اليوم في اليمن ولا مخرج للسعودية من اليمن عبر القتال بل وحده الاعتراف بالواقع والإقرار بالهزيمة والعمل بالحل السياسي هو وحده يشكل لها حبل النجاة من أتون اليمن.

ظهور الحقيقة المرّة أمام المخدوعين من أهل اليمن وافتضاح أمر السعودية التي تستعملهم حتى ولو كانوا أطفالاً ثم تقتلهم إن لم يحققوا لها أحلامها وهو ما من شأنه أن يوقظ البعض ويجعلهم يتركون صفوف العدوان ويعودون إلى أهلهم في اليمن.

ارتفاع منسوب الثقة بالنفس والمعنويات لدى القوى الوطنية اليمنية التي دافعت عن اليمن طيلة السنوات الخمس والإحساس الصادق باقتراب يوم النصر الأكيد.

إنتاج بيئة مناسبة للمبعوث الدولي إلى اليمن للتحرّك من أجل إنهاء العدوان على اليمن بعد الصفعتين القويتين اللتين تلقتهما السعودية في بقيق ونجران مع وقف تدخل رعاة السعودية في عدوانها.

فهل يسود العقل والمنطق؟ أم تستمر السعودية في تعنتها وغيها والاستجابة لشهوات عقيمة تفاقم خسائرها وإذلالها في اليمن؟

أستاذ جامعي وباحـث استراتيجــي لبنان.

Related Videos

Related News

تداعيات ما بعد عملية أرامكو – بقيق: سقوط الأوهام وانقلاب المشهد

سبتمبر 24, 2019

العميـد د. أمين محمد حطيط

قبل يوم 25 آب/ أغسطس الماضي كانت نظرة جميع أهل الاختصاص والباحثين الاستراتيجيين في المنطقة قائمة على أساس أن منطقة الشرق الأوسط بما تحتوي على أهداف استراتيجية أساسيّة كبرى هي منطقة حيوية للغرب بقيادة أميركية وأن الغرب لا يمكن أن يقف مكتوف الأيدي أمام أي تهديد مهما كان مداه لأي هدف من تلك الأهداف مهما كان حجمه، وان رد الغرب قد يكون حرباً تدميرية ضد أي طرف يشكل هذا التهديد. وهذا بالفعل ما حصل لصدام حسين عندما اجتاح الكويت وهدّد جزئياً أحد الأهداف الاستراتيجية للغرب المتمثل بنفط الكويت والهيمنة الغربية عليه.

وكان الغرب ويظن انه لا زال يعتبر منطقة الشرق الأوسط قلب العالم الذي يحتوي على معظم الاحتياط النفطي العالمي، وعلى الممرات المائية الرئيسية الضرورية لتجارة العالم، وفيه القاعدة الغربية الأساسية إسرائيل ، ولأجل ذلك نشر الغرب عامة واميركا خاصة القواعد العسكرية في المنطقة لتأمين فرض سيطرته عليها ومنع تشكل أي حالة تهدد أمن او مصير أي من الأهداف الاستراتيجية الكبرى الثلاثة السابقة الذكر نفط، ممرات، إسرائيل .

وبالمناسبة نقول إن أميركا وحدها نشرت في المنطقة 65000 جندياً بشكل دائم وتتحضر لتشكيل تحالف دولي لمعالجة أي تهديد او خطر يحدق بالأهداف الاستراتيجية تلك، وصولاً الى الاستعداد لحشد قوى عسكرية مركبة برية وجوية وبحرية قد تصل الى 400 ألف جندي وضابط كما فعلت في مرات سابقة في العقود الثلاثة الماضية. وقد أقامت أميركا لأجل انتشار جنودها في المنطقة 54 قاعدة عسكرية، دعمتها بأساطيل ثلاثة هي الخامس والسادس والسابع.

هذه القوة الدائمة معطوفة على إمكانية تعزيزها على الدوام بقوات إضافية فاعلة، أقنعت دول الخليج وغيرها من دول المعسكر الأميركي بأنها تنعم بالحماية الأميركية وأن لها أن تطمئن الى وجودها ومستقبلها في مواجهة أي تهديد داخلي او خارجي. وهي ومن اجل الاستفادة من هذه الحماية والدفاع عن أنظمتها في وجه شعوبها ووجه أي كان في المنطقة او خارجها ليست بحاجة لبناء الجيوش الفعلية، بل هي ملزمة بدفع المال للغرب تحت عنوان شراء الأسلحة وتأمين الرعاية واستمرار التبعية والهيمنة الأميركية عليها. وكانت أنظمة الخليج مطمئنة كلياً أن مالها المدفوع للغرب عامة ولأميركا خاصة سيؤمن لها الحماية المطلقة والتامة بوجه أي كان.

بالقوة تلك تمكنت أميركا أن تمتلك السيطرة على المنطقة وأن تؤمن لنفسها الهيمنة الدائمة واستجرار الثروة والمال وارتكازاً على تلك القوة بوجهيها المادي – التشكيلات العسكرية المختلفة – والمعنوي الناشئ عن الهيبة العسكرية المقرونة بالقوة السياسية والدبلوماسية، أخضعت اميركا قوى المنطقة دولاً وكيانات غير رسمية لقرارها وبات الموظف في السفارة الأميركية في أي دولة من تلك لدول هو الحاكم الفعلي لها.

لكن هذا الوضع بدأ يهتز مع ظهور مقاومة رافضة له، حيث نشب صراع بين دعاة الاستعمار وإقامة الشرق الاوسط المستعمر أميركياً من جهة، وبين الطامحين الى إقامة شرق أوسط لأهله متعاون مع دول العالم في حدود الاحترام المتبادل الذي يحفظ الاستقلال والسيادة الوطنية والشعبية لشعوب وكيانات المنطقة من جهة اخرى.

وفي خضم هذا الصراع اندلعت حروب ومواجهات عميقة خلال العقود الماضية، إلى أن كانت الحرب بـ القوة البديلة التي أضرمت نارها في المنطقة تحت عنوان الربيع العربي ، حرب ابتغى من شنها المعسكر الأميركي ضرب المقاومة الرافضة لاستعمار الغرب، وتفكيك المحور او الجبهة المقاومة التي راحت بعد العام 2000 تتوسّع وتشمل كيانات وفئات شعبية واسعة تنتشر على كامل جغرافيا الشرق الاوسط.

لقد ظن أصحاب المشروع الاستعماري أن حربهم بالقوى البديلة ذات الطبيعة الإرهابية الإجرامية، ستمكنهم من تدمير المنطقة وتجويع أهلها ومن ثم إخضاعها بعد إعادتها عشرات العقود الى الوراء ما سيشغل أهلها عن التفكير بالحرية والاستقلال لأن همهم سيكون مرتكزاً على لقمة العيش قبل كل شيء. ومن أجل ضمان النجاح في ذلك أقرنت الحرب الإرهابية الإجرامية النارية في الميدان بحرب إرهابية اقتصادية قادتها الولايات المتحدة بشكل غير مسبوق في التاريخ ونفذتها مطمئنة الى ان التناغم بين الحربين النار والاقتصاد سيوفر لها ما تبتغيه من استمرار السيطرة وسقوط المقاومة وتفكيك جبهتها ومحاورها.

لكن نتائج المواجهة لم تكن كما تشتهي اميركا ومعسكرها، بل افضت الحرب الإرهابية والعدوانية في الأسابيع الأخيرة الى خيبة للآمال الأميركية وأسقطت الأوهام الخليجية وشكلت فضيحة لكامل معسكر العدوان الأميركي بعد أن ارتسم من اليمن والسعودية وإيران فسورية ولبنان مشهد يؤكد:

– العجز عن إسقاط سورية، وتمكن الحكومة السورية من المحافظة على وجودها وعلى الكيان السياسي للدولة، ثم نجاحها في استعادة معظم ما كانت فقدت السيطرة عليه، ثم ترسيخ فكرة استحالة وصول معسكر العدوان عليها استحالة تحقيقه أي من اهداف العدوان عليها.

– تقييد إسرائيل بمعادلة ردع استراتيجي صارمة، وإلزامها باحترام قواعد الاشتباك التي تحمي لبنان ومقاومته وتعزيز تلك القواعد بقاعدة إضافية تتصل بالحماية الجوية.

– عجز السعودية وكامل معسكر العدوان على اليمن والمتشكل تحت وسم التحالف العربي ، عجزهم عن تحقيق أهداف العدوان ثم اضطرار هذا المعسكر وخاصة السعودية الى التحول الى الدفاع في مواطن بالغة الأهمية ولم تكن ضربة أرامكو – بقيق بمسيرات وأسلحة يمنية الا بداية لعهد جديد لم يظهر منه بعد أكثر من رأس جبل الجليد.

– العجز عن شنّ حرب على إيران ـ وعدم القدرة على تكرار ما حصل سابقاً على يد اميركا في كل من افغانستان والعراق وليبيا، وظهور إيران بمظهر ذات القوة المنيعة الجانب القادرة بذاتها ومع حلفائها على توجيه أبلغ الصفعات لمعسكر العدوان. ومن المهم هنا التذكير بالقواعد العسكرية الـ 54 الأميركية المنتشرة في الشرق الأوسط حيث تحول من فيها من الجنود الـ 65000 من قوة لفرض السيطرة على المنطقة والحاقها بالقرار الأميركي، الى رهائن تحت قبضة النار الإيرانية والمقاومة، وإن مجرد التفكير الأميركي بسلامة هؤلاء يحمل أميركا وحلفاءها على الاحجام عن شن حرب، والانتقال من حال القوة القادرة على تنفيذ الإرادة الأميركية الى حال القوة العاجزة عن إنفاذ مشيئة اميركا واتباعها في الخليج. وهنا كانت الخيبة السعودية فبعد الظن بأن أميركا ستعمل شرطياً في الخليج لصالحهم لمسوا أن اعتقادهم وهم أكيد.

وأكد الرئيس الفرنسي ماكرون منذ ثلاثة اسابيع على هذا بعبارة جاء فيها يجب ان يقر الغرب بأن عهد هيمنته على الشرق بدأ بالأفول . كما أعلنت أميركا بعد ضربة بقيق من أن على السعودية ان تحمي نفسها وان اميركا تقدم لها الدعم فقط و لن يكون الجيش الأميركي جيش مرتزقة يحارب من اجل السعودية .

هذا المشهد يؤكد، بان الحرب والقوة التي يتكئ عليها الغرب للسيطرة على المنطقة استنفدت وظيفتها ولم تعد في الوضع الذي يحقق فيه الغرب أهدافه. اما الحرب الاقتصادية فقد بدأت تعطي نتائج عكسية، حيث بدا الباحثون والخبراء يتحدثون بثقة عن تراجع الدولار او انهياره وقرب أفوله. يحدث ذلك بعد ان صمدت الدول والكيانات التي استهدفتها تلك الحرب، ثم بعد ان بدأت تتحول الى نظام مالي وتجاري واقتصادي بديل، ما يؤشر الى بدا بانهيار إمبراطورية اميركا المالية.

و بالمحصلة نؤكد بأن فشل الحربين الإرهابية القتالية والاقتصادية او عجزهما على الأقل عن حماية السيطرة الأجنبية، لن يكون في تداعياته محصوراً في مكان او محل او إقليم، بل إن هذا الفشل سيتوسّع بتداعياته لينسحب على العلاقات الدولية برمتها. وسيجد الباحثون كم كان ماكرون دقيقاً وصائباً عندما نعى الهيمنة الغربية على الشرق الأوسط وأن الطموح الأميركي ببناء شرق اوسط أميركي بات حلماً مستحيلاً حيث يتقدم مشروع شرق أوسط لأهله ما يفرض على أمم الشرق الأوسط الرئيسية الثلاث العرب والترك والفرس الدخول في حوار جدي لإقامة هذا الشرق المتحرر المستقل وسيد نفسه.

أستاذ جامعي وباحث استراتيجي

Related Videos

Related Articles

قرارات أستانة 13: هل تنفذ وتلتزم تركيا بها

أغسطس 6, 2019

العميد د. أمين محمد حطيط

في صيف العام الماضي وفي غمرة التحضيرات العسكرية السورية الجادّة لإطلاق عملية تحرير إدلب التي باتت إحدى المنطقتين المتبقيتين خارج سلطة الحكومة السورية الشرعية، في تلك الأثناء وخشية ان تنفذ العملية مع ما كان سيصاحبها أو يترتب عليها من تداعيات، سارع الرئيس التركي أردوغان إلى روسيا وعقد مع رئيسها بوتين اتفاقاً حول إدلب اسمي اتفاق سوتشي الذي اعتمد في 17 أيلول 2018، وقبلت به الحكومة السورية لأنها رأت فيه فرصة لتحرير إدلب على مراحل مع خفض الخسائر والتضحيات إلى الحدّ الأدنى، ومع سدّ باب الذرائع للتدخل الأجنبي، إضافة إلى كونه يعطي سورية وقتاً إضافياً لإنجاز مستلزمات التحرير بالوسائل العسكرية إذا اقتضى الأمر ذلك.

لكن تركيا وكعادتها، تملّصت من التنفيذ الصادق وراوغت وأعطت الفرص للإرهابيين لتنظيم أوضاعهم والبقاء في مواقع تعقد العملية العسكرية السورية في حال انطلقت وترفع مستوى الكلفة لها إذا نفذت، فاستفاد الإرهابيون من السلوك التركي ودخلوا في حرب استنزاف ضدّ الجيش السوري أدّت إلى خسائر في صفوفه، كما أنها أدّت إلى توسّع سيطرة الإرهابيين إلى بعض المناطق المحيطة بإدلب باتجاه ريفي حلب وحماة.

وعلى صعيد السلوك التركي الآخر واتصالاً بالمشروع الاستراتيجي التركي في سورية، استفادت تركيا من الاتفاق وعدم تنفيذه حيث أنها كسبت بعضاً من وقت للعمل في خطة تتريك المناطق التي تسيطر عليها في الشمال الغربي السوري لضمّها تدريجياً إليها وكانت وقاحتها العدوانية فاضحة عندما اتجهت إلى فرض مناهجها التعليمية والتربوية على المدراس في المناطق التي تسيطر عليها مع فرض العملة التركية بالتعامل الاقتصادي ورفع الأعلام التركية ومنع رقع العلم السوري.

في مواجهة ذلك، قام الجيش العربي السوري بعملية احتواء وتأديب ميداني فأنزل بالإرهابيين الخسائر الفادحة وأجهض خطتهم لحرب الاستنزاف وانطلق في عمليات احترافية مدروسة لتهيئة البيئة العملانية لإطلاق معركة التحرير الكبرى لإدلب، العملية التي تقود إلى إسقاط المشروع التركي المنتهك لوحدة الأراضي السورية وإلى الإجهاز على الحالة الإرهابية في كامل المنطقة.

في ظلّ هذه الظروف والمشهد انعقدت أستانة 13 بحضور الثلاثي الراعي روسيا وإيران وتركيا والتحاق أطراف جديدة بصفة مراقب، وتمّت مناقشة الوضع في إدلب بشكل خاص والمسألة السورية بشكل عام، مناقشة أخذت في الاعتبار توازنات الميدان التي عززها الجيش السوري في الأيام التي سبقت أستانة بعملية تل ملح والجبين، وساهم الطيران الحربي السوري والروسي في توجيه الرسائل النارية القاسية للمعنيين في الشأن العدواني هناك، كما كان تصريح السفير الأميركي الأخير في سورية فورد وكلامه للإرهابيين ولتركيا معهم وبوضوح: لا تنتظروا شيئاً من واشنطن، فالولايات المتحدة غير مستعدّة للمُخاطرة بحربٍ عالميّة ثالثة ولن تتدخّل لوقف القصف السوري الروسي لمدينة إدلب».

ولأنّ أرجحية الميزان السياسي والميداني في أستانة كانت لصالح سورية، فقد خرج المجتمعون فيها بقرارات ومواقف وصفها رئيس الوفد السوري إلى أستانة الدكتور بشار الجعفري بأنها الأفضل من كلّ ما سبقها حيث أنها انتزعت من تركيا توقيعاً صريحاً وتعهّداً واضحاً باحترام وحدة الأراضي السورية يعني سقوط المشروع الخاص باقتطاع أرض سورية وتتركيها وبالتزام تركي بالعودة إلى اتفاق سوتشي وتنفيذه بصدق وأمانة يعني إقامة المنطقة العازلة المنزوعة من السلاح بتراجع الإرهابيين 20 كلم بعيداً عن خطوط التماس مع الجيش العربي السوري الذي يستمرّ متمسكاً بمواقعه كما ونزع السلاح الثقيل من يد الإرهابيين في المنطقة وإقامة نقاط مراقبة تركية وروسية لضبط وقف إطلاق النار . وإضافة إلى ذلك كان القبول بالموقف السوري حول اللجنة الدستورية والاستجابة له بعد إجراء بعض التعديلات التي لا تغيّر من جوهر امتلاك سورية النسبة الراجحة في اللجنة والأكثرية المطلقة فيها.

هذا النجاح السوري في أستانة 13 أدّى إلى اعتراض الإرهابيين عليه، كما كان محلّ تشكيك من قبل بعض الخبراء والمحللين المشككين بصدقية الالتزام التركي، وجدية تركيا في التنفيذ. ففي موقف فوري رفض المسؤول عن جبهة النصرة الإرهابية في إدلب الجولاني الاتفاق قائلاً لن نسحب جندياً واحداً أو قطعة سلاح واحدة من أيّ موضع، ولن نتموضع في مكان حسب رغبة الأعداء أو الأصدقاء العدو لم يستطع أن يحتلّ الـ 20 كم التي يتحدّث عنها بقوة السلاح، فكيف نعطيه إياها سلمياً». أما من الناحية الموضوعية، فإننا نعتبر وبدون شك انّ قرارات أستانة 13 تستجيب للمصلحة السورية الوطنية العليا، وانّ تركيا ما كانت لتقبل بها لو لم يكن هناك ظروف ميدانية وإقليمية ودولية ملائمة لتلك المصلحة الوطنية السورية ما جعل قبولها من تركيا بعد ان فرضت عليها أمراً لا مفرّ منه.

لكن تركيا في قرارة نفسها تعلم أنها بموافقتها على الجانب الميداني والتزامها بالتنفيذ الأمين له وبموافقتها على الجانب السياسي وقبولها باللجنة الدستورية كما انتهت الأمور اليه، تعلم أنها ستخرج من سورية ويسقط مشروعها الخاص فيها الذي من أجله خاضت هذه الحرب ضدّ سورية فهل ستقبل بصفة المهزوم وتخرج هكذا؟

في الإجابة نقول انّ تركيا اليوم في وضع استراتيجي وسياسي وأمنى غير مريح لها، وانّ عليها ان تختار بين المزيد من المجازفات والرهانات الخاسرة بما في ذلك الرهان الأمني الذي قد يخترق الهدف الاستدراجي المتصل بوحدة الأراضي التركية، وبين اعتماد سياسة الدفاع وحماية المصالح الاستراتيجية والأمنية المشروعة التي يعتبر أمرها ربحاً مشروعاً يحجب الخسائر الاستراتيجية المحتملة. ويكون من مصلحة تركيا اختيار السلوك الثاني لأنه مشروع ومضمون النتائج ويمكنها ان تفسّره لشعبها بانه ربح لا خسارة وإنْ لم يكن ربحاً بالمنظور الأوّلي للأرباح التي سعت اليها.

وعليه نرى انّ من مصلحة تركيا هذه المرة وقف المراوغة والتسويف، ومن مصلحتها التعامل بصدق مع روسيا وإيران لتنفيذ قرارات أستانة 13 والفراغ من مسألة إدلب للتفرّغ للملف الأخير شرقي الفرات، فهل تتعقلن تركيا هذه المرة؟ نتمنّى… لكننا حتى اللحظة نشكّ بذلك ونرى انّ الجيش العربي السوري بحاجة للاستمرار في التحضير لمعركة تحرير إدلب التي ستفرض عليه إذا تراجعت تركيا عن تعهّداتها.

أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

حلّوا خلافاتكم بتطبيق الدستور وإعمال المؤسسات الدستورية

حلّوا خلافاتكم بتطبيق الدستور وإعمال المؤسسات الدستورية

يوليو 30, 2019

العميد د. أمين محمد حطيط

ملفان أدخلا لبنان في حالة من الشلل في الحكم والاضطراب، وأخلّا بالاستقرار في العلاقات السياسية، وأثرا على الانتظام العام في عمل الدولة، وجعلا هذا الطرف يصرخ وذاك يحتجب وغيرهما يحجم عن ممارسة صلاحياته، والنتيجة كانت شلل في الدولة وتعطل لمصالح الناس، ولو احتكم المسؤولون اللبنانيون الى الدستور والقانون والمؤسسات المعتمدة بموجبهما لكان أمر الحلول لكلّ ما يتوالد من مشاكل سهلاً وسريعاً، وحتى لكانت معظم المشاكل بمنأى عن الظهور أصلاً.

ولكن للأسف نجد أنّ معظم المسؤولين يرون أنفسهم فوق الدستور وفوق القانون وفوق المؤسسة، لا بل الأسوأ من هذا يرون في الدستور والقانون والمؤسسة مطية لنزواتهم وقيوداً يستعملونها لتقييد سواهم، أما هم فلهم الحصانة المطلقة التي على أعتابها تتوقف الدساتير وتتعطل القوانين وتشلّ المؤسسات، انها حصانتهم الطائفية التي هي فوق كلّ الحصانات وغرائزهم التي هي فوق كلّ الحقوق، فوق حقوق المواطن وفوق حقوق الإنسان بكلّ أنواعها السياسية والمدنية والوجودية معها.

فإذا عدنا الى الملفين اللذين يعطلان اليوم الدولة ويجمّدان مؤسساتها وينذران بأبشع العواقب لوجدنا انّ التفلت من الدستور والقانون هو ما أنتج المشكلة وهو ما يمنع الحلّ ويضع لبنان في حال القلق والاضطراب.

ولنبدأ بالملف الأول والمعروف باسم «الناجحين في مجلس الخدمة المدنية» بوظيفة من فئة ثالثة أو رابعة من الفئات الإدارية في الدولة، فنجد انّ السلطة السياسية امتنعت بحجة عدم التوازن الطائفي عن اعتماد ما صدر عن مجلس الخدمة المدنية الذي طبّق القانون الذي أناط به أن يتلقى حاجات الوزارات الى الموظفين وشروط الوظيفة ويعلن عنها وينظم مباريات مناسبة لاختيار من يملأ به الشواغر ثم يرفع النتائج الى المعنيين لتنظم مراسيم التعيين بالأخذ حرفياً بما أفرزته المباريات من نتائج دون التوقف عند أيّ معيار آخر، لأنّ المادة 95 من الدستور تحصر مراعاة التوازن الطائفي بوظائف الفئة الأولى حيث انّ نصها الحرفي يقول «… في المرحلة الانتقالية… تلغى قاعدة التمثيل الطائفي ويعتمد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة والمختلطة وفقاً لمقتضيات الوفاق الوطني باستثناء وظائف الفئة الأولى فيها وفي ما يعادل الفئة الأولى وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين…» المرحلة هي التي تبدأ من تاريخ اعتماد الدستور وتنتهي بتاريخ إلغاء الطائفية السياسية .

هذه المادة واضحة في عناصرها الرئيسية لجهة عدم مراعاة الانتماء الطائفي في التوظيف إلا ضمن شرطين اثنين: شرط المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في وظائف الفئة الأولى دون تخصيص أيّ وظيفة لأيّ طائفة، والشرط الثاني مراعاة «مقتضيات الوفاق الوطني» في باقي الوظائف بما يعني عدم استبعاد أيّ طائفة أو أيّ مذهب من سلة التعيينات بشكل عام، دون ان يصل الأمر الى تطبيق نص المناصفة في كلّ شيء. وقد نكون بحاجة الى تحديد جزئيات وتفاصيل تطبيق هذا الأمر.

وفي هذا النطاق نستبعد مطلقاً فكرة القول بالمناصفة خارج الفئة الأولى كما نرفض فكرة الإقصاء الكلي لأيّ طائفة عن أيّ وظيفة، ويبقى ان نحدّد النسبة المقبولة في التعيين التي تدور بين الصفر والـ 50 وهنا يمكن اختيار أحد معياريين: إما معيار النسبة المئوية للطائفة الى مجموع السكان اللبنانيين او معيار الحدّ الأدنى المعقول كالقول مثلاً بنسبة 10 او 15 ، بما يعني انّ الدولة وعبر مؤسساتها الدستورية بحاجة الى تعيين هذا المعيار المقبول للمحافظة على مقتضيات الوفاق الوطني في التوظيف وبهذا ننهي الإشكال القائم ونمنع قيام إشكال جديد ونتجنّب خرق الدستور من هذا وذاك.

أما الموضوع الثاني فهو موضوع الملاحقة الجزائية للمسؤولين عن «جريمة البساتين» أو ما اصطلح على تسميته «حادثة قبرشمون«، وهي التي نجمت عن إقدام مسلحين على إطلاق نار أدّى الى مقتل اثنين من مرافقي الوزير صالح الغريب وجرح آخرين، وطالب حزب الوزير بإحالة الموضوع على المجلس العدلي ورفض «المشتبه به الظاهر» هذا الطلب، وجرى اصطفاف سياسي بينهما ما عطل اجتماعات مجلس الوزراء حيث يمتنع رئيس الحكومة عن الدعوة إليه، فهل من حق أحد ان يعطل مجلس الوزراء او يشترط عليه؟ وكيف تلاحق الجرائم أمام القضاء.

قبل الغوص في الموضوع نذكر بانّ الملاحقة الجزائية في لبنان تتمّ أمام قضاء من ثلاثة: القضاء العادي وهو قضاء ذو ولاية وصلاحية شاملة تقوم في إطار المنظومة القضائية المرتبطة بوزارة العدل، وقضاء استثنائي يتجسّد في القضاء العسكري والمتمثل بالمحكمة العسكرية المرتبطة بوزارة الدفاع، وأخيراً القضاء الخاص المتمثل بالمجلس العدلي الذي يشكل ويضع يده على قضية محدّدة بقرار من مجلس الوزراء الذي يتخذ قراره إذا كان من شأن الجريمة ووفقاً لاستنسابه أو ردة الفعل الأولية عليها أن تشكل مساساً بهيبة الدولة وبالأمن العام.

وانطلاقاً من هذا يكون منطقياً ان تبدأ الملاحقة الجزائية فور وقوع الجريمة بتحرك النيابة العامة التمييزية التي لها ان تبقي القضية في إطار القضاء العادي الشامل او تحيلها الى القضاء العسكري انْ وجدت في الجرم عناصر نص قانون القضاء العسكري على اعتبارها من صلاحية هذا القضاء.

اما الإحالة الى المجلس العدلي فهي حصرياً كما تقدّم من صلاحية مجلس الوزراء، وهنا نعود الى نظام هذا المجلس وصلاحية الدعوة الى انعقاده وصلاحية تنظيم جدول أعماله فنجد انّ الدستور أعطى هذه الصلاحية حصرياً لرئيس الوزراء يمارسها بالتنسيق مع رئيس الجمهورية والوزراء النص الدستوري: «يطلع رئيس الجمهورية والوزراء مسبقاً على المواضيع التي يتضمّنها جدول أعماله وعلى المواضيع الطارئة التي ستبحث» ، كما لحظ الدستور لرئيس الجمهورية صلاحية خاصة بترؤس الجلسة وطرح مواضيع من خارج جدول الأعمال إذا رأى انّ المصلحة الوطنية تفرض ذلك.

أما رئيس الحكومة ورغم انه المحدّد حصراً في الدستور بالدعوة الى مجلس الوزراء ووضع جدول أعماله، فإنه ليس مطلق الصلاحية بالتحكم بهذا المسار، فرئيس الحكومة ليس هو السلطة التنفيذية بل يمارس دور المدير وليس دور القائد، بمعنى انّ عليه ان يأخذ بالاعتبار ما يرد اليه من طلبات من الوزراء ويدرجها في الجدول او يؤخرها لكن ليس له ان يسقطها ويهملها كلياً، ولنقل بوضوح أكبر انّ روح الدستور تفرض ان يجد كلّ طلب من وزير طريقه الى جلسة مجلس الوزراء ولا يكون لرئيس الحكومة ان يمتنع عن الدعوة الى مجلس وزراء بحجة الطلبات التي ترده او طبيعتها، كما ليس لرئيس الحكومة ان يسقط طلبات الوزراء لأنه ليس رئيسهم بل هو رئيس مجلس الوزراء الذي له ان يناقش كلّ الطلبات ويقرّر بشأنها. وعليه نرى التالي ان:

1 ـ من حق أيّ وزير أن يطلب إدراج أيّ موضوع على جدول أعمال مجلس الوزراء، دون أن يكون له اشتراط إدراج طلبه في جدول إعمال هذه الجلسة او تلك.

2 ـ من حق رئيس الحكومة ان يدرج طلب الوزير في هذه الجلسة او تلك ولكن ليس من حقه ان يسقط الطلب كلياً او يمنع طرحه على مجلس الوزراء نهائياً او يؤخر طرحه دون مبرّر تعسفاً او تسويفاً.

3 ـ من حق رئيس الجمهورية ان يرأس أيّ جلسة لمجلس الوزراء وان يطرح أيّ موضوع من خارج جدول الأعمال دون ان يكون من حق أحد بما في ذلك رئيس الحكومة ان بمنع الرئيس او يحول دونه ودون ممارسته صلاحيته تلك.

4 ـ من حق مجلس الوزراء مجتمعاً وحصرياً أن يتخذ القرار بشأن أيّ موضوع ورد في جدول الأعمال او يطرح من خارجه، ويقرّر مجلس الوزراء إما بالتوافق أو بالتصويت وليس هناك سبيل آخر.

فإذا طبّقنا هذه القواعد على حادثة قبرشمون نجد الحلّ، ويكون على رئيس الحكومة أن يدعو إلى جلسة لمجلس الوزراء، وعليه أن يسمع لطلبات الوزراء دون فرض او إملاء، وله أن يضع جدول أعمال المجلس دون أن يفرض عليه هذا الموضوع أو ذاك، ويكون لرئيس الجمهورية أن يحضر الجلسة إذا اكتمل نصابها وأن يطرح من خارج جدول أعمالها ما يشاء، ويكون للمجلس أن يقرّر في كلّ شأن يعرض عليه، قراراً يعتمد بالتوافق او بالتصويت… هذا ما ينص عليه الدستور ببساطة فهل يطبّق؟

أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

Related Videos

إيران في المواجهة… تفرض قواعد اشتباك ومعادلات ردع فاعلة

يوليو 23, 2019

العميد د. أمين محمد حطيط

ظنّ الغرب بعد انهيار الاتحاد السوفياتي انّ الساحة الدولية خلت له وأنه أيّ الغرب بشكل عام وأميركا بشكل خاص لهم الحق بأن يقيّدوا العالم بأوامرهم وقوانينهم وبما يفرضونه من قواعد سلوك أو قواعد اشتباك. وتصرّف الغرب بقيادة أميركية بذهنية «الأمر لنا وعلى العالم الطاعة». وبهذا «المنطق الذي يرفضه منطق العدالة والسيادة والاستقلال الوطني»، بهذا المنطق خاضت أميركا وأحلافها القائمة او التي ركبت غبّ الطلب خاضت منذ العام 1990 أربع حروب الكويت أفغانستان – العراق لبنان وألزمت مجلس الأمن إما بتفويضها ابتداء أو بالتسليم لاحقاً بالأمر الواقع الذي أنتجته حروبها العدوانية.

اما إيران التي أطلقت في ظلّ ثورتها الإسلامية نظرية «الاستقلال الفعلي المحصّن بالقوة القادرة على حمايته« فقد تصدّت للمنطق الاستعماري الأميركي ورفضت الخضوع لمقتضياته، وجاهرت برفضها له وتمسّكها بحقها في السيادة والاستقلال الوطني، ليس هذا فقط، بل وأيضاً جاهرت بنصرة القضايا العادلة ومدّ يد العون للمظلومين ضحايا الغزو الاستعماري بوجوهه المتعدّدة والتي يشكل الاستعمار الاحتلالي التهجيري الذي تمارسه «إسرائيل» في فلسطين، الوجه الأبشع والأكثر ظلماً في ممارسات الاستعمار.

ولأنّ إيران رفضت ان تنصاع للاستعمار بأيّ صيغة من صيغ الإذعان التي أعدّها لها فقد اتخذ القرار الغربي بإسقاطها وشنّت عليها الحرب في الأشهر الأولى لنجاح ثورتها وإقامة دولتها الإسلامية… ولما فشلت الحرب في تحقيق أهدافها اعتمد الغرب الاستعماري سياسة الاحتواء والمحاصرة أسلوباً لمواجهتها.

وبالتالي فإنّ إيران الاستقلالية هذه وضعت بين شرّين: شرّ الاستتباع والهيمنة كما هي حال جوارها في دول الخليج، وشرّ التضييق والحصار للتركيع عبر ما يسمّى العقوبات، وبينهما اختارت إيران الشرّ الأدنى لأنها توقن «انّ جوع مع كرامة وسيادة أفضل من عبودية وتبعية مع وعد بالتساهل الاقتصادي». ومع هذا الاختيار حوّلت التحدي الى فرصة استغلتها من أجل تنمية اقتصادها سعياً لتحقيق الاكتفاء الذاتي الممكن.

استطاعت إيران ان تصمد طيلة الأربعين عاماً الماضية الى ان وصلت اليوم لموقع بالغ الحرج والخطورة حيث فرض عليها اختيار جديد، يخيّرها بين التنازل عن حقوقها استجابة لقرار أميركي ينتهك هذه الحقوق، او المواجهة المفتوحة مع ما يمكن ان تتطوّر فيه وصولاً الى الحرب. اختبار بدأه ترامب بالخروج من الاتفاق النووي وأكده موقف أوروبي متخاذل عن حماية هذا الاتفاق.

تدرك إيران انّ الخضوع للرئيس الأميركي ترامب في مطالبه يعني بكلّ بساطة التنكّر للثورة وتغيير طبيعة النظام الاستقلالي والعودة الى مقاعد الدول التي تفرض أميركا هيمنتها عليها، اما المواجهة فإنها مع مخاطرها تختزن آمالاً كبيرة بتحقيق النجاح وتثبيت المواقع الاستقلالية، ولهذا اختارت إيران ان تتمسك بحقوقها واستقلالها وان تعدّ لكلّ احتمال مقتضياته، وهذا القرار هو الأساس الذي تبني عليه إيران كلّ سياستها.

ويبدو انّ أميركا صُدمت بالقرار الإيراني فراحت تهوّل على إيران بالحرب وعملت على تشكيل أحلاف دولية للعدوان عليها بدءاً بـ «حلف الناتو العربي» واجتماع وارسو الذي دعت اليه للتحشيد ضدّ إيران، وصولاً الى فكرة الحلف البحري في الخليج لمحاصرة إيران، ثم شرعت بتحريك ونقل قوات عسكرية الى السعودية للإيحاء بأنّ الخيار العسكري لمواجهة إيران هو خيار جدي وقريب…

كلّ هذا لم يرعب إيران ولم يهزّ ثقتها بنفسها لا بل تعاملت مع المستجدات بموقف أذهل أميركا وحلفاءها حيث كان إسقاط إيران لطائرة التجسّس الأميركية ثم كان احتجازها لباخرة بريطانية انتهكت مقابل الشاطئ الإيراني قواعد الملاحة الدولية ثم كان اعتقال 17 جاسوس أميركي في إيران ومحاكمتهم…

قامت يران بكلّ ذلك في إطار تنفيذ استراتيجية دفاعية تثبت فيها أنها صحيح لا تسعى الى الحرب ولكنها أيضاً لا تتهيّب المواجهة إذا فرضت عليها، ولهذا أعدّت إيران نفسها للدفاع وأطلقت مع حلفائها «استراتيجية الحرب المفتوحة والمواجهة الشاملة على كلّ الجبهات» وحضرت نفسها للأكثر سوءاً. ما جعل أميركا تدرك انّ لعبتها على حافة الفشل والانهيار الأمر الذي جعلها تتراجع قليلاً وتأمر بريطانيا بفعل شيء ما ضدّ إيران فاستجابت ونفذت عملية قرصنة ضدّ باخرة نفط إيرانية كانت تعبر مضيق جبل طارق. وارتكبت بذلك عملاً غير مشروع ومخالف لأحكام القانون الدولي العام بما فيه أحكام الملاحة الدولية ويصنّف بأنه عدوان على إيران بكلّ المعايير.

تصوّرت أميركا وبريطانيا أنهما ستلويان ذراع إيران وتجبرانها على وقف تصدير نفطها، لكن الردّ الإيراني جاء معاكساً للتوقع الانكلوسكسوني، ردّ حصل على وفقاً لمبدأ «السن بالسن والعين بالعين والبادئ أظلم«، وترجم باحتجاز الباخرة البريطانية التي كاث تعبر مضيق هرمز.

انّ احتجاز إيران للباخرة البريطانية بعد أيام من إسقاط طائرة التجسّس الأميركية فوق النطاق الإقليمي الإيراني يشكل خطوة نوعيه في المواجهة من شأنها ان تفرض إيقاعها على الكثير من العلاقات الدولية التي يكون الغرب طرفاً فيها. وفيها من الدلالات فوق ما كان يتوقع او يتخيّل أحد من ساسة الغرب عامة وأميركا وبريطانيا خاصة دلالات يمكن ذكر بعضها كالتالي:

1 ـ رسم الفعل الإيراني قواعد اشتباك جديدة في العلاقة مع الخصوم والأعداء، قواعد قائمة على «الردّ المناسب في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة»، ينفذ تطبيقاً لقاعدة أساسية في قانون الحرب هي «قاعدة التناسب والضرورة». فإيران وفقاً لهذا المبدأ لا تعتدي ولا تبادر الى عمل ميداني إنْ لم يكن مسبوقاً بعدوان عليها، كما انّ إيران لن تسكت عن أيّ عدوان يستهدفها.

2 ـ أسقطت إيران الهيبة الأميركية والبريطانية وهذا أمر بالغ الخطورة بالنسبة لاثنتين من مجموعة المنتصرين في الحرب العالمية الثانية. وأكدت أنها لا تخشى ما هم عليه من قوّة، وبأن عليهم اعتماد الحسابات الدقيقة في مواجهتها وإلا كانت الخسارة المؤكدة.

3 ـ أكدت إيران انها عصية على الحرب النفسية وأنها واثقة من قدراتها الدفاعية الذاتية وإنها أيضاً مطمئنة لتحالفاتها الإقليمية والدولية. وأنها لا تتهيّب مواجهة عسكرية مع انها لا تسعى اليها.

4 ـ أكدت إيران احترامها للقانون الدولي وفقاً للتفسير الموضوعي الصحيح، وترفض أيّ تفسير منحرف وعدواني على حقوق الغير.

5 ـ أرست إيران معادلة ردع متبادل فاعل في مواجهة الخارج عامة وأميركا ومن يتبعها خاصة، معادلة جديدة تقوم مكان مبدأ الردع الأحادي الذي تفرضه أميركا في العالم وتمنع أحداً من الدول من مواجهتها حتى ولو كانت المواجهة دفاعاً عن النفس.

انّ مفاعيل ما تقوم به إيران يتعدّى إطار العلاقة البينية مع أميركا وبريطانيا ويتمدّد ليصبغ العلاقات الدولية كلها وليفرض نمطاً جديداً فيها قائماً على الثقة بالنفس وكسر قيود الهيبة الغربية التي بها فرض الاستعمار إرادته وبها أخضعت الدول وبها سرقت أموال الشعوب وحقوقهم، وعندما تكسر الهيبة تلك ستخلع أنياب الغرب وسيظهر مدى عجز دوله عسكرياً عن القبض على قرارات الشعوب والدول. وعندها سيفتح الطريق واسعاً أمام من يريد الحرية الحقيقية والاستقلال الفعلي الناجز والتمتع الكامل بثرواته.

وبكلمة أخرى نقول انّ إيران اليوم ترسم مشهداً دولياً استراتيجياً هاماً يتعدّى القول بمعادلة الطائرة بالطائرة والباخرة بالباخرة وهي تواجه معسكر الاستعمار بالأصالة عن نفسها والنيابة عن أحرار العالم ومظلوميه، وهنا تكمن أهمية المواجهة التي ستكشف انّ الخوف من الغرب كان قائماً على وهم وخيال أكثر منه على حقيقة وواقع، فالغرب لا يملك الجيوش التي تمكّنه من السيطرة على الكرة الأرضية لكن ضعف الآخر وعدم أخلاقية الغرب مكّنه من السيطرة، والآن تقوم إيران بكسر هذه الهيبة وتشجع الآخرين على المواجهة بعد الإعداد الصحيح لها وامتلاك الثقة بالنفس… وليعلم الجميع انّ الغرب سيحجم عن الحرب عندما يلمس انّ الآخر مستعدّ لها وقادر على خوضها… كما هي حال إيران ومحور المقاومة اليوم… وبهذا نفهم ما قاله بومبيو لبريطانيا «احموا سفنكم بأنفسكم فلسنا مستعدّين للحرب مع إيران».

أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

%d bloggers like this: