دوافع التحرك الفرنسي في لبنان وحظوظ نجاحه

العميد د. أمين محمد حطيط

This image has an empty alt attribute; its file name is Untitled-162.png

فجأة يجد لبنان نفسه أمام اهتمام فرنسي غير مسبوق بنوعه وحجمه وعمقه، تحرك يقوده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شخصياً، وينفذ وفقاً لخطة عمل واضحة مقترنة بجدول زمني لا يحتمل المماطلة والتسويف، ما يؤكد جدّيتها البعيدة المدى ويظهر انّ صاحبها قرّر ان ينجح ولا يتقبّل فكرة الفشل في التحرك، فرصيده الشخصي في الميزان كما قال. انه الاهتمام الفرنسي بلبنان الذي يثير أسئلة مركزية حول دوافعه، ثم عن حظوظ نجاحه في منطقة يُعتبر العمل فيها صعباً ومعقداً ومحفوفاً بالمخاطر.

ونبدأ بالدوافع والأهداف، ونذكر أنه في العلاقات الدولية ليس هناك ما يسمّى جمعيات خيرية وتقديمات مجانية فلكلّ شيء ثمن ولكلّ عطاء مقابل. وبالتالي عندما نسأل عن دوافع وأهداف فرنسا من التحرك يعني السؤال ضمناً عن المصالح الفرنسية خاصة والغربية عامة التي تريد فرنسا تحقيقها عبر تحركها الناشط هذا.

وفي البحث عن تلك المصالح والأهداف نجد أنها من طبيعة استراتيجية سياسية واقتصادية وامنية، تفرض نفسها على فرنسا في مرحلة حرجة يمرّ بها الشرق الأوسط والعالم. حيث اننا في مخاض ولادة نظام عالمي جديد يلد من رحم الشرق الأوسط، الذي يتعرّض الآن لأكبر مراجعة لحدود النفوذ والسيطرة فيه. وتعلم فرنسا انّ من يمسك بورقة او بموقع في هذه المنطقة يحجز لنفسه حيّزاً يناسبه في النظام العالم الجديد، الذي ستحدّد أحجام النفوذ فيه وترسم حدودها انطلاقاً من فعالية تلك الأوراق التي يملكها الطرف ومساحة النفوذ التي يشغلها وحجم التحالفات التي ينسجها في إطار تشكيل المجموعات الاستراتيجية التي يقوم عليها النظام العالم العتيد.

وفي هذا الإطار تعلم فرنسا انّ ما أخذته من معاهدة التقاسم في سايكس بيكو يلفظ أنفاسه اليوم، وانّ هناك توزيعاً جديداً بين أطراف منهم من جاء حديثاً ومنهم من يريد استعادة دور سقط قبل 100 عام ومنهم من يريد المحافظة على مواقعه التي استقرّ بها بعد الحرب العالمية الثانية. ولأجل ذلك ترى فرنسا انّ لبنان هو المنطقة الأسهل والموقع الأكثر أمناً لتحركها واحتمال النجاح فيه أفضل بعد ان تهدّدت مواقعها في معظم المنطقة. وتراهن فرنسا في ذلك على خصوصية بعض المناطق مشرقياً ولبنانياً ثقافياً وعقائدياً بما يعقد حركة أقرانها الغربيين ويسهّل حركتها بعد ان احتفظت بعلاقات مميّزة مع فئات محدّدة خلافاً للموقف الانكلوسكسوني منهم. (إيران وحزب الله)

كما تعتبر فرنسا انّ لها في لبنان صلات مباشرة او غير مباشرة، قديمة او مستحدثة مع جميع الطوائف والمكونات اللبنانية بشكل يمكّنها من حوار الجميع وليس أمراً عابراً أن تلبّي جميع القوى السياسية الأساسية ذات التمثيل الشعبي والنيابي الوازن في لبنان، أن تلبّي دعوة الرئيس الفرنسي إلى طاولة برئاسته ويضع معهم او يطرح او يملي عليهم خطة عمل لإنقاذ لبنان ويحصل على موافقتهم للعمل والتنفيذ ضمن مهلة زمنية محدّدة.

ومن جهة أخرى نرى انّ فرنسا تريد ان تقطع الطريق في لبنان أمام المشروع التركي لاجتياح المنطقة بدءاً من العراق وسورية ولبنان وصولاً الى لبيبا التي كانت فرنسا أساساً في إسقاط حكمها بقيادة القذافي ثم وجدت نفسها اليوم خارج المعادلات التي تتحكم بالميدان الليبي حيث تتقدّم تركيا هناك على أيّ أحد آخر.

بالإضافة إلى ذلك ترى فرنسا أنّ انهيار لبنان كلياً سيضع الغرب أمام مأزقين خطيرين الأول متصل بطبيعة من يملأ الفراغ ويقبض على البلاد بعد الانهيار، وفي هذا لا يناقش أحد بأنّ المقاومة ومحورها هم البديل، والثاني متصل بالنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين الذين لن يكون لهم مصلحة في البقاء في بلد منهار لا يؤمّن لهم متطلبات العيش وستكون هجرتهم غرباً شبه أكيدة بما يهدّد الأمن والاقتصاد الأوروبيين.

أما على الاتجاه الاقتصادي المباشر، فانّ فرنسا تعلم عبر شركاتها التي تداولت بملف النفط والغاز المرتقب اكتشافه في لبنان، انّ ثروة لبنان تقدّر بمئات المليارات من الدولارات وانّ حضورها في لبنان يضمن لها حصة من هذه الثروة التي تعتبر اليوم عنواناً من أهمّ عناوين الصراع في شرقي المتوسط.

أضف الى كلّ ما تقدّم الخطر الاستراتيجي الكبير الذي يخشى الغرب من تحوّل أو إمكانية تحوّل لبنان الى الشرق والصين تحديداً ما يحرم الغرب وأوروبا وفرنسا باباً استراتيجياً واقتصادياً عاماً للعبور الى غربي آسيا.

نكتفي بهذا دون الخوض بأسباب تاريخية وثقافية وفكرية إلخ… تربط فرنسا بلبنان وتدفعها الى “شنّ هذا الهجوم” لإنقاذه من الانهيار، وانتشاله من القعر الذي قاده السياسيون اليه. فهل ستتمكن فرنسا من النجاح؟

في البدء يجب لأن نذكر بأنّ أكثر من لاعب إقليمي ودولي يتحرك او يحضر للتحرك او يطمح بالعمل على المسرح اللبناني ذي الخصوصية الاستراتيجية التي ينفرد بها، وبالتالي ان الفشل والنجاح لأيّ فريق يكون وفقاً لإمكاناته ثم لقدراته على الاستفادة من إمكانات البعض دعماً لحركته، وتخطيه لخطط البعض الآخر التي تعرقل تلك لحركة. ففرنسا تعلم انها ليست بمفردها هنا وانّ المكونات السياسية في لبنان ترتبط طوعاً او ضغطاً بمرجعيات خارجية لا تتخطاها. ولذلك نرى انّ حظوظ فرنسا بالنجاح مقترنة بما يلي:

1

ـ العامل الأميركي. حتى الآن تعتبر أميركا صاحبة اليد الأقوى في القدرة على التخريب والتعطيل في لبنان، وصحيح انّ أميركا فقدت سلطة القرار الحاسم في لبنان بسبب وجود المقاومة فيه، إلا أنها احتفظت الى حدّ بعيد بالفيتو وبالقدرة على التخريب والتعطيل إما مباشرة بفعل تمارسه أو عبر وكلائها المحليين. وعلى فرنسا ان تتقي خطر التخريب الأميركي ولا تركن الى ما تعلنه أميركا من تطابق الأهداف الفرنسية والأميركية في لبنان، والى قرار أميركا بإنجاح المسعى الفرنسي، فالموقف الأميركي المعلن متصل بالمرحلة القائمة في أميركا والإقليم وحتى الانتخابات الرئاسية فقد تكون أميركا استعانت بفرنسا للتحرك لملء فراغ عارض من أجل تأخير انهيار لبنان ومنع وقوعه في اليد التي تخشى أميركا رؤيته فيها. وقد تكون الحركة الفرنسية بالمنظور الأميركي نوعاً آخر أو صيغة عملية من القرار 1559 الذي صنعاه معاً، ونفذاه معاً ثم استحوذت أميركا على المتابعة فيه. نقول هذا رغم علمنا بتبدّل الظروف بين اليوم والعام 2004، ما يجعلنا نتمسّك بفكرة التمايز بين الموقفين الفرنسي والأميركي وهذا التمايز يضع المسعى الفرنسي في دائرة خطر النسف او التخريب الأميركي الذي احتاطت له أميركا فربطت النزاع فيه من خلال موقف وكلائها من المبادرة الفرنسية بدءاً برفض تسمية مصطفى أديب رئيساً للحكومة.

2

ـ عامل المقاومة ومحورها. يجب على فرنسا ان تعلم وتتصرف بموجب هذا العلم انّ المقاومة في لبنان هي الفريق الأقوى بذاتها والطرف الأوسع تمثيلاً في لبنان والجهة الأبعد عمقاً إقليمياً فيه استراتيجيا، وبالتالي لا يمكن لأيّ مسعى في لبنان ان يُكتب له نجاح انْ كان في مواجهة المقاومة او على حسابها. ونحن نرى حتى الآن انّ فرنسا تدرك جيداً هذا الأمر وقد برعت في التعامل معه بواقعية ومنطق، لكن لا تكفي رسائل الطمأنينة بل يجب ان يكون الأمر ملازماً لأيّ تدبير او تصرف لاحق، ونحن نسجل بإيجابية السلوك الفرنسي في هذا المضمار حتى الآن.

3

ـ العامل الإقليمي. وهنا ينبغي الحذر والاحتياط في مواجهة أحداث وسلوكيات إقليمية طارئة او عارضة. فعلى فرنسا ان تعلم انّ جزءاً من مبادرتها يتناقض مع السعي التركي والأداء السعودي في لبنان، فضلاً عن الإمارات “المزهوة اليوم بصلحها مع “إسرائيل” وتطمح بفضاء استراتيجي لها في لبنان. لذلك يجب النظر لدور هذه الأطراف التي لها أو باتت لها أياد تخريبية واضحة كما انّ للسعودية قدرة على الضغط لمنع فرنسا من النجاح. ويكفي التوقف عند التناقض الرئيسي مرحلياً بين فرنسا والمعسكر الذي تقوده أميركا ومعها السعودية والإمارات حول حزب الله وسلاحه والعلاقة به لمنع فرنسا من النجاح لأن نجاحها مع تأجيل ملفّ السلاح خلافاً للرغبة السعودية الإماراتية الأميركية لا يروق لهم. ومن جهة أخرى يمكن الاستفادة إيجاباً من الموقف المصري الذي قد يعطي زخماً للتحرك الفرنسي.

4

ـ عامل الوقت. ليس أمام فرنسا سنين للتنفيذ بل هي فترة لا تتعدّى الأشهر الثلاثة، فإنْ نجحت كان لها ما أرادت وإنْ فشلت فإنّ متغيّرات ستحصل أميركياً وإقليمياً تجعل من متابعة المبادرة أمراً صعباً وتجعل النجاح مستحيلاً، وعليه إما ان نطوي العام على نجاح في الإنقاذ بيد فرنسية اوان ننسى كل شيء متصل بها.

أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

الهياج «الإسرائيليّ» على الحدود الجنوبيّة…كيف يُعالَج؟

العميد د. أمين محمد حطيط

بدون سابق انذار وبادّعاء لوجود “حدث أمني” يستهدفها قامت “إسرائيل” بعملية استعراض ناري مضيء ومدخن ومتفجّر استهدف أكثر من نقطة داخل الأراضي اللبنانية زعمت أنها مراكز ومواقع لحزب الله. وأنها تطلق النار كردّ فوري مباشر على محاولة تسلل جرّب الحزب القيام بها إلى أرض فلسطين المحتلة، وانّ رشقاً نارياً أطلقه متسللون عبر الشريط الشائك والسياج التقني الذي أقامته على الحدود استهدف الرشق على حدّ زعمهم جداراً لمعسكر.

بيد انّ “إسرائيل” رغم كلّ مزاعمها لم تقدّم دليلاً واحداً ولو صغيراً وتافهاً على انّ هناك عملية تسلل فعلية، او انّ هناك إطلاق نار صحيحاً، أو أنّ هناك أيّ عمل ذي طبيعة عسكرية أو أمنية يستهدف جنودها أو غيرهم، ولذلك ابتدعت عبارة “الحدث الأمني”، وهي عبارة استعملتها للمرة الأولى منذ أسابيع عدة عندما زعمت انّ مقاومين حاولوا استهداف دورية إسرائيلية في مزارع شبعا اللبنانية المحتلة، وأنها قتلت 3 منهم ثم تراجعت لتظهر انّ الفعل برمّته مسرحية لفقتها “إسرائيل” لتجني منها شيئاً يرتبط بجهوزية جيشها التي رفعتها ولا زالت منذ ان أدركت بأنّ حزب الله سيردّ على جريمتها بقتل المقاوم علي محسن في سورية.

كرّرت “إسرائيل” بالأمس المسرحية ذاتها، ولكن بصيغة ومدى ومفاعيل أبعد من الأولى، حيث إنها في قطاع يمتدّ على مسافة 15 كلم من الحدود وفي عمق يتعدّى الـ 5 كلم تقريباً أطلق جيش العدو أكثر من 150 قذيفة وصاروخاً وأجرى تمشيطاً جوياً بالحوامات لـ 5 مناطق وتسبّب بإحراق او تدمير او زعزعة أكثر من بناء ومنزل في عمل قد نصنفه الأول من نوعه منذ حرب 2006، وهو كما قلنا يتعدّى بأهميته وخطورته ما حصل في مزارع شبعا.

عدوان “إسرائيل” على قطاع ميس الجبل – رامية وبالشكل الذي حصل فيه يطرح أكثر من علامة استفهام وسؤال حول خلفيته وأسبابه وأصول التعاطي معه، لأنه من طبيعة تأسيسية لنمط جديد وقواعد سلوك واشتباك جديدة قد تمسّ بشكل فعلي بمعادلة الردع الاستراتيجيّ التي أرسيت في العام 2006 ما ينذر بانهيار الأمن والاستقرار على الحدود الجنوبية في الجانب اللبناني وكلها مسائل بالغة الخطورة تنذر بأشدّ العواقب انْ لم يُحسَن التعامل معها.

بيد أنه قبل مناقشة ما طرح من أسئلة ننوّه بأنّ لبنان الرسمي قرّر رفع شكوى الى مجلس الأمن (ولم يطلب انعقاده)، أما قوات اليونيفيل فقد أعلنت أنها ستحقق في ما حصل وهي التي لم تقم بأي إجراء أثناء العدوان لوقفه، وانتظرت ان تتوقف “إسرائيل” من تلقائها بعد أن نفذت جرائمها وقامت بحرب من طرف واحد لم يكن هناك من يقابلها بإطلاق نار او عمل أمني او عسكري فشلت كلياً في تقديم دليل حتى ولو كان طفيفاً على صدق ما تدّعيه، أما الجيش اللبناني فقد أصدر بياناً إحصائياً لما قامت به “إسرائيل” وللمواقع التي استهدفتها، ويبقى كلام المقاومة التي أشار سيّدها إلى العدوان دونما تفصيل مؤجلاً القول والفعل للساعات والأيام الآتية.

ومن الطبيعي أن لا نعوّل على مجلس الأمن وعلى الشكوى إليه، كما لا نعوّل على تحرك اليونيفيل التي لا ترى إلا بعين واحدة ترى فيها مصلحة “إسرائيل”، لذلك وعلى وجوبها فلا قيمة للشكوى الى مجلس الأمن، وكذلك لا ننتظر شيئاً من اليونيفيل. ويبقى ما نعوّله على الجيش والمقاومة وهما جناحا قوة لبنان.

وهنا نعود إلى أسئلتنا ونبدأ بخلفية “الثوران او الهياج” الإسرائيلي في مواجهة ما وصفته “إسرائيل” بأنه “حدث أمني” ونرى أنّ الأمر مرتبط بالحالة التي وضع فيها الجيش الإسرائيلي بعد جريمة قتل المقاوم في سورية، حيث إنّ هذا الجيش رفع جهوزيته واستقدم تعزيزات من الوحدات الخاصة المعززة بالدبابات، وأوحى أنه مستعدّ للردّ على أيّ عمل تقوم به المقاومة، كما أنّ هناك قيوداً فرضت على حياة السكان في المستعمرات على الحدود بمعنى أنّ “إسرائيل” وفي انتظارها الردّ من حزب الله تتكبّد خسائر معنوية ونفسية ومادية وتعاني من إرهاق في صفوف العسكريين والمدنيين على السواء وهو وضع لا تستطيع المتابعة فيه وتريد أن تغلق الحساب مع حزب الله لتعود إلى وضعها الطبيعي وتشجع حزب الله على الردّ حتى يغلق الحساب لأنّ أعصابها لم تعد تحتمل الانتظار.

ولهذا قامت “إسرائيل” بمسرحيّة مزارع شبعا وحاولت أن تهدي للحزب عملية لم ينفذها وفشلت، أما مسرحية اليوم فجاءت من طبيعة أخرى، حيث إنّ “إسرائيل” أرادت باستهداف المواقع المدنية الضغط على حزب الله ليدخل معها في سجال صاروخي ومدفعي تلتزم هي في عدم المسّ بالأرواح والأجساد، وتستفيد من انضباط حزب الله الناري الذي تعوّل عليه ثم تنتهي المبارزة بخسائر مادية ويطوى الملف. لكن حزب الله لم يعط “إسرائيل” ما تمنّت ولم يبادر الى إطلاق قذيفة واحدة وبقيت مسرحية “إسرائيل” منفذة بلاعب واحد وإطلاق النار من طرف واحد. ولكن… سيكون في المستقبل كلام آخر كما وعد سيد المقاومة ما يعني أنّ الحساب بات تراكميّاً عكس ما شاءت “إسرائيل” اختزالياً.

أما الهدف الثاني الذي رمت اليه من “الردّ على العمل المزعوم” والموصوف بأنه “حدث أمني” لم تفلح “إسرائيل” في تحديد طبيعته، فقد يكون ربطاً بما يتحضّر في مجلس الأمن من قرار حول تمديد مهمة اليونيفيل، حيث إنّ اميركا تريد تعديل الانتداب والتفويض لمنح القوى الدولية صلاحية التحرك والتعقب والتفتيش استقلالاً عن الجيش اللبناني، كما وتخفيض العديد الى الثلثين (10 آلاف بدل 15 ألف) وهي ترى انّ تسخين الوضع جنوباً عشية جلسة مجلس الأمن الناظر بالموضوع يساعد على الوصول الى الهدف.

ويبقى الهدف الثالث الذي لا بدّ من ذكره وهو متعلق بشأن داخلي إسرائيلي يتصل بالأزمة السياسية ومصالح نتنياهو الشخصية، ولأجل ذلك خطط للمسرحية – العدوان ان تنفذ في الوقت الذي كان فيه نتنياهو في صفد في شمال فلسطين (على بعد 15 كلم من مسرح العمليات) فيظهر كما انّ نتنياهو حتى في استراحته وسياحته مستمرّ في مهام الدفاع عن “إسرائيل” وليظهر المخاطر الأمنية التي يجب إيلاؤها الاهتمام بدل الانشغال بمواضيع داخلية.

أما النتائج حتى الآن فنستطيع القول بأنها فشل على صعيد استدراج حزب الله، الذي اكتفى بالمراقبة وحاذر الردّ في حينه حتى لا يعطي هدية لـ “إسرائيل”، لكنه طبعاً يحضر لردّ يؤكد فيه على قواعد الاشتباك ويثبت معادلة الردع، وهذا الأمر شديد الإلحاح والضرورة ولا يمكن التهاون او التساهل به لأنّ عدم القيام به يعني انّ “إسرائيل” بمسرحيتها وعدوانها نجحت في عملية الخروج من واقع استمرّ 14 عاماً حتى الآن وحقق استقراراً وأمناً للجنوب صنعته معادلة الردع المتبادل وليس أيّ شيء آخر.

أما على صعيد مجلس الأمن فقد تنجح أميركا في تخفيض عديد اليونيفيل ولا أهمية لهذا على لبنان والمقاومة، ولكنها ستفشل في إعطاء اليونيفيل حق العمل بمفردها وتفتيش الأماكن الخاصة، ما يعني انّ المناورة الإسرائيلية الأميركية، كما يعتقد لن تحقق ما رمت اليه في مجلس الأمن.

وبما أنه لا يهمّنا إنْ نجح نتنياهو او فشل في قطف ثمار المسرحية، كما لا ننتظر خيراً من الشكوى الى مجلس الامن، او من تحقيق اليونيفيل واتصالاتها، فإنّ جّل الاهتمام جنوبياً ولبنانياً وعلى صعيد محور المقاومة يتركز في الخيار الذي ستعتمده المقاومة رداً على العدوان بما يثبت قواعد الاشتباك ويرسخ معادلة الردع الاستراتيجي مع العدو.

ردّ يكون لمن شاء ان يعتبر فرصة لمراجعة مواقفه حيال المقاومة وسلاحها وسياسة لبنان الدفاعية التي لا تحقق أغراضها بطروحات عقيمة من قبيل الحياد والنأي بالنفس، فعدوان “إسرائيل” بالأمس حصل من دون أن يكون في الميدان أحد يتحرك قتالياً او يطلق ناراً حتى في الهواء وجاء لتحقيق أغراض عسكرية وأمنية وسياسية واستراتيجية واضحة على حساب لبنان وامن شعبه واستقراره ويكون مفيداً دعوة أصحاب الطروحات العقيمة تلك الى المبيت ليلة في ميس الجبل او عيثرون لإحصاء المقذوفات الإسرائيلية ولصياغة مواقفهم وفقاً لعددها.

أستاذ جامعي

خبير استراتيجي

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

السياسة الأميركيّة: أوراق تحترق لتفتح الطريق إلى التسويات

العميد د. أمين محمد حطيط

 في سباقه إلى ولاية رئاسية ثانية يلقي ترامب بكلّ ما يستطيع استعماله من أوراق بعد أن فشلت سياسة الضغوط القصوى ضد إيران وتعثّرت استراتيجية إطالة أمد الصراع في سورية وفشلت خطة بومبيو في إخضاع لبنان ومحاصرة مقاومته كما شاءت وخططت أميركا. وبات الآن السؤال في مواجهة هذه النتائج السلبيّة ما هي اتجاهات السياسة الأميركية المحتملة بعد الفشل وإحراق هذه الأوراق ومتى يبدأ التغيير؟

أسئلة تطرح بعد تقليب جملة من الملفات لم تحصل منها أميركا إلا على خيبات ترتدّ سلباً على صورتها وهيبتها وتؤثر على نزعتها الاستفرادية في السيطرة على العالم ونهب ثرواته. ونكتفي هنا بالتوقف عند بعض من أهمّ تلك الملفات كالتالي:

1

ـ العلاقات الأميركية ـ الإيرانية. رغم كلّ ما يُقال عن محادثات سرية مباشرة أو غير مباشرة بين إيران وأميركا، فإنّ المعلن من المواقف يظهر بأنّ أميركا تسعى الى تفاوض تحت الضغط وإيران ترفض الجلوس الى طاولة تفاوض مع أميركا لا تطمئن فيها إلى صدقية في الحديث وجدية بالوصول الى نتائج وتأكيد على الوفاء بالالتزامات، وهذه المسائل كلها اليوم مفقودة مع ترامب الذي لحس توقيع أميركا على الاتفاقية المتعلقة بالملف النووي وتنكّر لقرار مجلس الأمن الذي أكد على هذه الاتفاقية ثم ذهب بكلّ وقاحة الى مجلس الأمن ليطالبه بتمديد حظر الأسلحة التقليدية عن إيران استيراداً وتصديراً. لكن مجلس الأمن وبأكثرية عالية (13 من 15) صفع ترامب وأظهر عزلة أميركية غير مسبوقة ساهم في إنتاجها حلفاء أميركا الأطلسيون الأعضاء الدائمون وغير الدائمين في مجلس الأمن. أما عن المستقبل ورغم سعي أميركا الأحادي الجانب لإعادة فرض العقوبات على إيران فإننا نرى أنّ الورقة هذه أحرقت ولن يكون لها من الأثر والفعالية ما عوّلت عليه أميركا في ظلّ بحث عن نظام مالي واقتصادي وتجاري عالمي جديد يتجاوز النظام الأميركي وعملته الدولار، أما الحديث عن المواجهة العسكرية فيجد الجواب عليه في قاعدة “عين الأسد” وبواخر النفط الإيراني الى فنزويلا ما يسقط الفرضية… وبالتالي لن يكون هناك حلّ مع إيران إلا التفاوض الذي ذكرنا شروطه… بعد أن سقطت أوراق العقوبات واستمرت مقفلة طريق القوة.

2

ـ المحكمة الخاصة بقتل رفيق الحريري في لبنان. من اللحظة الأولى التي فُجّر فيها موكب الحريري ذهب فكرنا وتحليلنا الى القول بأنّ الذي فشل في تطبيق القرار 1559 بالوسائل السياسية لجأ الى العنف في سبيل ذلك، وكنا ولا نزال نقصد بشكل رئيسي أميركا و”إسرائيل”، وأنّ الغاية الرئيسية من عملية الاغتيال كما رأينا يوم حدوثه وتأكد لنا طيلة السنين الـ 15 الماضية هي سلاح المقاومة. وكانت المحكمة تشكل بيد المعسكر الأميركي الإسرائيلي الخليجي سيفاً مسلطاً على لبنان ومقاومته من باب فتنة تقود الى اقتتال داخلي لمحاصرة المقاومة وتعطيل سلاحها. وانطلاقاً من فهم حزب الله للموضوع وإدراكه العميق للخطة الأميركية ومعرفته بأنّ الجريمة ارتكبت من أجل إلصاقها به والنيل من سلاحه وثقته بأنّ ذاك المعسكر قتل الحريري لينقض بدمه على المقاومة، لكلّ ذلك فإنّ الحزب اتخذ قراره بعدم الاعتراف بالمحكمة وبكلّ ما يصدر عنها لأكثر من سبب واعتبار، أولها رفضه مشاركة القاتل في مسرحية إخفاء الحقيقة، إلا أنّ أصحاب المشروع ظلوا على أملهم بأن يشكل قرار المحكمة صاعقاً يفجر الوضع اللبناني ويحقق لهم أحلامهم. ولأجل ذلك ماطلوا وسوّفوا واستهلكوا الوقت الطويل حتى تلقى القنبلة في الوقت المناسب بما يمكنهم من الاستثمار الى الحدّ الأقصى.

بيد أنّ الظروف الدولية والإقليمية كما يبدو اضطرت الفريق المستثمر بالمحكمة لاستعمال الورقة الآن، لتستغلّ بشكل يحجب الخسائر ويعوّض بعضها، فتم اختيار شهر آب الحالي من أجل هذا الهدف، وإذ بالقرار يصدر بشكل محبط في أكثر من اتجاه حيث أخرج بما لا يشبه أيّ قرار صادر عن محكمة جزائية في العالم، وجاء مطالعة سياسية تصلح لتكون قصة تروي تاريخ العلاقات الدولية كتبها بانحياز فاضح أحد المعنيّين بها، كما تضمّن ابتداعاً لأدلة جنائية غير مسبوقة في العلم الجنائي (دليل الاتصالات والدليل الظرفي والاقتران المكاني) ما أفرغ القرار من أيّ قيمة قانونية جزائية، ولن أضيف أكثر إلا القول بأنّ القرار الذي صدر لم يحقق ما رمى إليه مؤسّسو المحكمة الدولية تلك، وصحيح أنه أتى بصيغة واهنة اكتفت بإقامة ربط نزاع بين أطراف معنيين ولتحفظ استمرارية المحكمة ودوام عملها سنوات طويلة أخرى ولتفتح الطريق أمام التفاوض والتسوية، إلا أنه وبالطريقة التي جاء فيها القرار نسف الغاية التي من أجلها أسّست المحكمة، نقول نسفها رغم المحاولات البائسة التي يبذلها البعض من السياسيين والمحللين الذي ينصّبون أنفسهم قضاة يدينون ويعاقبون على هواهم متناسين انّ إدانة واحد من أصل 5 متهمين وبشكل واهن وبحجة لا تقنع أحداً ويمكن نسفها في الاستئناف باستحضار من ورقة واحدة تطيح بالـ 2500 صفحة التي سكب فيها القرار ما يعني انّ وهناً رهيباً وسم التحقيق الذي عجز عن معرفة الجاني أو الوصول اليه، لأنّ الجاني الحقيقي بعيد عن متناول المحكمة التي ما شكلت إلا من أجل حجب مسؤوليته ومنع الاقتراب منه. وعلى أيّ حال استنفدت ورقة المحكمة ولم تحقق اغراضها… وحتى حفظ ماء الوجه فيها لم يتحقق لأصحابها… ولم يبق منها إلا الباب الذي فتحته للتسوية لكن الطرف الذي وجهت له الدعوة للتسوية غير معني بها.

3

ـ نبقى في لبنان لنشير إلى ورقة استعملتها أميركا في إطار تنفيذ خطة بومبيو وأصبحت اليوم منتفية الصلاحية او أقله محدودة الأثر، وتتضمّن الحصار الاقتصادي وإقصاء حزب الله عن السلطة، وتبيّنت أميركا اليوم أنّ الحصار أعطى نتائج عكسيّة ودفع لبنان الى التفكير ببدائل أخرى غير الوجهة الغربية ما جعل أميركا تتراجع عنها، وإنْ بشكل محدود، لكن يكفي أن نقول إنّ الحصار كسر وبحدّ معقول، أما إقصاء حزب الله عن السلطة فقد تبيّن لأميركا أنه أمر مستحيل لا بل سمع مبعوثها هيل نقلاً عن الحزب أنه لا يمكن أن تقوم سلطة في لبنان لا يشارك الحزب فيها، ما اضطر أميركا الى التراجع وعلى لسان هيل نفسه الذي قال بالأمس “إنّ أميركا تعايشت وتعاملت مع حكومات يشارك فيها حزب الله” في إشارة واضحة لاستعداد أميركا للتعامل مع الحكومة المقبلة التي لن تُشكَّل إنْ لم يكن الحزب شريكاً فيها…

4

ـ أما في ما خصّ الاحتلال الأميركي لشرقي الفرات في سورية. فإنّ مستجدّات خطيرة حصلت من شأنها ان تفهم أميركا انّ أهدافها هناك لن تتحقق. وما حصل في الأسبوع الأخير يؤشر الى انّ هذه الورقة باتت تنذر بمخاطر كبرى وتشكل عبئاً على أصحابها من دون ان يكون هناك أيّ استعداد سوري للمساومة عليها أو التنازل عن شيء يتصل بالحقوق السيادية الوطنية السورية. وفي هذا الإطار نسجل المواجهة العسكرية التي حصلت قرب القامشلي بين حاجز الجيش العربي السوري ودورية من جيش الاحتلال الأميركي وما حصل بين الأهالي وعصابات “قسد” وطردها من أكثر من قرية وبلدة.

فالاشتباك بين عناصر من الجيشين الأميركي المحتل والعربي السوري يتعدّى في دلالاته حجم القوى المشتبكة ونتائج الاشتباك التي أدّت الى منع الدورية الأميركية من اجتياز الحاجز السوري وإصابة بعض عناصرها، في رسالة واضحة لأميركا بأنّ الجيش العربي السوري مستعدّ عندما تفرض الظروف أن يكون في مواجهة الاحتلال ليلاقي في ذلك المقاومة الشعبية السورية التي انطلقت في المنطقة والتي يخشاها الأميركي الذي لا زال يحمل عقدة فيتنام ولهيب مقاومة العراق.

نكتفي بهذا القدر من المواضيع التي تسجل خيبة وتراجعاً أميركياً يفرض على أميركا في الأشهر المقبلة أياً كان الرئيس الذي سيتسلّم مقاليد الحكم فيها، أن يراجع السياسة الأميركية وأن يتحوّل الى التفاوض المجدي بدل العنتريات والأعمال العقيمة، وعليه نرى أن التحضير لتسويات في المنطقة سيبدأ حتى قبل الانتخابات الأميركية، وعندما أقول تسوية يكون بين أطرافها مكوّنات من محور المقاومة فإنني أعني بأنّ الحلول ستأتي لتحفظ حقوق هذا المحور مع حفظ ماء وجه الطرف الآخر وليس تنازلاً عن حقوق ومواقع بُذلت الدماء لحمايتها.

استاذ جامعي خبير استراتيجي

أزمة لبنان أزمة نظام… فما الحلّ؟

العميد د. أمين محمد حطيط

حدث الانفجار – الزلزال في بيروت، في الوقت الذي كان يعيش لبنان فيه أزمة معقدة، ازمه أنتجها نظام سياسي مولد للكوارث منذ أن اعتمد لحكم لبنان في العام 1920، وجاء الانفجار الكارثي نتيجة لهذا النظام انفجار عمق الأزمة ولم يكن هو سببها بل جلّ ما فعله الانفجار فضلاً عن الكوارث البشرية والمالية والاقتصادية التي أنزلها بهذا الوطن والشعب، انه أماط اللثام جذرياً عن قبح هذا النظام واظهر عدم صلاحيته للاستمرار.

بيد أنّ العقلاء المتبصّرين لم يكونوا بحاجة إلى مثل هذه الكارثة حتى يقفوا على بشاعة هذا النظام ووهنه وعجزه عن إدارة دولة، لكن المنتفعين من النظام كانوا يتمسكون به ولا زالوا يرفضون أي تغيير او إصلاح فيه لأنهم يرونه الطريق السريع السهل والآمن لتكوين الثروات واستعباد الناس وبناء الإمبراطوريات والمحميّات المالية والشعبية.

وبمراجعة بسيطة لمواقف سجلت في هذا الموضوع نجد على سبيل المثال دعوة الأمام السيد موسى الصدر في أوائل السبعينيات إلى مراجعة النظام من اجل تحقيق العدالة فيه حيث قال «اعدلوا قبل أن تجدوا دولتكم في مزابل التاريخ»، كما نجد مواقف الأحزاب الوطنية والعلمانية التي دعت إلى بناء الدولة المدنية دولة المواطن وليس فيدرالية الطوائف. وقبل سنوات أطلق السيد حسن نصرالله دعوته إلى مؤتمر تأسيسي لمراجعة النظام وتطويره لإقامة الدولة القادرة العادلة، وقبل أشهر أطلق المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان دعوته إلى نظام سياسي يحاكي الواقع ويحفظ الحقوق التي عجز عن حمايتها نظام الطائف وقبله صيغة الـ 1943 التي سقطت.

وقبل الانفجار بأيام أطلق البطريرك الراعي دعوته لحياد لبنان، ورغم أنه راجع موقفه وأعطى نظريته أكثر من تفسير، فإننا نرى انّ الدعوة بحدّ ذاتها جاءت نوعاً من الدعوة إلى مراجعة الدستور والنظام لأنّ للحياد مقتضبات لا يؤمّنها الدستور الحالي واعتمادها يفرض التعديل.

أما القنبلة التي صعقت معظم الرافضين للإصلاح أو مراجعة النظام خاصة الفئات التي تتمسك بنظام الطائف، فقد كانت الدعوة التي أطلقها رئيس فرنسا في زيارته المفاجئة إلى لبنان بعد الانفجار – الكارثة حيث دعا إلى عقد سياسي جديد أيّ بكلّ بساطة نظام سياسي جديد يلبي مقتضيات الواقع ويسدّ الثغرات ويقطع الطريق على انفجار سياسي وفوضى تعقبه تعطل البلاد وتهدر الحقوق بعد ان تطيح بالأمن والسلامة العامة.

من خلال هذا العرض نصل لرسم صورة يكاد يكون فيها الإجماع قد تحقق حول فكرة عجز النظام السياسي اللبناني القائم حالياً عن تحقيق ما يصبو اليه الشعب اللبناني ما يفرض البحث الجدي عن نظام مناسب يتمّ اعتماده بالقبول والرضى من أكثرية الشعب اللبناني، لاعتقادنا بأنّ الإجماع هنا صعب التحقق، وقد يكون أجماعاً على المبادئ العامة والشعارات كالقول مثلا «الدولة القوية العادلة» لكن ما ان تأتي إلى التفسير والتفصيل حتى يظهر الخلاف والتباين، لأن العدل عند البعض يكون عدلاً حسابياً يمكن من إرساء المساواة بين الأفراد أياً كان معتقد الفرد ويقيم دولة المواطن، بينما مفهوم العدل عند آخرين هو عدل كمّي نوعي بين الطوائف يقيم المساواة بينها أيّاً كان حجم الواحدة منها. هذا مثل وعليه يمكن أن يقاس الكثير…

في ظل هذه المخاوف من العجز على الاتفاق تطرح أسئلة حول المخارج الممكنة من الأزمة التي وضعت لبنان أمام مأزق وجودي، فهل يكون الحلّ كما هي بعض الطروحات الآن متمثلاً باستقالة الحكومة؟ أو بإقفال مجلس النواب؟ أو بانتخابات نيابية مبكرة؟ او بوصاية دولية على لبنان تبدأ بوضع اليد على التحقيق بالانفجار ثم تتوسّع لتصبح انتداباً سياسياً كما سمعنا في الشارع الذي استقبل ماكرون مؤخراً؟

إنّ الذين يروّجون لهذه الأفكار يعملون عن قصد أو غير قصد لإعادة إنتاج النظام والعودة إلى نظام المآسي ونراهم في ذلك منفصلين عن الواقع يقولون الشيء وعكسه، من دون أن يدركوا أن طلبهم يقود إلى أحد وضعين في ظل ما هو قائم الآن، أما الشلل والتعطيل الذي يقود إلى الفوضى وإكمال الانهيار ومنع قيامة لبنان الدولة أو إعادة إنتاج الوضع المزري في ظل النظام القائم من دون أي نتيجة وللإيضاح أكثر نطرح الأسئلة التالية:

1

ـ أيّ حكومة يمكن أن تحلّ مكان هذه الحكومة بعد استقالتها في ظلّ وجود أقلية نيابية ترفض العمل مع الأكثرية النيابية لتشكيل حكومة وحدة وطنية؟ وهل تظن الأقلية أن بإمكان الأكثرية تسليم رقبتها للآخرين ويتكرّر ما حصل في العام 2005 عبر ما يدّعون إليه من تشكيل حكومة محايدة، وهل هناك في لبنان من هو مؤكد الحياد المستحق لأن يتولى الحكم في ظل مقولة أن «المحايد بين الحق والباطل هو نكرة نصر الباطل بعدم نصرته للحق«؟

هذه الأسئلة تقودنا إلى القول بان استقالة الحكومة لن تغير شيئاً كما يعتقدون، لأنها ستؤدي إلى شلل حكومي كما كان يحصل في أزمات مماثلة عبر العجز عن تشكيل حكومة، او عودة إلى حكومة مماثلة او استعادة حكومة الوحدة الوطنية الفاشلة؛ وكلها حالات لن تكون مناسبة لتقديم الحلول… بل ستكون الطريق الأنسب للفراغ والفوضى.

1

ـ أما عن المجلس النيابي، فإن على دعاة الاستقالة ان يتذكروا الانتخابات الفرعية مهما كان عدد المستقيلين من النواب حتى ولو تجاوزوا الثلث من عديد المجلس فإن الأخير، قادر على الانعقاد وممارسة أعماله طالما أن لديه القدرة على تأمين الأكثرية المطلوبة دستورياً أي الأكثرية المطلقة في معظم الحالات ألا ما جاء فيها نص دستوري على أكثرية موصوفة تتجاوز المطلقة. فإذا جرت انتخابات مبكرة الآن وفي ظل قانون الانتخاب الحالي من يضمن ان لا يعود أعضاء المجلس بمعظمهم كما هم الآن وكما عودتنا انتخابات سابقة في ظل قانون انتخابي طائفي يشوه الديمقراطية ويمنع التمثيل الصحيح؟

2

ـ أما عن التحقيق الدولي فإنّ تجربة محكمة الحريري كافية وحدها لنسف الفكرة من أساسها. إذ ان 15 عاماً مضت حتى الآن لم تكن كافية للبت بالقضية وكشف الحقيقة ومن يدري إذا كنا بحاجة إلى 15 عاماً أخرى او أكثر للانتهاء من المحاكمة وحسناً فعل رئيس الجمهورية عندما اتخذ موقفه الرافض لهذا التحقيق مستنداً على مقولة «العدالة المتأخرة ليست بعدالة». والقضاء الدولي كما بات مسلماً به لدى معظم رجال القانون ونحن منهم ليس ألا وسيلة سياسية بلبوس قضائي يستعملها القوي في المنظومة الدولية من جل التغطية على المجرم والانتقام من خصومه، أما هو فيرفض الخضوع لهذا لقضاء كلياً كما تفعل أميركا.

وفي الخلاصة ومع التأكيد على ان النظام القائم بات مرفوضاً من قبل الأكثرية الشعبية، لأنه لا يحقق العدالة ولا يؤمن الاستقرار ورغم تمسك الطبقة السياسية به، فإنه غير قابل للاستمرار، لكن الوصول إلى المبتغى لا يكون عبر طروحات منفصلة عن الواقع عقيمة في ذاتها تعيد إنتاج النظام، ولذلك لا نرى بداً ولا مفراً من وضع خطة انقاد تراعي الواقع والممكن وتحدد الخسائر وتختصر الوقت، وتمنع إعادة إنتاج السلطة الفاسدة وإحياء النظام، خطة نراها في:

أ ـ مؤتمر وطني لاعتماد نظام سياسي وعقد اجتماعي جديد يراعي حقوق المواطن وهواجس الجماعات الوجودية والحقوقية الذاتية والوطنية وتكون أمامه مهل قصيرة جداً للوصول إلى الحلول بشكل لا تتعدى الأشهر. وفي حال العجز عن تحقق الإجماع فيه فيمكن العمل بما تقبل به الأكثرية المركبة (أكثرية أعضاء المؤتمر وأكثريات الطوائف) ثم عرض النتائج على الاستفتاء الشعبي.

ب ـ إعادة تكوين المؤسسات الدستورية وفقاً لما يتوصل اليه المؤتمر الوطني.

ج ـ التحقيق والمحاكمة بكارثة بيروت عبر إحالة القضية إلى المجلس العدلي من دون سواه ويمكن طلب معونة فنية أو تقنية من الخارج من دون أن تمس بالسيادة.

د ـ إجراء الإصلاحات الضرورية جداً من اجل فك الحصار عن الدولة والمواطن.

*أستاذ جامعي – خبير استراتيجي.

مسرحية مزارع شبعا: تعمّق فشل خطة بومبيو وتخبّط «إسرائيل»

العميد د. أمين محمد حطيط

في ذار 2019 وبعد أن دفنت سورية ومحور المقاومة أهداف أميركا فيها وأفشلت عملها بـ «استراتيجية القوة العمياء الإرهابية» وضع مايك بومبيو وزير خارجية ترامب، خطته البديلة للبنان ليعوّض الفشل وليعود فينقضّ على سورية فيحرمها من استثمار انتصارها أولاً ثم يجهض الانتصار ثانياً.

خطة بومبيو للبنان اعتمدت «استراتيجية القوة الخفية الذكية المركبة»، وترمي إلى الإجهاز على حزب الله وسلاحه ومقاومته عبر محطات متتالية تبدأ بخلل أمني وحركة شعبية، تعقبها فوضى وفتنة يؤججها الحصار والإرهاب الاقتصادي الأميركي، في ظلّ فراغ سياسي يفرض، للوصول إلى اقتتال داخلي يستدعي «إسرائيل» لتنفيذ المهمة بالانقضاض على المقاومة لاجتثاثها.

كانت خطة بومبيو (التي يبدو أنه مُصرّ عليها) ترتكز في جزء منها على عزل المقاومة عن بيئتها وضرب معنوياتها وتثبيط عزيمتها وإجبارها على الاستدارة في وجهتها وسلاحها إلى الداخل بدل أن تكون كما هي وكما تريد أن تستمرّ، قوة للدفاع عن لبنان وحقوقه وثرواته.

بيد أنه وبشكل موضوعي نقول إنّ بومبيو الذي يوصف في أميركا بأنه أسوأ وزير خارجية أميركية، هذا السيّئ بالوصف الأميركي نجح في بعض عناصر خطته في لبنان حيث وجد في الداخل اللبناني من يستجيب له ويعمل بأوامره، لكنه فشل حتى الآن في تحقيق الهدف الرئيسي للخطة التي ظهر أنها قاصرة عن محاصرة او النيل من المقاومة مادياً او معنوياً او المسّ بكل ما يتصل بها حاضراً ومصيراً، وجاءت مسرحية مزارع شبعا الأخيرة التي لعبتها «إسرائيل» بخفة وهستيريا بالغة لتوكد هذا الفشل.

لقد نجحت أميركا في إسقاط حكومة سعد الحريري تحقيقاً لهدف إحداث فراغ سياسي، لكنها فشلت في منع تشكيل حكومة بديلة رغم استنكاف كلّ حلفائها وأتباعها في لبنان عن المشاركة فيها، ونجحت في محاصرة لبنان مالياً ونقدياً والتلاعب بالعملة الوطنيّة عبر مَن يعمل لصالحها ويحمل ألقاب وظائف في الدولة اللبنانية، ونجحت في خنق لبنان معيشياً لسببين.. فساد مستشرٍ في الإدارة والسياسة اللبنانية وعمالة خسيسة وجشع يمارسه مسؤولون ومعنيون لبنانيون خدمة لأميركا التي تحميهم وترسم حولهم الخطوط الحمر.

لكن أميركا فشلت حتى الآن في إحداث شرخ بين المقاومة وبيئتها واستمرّ جمهور المقاومة رغم شديد المعاناة الاقتصادية التي يعانيها بنتيجة الحصار الأميركي متمسكاً بمقاومته بكلّ فخر وثقة، وفشلت في إحداث الفتنة التي أعدّت لها والتي تؤمل ان تراها تنفجر في 7 آب المقبل كموعد نهائي (ربطاً بقرار محكمة الحريري وقد حدّدت أميركا التاريخ خدمة للخطة) بعد أن ضاق وقت بومبيو في الخارجية الأميركية، كما فشلت في إحداث انقسام واشتباك حول ما طرح من حياد لبنان لأن الجهة المعنية بالطرح والتي ما كان الطرح إلا ضدّها، لم تقع في الفخ ولم تنزل إلى ميدان الاشتباك السياسي، لأنها لم تجد ما يلزمها بالتدخل ولمست أنه طرح عقيم لن يصل إلى أيّ نتيجة في ظلّ شروط وضعتها المواقع السياسية الرسمية والنخب المسيحية ما جعل إمكان الاستجابة لطرح الحياد مستبعداً كلياً.

فالمقاومة اليوم وبعد 16 شهراً من إطلاق خطة بومبيو ضدها في لبنان، تعتبر في قوة لم تبلغها منذ إنشائها في العام 1982، وفي تماسك واحتضان جماهيري مميّز وفي امتداد وعمق إقليمي غير مسبوق، وبالتالي يستطيع بومبيو ان يقول بأنه تسبب بتجويع الشعب اللبناني بشكل إجرامي خسيس، لكنه لم يفلح في تركيعه او خنق المقاومة التي استمرّت في خطها الصاعد وقوتها التراكمية التي يبدو انّ «إسرائيل» تدركها وتخشاها وتلمس أنها تفعل فعلها في النفس الإسرائيليّة وتنتج حالة التخبّط والذعر والارتباك العام التي تجلت في مسرحية مزارع شبعا الفاشلة والمثيرة للتندّر وللسخرية من القيادة الإسرائيلية بمستوييها العسكري والسياسي فضلاً عن دوس هيبة من كان يوصف يوماً بالجيش الذي لا يُقهر، فإذا به يرى بين صخور وشجيرات مزارع شبعا يختلق أشباحاً يظنها رجال المقاومة فيخاف منها ويصيبه الذعر ويطلق النار ويقصف مدفعياً ويستدعي الطيران ويرفع درجات الاستنفار ويُنزل المستوطنين إلى الملاجئ… ثم يدّعي بأنه أفشل عملية تسلل، وانه قتل المتسللين الأربعة! وانه وثق العملية بالصوت والصورة وأنه وأنه إلخ…!

ثم ينهار كلّ ما تصوّر وأعلن وينفضح أمام صمت المقاومة التي صنعت له بصمتها منذ استشهاد المقاوم علي محسن على أرض سورية بنار عدوان إسرائيلي، صنعت له بهذا الصمت مثل هذا الرعب وجعلته يختلق أشباحاً تخيفه وتذعره فكيف حدث كلّ ذلك؟

المقاومة التي شاء بومبيو أن يراها في نهاية تنفيذ خطته منتفية الوجود بعد تجريدها من السلاح وتقطيع أوصالها، هذه المقاومة اليوم بمجرد صمتها تحدث في «إسرائيل» ذاك الخوف والإرباك، فكيف بها إذا نطقت وكيف بها إذا أطلقت النار على العدو واستعملت صواريخها الدقيقة؟

كثيرة هي التفسيرات التي يمكن أن تُعطى لمسرحية مزارع شبعا المضحكة، ولكننا ومنذ الساعات الأولى وبعد أن تأكدنا من أن المقاومة لم تقم بأيّ فعل ميداني خلال فترة تنفيذ المسرحية ما خلا المراقبة الثابتة عن بعد، رأينا ان إحدى فرضيات ثلاث قد تعطي تفسيراً لما حصل.

أولها القول بأنّ دورية إسرائيليّة وقعت في كمين إسرائيلي ظنها مقاومة فأطلق النار عليها ثم تخيّل أنه قتل المتسللين ثم جر القيادة الميدانية ثم الإقليمية ثم المركزية بمستوييها العسكري والسياسي إلى خطئه وأوهامه ويكون الخيال هذا نتيجة الرعب من المقاومة.

أما الفرضية الثانية فقد تكون رغبة نتنياهو في تقديم «خدمة للمقاومة» تتمثل بالقول إنها ردّت وطُوي الملف وثبّتت قواعد الاشتباك في سلوك معطوف على الاعتذار الضمني عن الجريمة الذي أرسلته «إسرائيل» إلى المقاومة عبر الأمم المتحدة، ما يؤكد أيضاً انّ هيبة المقاومة وقوتها فرضت على عدوها هذا السلوك.

أما الثالثة، فقد تكون محاولة نتنياهو المحاصر في الداخل بالاعتراضات والاحتجاجات الشعبية لنقل الاهتمام الشعبي من الداخل إلى الحدود ليقول بأنّ هناك خطراً يتهدّد «إسرائيل» من قوة «إرهابية» خطرة، وانّ الجيش جاهز للدفاع وعليكم الاهتمام بما يجري هناك، وأيضاً تقوم هذه الفرضية على قناعة «إسرائيلية» بقوة المقاومة والخوف منها.

بيد أنه أيا كانت الفرضيات، مع ترجيحنا للأولى خاصة أنّ قراراً إسرائيلياً صدر بعدها ولأول مرة تقريباً، ويتضمّن منع الجنود الصهاينة من إطلاق النار على أيّ عنصر من حزب الله مسلحاً او غير مسلح طالما أنه على أرض لبنان، قرار جاء بعد إقرار إسرائيلي بأنّ كلّ بيانات الجيش كانت خاطئة وان لا مقاومين تسللوا او قتلوا، وأنّ المسألة بدأت مع خوف مجنّدة من شبح تهيأ لها فأطلقت النار عليه ثم تسلسلت الأحداث الهزلية المثيرة للسخرية.

هذا على جانب العدو، أما المقاومة التي حصدت من المسرحية نصراً نظيفاً خالصاً من غير أن تطلق طلقة نار واحدة او تخطو في الميدان خطوة واحدة، هذه المقاومة صنعت نصرها النظيف بصمت استراتيجي قاتل ومدروس مارسته بعد استشهاد المقاوم، وصمت استمرت عليه حتى بعد الإعلان عن بدء المسرحية، ما جعل الجمهور الإسرائيلي وكل المراقبين ينتظرون بفارغ الصبر موقفها وبيانها حتى إذا صدر البيان تعامل الكلّ معه على أساس أنه الحقيقة وانّ كل ما ذكرته «إسرائيل» كذب وتلفيق وأوهام، أما الموقف الثالث الذي أفهم «إسرائيل» انّ مسرحيتها فاقمت مأزقها فقد تمثل بعبارة «الردّ آتٍ» التي تضمّنها البيان وأضاف إلى الردّ الأول رداً على تدمير العدوان منزل في الهبارية، وباتت «إسرائيل» ملزمة بمتابعة الانتظار على «رجل ونصف» لتتلقى الردود الحتمية الآتية.

كلّ هذا يحدث وبومبيو يتابع ويرى أنّ خطته للبنان لم تحقق أهدافها وأنّ الأيام المتبقية له في وزارة الخارجية لن تكون كافية لإنقاذ الخطة، كما أنها لن تكون كافية لإخراج «إسرائيل» من حال الارتباك والذعر أو حالة التردّد والخوف من الذهاب إلى الحرب، فالحرب تبقى مستبعَدة وتخبّط «إسرائيل» وارتباكها يبقى مستمراً، وبومبيو سيخرج من الخارجية الأميركية يحمل الخيبة مع أوراق خطته الإجراميّة الفاشلة التي لم تحدث إلا بعض ألم من معاناة في لبنان، لكنها لم تمسّ المقاومة التي تزداد قوة يوماً بعد يوم.

*

أستاذ جامعي – خبير استراتيجي.

«إسرائيل” اعتدت…والمقاومة ستردّ حتماً…فماذا بعده؟

العميد د. أمين محمد حطيط

تصرّ “إسرائيل” على الزعم بوجود قوات عسكرية إيرانية في سورية تتمركز بين دمشق والجولان وأنها تشكل خطراً على “الأمن الإسرائيلي”، لذا قرّرت التدخل العسكري للضغط على هذه القوات لإجبارها على الرحيل، وقد ادّعى نتنياهو انّ هذه الضغوط النارية أدّت بالفعل الى ضمور في الوجود الإيراني في سورية بشكل يشجع على مزيد من العمليات لاستكمال الانسحاب، ولأجل هذا تدّعي “إسرائيل” أنها كثفت عملياتها وطوّرتها الى العمق السوري في إطار ممارسة الضغوط الميدانية القصوى ضدّ الوجود الإيراني في سورية.

بيد أنّ الزعم الإسرائيلي يجافي الحقيقة في أكثر من موضع، أولاً لجهة طبيعة الوجود الإيراني إذ ليس لإيران قوات عسكرية ومراكز عسكرية قائمة استقلالاً عن القوات السورية، بل لديها كما أكدت مراراً خبراء عسكريون جاؤوا الى سورية بطلب من الحكومة الشرعية فيها ومهمّتهم تتركز على توفير ما يمكن من دعم للقوات السورية في حربها الدفاعية في مواجهة من شنّ الحرب الكونيّة التي تستهدفها. ثانياً لم يتراجع الوجود العسكري الإيراني حجماً ولم يتغيّر بطبيعته بتأثير من الاعتداءات “الإسرائيلية” وإذا كان قد تغيّر حجمه، فإنه تغيّر صعوداً وليس تراجعاً ما يؤكد فشل “إسرائيل” في تحقيق شيء من هدفها المعلن ولذلك نتجه للقول بأنّ للعدوان “الإسرائيلي” على سورية أهدافاً غير التي تعلنها.

أما عن وجود حلفاء إيران بخاصة حزب الله فإنّ وجوده في سورية وجود قتالي، وهو يجاهر به، وقد نفذه بناء على طلب من الشرعية السورية وعملاً بقاعدة تلتزمها المقاومة وأعلنتها جهاراً تقول “نكون حيث يجب أن نكون” وحزب الله في سورية لأنه رأى انّ عليه ان يكون فيها للدفاع عن المقاومة وعن محور المقاومة عبر مساعدة الجيش العربي السوري في إطار حربه الدفاعية في وجه عدوان شاركت فيها دول إقليمية ودولية حشدت أكثر من 300 ألف مسلح وإرهابي سوري وغير سوري لإسقاط قلعة المقاومة الوسطى.

إنّ اعتراض “إسرائيل” على قتال حزب الله الى جانب الجيش السوري أو السعي لمواجهته يشكل عدواناً مكتمل العناصر على سورية وحزب الله معاً، ولذلك كان واضحاً وقاطعاً الأمين العام لحزب الله بتوجيه إنذار الى “إسرائيل” مفاده انّ “أيّ مسّ بمقاوم او عنصر من عناصر الحزب يعمل في سورية سيردّ عليه من أيّ مكان في لبنان داخل او خارج مزارع شبعا”، وأرسى قائد المقاومة بمقولته تلك قاعدة اشتباك إضافية ومعادلة واضحة للمواجهة مع العدو من شأنها ان تحمي المقاومة وعناصرها على كلّ المستويات في سورية واختبرت “إسرائيل” جدية هذه المعادلة بعد أن نفذت المقاومة عملية “افيفيم” منذ أشهر حيث استهدفت بصواريخها المضادة للدروع قافلة “إسرائيليّة” داخل فلسطين المحتلة ثأراً لمقاومين استهدفتهم الطائرات الإسرائيلية.

ولكن يبدو أنّ “إسرائيل” تريد اليوم أن تختبر المقاومة مجدّداً بعد كثير من التطورات الإقليمية والداخلية اللبنانية، فأقدمت على عدوان جوي استهدف أحد مواقع حزب الله في ضواحي دمشق، ما أدّى الى استشهاد مقاوم من الحزب، وكعادته فإن الحزب لا يخفي شهداءه بل يفاخر بهم وإنْ كان يمتنع أحياناً لضرورات أمنية او عملانية عن تحديد مكان الاستشهاد وسببه، إلا أنه هذه المرة أعلن كلّ شيء عن الشهيد محسن الذي كان يرابط في سورية قادماً من بلدته عيتيت في جنوب لبنان. فنعى الحزب شهيده مؤكداً أنه قضى بنار عدوانية إسرائيلية استهدفت موقعه في سورية، نعي – إعلان يؤكد انّ شروط الردّ على العدوان متوفرة جميعها وفقاً للمعادلة الناظمة للمواجهة وبالتالي ليس الأمر بحاجة الى قرار بالردّ. فالقرار حتميّ طالما انّ شروطه اكتملت أما التنفيذ، فإنه يبقى خاضعاً لظروف عملانية لا تقيّدها سياسة.

بيد أنّ أسئلة تطرح هنا منها: لماذا استهدفت “إسرائيل” حزب الله الآن؟ وهل تريد أن تخرج من معادلة الردع الاستراتيجي المتبادل مع حزب الله؟ وهل يشكل عدوانها نقطة إضافية في مسار التهيئة للحرب ضدّ الحزب؟ أو لاستدراجه إليها؟ في ظلّ ما يروّج له من مؤثرات سلبية تحاصر حزب الله في الداخل اللبناني، حيث أضاف البطريرك الراعي الى مشاكل لبنان المؤلمة ملفاً خلافياً متفجراً بطرحه حياد لبنان في هذا التوقيت!

لقد سبق لـ “إسرائيل” أن اتخذت قراراً بالتنقيب عن الغاز في جوار البلوك 9 من المنطقة الاقتصادية اللبنانية، قرار يؤثر سلباً على حقوق لبنان في المنطقة البحرية المتنازع عنها، ما يجعل تنفيذه بمثابة تحدّ واستدراج لمواجهة عسكرية مع لبنان تردّ فيها المقاومة على العدوان الإسرائيلي من أجل حماية الغاز اللبناني، لكن “إسرائيل” وعبر القنوات الدبلوماسية وجهت رسائل غير مباشرة أوحت بأنّ القرار الإسرائيلي بالتنقيب هو قرار مستأخر التنفيذ وقد تكون وظيفته الفعلية والحقيقية الضغط على لبنان لجره الى طاولة التفاوض والقبول بحلّ أميركي يراعي مصلحة “إسرائيل”. وهكذا عطل المفعول التفجيري للقرار وبقي شبح المواجهة والحرب بعيداً.

اما الآن ومع المتغيّرات المتسارعة في لبنان والإقليم فإنّ طرح الأسئلة حول العدوان الجوي الإسرائيلي واستهداف المقاومة في سورية، مبرّر ويجب البحث عن هدف “إسرائيل” الحقيقي منه خاصة أنه منذ نعي حزب الله شهيده يُسجل سلوك عسكري إسرائيلي مريب في منطقة الحدود، ففضلاً عن الاستنفار الشامل استقدمت “إسرائيل” تعزيزات عسكرية كبيرة من المشاة والمدرّعات توحي بأنها تستعدّ لعمل عسكري ما، فهل ستكون الحرب وسيكون العدوان الجوي بطاقة الدعوة اليها؟ لكن وقبل مناقشة مسألة الحرب من عدمها نرى أنّ هناك ثلاثة أهداف رمت “إسرائيل” اليها مستغلة الواقع اللبناني الداخلي والضغط الأميركي هي:

1

ـ اختبار حزب الله وقدرته أو قراره في الردّ في ظلّ انشغاله بالوضع الداخلي في لبنان بعد المتغيّرات الأخيرة إثر التدابير الخانقة التي فرضتها أميركا على لبنان وسورية، وبعدما أحدثه طرح البطريرك الراعي من خلافات وسجالات حادة.

2

ـ محاولة “إسرائيل” الخروج من معادلة حماية المقاومين في سورية المعادلة التي أرساها السيد نصر الله كما وتريد فصل الميدان السوري عن الميدان اللبناني وهو ما يسعى محور المقاومة لجعلهما جبهة واحدة.

3

ـ مواصلة “إسرائيل” تنفيذ ما يقول عنه نتنياهو من استراتيجية الضغوط القصوى لإخراج إيران وحلفائها من سورية والتأكيد على نجاح هذه السياسة.

أما عن السؤال الآخر أيّ هل سيكون ردّ المقاومة مدخلاً للحرب؟

بداية نقول إنّ المقاومة ملزمة بالردّ والردّ حتمي لأكثر من اعتبار، وهو ردّ سيشكل في طبيعته ومكانه، تأكيداً على قوة وقدرة حزب الله المتصاعدة حجماً وفعالية، ردّ يوجه رسائل ضرورية الآن لكلّ معنيّ بالشأن، كما انه سيشكل عقاباً لـ “إسرائيل” على جريمتها، وثأراً لدم الشهيد، كما يشكل تثبيتاً صارماً لمعادلة الردع وقواعد الاشتباك الأساسية والإضافية.

أما عن الذهاب إلى الحرب فإننا نذكّر بأنّ المقاومة لا تزال تعمل بالاستراتيجية الدفاعية، وهي وإنّ كانت تنفذ بعض العمليات الهجومية فإنها تنفذها في معرض الدفاع، وهو أمر مألوف ومشروع، فإذا أرادت “إسرائيل” أن تثبت بأنّ قراراتها بالتنقيب عن النفط ثم استهداف المقاومة في سورية هي أعمال استدراج للحرب وتنتظر ردّ المقاومة لتشنّها أو أن تضع المقاومة بين خيارين إما الحرب او السكوت، فإنها لن تجد من المقاومة سكوتاً تشتهيه بل ستجد ناراً بمستوى ما يفرضه التحدّي.

وبالتالي الردّ واقع حتماً وعلى “إسرائيل” ان تختار بين ابتلاع الردّ الآتي لا محالة مهما كان حجمه وتأثيره أو الذهاب الى الحرب التي لا تسعى اليها المقاومة الآن، لكنها على أتمّ الجهوزية لها، جهوزية لم تؤثر فيها كلّ أعمال الصخب والضجيج والتحدّيات المتنوّعة في الداخل اللبناني أو الإرهاب الأميركي… ومع ذلك لا نزال نرى أنّ الحرب مستبعدة الآن و”إسرائيل” قبل غيرها تعرف أنّ الحرب ليست في مصلحتها… لكنها تحاول أن تبتزّ وتناور لتكسب شيئاً تظنّ انّ تحققه ممكن. ثم تحصد الخيبة.

*أستاذ جامعي – خبير استراتيجي

مقالات متعلقة

الحياد ومخاطر الدعوة إليه في لبنان؟

العميد د. أمين محمد حطيط

في خضمّ ما يعانيه لبنان من حصار أميركي، وانقسام داخلي ومخاطر متعددة العناوين من صحية (كورونا) ومعيشية مع تفشي البطالة وتفلت الأسعار، ووضع أقل ما يُقال فيه إنه من أسوأ ما شهده لبنان منذ إنشائه بقرار من المفوض السامي الفرنسي في العام 1920، في خضمّ هذا الوضع المأسوي البائس أطلق البطريرك الماروني لأنطاكية وسائر المشرق من لبنان مواقف تتعلق بواقع لبنان ومستقبله بناها على مقولة «الشرعية المصادرة» داعياً إلى حياد لبنان، الحياد الذي يرى فيه علاجاً لكلّ ما يعتور لبنان من مآسٍ وما يتهدّده من مخاطر. فهل الحياد يشكل فعلاً علاجاً لأمراض لبنان ويمكن اعتماده؟

للإجابة على هذا السؤال نبدأ أولاً بالتوقف عند معنى الحياد وطبيعته وشروطه المحددة في قواعد القانون الدولي العام وقانون النزاعات المسلحة والعلاقات الدولية، تلك القواعد التي تقول بان حياد الدولة يكون واحداً من ثلاثة: أولها الحياد العسكري، او الحياد المؤقت وثانيها الحياد الاتفاقي او الحياد الدائم، وثالثها الحياد الإيجابي عبر الانضواء في تكتل دولي محايد بين معسكرين دوليين متصارعين ولذا يسمّى «عدم انحياز»، وقد تبلور عملياً في حركة عدم الانحياز التي شكلها في منتصف القرن الماضي الثالوث المصري الهندي اليوغسلافي (عبد الناصر، نهرو، تيتو) وكان لبنان عضواً فيها ولا يزال رغم أفول شمسها وتراجع دورها حتى شبه الاضمحلال بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وما سبقه من غياب القادة التاريخيين الثلاثة الذين شكلوها، وبالتالي إنّ الدعوة إلى الحياد المتقدّم الذكر والمسمّى أيضاً بالحياد الإيجابي لا يعني بأيّ حال هذه الحركة أو ما يشبهها ويبقى أن تكون الدعوة إلى حياد مؤقت أو دائم.

بيد أنّ الحياد المؤقت أو كما يسمى أيضا الحياد الحربي هو موقف تتخذه دولة ما بإرادتها المنفردة التي لا تتوقف عند إرادة الأطراف المتواجهة في نزاع عسكري، موقف تحفظ فيه الدولة علاقتها السلمية العادية بكل الأطراف من دون أن تنحاز لأي منهما ودون ان يشكل أي منهم خطراً عليها او يقتحم إقليمها لاستعماله في الحرب ضد الطرف الآخر. أي تعلن الدولة حيادها بنفسها وتتخذ من التدابير ما يقفل إقليمها بوجه كافة الأطراف، وتحفظ علاقاتها السلمية المتوازنة مع الجميع، فهل هذا ممكن في حالة لبنان الراهنة؟

قبل الإجابة نعرض للحياد الدائم او الحياد التعاقدي، الذي يختلف عن الأول لكونه لا يمكن أن يبرم بإرادة منفردة او يعطي مفاعيله دون ان ترضى الدول الأخرى به اقله الدول التي لها مصالح مع الدولة المزمع إعلان حيادها، فإعلان هذا الحياد وإحداث مفاعيله يشترط عرضاً (إيجاباً) من الدولة، وقبولاً من الدول الموجّه اليها ثم إبرام معاهدة يوقعها الجميع تنشئ حالة حياد الدولة المعنية. فإذا قامت هذه الحالة وجب احترامها، او فرض حمايتها لذا يجب على الدولة المعنية ان تمتلك القوة العسكرية الكافية للدفاع عن نفسها وعن حيادها.

فإذا راجعنا حالة لبنان على ضوء ما تقدّم نجد انّ إقامة حياد مؤقت او دائم تتطلب في الحد الأدنى إرادة وطنية جامعة تقرره، وقوة عسكرية مانعة لتحميه، وعلاقة سلمية مع كل دول الجوار والإقليم موسومة بعدم وجود صراعات معها حول أي من المصالح، ويُضاف اليها في حالة الحياد الدائم، قبول الدول المعنية به للتمكن من توقيع اتفاقية الحياد كما تفرض قواعد القانون الدولي العام، فهل تتوفر هذه الشروط في الحالة اللبنانية؟

نبدأ بالإرادة الوطنية الجامعة، ونرى ان اللبنانيين منقسمون عمودياً بين فئتين رئيستين، فئة تفاخر بالانتماء إلى الأمة العربية وتعتبر نفسها جزءاً منها، وفئة لا تستسيغ فكرة الانتماء ولا ترتاح إلى ممارستها، ويضاف إلى ما تقدّم وجود من يعيش انتماءه إلى الأمة الإسلامية أيضاً فضلاً عن العربية وهؤلاء يرفضون فكرة الحياد بين أمتهم وبين أعدائها لانهم يعتبرون مصالح الأمة هي مصالحهم، وهنا نذكر بموقف هؤلاء المعترض أصلاً على فكرة قيام لبنان المستقلّ عن محيطه ويرون أن قبولهم بالدولة المستقلة بعد زمن لا يعني تنازلهم عن انتمائهم، وعليه لا ينتظر من هؤلاء القبول بفكرة الحياد التي تترجم بالنسبة لهم انسلاخاً عن جسم الأمة عربية كانت او إسلامية، واعتقد انّ صاحب طرح الحياد انتبه إلى هذه الثغرة ولطف طرحه بالقول «بالحياد مع الاستمرار بالاهتمام بالقضايا العربية المشتركة». ولكن هذا التلطيف وهذا التراجع لا يغني ولا يسمن، فالحياد له قواعده وضوابطه فأما ان تلتزم ويكون الكيان محايداً أو لا تلتزم ولا يكون، أما سياسة «النصف نصف» فهي تلاعب على الألفاظ لا يعتدّ به، ولنقل صراحة ان تشكل إجماع لبناني على الحياد بمفهومه القانوني أمر مستحيل الآن وهنا ننوّه بموقف الرئيس العماد ميشال عون الذي واجه به صاحب الطرح قائلاً «الحياد يستلزم وفاقاً وطنياً» كلمة مختصرة قد تكون كافية لنعي الطرح كله.

أما الشرط الثاني المتمثل بامتلاك القوة الدفاعيّة اللازمة لحماية الحياد، قوة تكون وحيدة لا شريك لها على الأرض اللبنانية أي إقامة الجيش القادر على حماية لبنان، فهذا أمر شبه مستحيل الآن ويصعب تحققه في المستقبل في ظل 3 عوامل تحكم الوضع اللبناني أولها القرار الغربي بمنع لبنان من امتلاك تلك القوة التي تقيد التحرك الإسرائيلي وتمنع «إسرائيل» من تحقيق مطامعها في لبنان، ثانيها وضع لبنان المالي الذي يحول دون شراء الأسلحة والتجهيزات اللازمة لبناء منظومة دفاع مجدٍ، والثالث انقسام لبنان حول فكرة التحوّل إلى أسواق السلاح البديلة، وبالتالي يجد الجيش اللبناني نفسه محاصراً بضيق ذات اليد، والقيود الغربية، ورفض داخلي للبدائل ما يبقيه من غير سلاح يُعتدّ به لمواجهة المخاطر وتبقى القوة الدفاعية الرسمية الكافية حلماً لا يطال وتكون الحاجة إلى الحلّ الاحتياطي المتمثل بالمقاومة الشعبية أمراً لا مناص منه كما يرى رئيس الجمهورية العماد عون أيضاً، الأمر الذي يرفضه صاحب فكرة الحياد. وهنا انقسام آخر.

أما شرط إقامة علاقة سلمية متوازنة مع دول الإقليم لا عداء فيها فإنه أيضاً أمر مستحيل، فجيران لبنان اثنان دولة سورية الشقيقة، والكيان الصهيوني العدو الغاصب. واذا كانت العلاقة مع سورية محكومة بعوامل الأخوة والصداقة وبالاتفاقيات المبرمة معها والتي تنص على أنها علاقات مميّزة كما ورد في اتفاقية الطائف، فإنّ العلاقة مع «إسرائيل» عكس ذلك تماماً، فـ «إسرائيل» عدو للأمة التي ينتمي اليها لبنان ولا يغيّر من طبيعة هذه العلاقة إقدام بعض العرب على الصلح والتطبيع معها، كما أنها عدو للبنان تغتصب حقوقاً وتطمع بحقوق ومصالح في البر والبحر أرضاً وثروة وتنتهك السيادة وتهدّد مستقبل لبنان وجوداً ودوراً ووظيفة. وأيّ حياد يطرح قبل أن نستنقذ حقوقنا ومصالحنا من براثن «إسرائيل» يكون فيه انتحار ذاتي وخدمة للعدو، حقيقة وعاها صاحب الطرح كما يبدو وألمح إليها متأسفاً بالقول «للأسف… إسرائيل عدو» وطبعاً أسفه لا يقدّم ولا يؤخّر في طبيعة العلاقة بل إنه ينسف فكرة الحياد التي يطرحها.

وأخيراً نصل إلى فكرة قبول الحياد من قبل مجموعة الدول المعنية بالعلاقة مع لبنان، وهو قبول يشترط استباقه بأمرين، تصفية العلاقة والنزاعات حول المصالح البينية ثم عرض (إيجاب) يتقدّم به لبنان من اجل ان يستدعي القبول والموافقة عليه من قبل الطرف الآخر. وهنا نجد ان ما يحكم علاقة لبنان بـ «إسرائيل» جملة ملفات خطيرة منها توطين الفلسطينيين والخروج من الأرض اللبنانية المحتلة والاعتراف بالحدود البرية دون مناورة لإعادة ترسيمها والإقرار بالحدود البحرية دون الطمع بمساحات من منطقة لبنان الاقتصادية، فهل تقر «إسرائيل» بهذه الحقوق؟ نسارع للقول طبعاً لا. وها هي صفقة القرن تؤكد بكل وضوح انّ الحلّ الذي تطرحه يطيح بمصالح لبنان تلك، وبالتالي أي سلام يبتغى مع «إسرائيل» في ظل أطماعها تلك؟ أما سورية فيكفي ان نعود معها إلى مواقف سياسية أعلنت من قبل مسؤوليها لنجد أنها كلها تقطع برفض القبول بحياد لبنان ما يقود إلى القول إن الجوار غير جاهز للقبول بهذا الحياد أي يتعذر قيام الحياد الاتفاقي او الحياد الدائم.

حقائق اعتقد أن على مَن طرح الحياد ان يتوقف عندها، وبالتالي يكون من الأفضل له وللبنان ان يتجنب طرحاً مستحيلاً في مثل هذا الظرف بالذات، إذ لن يكون للطرح أثر او مفعول إلا زيادة الانقسام والتشرذم وإضافة ملف خلافي جديد تستفيد منه أميركا في خطتها الرامية لإنتاج فراغ سياسي مترافق مع الحصار والتجويع المنتج للفتنة والاقتتال الداخلي والممهّد لعدوان «إسرائيلي» على لبنان.

*أستاذ جامعي – خبير استراتيجي

مقالات متعلقة

هل تحقق أميركا أهدافها بـ «استراتيجية القوة الذكيّة الخفيّة»؟

العميد د. أمين محمد حطيط

كان السعي الأميركي ويكاد لا يزال مستميتاً من أجل السيطرة على العالم، ورغم كلّ الإخفاقات التي وقع فيها المشروع الأميركي العالمي القائم على فكرة الأحاديّة القطبيّة، فإنّ كثيراً من أرباب هذا المشروع لا يزالون مصرّين على المحاولة ويتصوّرون وجود فرص لإنقاذه، رغم أنّ أحداً من العقلاء لا يرى أنّ فرص نجاح الأحاديّة القطبيّة فيها شيء من العقلانية والموضوعية بل نكاد نرى إجماعاً بين الباحثين والاستراتيجيين العقلاء الموضوعيين، على القول بموت الأحادية وتشكل البيئة الدولية لنظام عالمي قيد التشكل حالياً قائم على تعددية المكونات والمجموعات الاستراتيجية، نظام لا ينفرد به أحد ولا يُقصى عنه إلا الضعفاء الخائرو القوى، ويكون للمكون فيه من الوزن والنفوذ مقدار ما يملك من قوة وقدرة ذاتية او تحالفية..

بيد أنّ أميركا التي خسرت منطقيّاً مشروعها الأحادي القطبية تصرّ على محاولة السيطرة وإسقاط الأعداء ومحاصرتهم، ويبدو لها الشرق الأوسط الميدان الرئيسي للعمل المجدي نظراً لخصائص هذا الميدان وجغرافيّته وثرواته، ومن أجل الإمساك الأحادي بالمنطقة عملت أميركا باستراتيجيات متتابعة مختلفة، كلما تعثرت في واحدة انتقلت إلى أخرى بدءاً من العام 1990 أيّ بعد تفكّك الاتحاد السوفياتيّ حيث سارعت إلى زجّ جيوشها وجيوش حلفائها في جبهات الشرق الأوسط عملاً بـ “استراتيجية القوة الصلبة” التي تعثرت في العام 2006، حيث عجزت في لبنان عن تحقيق أهداف “إسرائيل” وأميركا في الميدان عجزاً أجبر أميركا على التحوّل إلى “استراتيجية القوة الناعمة” التي سقطت هي الأخرى في العام 2009 في إيران بعد لبنان، فكان تحوّل أميركي إلى “استراتيجية القوة العمياء” والحروب البديلة التي تخوضها أميركا بتجميعات إرهابية شكلت واستجلبت وزجّت في الميدان تحت عناوين دينيّة تحاكي ما كان قاله رئيس “سي أي آي” (C.I.A.) السابق في محاضرته أمام معهد عسكري في أميركا في العام 2006 أيّ بعد هزيمة “إسرائيل” وأميركا في جنوب لبنان، حيث قال هذا المسؤول السابق “علينا ان نصنع لهم سلاماً يناسبنا فينقسمون حوله ويقتتلون حتى يتآكلوا ثم يستغيثوا بنا فنعود إليهم محتلين مجدّداً”.

وبمقتضى “استراتيجية القوة العمياء” هذه شنّت الحرب الكونية على سورية، لكن سورية صمدت في مواجهتها واستطاعت بعد ان كانت فقدت السيطرة على 80% من أرضها في العام 2015، استطاعت ان تستعيد السيطرة على أكثر من 80% من مساحتها ووجهت بذاك رسالة حاسمة وقاطعة لقوى العدوان وعلى رأسها أميركا بأنهم فشلوا وانّ استراتيجيتهم أخفقت كما فشلت سابقاتها الصلبة والناعمة، واصطفّت العمياء إلى جانب ما مضى.

وبدل أن تقرّ أميركا باستحالة مشروعها وتتحوّل عنه إلى نهج واقعي عادل تعترف فيه للآخرين بحقوقهم، أمعنت في النهج العدواني وابتدعت استراتيجية عدوان رابعة قد تكون الأكثر خبثاً وكيداً مما سبق، استراتيجية عبّر عنها أحد المنظرين الاستراتيجيين لديهم في محاضرة ألقاها في “إسرائيل” في 1/12/2018 أكد فيها أنّ المواجهة الجديدة ستكون مختلفة عما عداها ويجب أن تنجح هذه المرة في تحقيق المبتغى، فهذه المرة “ليس الهدف تحطيم المؤسسة العسكرية للعدو بل الهدف هو الإنهاك والتآكل البطيء لقوى العدو، ويكون ذلك بزعزعة الاستقرار في دولة الخصم وهو أمر ينفذه مواطنون من الدولة بوجه حكوماتهم، وحصار وتجويع يمارَس من الخارج حتى يثور الشعب بوجه الحكومة ويمارس ذلك بشكل متواصل وصولاً إلى إرغامه على المجيء راكعاً إلى طاولة التفاوض والخضوع لإرادتنا”.

هذه هي استراتيجية أميركا اليوم في المنطقة، الاستراتيجية التي تترجم في لبنان حصاراً ودفعاً إلى التآكل وعدم الاستقرار. وهذا ما يفسّر كلّ ما جرى من آذار 2019 حيث أطلق بومبيو خطة إسقاط لبنان من بيروت… انّ استراتيجية القوة الخفية الذكية التي تشنّ أميركا بمقتضاها الحرب على لبنان وتدّعي أنها حرب على حزب الله فقط، تترجم بالتلاعب بالنقد الوطني والحصار الاقتصادي والتهويل بالتجويع، وأخيراً بطرح “حياد لبنان” وما أنتجه الطرح من انقسام في لبنان ينذر بانفجار داخلي لم يعد أمره مستبعداً في ظلّ الاحتقان القائم بسبب طرح عقيم لا أرضية واقعية مطلقة لنجاحه، طرح علم صاحبه استحالة تطبيقه واستمرّ مُصراً عليه، وهنا الارتياب الشديد من الطرح وصاحبه، حيث يبدو أنّ المقصود هو التشرذم والانقسام وليس تنفيذ الطرح بذاته.

أما في سورية فإنّ “استراتيجية القوة الخفية الناعمة تترجم بالمقولة الأميركية “إطالة أمد الصراع” ومنع الحلّ السياسي ومنع الحسم العسكري ما يقود إلى الإنهاك والتأمّل وهذا ما تنفذه أميركا بيدها وعبر أدواتها تركيا والجماعات الإرهابية ويعطى الدور المتقدّم فيها لتركيا و”قسد” والآن تحرك جماعات المسلحين في الجنوب، طبعاً يُضاف إلى هذا ما جاء به “قانون قيصر” من حصار وخنق لسورية اقتصادياً ومالياً ورغبة في فرض عزلة دولية كامل عليها اقتصادياً.

ونصل إلى إيران، حيث تبدو تطبيقات “القوة الخفية الذكية” من طبيعة مختلفة قسوة وإيلاماً، فقد لجأت أميركا و”إسرائيل” إضافة إلى الحرب والإرهاب الاقتصادي ضدّ إيران، وبعد أن مارست عمليات الاغتيال الصريح المعلن عنها، لجأت إلى الحرب السيبيرانية وعمليات الخلايا الإرهابية لتنفيذ التخريب والإخلال بالأمن في الداخل الإيراني، وترجم هذا باغتيالات مسؤولين، وتفجيرات مراكز ذات صلة بالملف النووي الإيراني السلمي، وحرائق في مراكز اقتصادية استراتيجية واعتداءات على مراكز عسكرية، تطبيقاً لاستراتيجية “القوة الخفيّة الذكيّة” التي تسبّبت في إيران بخسائر بشرية ومادية أنتجت حذراً وفرضت تأهّباً لا بدّ منه.

وبهذا نقول وضوحاً إنّ المنطقة والعالم عامة ومحور المقاومة بشكل خاص دخلا في طور جديد من المواجهة مع أرباب المشروع الصهيو – أميركي، مواجهة تعتمد استراتيجية القوة الخفية الذكية المركبة من إخلال بالأمن، وحصار اقتصادي، وأعمال قتل وتخريب لا يُعلن عن الفاعل فيها (ولذلك هي قوة خفية) ويقوم بتنفيذها بشكل رئيسي مواطنون من الدولة المستهدفة، عملاء أو مغرّر بهم، وخلايا مسلحة خفية نائمة أو علنية رافضة للحكومة، وتدار بيد أميركية صهيونية تعلن عن نفسها حيناً وتبقى متخفية أكثر الأحيان.

بيد انّ الدفاع في مواجهة القوة الخفية الذكية المركبة ليس امراً سهلاً حيث لا بدّ ان يكون أيضاً دفاعاً مركباً فيه التدابير الداخلية لتحصين المناعة الداخلية منعاً للإنهاك المعنوي، وفيه اجتراح البدائل لتعطيل مفاعيل الحصار الاقتصادي، وفيه التدابير السياسية والأمنية للمحافظة على الاستقرار الداخلي ومنع زعزعته، وأخيراً وهذا الهامّ جداً فيه العمليات الانتقامية وردود الفعل المؤلمة ضدّ العدو عبر عمليات أمنية وهجومات سيبرانية وأعمال انتقامية تصيب بنيته، وهذا ما بدأت إيران بفعله ويقتضي تكثيف العمل على هذا المسار حتى يشعر العدو بالألم فيتوقف عن العدوان.

وعليه نرى انّ شروط نجاح أميركا في استراتيجية القوة الخفية الذكية المركبة هي أربعة…

ـ وجود مواطنين في الدولة يرتضون التحوّل إلى عملاء لها لزعزعة الاستقرار، وعجز الدولة عن احتوائهم ومنعهم من ارتكاب جرائهم، ثم عجز الدولة عن إيجاد البدائل الاقتصادية التي تمنع الجوع والانهيار، وأخيراً عجز الدولة عن القيام بالأعمال الدفاعية الانتقامية رداً على الحرب السيبيرانية والإرهابية التخريبية.

وفي تقييم أوّلي نجد انّ إيران بما لديها من قوة وإرادة وخبرة قادرة على المواجهة، وقادرة على إنزال الهزيمة بالعدو في استراتيجيته الرابعة هذه، أما سورية التي صمدت وانتصرت في مواجهة أعتى حرب كونية تستهدف دولة فإنها تملك القدرة والخبرة والثقة والإرادة على أفشال أميركا و”إسرائيل” في هذا النمط الجديد أيضاً، ويبقى لبنان الذي قد يشكل خاصرة الضعف في المشروع نظراً لاعتبارات ديمغرافية وسياسية وبنوية وطائفية، وهذا ما يستلزم الاستعداد والحذر، ورغم ثقتنا بقدرة المقاومة وحلفائها في السلطة وخارجها كما ومناعة بيئة المقاومة ثقتنا بقدرتهم على المواجهة حتى تحقيق فشل المشروع، إلا أننا نرى انه من الواجب التحذير من خطورة الموقف…

*أستاذ جامعي – خبير استراتيجي

المقاومة الاقتصاديّة حاجة لبنانيّة للدفاع عن النفس.. فما هي أركانها؟

العميد د. أمين محمد حطيط

بعد أن باتت مكشوفة خطة أميركا التي تستهدف لبنان عدواناً عليه من أجل الإطاحة بمكتسباته التي حققها بصموده ومقاومته التي حرّرت الأرض في الجنوب وأقامت توازن الردع الاستراتيجي مع العدو الإسرائيلي ووفرت الحماية الفاعلة لثرواته الطبيعية من ماء ونفط، بعد أن اتضحت معالم تلك الخطة باعتبارها تقوم على سلسلة من حلقات تبدأ بالحصار والتجويع وتمرّ بالفتنة والاقتتال الداخلي وتنتهي بعدوان إسرائيلي يشترط لتنفيذه النجاح في المراحل السابقة أي فرض التجويع ونشر الفتن والاقتياد إلى الحرب الأهلية.

بعد كل هذا أضحى الدفاع عن لبنان ومنع العدوان الإسرائيلي عليه وقبله منع الفتنة والاقتتال فيه، يبدأ بمنع التجويع، وباتت مسألة تحقيق ما يحتاجه الناس من أجل معيشتهم من سلع وخدمات، واجباً وطنياً يندرج في إطار تحقيق الأمن والسلامة العامة، باعتبار أنّ الأمن الغذائي والأمن المعيشي هو في الأصل فرع من فروع الأمن العام أما مع وجود خطة عدوان خارجي تستند إلى هذا العنصر وتتوسّل الإخلال بالأمن الغذائي للنيل من لبنان، فقد بات تحقيق الأمن. هذا يشكل وجهاً من وجوه الدفاع.

وبهذا يجب ان تفهم دعوة الأمين العام لحزب الله لممارسة المقاومة الاقتصادية عبر تحويل التهديد بالجوع والعوز والفاقة، إلى فرصة يستغلها لبنان يحول من خلالها اقتصاده من اقتصاد ريعي واهن يقوم على الخدمات إلى اقتصاد قوي متماسك يقوم على الإنتاج، اقتصاد تكون عماده الزراعة والصناعة التي يتحكم بمسارها اللبناني ذو الخبرة والكفاءة والقادر على استغلال أرضه في الزراعة وأمواله وكفاءاته في الصناعة استغلالاً يمكنه من تحويل وجهة توفير السلع واستبدال المصادر الخارجية لها التي تهدر الأموال الصعبة إلى مصادر داخلية تحقق له اكتفاء ذاتياً يبقي العملة الصعبة في الداخل في مرحلة أولى ثم يتطور إلى التصدير ليصبح مصدراً لتدفق الأموال من الخارج بما يعيد شيئاً من التوازن للميزان التجاري الذي تفاقم اختلاله منذ العام 1992 تاريخ الاعتماد حصراً على الاقتصاد الريعيّ وتدمير الصناعة والزراعة في لبنان بعيداً عن الاقتصاد الإنتاجي.

علينا أن ندرك أننا في حرب حقيقية الآن وان المواجهة فيها ليست بين تجار يتنافسون على ربح مادي من أسعار سلع وخدمات يوفرونها. فالمسألة ليست تنافساً واحتكاراً يمارسه تاجر بل هي حرب بكل معنى الكلمة تقوم على مبدأ أطلقه الغرب منذ ثلاثة قرون قال فيه إن “مالك الرزق يكون مالكاً للعنق ومن تحكم بلقمة عيشك أخضعك بسهولة”، مبدأ اتجهت أميركا إلى العمل به وبشراسة بعد ان عجزت في المواجهة في الميدان رغم تقلبها في مختلف صيغ المواجهة واستراتيجيتها من قوة صلبة إلى قوة ناعمة إلى قوة مركبة ذكية. بعد كل هذا قررت أميركا الحرب الاقتصادية او الإرهاب الاقتصادي تمارسه على لبنان عامة وتدّعي بأنها تستهدف به حزب الله فقط وهو ادّعاء كاذب طبعا، وبعد أن بلغت المواجهة بين المحور الاستعماري الذي تقوده أميركا ومحور المقاومة الذي ينتظم فيه حزب الله أوجها في لبنان وطالت لقمة المواطن وكل مفاصل حياته ومعيشته وباتت محطة ممهدة للعدوان الخارجي على لبنان، عدوان يستهدف حقوقه في الأرض والبحر وسيادته في الأجواء، فإن مواجهة عدوان أميركا ورفض الاستسلام لها باتت تشكل واجباً وطنياً يندرج في سياق الدفاع عن الوطن دفاعاً يهدف إلى التحرر الاقتصادي من الهيمنة الأميركية، تحرراً لا يقل أهمية عن تحرير الأرض والإرادة.

والتحرر الاقتصادي المطلوب هذا هو الذي يستلزم المقاومة الاقتصادية التي يجب أن يلتزم بها كل مواطن قادر على عمل ما في سياقها، مقاومة لا تقتصر على مسألة تحويل الإنتاج من ريعي إلى إنتاجي والسير في طريق تحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع الاستهلاكيّة والخدمات التي يحتاجها الفرد والجماعة، بل مقاومة تشمل التفلت من القبضة الأميركية في اختيار الشركاء في العملية الاقتصادية والخروج من حالة يكون فيها رضا أميركا شرطاً للتعامل الاقتصادي مع الخارج إلى وضع تكون فيه “مصلحة لبنان هي المحرك لإقامة أي علاقة مع الخارج” وفي حال انتقل لبنان من الأولى إلى الثانية أي انتقل من رضا أميركا إلى مصلحة لبنان، سيجد أميركا تتراجع كثيراً عن ممارستها الوحشية للإرهاب الاقتصادي ضده… وعلى لبنان أن يملك شجاعة القرار وشجاعة المواجهة في التنفيذ وسيجد أن الأمور أهون بكثير مما كان يُتوقّع أو يُظنّ.

وإضافة إلى التحوّل في طبيعة الاقتصاد، والتحوّل في اختيار الأسواق الخارجية، هناك شرط ثالث لنجاح المقاومة الاقتصادية، وهو شرط داخلي إداري مالي ذاتي، يتمثل بالإصلاح الإداري والمالي وبمراجعة النظم الإدارية والمالية القائمة في لبنان والقيمين عليها، والانتقال من التصوّر القائم اليوم لدى غالبية الموظفين في لبنان ومن كل الفئات والأسلاك، تصور يتمثل بالقول بأن “الوظيفة العامة هي ملكية واستثمار” ملكية للطائفة واستثمار بيد مَن يتولاها، والانتقال إلى المفهوم الوطني لها واعتبار “الوظيفة العامة خدمة وطنية عامة” والموظف عامل مأجور لدى لشعب وليس جلاداً يتحكم بأموال الشعب وأعصاب أفراده.

إنها شروط ثلاثة يفترض توفرها لنجاح المقاومة الاقتصادية بالشكل الذي يعول عليه لإنقاذ لبنان وحمايته وجوداً ودوراً، شروط يجب أن تكون ماثلة في ذهن كل مَن يحاول وضع استراتيجية دفاعية للبنان، فالدفاع لا يتوقف عند تحرير الأرض ودرء الخطر الناري عليها بل يشمل كل التدابير التي تستهدف حماية الأرض ومَن عليها في وجوده وحقوقه ومستلزمات عيشه وكرامته وسيادته. وبهذا نجعل الخطر الذي يشكله العدوان الأميركي على لبنان الآن والذي يُنذر بأسوأ العواقب نجعله فرصة يصنع فيها اللبناني حبال النجاة وجسور العبور من دوائر الخطر على المصير إلى مواقع الطمأنينة للمواطن والوطن…

أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

هل تنجح محاولات إسقاط تسوية درعا والجنوب السوريّ؟

العميد د. أمين محمد حطيط

كانت الشرارة الأولى للحرب الكونية التي استهدفت سورية تنطلق من درعا، وألبست الحراكات تلك يومها لباس الثورة التي تنفجر ضد الواقع السياسي والمعيشي حتى والأمني والاستراتيجي للدولة السورية. واستمرّت درعا ومنطقتها في موقع مميّز على خريطة الحراكات الميدانية خاصة بعد أن تحوّل ما أسمي ثورة إلى حرب تخوضها الجماعات المسلحة والإرهابية التي تقاطرت إلى سورية من أربع رياح الأرض في سياق خطة محكمة وضعت ونفذت بقيادة أميركية وانتظام من دول عربية وإقليمية وأوروبية تسعى جميعها إلى إسقاط سورية ونظامها، وإعادة تركيبها على أساس طائفي عرقي ومذهبي واهن يكون التقسيم فيه جوهر الحل وتكون التبعية لأميركا والانصياع لمقتضيات المشروع الصهيوأميركي سمته الرئيسية.

بيد انّ الحرب الكونية التي استهدفت سورية ونفذت فيها بخطط متتابعة واستراتيجيّات متتالية، لم تفلح في تحقيق أهدافها ـ رغم أنها توصلت في العام 2015 إلى السيطرة على أكثر من 65 إلى 70 % من مساحة سورية، لكن الحكومة السورية وبدعم من حلفائها في محور المقاومة وروسيا، أطلقت في العام 2015 خطة استعادة السيطرة على ما خرج من يدها وعاث فيه الإرهابيون فساداً وأنزلوا به الدمار برعاية أميركية أوروبية تركية عربية مستفيدة مما أسمي تحالف دولي تحت اسم ملفق هو «أصدقاء سورية» وهو تحالف مارس أبشع أنواع السياسات العدوانية ضدّ سورية شعباً وأرضاً ونظاماً وثروات.

وضعت الخطة السورية لاستعادة المناطق إلى كنف الدولة وقامت على ركنيين رئيسين، العفو والمصالحة أولاً، فإنْ فشلت المحاولة يكون الثاني متمثلاً بالعمل العسكري الذي يخرج الإرهابيين من الأرض التي يسيطرون عليها ويحرّر المواطنين السوريين من قبضتهم الإجرامية. ووضعت القيادة السورية خططاً تنفيذية مناسبة لكلّ من هذين المسارين، وسجل المسار الأول أيّ المسار التصالحي نجاحاً منقطع النظير وحقق تحرير مناطق شاسعة في سورية من غير قتال. ونجح مع المسار القتالي في تحرير بسط سلطة الدولة على أكثر من 80% من الأرض السورية الآن.

بيد أنّ المصالحات التي نفّذت، كانت محكومة بقواعد وضعتها الدولة تراعي بحزم المصلحة الوطنية أمننا وانتظام الحياة العامة في المناطق التي تجري فيها المصالحة، وعليه كانت تؤدي المصالحة إلى العفو عن كلّ مسلّح أراد أن يعود إلى حياته المدنية العادية في كنف الدولة مواطناً عادياً، ويتخلّى عن سلاحه وارتباطه ويخضع لأحكام القانون كافة منذ لحظة دخول المصالحة حيز التنفيذ، أما مَن لا يرتضي ذلك فيخرج مع سلاحه من المنطقة حتى تتمكن الدولة عبر القوى العسكرية والأمنية ومن دون شريك بسط الأمن وحماية السكان وحقوقهم ونشر سيادة الدولة كلياً على المنطقة المساعدة.

لكن المصالحة في درعا لم تراع مبادئ المصالحة التي اعتمدت في بقية المناطق، حيث إنه وبتدخل مباشر من الحليف الروسي ومن أجل تسهيل المهمة التي هي على وجه من التعقيد والخطر، صيغت لتلك المنطقة منظومة قواعد وأحكام أعطت المسلحين مكاسب لم ينلها أحد سواهم في المناطق الأخرى في إطار المسار التصالحي، وكان هذا التساهل بسبب خصوصية درعا ورغبة من الدولة السورية في الإسراع في طي صفحة الخطر الإسرائيلي الأميركي الجاثم في الجنوب والرامي إلى إقامة كيان انفصالي برعاية إسرائيلية مباشرة تذكر بما صنعت «إسرائيل» في لبنان وأقامت «المنطقة الأمنية» وجنّدت ما أسمته «جيش لبنان الجنوبي» ليكون قناعها لاستمرار احتلالها للمنطقة.

وهكذا فإنّ خطر الاحتلال والانفصال الذي ترعاه «إسرائيل» فرض المرونة في تطبيق قواعد المصالحة في درعا ومنطقتها، ولذا اعتمدت للمنطقة قواعد خاصة قضت بقبول مَن يرغب من المسلحين في البقاء في درعا مع سلاحهم وانتظام من يرغب أيضاً منهم في الفيلق الخامس الذي أسّسته الدولة في السنوات الأخيرة ليكون جزءاً من الجيش العربي السوري، وله خصوصية معينة، وهكذا شكل لواء خاص بمسلّحي درعا الحق بهذا الفيلق تحت تسمية اللواء الثامن الذي انتظم إفرادياً فيه ما بين 1500 إلى 1700 مسلّح.

وكانت الدولة ومعها روسيا التي تولي عناية خاصة للفيلق الخامس تنظيماً وتسليحاً حتى وإدارة عمليات، تعوّل على ترويض هؤلاء المسلحين سواء في الفيلق او في إدارات الدولة الأخرى التي أدخلوا اليها وحملهم على التخلي عن ماضيهم الإجرامي بحق الشعب والوطن، والعمل بنفس وطني خالص لا شائبة فيه.

بيد أن كثيراً من المسلحين الذين احتفظوا بسلاحهم في دوائر الدولة أو خارجها خيّبوا الظنّ السوريّ والروسيّ بهم وعاد بعضهم إلى ارتكاب الأعمال الإرهابيّة ضدّ الجيش العربي السوري ومراكزه المنتشرة في المنطقة كما وضدّ المدنيين، وراحوا يبدون من التصرفات ما بات ينذر بسقوط التسوية خاصة بعد أن أعلن من تولى قيادة اللواء الثامن في الفيلق الخامس (لواء مسلحي درعا) سعيه إلى إقامة «جيش الجنوب السوري» (ما يذكر بجيش لبنان الجنوبي) ورغبته في إقامة كيان خاص بدرعا ومنطقتها مستقلاً ذاتياً عن الحكومة المركزية في دمشق. وهنا يُطرَح سؤالان: الأول لماذا هذا التحرك المناهض للدولة ووحدتها الآن بعد عامين تقريباً من إتمام المصالحة؟ والثاني هل تنجح المحاولة؟

في الإجابة على السؤال الأول نرى أن المصالحة في درعا تعثرت وباتت مهدّدة بالسقوط للأسباب التالية:

واقع المسلحين الذين توزّعوا بعد المصالحة بين فئات أربع: فئة الوطنيين الجديين بالمصالحة وترك السلاح، وفئة المكابرين المتمسكين بحمل السلاح في صيغة ترعاها روسيا، وفئة معتزلي العمل المسلح كلياً والانكفاء، وفئة الخلايا النائمة التي لا زالت على ارتباط بالخارج وتتحرّك بأوامره وهي مع الفئة الثانية الأخطر على الأمن والاستقرار خاصة بعد أن تحوّلت الآن من نائمة إلى عاملة فاعلة وشجعت عناصر الفئة الثانية على التفكير بالانقلاب على المصالحة.

تأثير اليد الأجنبية الأميركية الإسرائيلية التي تعمل باستراتيجية «إطالة أمد الصراع» والسير نحو إنشاء الكيانات الانفصالية، كما هو حال الكرد في الشمال او السعي التركي في إدلب.

الواقع المعيشي الصعب الذي بدأ بالحرب وتفاقم بسبب الكورونا وتعاظم مع قانون قيصر وما فرضه من حصار متشدد على سورية.

تأخر الحل النهائي للأزمة السورية وخشية المسلحين وتعثر تحرير إدلب وشرقي الفرات ما دغدغ مشاعر المسلحين للعودة إلى الميدان ضد الدولة مع الخشية من تطبيق أحكام التجنيد الإجباري بحقهم واضطرارهم إلى قتال رفاقهم بالأمس.

كل هذه العوامل تضافرت معاً ودفعت بعض مسلحي الفئة الثانية والرابعة إلى ان تتوق للعودة عن المصالحة واستعادة الوضع الذي كانوا فيه قبلها وحتى السير قدماً نحو الاستجابة للسعي الإسرائيلي ضد وحدة سورية واستقرارها ومنع استعادة السيطرة التامة وبسط السيادة على كامل أراضيها؟

أما الإجابة على السؤال الثاني، فنرى فيها أن محاولة الانقلاب على المصالحة وإخراج درعا من سيطرة الدولة والعودة إلى العمل بأوامر أميركية إسرائيلية، أنها محاولة لن تنجح خاصة أن سورية اليوم لديها القدرة على مواجهة الخطر بما يقتضيه الموقف من عمل أو تدابير يبدو أنها وضعت موضع التنفيذ وفقاً لخطة علاج مركب أولاً من تدابير تنظيمية وأمنية واستخبارية لاحتواء الخطر ثم منع تفاقم الخطر واجتثاثه في مرحلة ثانية عبر العمل بما يلزم أمنياً وعسكرياً على السواء وهنا نرى أنّ قرار حلّ اللواء الثامن وإخراجه من الفيلق الخامس وتحويل من يرغب من عناصره إلى قوات الدفاع الوطني هو خطوة أولى ستعقبها خطوات أشدّ أثراً وأكثر فعالية ما يمكننا من القول إن محاولات نشر الفوضى والإرهاب في درعا لن تنجح وأن الدولة واعية لما يجري كما أنّ الرأي العام الشعبي في المنطقة هو في معظمه متمسك بالدولة ولن يوفر البيئة الحاضنة للإرهابيين الراغبين بالعودة إلى الوراء..

أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

فيديوات متعلقة

قرار «إسرائيل» بالتنقيب عن النفط في لبنان:‏ إعلان حرب أم استثمار فرصة؟

العميد د. أمين محمد حطيط

منذ أن ظهر التباين بين لبنان والعدو الإسرائيلي بشأن حدود المنطقة البحرية الاقتصادية الخالصة للبنان، امتنعت «إسرائيل» عن الاقتراب من المنطقة التي يتمسك بها لبنان ويصرّ على أنها جزء من حقوقه خشية من ردّ فعل المقاومة، ولم تفلح الوساطة الأميركية رغم مضيّ أكثر من 6 سنوات على انطلاقاتها لم تفلح في حلّ الخلاف حول المنطقة المتنازع عليها والبالغة مساحتها 862 كلم2.

الخلاف اللبناني الإسرائيلي هذا فاقمه أيضاً العدوان الإسرائيلي على 13 منطقة حدودية جنوبي خط الحدود الدولية مع فلسطين المحتلة، التي تطمح «إسرائيل» لإسقاطها وإعادة ترسيمها مجدّداً بما يكسبها مساحات تحتلها الآن وتدّعي خلافاً للحقيقة والقانون بأنها مناطق متنازع عليها، وهي ليست مطلقاً محلّ نزاع لأن اتفاقية بوليه نيوكمب نهائية وحاسمة وتؤكد أنّ هذه المناطق لبنانية من دون أدنى شكّ وبهذا اعترفت الأمم المتحدة في العام 2000 وعلى هذا جرى التحقق من الاندحار الإسرائيلي من قبل لجنة برئاستي في ذاك العام.

بيد انّ المطامع الإسرائيلية لا تقتصر في لبنان على البحر وما فيه او الحدود البرية ومناطقها الـ 13 المعتدى عليها بل تشمل أيضاً الحدود اللبنانية السورية حيث ضمّت «إسرائيل» وبدعم أميركي مزارع شبعا اللبنانية إلى الجولان السوري وضمّت إليها كامل المنطقة مضافة إليها الغجر اللبنانية وبعض المساحات في العباسية والنخيلة، ما جعل الحقوق اللبنانية موضع المطامع الإسرائيلية تصل إلى 862 كلم2 في البحر، و25 مليون متر مربع جنوبي خط الحدود الدولية مع فلسطين المحتلة و42 كلم2 في مزارع شبعا والغجر.

وترى «إسرائيل» انّ القانون الدولي لن يوفر لها أيّ فرصة لنيل شيء مما تطمع به، فقانون البحار يعطي الحق للبنان في البحر واتفاقية بوليه نيوكمب المصادق عليها دولياً تثبت حدوده مع فلسطين بشكل نهائي لا يغيّر في نهائيته ما أقدم عليه ترامب في خريطته المرفقة برؤيته للسلام تلك الخريطة التي أغفلت الحدود وعملت بخط هدنة مؤقت، وأخيراً الاتفاقات اللبنانية السورية حول مزارع شبعا التي تؤكد لبنانية المزارع.

ولأنّ القانون بكلّ قواعده نصاً واتفاقيات دولية يمنع «إسرائيل» من نيل ما تطلب، فإنّ «إسرائيل» تعود إلى منطق القوة الذي هو في الأصل أساس نشأتها، ولكن إعمال منطق القوة ضدّ لبنان بعد العام 2006 بات بالحسّ «الإسرائيلي» العملي والتجريبي متعذّراً بسبب معادلة الردع الاستراتيجي التي فرضتها المقاومة التي يقودها ويمارسها حزب الله. أضف إلى ذلك انّ وجود المقاومة وحلفائها في السلطة اللبنانية بات من شأنه أن يمنع أيّ حكومة في لبنان من التنازل لـ «إسرائيل» مهما كانت الضغوط الأميركية. ما يعني أنّ «إسرائيل» وصلت في مواجهة لبنان إلى الحائط المسدود لأنّ القانون لا يعطيها حقاً والمقاومة تحرمها من استعمال القوة لاغتصاب ما تريده. وباتت «إسرائيل» أمام فرض من اثنين: أما أن تخضع لقواعد القانون وتتخلى عن أطماعها، أو أن تزيل عقبة حزب الله لتعود وتستند إلى منطق حق القوة وتغتصب ما تريد إما باتفاقية إذعان وإما بفرض ميداني تنتجه الحرب.

وفي السنوات الأخيرة راهنت «إسرائيل» على الحرب الكونيّة على سورية لتفكيك محور المقاومة وإسقاط حزب الله، لكن الحرب استنفدت مراحلها ولم يتحقق شيء مما تمنّت، وراهنت على استراتيجية الضغوط القصوى ضدّ محور المقاومة بما فيه إيران وسورية وحزب لله، ولمست في الأسابيع الأخيرة نوعاً من الجنون الأميركي ضد ّلبنان عامة وحزب الله خاصة، وظنّت انّ ما كتبته صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية من أنّ «لبنان يتجه إلى الانهيار والبؤس والجوع»، انه كلام سيتحقق، ونظرت بارتياح إلى سلوك سفيرة أميركا في لبنان السلوك الخارج على كل قواعد القانون الدولي العام واتفاقية فيينا التي تنظم السلوك والعلاقات الدبلوماسية بين الدول، وكانت غبطتها شديدة عندما لمست الانقسام اللبناني العمودي والحادّ حول أداء تلك السفيرة، وكوّنت من كلّ مشاهداتها صورة جعلتها تظنّ بأن فرصة اتخاذ القرارات الصعبة في مواجهة لبنان قد حانت، فسارعت إلى استغلالها واتخذت في مجلس وزرائها قراراً بالسماح بالتنقيب عن النفط والغاز في المناطق المتنازع عليها مع لبنان وتحديداً في البلوكات 8 و9 و10 من تلك المنطقة اللبنانية. فإلى أين سيقود هذا القرار؟

في البدء لا بدّ من التأكيد أنّ حسم النزاع على حدود المنطقة الاقتصادية من جانب واحد هو عمل غير مقبول خاصة إذا جاء من طرف لم يوقع قانون البحار كما هو حال «إسرائيل»، كما أنّ قبول لبنان الرسمي بالأمر الواقع الإسرائيلي المفروض هو أمر غير مقبول وغير متوقع، وبالتالي يكون على لبنان ومن أجل حماية حقوقه أن يتصرف بكلّ ما هو متاح له من مسالك ويلج كلّ ما يمكنه ولوجه من أبواب، وتأتي في طليعة تلك الوسائل الدبلوماسية بما فيها اللجوء إلى الأمم المتحدة وهيئاتها وكذلك اللجوء إلى طرف ثالث من الدول التي تدعي صداقة لبنان وفي طليعتها أميركا.

بيد أننا لا نثق بكلّ تلك المخارج. فالتجارب علمتنا أنها عقيمة ويكفي ان نتذكر انّ تحرير الجنوب لم يتمّ بالقرار 425 الذي بقي 22 عاماً طيّ النسيان، ولو لم تكن هناك مقاومة لكان احتلال الجنوب مستمرّاً ما يعني أنّ على لبنان أن لا يركن إلا لقوّته المشكّلة من الجيش والمقاومة التي يحتضنها شعب متمسك بحقوقه، وهذا تعرفه «إسرائيل» وسمعته أكثر من مرة من قائد المقاومة الذي وبكلّ وضوح أنذر «إسرائيل» بالردّ على أيّ عدوان على المنطقة الاقتصادية في الحدود التي ترسمها لها الدولة اللبنانيّة، فهل «إسرائيل» المطلعة على هذا الموقف تسعى إلى هذه المواجهة باتخاذها قرار التنقيب؟

«إسرائيل» تعرف انّ المقاومة لا تهدّد استعراضياً، وأنها قادرة على المواجهة ولكنها كما يبدو تظنّ انّ سياسة الضغوط القصوى والحصار الخانق ومحاولات الفتنة مع احتمالات الحرب الأهلية الشاملة في لبنان ستمنع المقاومة عن الردّ او ستشغل المقاومة عن هم الجنوب لتدافع عن نفسها وعن بيئتها في الداخل، ما يوفر لـ «إسرائيل» فرصة العمل من جانب واحد وهي فرصة لا تتكرّر وتكون «إسرائيل» اتخذت قرارها محدوّة باحتمال من ثلاثة:

1

ـ جسّ نبض لبنان للوقوف على إرادته وقدرته على الردّ. ولأنه لا يعنيها ولا تهتمّ بكلّ ما هو سياسة ودبلوماسية فإنّ «إسرائيل» ستراقب ردّ الفعل في الميدان من قبل الجيش اللبناني وحزب الله ومقاومته بتنسيق أو من غير تنسيق مع الحكومة. فإذا لمست الجدية اللبنانية في اللجوء إلى القوّة فإنها ستجد لنفسها مخرجاً يجنّبها المواجهة التي قد تطوّر إلى حرب لا تريدها الآن.

2

ـ الضغط على لبنان وهو في حالة التردّي القائمة والانهيار، الضغط عليه للذهاب إلى مفاوضات غير متكافئة لفرض التنازل عن حدوده البرية وإعادة ترسيمها والتنازل عن مزارع شبعا والغجر والتنازل عن 500 كلم2 على الأقل من المنطقة الاقتصادية الخالصة.

3

ـ استدراج لبنان ومقاومته إلى حرب تندلع إذا ردّت المقاومة على العدوان، حرب تظنّ «إسرائيل» أنّ ظروفها باتت مؤاتية لها مع استشراء الإرهاب الاقتصادي الأميركي واستراتيجية التجويع للتركيع، فتستدرج لبنان إلى حرب تحمل المقاومة فيها مسؤولية اندلاعها والآلة الإعلامية الصهيوأميركية المتكئة على الداخل اللبناني باتت جاهزة لهذا الأمر، لكن «إسرائيل» كما قلنا ونكرّر لن تدخل الحرب إلا بعد أن تطمئن إلى اهتراء الداخل اللبناني والفتنة الجاهزة للانفجار لإشغال المقاومة عن الهمّ الوطني الكبير.

وعليه نرى القرار الإسرائيلي بالتنقيب على النفط داخل المنطقة الاقتصادية اللبنانية قراراً بالغ الخطورة يستدعي من لبنان أعلى درجات الحذر والحكمة والحزم في التعامل، لأنّ تداعياته مفتوحة على كلّ الاحتمالات من البسيط في السياسة إلى الخطير في الحرب وبينهما صيانة الحقوق أو هدرها ورغم انخفاض احتمال الحرب فعلى لبنان ومقاومته أن يستعدّا لكلّ ذلك خاصة في الأشهر التي تفصلنا عن تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل موعد الانتخابات الأميركية.

أستاذ جامعي – خبير استراتيجي.

مقالات متعلقة

صراع المعادلتين: “ارحلوا عنا أو تُقتَلُون»‏‎ ‎في مقابل «استسلموا أو تُقتَلُون»!؟

العميد د. أمين محمد حطيط

في أعلى درجات الوقاحة والفجور سنّت أميركا قانون قيصر لخنق سورية وفرضت تطبيقه على كلّ من يتعامل معها وبرّرت سلوكها بالقول إنه من أجل حماية المدنيّين، وهو ادّعاء كاذب طبعاً، حيث لا يخنق المرء حتى الموت مع الادّعاء بأنّ الفعل من أجل إحيائه.

لقد شنّت أميركا على سورية أبشع حرب اقتصادية تطالها منذ عقود بقصد أن تحرمها من انتصاراتها وتسلبها أو تمنع عليها استثمار تلك الانتصارات التي دفعت ثمنها دماء زكية وجهوداً مضنية ومعاناة قاسية خلال عشر سنوات خلت، وتريد أميركا أن تمنع إعادة إعمار سورية لتمنع عودتها إلى حياتها الطبيعية والانطلاق مجدّداً في مسار الدول الحديثة التي تؤمّن الرفاه لشعبها وتحقق الندّية في التعامل مع الآخرين دون استتباع أو تبعية أو هيمنة إلخ…

قانون قيصر عدوان اقتصاديّ أميركيّ يروّج له بأنه ضدّ سورية فحسب، لكنه في الحقيقة يطال سورية وكلّ العالم المتعامل مع سورية اقتصادياً، إنه قانون أميركي يُراد منه عزل سورية كلياً عن دورة الاقتصاد العالميّ ومنعها من التعامل مع الخارج في أيّ سبيل أو طريق، وهو يطال لبنان كأول متضرّر منه لأنّ التزام لبنان به يؤدّي كما تريد أميركا إلى إقفال الحدود البرية مع سورية ليس في المعابر غير الشرعية التي كثر الحديث عنها وإيلائها أهمية لا تستحقها، بل وإقفال عملي للمعابر الشرعية عبر التهديد بالعقوبات لكلّ اقتصادي أو متموّل أو رجل أعمال يجتاز تلك الحدود ببضاعة أو بمال أو بخدمة أو بقصد استثمار في سورية.

ولا تكتفي أميركا في ارتكاب هذه الجريمة فحسب بل إنها تضيّق الخناق على لبنان في مسألة عملته الوطنية من أجل الإضرار به أولاً ثم التضييق على سورية ثانياً وهي تدير عبر منظومة «جبهة أميركا في لبنان» حرباً نقدية تشكل فرعاً من فروع الحرب الاقتصادية التي يتعرّض لها لبنان بحجة محاصرة المقاومة، تنفذ هذه الحرب مع معرفة أميركا بتأثيرها على المواطن اللبناني – كلّ مواطن – ثم تصرّ عليها راسمة معادلة أولية: «التجويع للتركيع»، أما المعادلة الأساسية التي تريدها أميركا من حربها التي تستعمل خدمة للمشروع الصهيوأميركي العام فهي «التجويع للاستسلام» التي تقود إلى نزع سلاح المقاومة وتفكيكها، ما يمكن من دفع لبنان إلى التنازل لـ «إسرائيل» في البر والبحر في الأرض والماء والنفط، فتكون أميركا بذلك عاقبت مكوّنين من محور المقاومة بضربة واحدة مؤمّلة النفس بأن تحقق لها تدابيرها الاقتصادية الكيدية ما عجرت عصابتها الإرهابية في سورية وقبلها الحرب الصهيونية على لبنان عن تحقيقه.

فأميركا بكلّ بساطة تقول للبنان وسورية “تستسلمون أو تموتون جوعاً“. وهي معادلة تنطوي بشكل واضح على التخيير بين الموت على درجة واحدة تكون عبر الموت جوعاً أو الموت على درجتين تكون الأولى منهما بنزع السلاح ومصادر القوة تليها الثانية بالقتل والاعتقال والتصفية. أميركا تخيّر المقاومة وبيئتها بين الموت أو القتل. هذه هي بكلّ بساطة ووضوح معادلة أميركا بعد هزيمتها في سورية وعجزها عن تحقيق أهدافها في وجه محور المقاومة.

وتعتقد أميركا بأنها بهذه المعادلة الإجراميّة التي تنتهك حقوق الإنسان وتنتهك قواعد وأحكام القانون الدولي، والتي تعتبر ضرباً من ضروب الجرائم ضدّ الإنسانية، ويمكن تصنيفها بأنها جريمة إبادة جماعية، المعادلة التي تخيّر المقاومة بالتخلي عن سلاحها وإنجازاتها تمهيداً لاجتثاثها بشرياً، وتتصوّر أميركا أنها ستنجح في معادلتها، خاصة أنها مطمئنة إلى وجود من سيتطوّع لخدمتها في الداخل اللبناني أو في الإقليم ويكون معها في حربها ضدّ المقاومة، ويصدّق مقولتها بأنّ سلاح المقاومة هو سبب المشكلة الاقتصادية وانّ الحلّ يبدأ بنزعه.

بيد أنّ ردّ المقاومة لم يتأخر وعشية البدء بتطبيق قانون قيصر جاء الردً حاسماً وصاعقاً على لسان الأمين العام لحزب الله في لبنان، ردّ فهم المدققون فيه والخبراء الاستراتيجيون الذي يغوصون في كلام السيد فهموا فحواه وما رمى إليه ورأوا بأنه ردّ باسم محور المقاومة كله يرمي إلى تزخيم المواجهة وعدم التراجع بأيّ قدر، فهو ردّ يقول لأميركا بأنّ معادلتها مرفوضة، وبأنّ تجويع جمهور المقاومة وشعوب دولها مرفوض، وبأنّ نزع سلاح المقاومة مستحيل وبأنّ مَن يحلم بذلك فهو واهم أو مشتبه وأنه يبني على الظنّ العقيم.

وصحيح أنّ السيد نصرالله احتفظ لنفسه بنص المعادلة التي تطلقها المقاومة في مواجهة معادلة العدوان الآنفة الذكر أيّ معادلة «استسلموا أو تموتون جوعاً» أو بصيغة أخرى «استسلموا او تقتلوا»، فإنّ رفضه للاستسلام والتسليم لأميركا ورفضه لصيغة أخرى من جدار المكر الإسرائيلي المسمّى «الجدار الطيب» في جنوب لبنان، وتمسكه بسلاح المقاومة لأنه مسألة وجود ومسألة حياة أو موت وتهديده للعدو الذي يستعدّ لقتل المقاومة وجمهورها وشعوب دولها، تهديده له بالقتل متوعّداً له ثلاث مرات بالقول «سأقتلك»، يعني بكلّ بساطة انّ المقاومة صاغت معادلتها في وجه معادلة العدوان، وبات المسرح اليوم محلّ صراع بين معادلتين… معادلة العدوان الأميركيّ التي تقول للمقاومة وشعوبها «استسلموا أو تقتلون» ومعادلة المقاومة الدفاعية التي تتضمّن «دعونا وشأننا وارحلوا أو تقتلون».

وكما انّ تطبيق معادلة العدوان يشمل كلّ يد تمتد للعمل مع المقاومة ودولها وشعوبها مهما كان العمل أو التعامل، فإنّ معادلة المقاومة الدفاعية ستكون موجهة في تطبيقها أيضاً لكلّ مَن يخدم العدوان في فعل أو سلوك، لأنّ العمل بالمعادلة الدفاعية الجديدة لن يكون محصوراً في جهة أو طرف بل سيكون مفتوحاً على كلّ الاتجاهات والمستويات والأهداف في ما تصحّ تسميته بكلّ ثقة بأنه «حرب شاملة» لا يستبعد منها طرف او موضوع او مكان.

وعليه نرى انّ المنطقة باتت بين احتمالين لا ثالث لهما… الأول أن تفهم أميركا جدية معادلة المقاومة الدفاعية وتتجنّب المواجهة وتتراجع عن عدوانها وتحفظ نفسها ومصالحها وحلفاءها وعملاءها في المنطقة بدءاً من الأفراد صعوداً إلى الكيانات، أو تصرّ على غيّها وتجازف بالدخول في حرب مفتوحة شاملة مع المقاومة، حرب لا تستثني عدواً او حليفاً او عميلاً لأميركا او مصلحة لهم في المنطقة، أما حلم أميركا بالتركيع عبر التجويع فهو حلم لن يتحقق والأشهر الخمسة المقبلة ستحمل الجواب حول أيّ احتمال ستكون عليه الأمور.

*أستاذ جامعي – خبير استراتيجي

هل يتحرّر لبنان… خاصة من الاستعمار الاقتصاديّ الأميركيّ؟

العميد د. أمين محمد حطيط

تنظر أميركا إلى لبنان باعتباره الحلقة الأضعف في محور المقاومة، ونظرتها هذه ليست من باب القدرات القتالية للمقاومة وهي قدرات حققت الكثير مما أزعج أميركا وأقلقها، بل من باب البنية اللبنانية والوهن البنوي في تركيبته السياسية والديمغرافية والاقتصادية وقدرتها أيّ قدرة أميركا على تجنيد من يلزم فيه لتنفيذ المهامّ التي تخدم سياستها لا بل تمارس عبره عدوانها المستمرّ على المنطقة.

ففي لبنان تجد أميركا سياسيين يجاهرون بمواقفهم التي تصبّ في خدمة المصالح الأميركية على حساب المصالح اللبنانية، وتجد موظفين كباراً يمارسون مهامّ وظائفهم بمنظور وفهم أميركي بحت حتى وبأفضل مما تقوم به أميركا نفسها، وتجد أحزاباً وهيئات وتنظيمات تعمل في خدمة هذا المشروع الأميركي الاستعماري بجدية والتزام وحرص على النجاح يفوق ما تطلب أو تتمنى الإدارة الأميركية.

والأدهى من كلّ ذلك نجد انّ أميركا التي تتلقى السهام الجارحة في داخلها لا بل تثخن بالجراح اليوم من باب جائحة كورونا والاضطرابات الشعبية التي اندلعت تحت عنوان رفض «التمييز العنصري» في الداخل الأميركي، أميركا التي أخفقت في سياساتها تجاه الصين وروسيا، واضطرت للتعامل بواقعية بعيدة عن التهديد العسكري الجدّي مع كلّ من إيران وكوريا الشمالية، أميركا التي تآكلت هيبتها العسكرية وضاع حلمها بالأحادية القطبية في النظام العالمي المنهار، أميركا التي لا يتوقع عاقل أنها ستعود وسترمّم هذه الأحادية مهما كانت نتائج المواجهة العالمية القائمة حالياً؛ الأدهى في الأمر أنّ أميركا هذه تجد في لبنان من يتعبّد لها ويأسر نفسه في حبائل مشاريعها الكيدية والاستعماريّة والعدوانيّة، ويرى فيها الملاذ والملجأ والحصن الذي يلجأ إليه لمعاقبة شركائه في الوطن بعد أن يجنّد نفسه عندها مخبراً محرّضاً أو جاسوساً عميلاً أو مأجوراً في خدمتها.

لقد شكلت أميركا ممن يتبعها أو ينصاع لها أو يأتمر بأوامرها ما يمكن وصفه بـ «جبهة أميركا في لبنان» التي يتوزع أعضاؤها الأدوار ويتساندون في ما بينهم بحيث يحمي بعضهم بعضاً في أيّ موقع كان لأنّ تلك المواقع التي يشغلها من يحمل الهوية اللبنانية تستفيد منها أو تخدم السياسة الأميركية فيكون واجباً عليهم حمايتها. لأنهم يرون فيها محميات يمنع المسّ بها ويسلّط السيف الأميركي على رقبة كلّ مَن يفكر بهذا الأمر. وعليه نرى انّ مهامّ أعضاء «جبهة أميركا في لبنان» نوعان… الأول المهامّ الأصلية المباشرة التي تخدم تلك السياسة، والثانية مهامّ احتياطية فرعية تمارس من أجل حماية الأعضاء بعضهم لبعض في مواقع الدولة. وفي ممارسة مهامهم الأصلية يطالب أعضاء «جبهة أميركا في لبنان» بما يلي:

1

ـ نزع سلاح المقاومة الذي هو مصدر قوة رئيسي للبنان للدفاع عنه أرضاً وشعباً وثروة وكياناً، وهو مصدر قلق عميق لـ «إسرائيل» وأميركا يهدّد مطامعهما خاصة في الأرض والثروة، وانّ نزعه يسهّل لأميركا وضع يدها على كامل المفاصل اللبنانية ويمكّنها من تعديل الحدود ورسم حدود بحرية وإنهاء ملف مزارع شبعا خدمة لـ «إسرائيل»، كما جاء في رؤية ترامب.

2

ـ الابتعاد عن سورية من أجل إحكام الحصار عليها خدمة لسياسة العقوبات الأميركية التي تسعّر اليوم مع بدء تطبيق قانون قيصر الأميركي الكيدي الإجرامي. يريدون سدّ الرئة اللبنانية التي تتنفس منها سورية يريدون ذلك رغم انّ علاقة لبنان بسورية هي من طبيعة تجعلها مسألة حياة أو موت للبنان هذا قبل أن ينص عليها في وثيقة الاتفاق الوطني في الطائف بأنها علاقات مميّزة وقبل أن تصاغ تلك العلاقات في 22 اتفاقية متنوّعة المواضيع لتفعليها.

3

ـ رفض إقامة أيّ علاقة اقتصادية مع العمق المشرقي للبنان من سورية إلى الصين مروراً بإيران وروسيا، ويصرّون على تضييع الفرص عن لبنان من أجل ان يبقى تحت الاستعمار الاقتصادي الأميركي الذي فرض عليه نهجاً اقتصادياً حوّل اقتصاده إلى اقتصاد ريعي وحرمه من الخدمات الأساسية ومنعه من إقامة بنية تحتية تناسب تطوّر العصر وأغرقه بالديون… كلّ ذلك خدمة لاستراتيجية أميركية تقوم في جوهرها على إفقار التابع المستعمر من أجل إبقائه تحت السيطرة على أساس «جوّعه يتبعك».

لقد نجحت «جبهة أميركا في لبنان» في تحقيق ما طلب ويطلب منها في مسألة العلاقة مع سورية والمسألة الاقتصادية وفشلت في مسألة سلاح المقاومة، وسبب فشلها هنا عائد إلى انّ للسلاح قوة تمسكه وتحميه لا تخضع للدولة بشكل كلي بل تنسق معها ضمن مفهوم «التنسيق السلبي» الذي تفرضه الرغبة في عدم التصادم والاحتكاك، من دون أن يصل هذا التنسيق إلى حدّ الخضوع التامّ للقرار الرسمي اللبناني، الخضوع الذي لو حصل لتعطل دور السلاح ولكان لبنان اليوم من غير مقاومة ومن غير سلاح مقاوم، وبالمناسبة نذكر بأنّ أحد الأسباب الجوهرية التي تحول دون وضع سلاح المقاومة بأمرة الدولة هو هذا الخطر، حيث إنّ وضعه بيدها يعني حتماً تعطيل استعماله لأنه يجعل قرار الاستعمال بيد جهة رسمية يكون فيها بعض من «جبهة أميركا في لبنان»، وأن حصول ذلك يعني زوال معادلة الردع الاستراتيجي التي فرضتها المقاومة على «إسرائيل» وبها حمت لبنان ومنعت الحرب عليه.

لقد نجحت «جبهة أميركا في لبنان» في تحقيق أغراض أميركا من مسائل العلاقة مع سورية والمسألة الاقتصادية، لأنّ هذا الأمر يتطلب قراراً رسمياً ويتوزّع من بيدهم سلطة القرار أو صلاحيته بين فئات أربع: الأول خاضع مباشر للقرار الأميركي بوصفه عضواً في «جبهة أميركا في لبنان» والثاني خائف على مصالحه من ردّة الفعل الأميركي عليه انْ خالف الإيحاء الأميركي ثم يغلف خوفه على مصالحه الشخصية بالادّعاء بانه خائف على المصالح الوطنية اللبنانية، والثالث عاجز بمفرده لا يملك صلاحية اتخاذ القرار المناسب وحده. ورابع غير مكترث للصراع بذاته أو لنتائجه قادر على التكيّف مع تلك النتائج كيفما كانت. وفي هذا التصنيف يكمن مأزق لبنان، المأزق الذي يضيّق فسحة الأمل بالتحرّر من الاستعمار الأميركي الفعلي المفروض عليه والذي يصل أحياناً إلى حدّ ظهور سفير أميركا في لبنان وكأنه الحاكم الفعلي فيه.

بيد أنّ الغريب في الشأن هو فجور «جبهة أميركا في لبنان» في توصيفها لواقع لبنان حيث تقلب هذه الحقيقة وتدّعي وجود عكسها في أبشع عملية تزوير وتقليب للحقائق، فبدل الإقرار بهذا الاستعمار تطلق مقولة «الدويلة التي تحكم الدولة»، وتقصد دويلة حزب الله التي هي وهم في رؤوس أعضاء «جبهة أميركا في لبنان»، يصرحون به ليخفوا حقيقة الاستعمار الأميركي الذي هم في خدمته، ويطلقون مقولة «حكومة حزب الله» التي لو كانت حقيقة قائمة لذهبت إلى سورية بكلّ ثقة بالنفس ولفتحت الطريق للبنان للانتظام في الاقتصاد المشرقيّ وكسرت الاحتكار الأميركي لسوقه. أما الدرجة الأعلى من الفجور فتتمثل في مطالبة أميركا وجبهتها في لبنان بالإصلاح وتضع الإصلاحات شرطاً للمساعدات. وطبعاً لا يمكن لعاقل إلا أن يؤيد هذا الشرط لا بل يجعله هدفاً رئيسياً من أهداف سياسته، بيد انّ سلوك أميركا وأتباعها يخالف الطلب اللفظي، حيث إنّ النسبة الكبرى من منظومة الفساد في لبنان وناهبي المال العام هم أعضاء في «جبهة أميركا في لبنان» وتمنع أميركا المسّ بهم وتضع الخطوط الحمر التي تحميهم ويتطوّع أعضاء الجبهة كلّ في موقعه من أجل حمايتهم.

هذا هو مشهد لبنان ومأساته، ومجريات الصراع فيه، صراع شرس بين مَن يريد أن يستكمل استعماره وإحكام السيطرة عليه بنزع سلاح المقاومة، ومن يريد أن يستكمل التحرير الذي بدأ في العام 2000 بتحرير الجنوب وتصاعد في إرساء منظومة الردع الاستراتيجي بوجه العدو، ويعمل لتحرير لبنان اقتصادياً من الاستعمار الأميركي وليطهره من الفساد الداخلي الذي يرعاه هذا الاستعمار.

صراع ليس بالأمر السهل خاصة أنه دخل اليوم إلى لقمة عيش المواطن التي أقحمتها أميركا في الصراع من باب الحصار والعقوبات وقانون قيصر والتلاعب بالنقد الوطني، لكن رغم ذلك ليس الفوز فيه مستحيلاً بالنسبة للمقاومة خاصة أنّ الطرف المناهض لها عاجز كلياً، مهما حشد من طاقات ومهما ابتدع من أساليب، عاجز عن نزع سلاحها، يبقى عليها هي ان تعمل بالمتاح والمتوفر من أجل خوض معركة التحرير الاقتصادي والإصلاح في أهمّ حرب يواجهها لبنان الحديث. وهنا يبرز دور الشعب الذي عليه تقع الأعباء التي لا يستهان بها.

أستاذ جامعي – خبير استراتيجي.

فبديوات متعلقة

مقالات متعلقة

كيف يُواجَه «قانون قيصر» الإجراميّ ومشتقاته وأمثاله…؟

العميد د. أمين محمد حطيط

تصاعدَ التهويل واشتدّت الحرب النفسية التي تشنّها أميركا على سورية وحلفائها والمتعاملين معها في المجال الاقتصادي والمالي تهويل وضغوط من باب تطبيق “قانون قيصر” الأميركي الكيدي الإجرامي الذي يستهدف خنق الاقتصاد السوري وتجويع الشعب السوري عبر عزل سورية عن العالم اقتصادياً ومنع التعامل معها على أيّ صعيد مالي واستثماري، بقصد دفعها إلى موقع تتخلى فيه عن انتصاراتها في الحرب الكونية التي استهدفتها خلال 10 سنوات ولا تزال، ثم القبول بشروط الاستسلام الأميركي التي طالما رفضتها منذ العام 1973 وحتى اليوم.

بيد أنّ القانون الذي أقرّه الكونغرس الأميركي مستنداً إلى أسباب موجبة لفقها تحت عنوان “محاسبة النظام السوري لانتهاكه حقوق المدنيين السوريين وسلامتهم” يشكل (أيّ القانون) أكبر طعنة لهذه الحقوق في أبسط أشكالها من حيث الغذاء والدواء ومتطلبات العيش الأوّلي الضروري، ولا يغيّر من طبيعته ومفاعيله الإجرامية وتصنيفه كجريمة ضدّ الإنسانية، ادّعاء أميركا انه لن يمسّ بمصالح المدنيين. فأميركا احترفت النفاق والتزوير وتستسهل الكذب والخداع فتقتل الإنسان مدّعية أنها تقدّم له مساعدة للحياة.

فأميركا التي تتشدّق بحقوق الإنسان وتشنّ الحروب زاعمة السعي لحمايتها تحترف وبكلّ وقاحة انتهاك حقوق الإنسان أينما كان. فالسياسة لدى أميركا هي سياسة جمع المال وتراكم الثروات لطبقة من الرأسماليين على حساب الإنسان أينما وجد ولنا في ما يحصل اليوم في مدن أميركا وشوارعها من اضطرابات ومواجهات سببها العنصرية وانتهاك حقوق الإنسان خير مثال على ما نقول، حيث إنّ الحكومة الأميركية تتصرف خلافاً لما تتشدّق به حول حقوق الإنسان إلى الحدّ الذي يجعلنا نعتقد ونؤمن بأنّ مقولة “حماية حقوق الإنسان” هي سلعة أميركية معدّة للتصدير وللاستهلاك الخارجي فقط وليس للتطبيق والاستعمال الداخلي”.

إنّ أميركا وتحت عنوان “حماية حقوق الإنسان السوري”، سنّت قانوناً لتقتل هذا الإنسان ولتشنّ عليه حرباً تؤدي إلى القتل الممنهج عبر قرارات تتخذها هيئاتها الدستورية وتفرضها على العالم في تجاوز واضح لسيادة الدول واستقلالها. ونحن نفهم أنّ تتخذ أميركا تدبيراً تلزم به نفسها ضدّ دولة ما، وهذا حقّ سيادي لها، أما أن تفرض تدبيراً هي قرّرته، وتلزم به دولاً أخرى فهو أمر في منتهى العدوان والانتهاك للسيادة الوطنية لأيّ دولة أجنبية تكرهها أميركا على تطبيق قراراتها العدوانية.

فالجريمة الأميركية من باب “قانون قيصر” ومشتقاته وأمثاله من التدابير الكيدية التي تسمّيها أميركا “عقوبات” خلافاً لمدلول الكلمة الاصطلاحي قانوناً هي جريمة ضدّ الإنسانية يرتكبها من ليس له الصلاحية بالقيام بها. لأنّ العقوبة هي ما تقرّره وتفرضه جهة مخوّلة شرعاً وقانوناً بحقّ طرف وضع تحت سلطتها وكان لها حياله صلاحية العقاب. وأميركا ليست وليّ أمر سورية وليست مخوّلة من أيّ جهة دولية بأن تكون شرطي العالم بل إنها جعلت لنفسها هذه الصلاحية افتئاتاً على القانون والشرعية الدولية وأحكام وقواعد القانون الدولي العالم. وتكون الجريمة الأميركية من باب هذا القانون مركبة من جرائم عدة أوّلها التصدّي لأمر ليس من صلاحيتها، ثانيها عدوان على شعب لم يمارس هو وحكومته أيّ سلوك عدائي ضدّها وثالثها انتهاك لسيادة الدول التي تكرهها أميركا على التقيّد بقانونها. وهنا يطرح السؤال كيف نواجه القرار حتى نعطل مفاعيله ثم هل من طريق لمحاسبة أميركا على جريمتها المتمثلة بهذا القانون وسواه من الجرائم المشابهة؟

نطرح هذا مع علمنا بأنّ أميركا تتصرّف على أساس أنها فوق القانون وأن ليس من سلطة في العالم قادرة على محاسبتها وهي في الوقت الذي تطالب بملاحقة الدول أمام القضاء الدولي لا تقبل بأن تلاحق كدولة أو يلاحق أفرادها لدى هذا القضاء الذي لم توقع على اتفاقيات إنشائه.

أما عن المواجهة فإنها برأينا تكون بمنع تحقيق القرار لأهدافه التي هي في الحدّ الأدنى:

1

ـ إطالة أمد الصراع في سورية ومنعها من تحرير ما تبقى من أرضها في يد الإرهاب أو تحت الاحتلال التركي أو الأميركي وترى انّ الخنق الاقتصادي يعطل العمل العسكري ويمنع الحسم.

2

ـ حمل الشعب السوري على العودة إلى الشارع والانفضاض من حول قيادته تحت وطأة الجوع والمطالبة أو الاستجابة للمطالب الأميركية بإسقاط النظام.

3

ـ منع حلفاء سورية من مساعدتها ومنع تمتين أواصر العلاقات البينية معها وبشكل أدق منعهم من الانتظام في دورة إعادة البناء التي تعمّق الحلف أو الأحلاف الاستراتيجية بين سورية وأصدقائها.

4

ـ عرقلة عودة سورية إلى الانتظام في المنظومة الدولية كدولة قوية مؤثرة متمسكة باستقلالها وسيادتها، رافضة أيّ تبعية أو تنازل عن حقوقها وحقوق الأمة خاصة في فلسطين.

هذه هي الأهداف المباشرة التي ترمي أميركا إلى تحقيقها من خلال تطبيق قانون قيصر وأمثاله مما سبق أو قد يلحق من تدابير كيدية تتخذها بحقها وتباهي بها وبكلّ وقاحة وفجور، مؤكدة أنها تؤلم سورية كما سمعنا جيمس جيفري المبعوث الأميركي إلى سورية والمنطقة الذي باهى وبكلّ صلف “انّ تدابير أميركا تسبّبت بانهيار الليرة السورية”… (ما تسبّب بضائقة اقتصادية مسّت المواطن السوري بلقمة عيشه ودواء دائه).

وعليه فإنّ مواجهة هذا التدابير يجب أن تتركز قبل كلّ شيء على منعها من تحقيق أهدافها عبر سلة من التدابير التي تفهم أميركا بأنّ خطتها الإجرامية لن تنجح، ولن تحقق رغباتها في استسلام سورية. فسورية التي عانت ما عانت وضحّت ما ضحّت خلال حرب الدفاع عن نفسها وحققت الانتصار الاستراتيجي التاريخي في إفشال العدوان عليها من المستحيل ان تضيّع ما قدّمت وضحّت به وتسلّم لأميركا بما تريد بمجرد أنها مارست التضييق الاقتصادي عليها. وانّ في الردّ السوري الأوّلي على القانون هذا برفض الإذعان للشروط والإملاءات الأميركية ما يؤكد أنّ سورية اتخذت قرارها بالمواجهة الدفاعيّة ويبقى وضع استراتيجية الدفاع الاقتصاديّ ومطالبة كلّ مَن يعنيه الأمر في الداخل السوري والخارج بالقيام بدوره في هذا الدفاع. دفاع يكون مركباً من تدابير عسكرية وإعلامية واقتصادية وسواها التي تقدّر سورية وحلفاؤها نجاعتها خاصة في مجال:

أ ـ العمل العسكري: حيث سيكون من المفيد العودة إلى الميدان سريعاً واستغلال الظرف الدولي والأميركي القائم والانشغال التركي الحالي واستئناف معركة تحرير إدلب التي اتخذ قرار تحريرها بشكل لا عودة عنه. وسيكون هذا الأمر محرجاً لأميركا عندما يتمّ إنجاز التحرير لأنها ستجد نفسها وحيدة في احتلال شمال شرقي الفرات وستجد إمكان انطلاق المقاومة لمنع إنضاج الحالة الانفصاليّة أمرأ في متناول يد الشعب والدولة السورية وعندها ستوقن أن لا طائل من قيصر وقانونه لأنّ الدولة السورية تعمل لاجتثاث أسس المشروع الأميركي في سورية.

ب ـ العمل الشعبي والإعلامي والحرب النفسية إذ بعد أن أثبت الشعب مناعته في مواجهة الضغوط الأجنبية وقدرته على التحمّل، فإنّ تحصين هذه المناعة والقدرة سيكون مطلوباً من أجل تمتين علاقة الشعب بقائده وحكومته وإفهام أميركا أنّ الجوع لن يخرج الشعب عن مبادئه. طبعاً ويجب أن يترافق ذلك مع أقصى ما يمكن من تدابير من أجل تخفيف الضغط الاقتصادي على الشعب، وهنا ننوّه بما شهدته السويداء مؤخراً من تظاهرات شعبيّة تؤكد رفض العدوان الأميركي وتتمسّك بالدولة المركزية وقيادتها.

ج ـ أما الدور المعوّل عليه وبشكل أساسي فهو دور الحلفاء خاصة إيران وروسيا والصين، وهم جمعاً أو فرادى، قادرون على تحدّي أميركا في قانونها وقادرون على كسر إرادتها ولنا في عملية ناقلات النفط الإيراني الخمس إلى فنزويلا خير مثال. إن بضعة مليارات من الدولات مع عمل شركات هذه الدول داخل سورية كافية لتعطيل مفاعيل قانون قيصر.

د ـ وأخيراً يكون مفيداً جداً الذهاب إلى السوق المشرقيّة والتكامل الاقتصاديّ بين الدول التي تحيط بسورية، لبنان والعراق، إيران ما يعطل مفاعيل انهيار العملة في هذه الدول ويشجع الإنتاج والتبادل البيني للسلع من دون الخضوع لسلطان الدولار.

إنّ سورية ومعها وحلفاؤها خاصة إيران وروسيا والصين قادرون مجدّداً على إفشال أميركا في جريمتها الجديدة، وقادرون على إفهامها أنّ قانونها يسري عليها هي ولا يتجاوزها للغير وان قرارها ليس قدراً، ومن انتصر على أميركا في الميدان وفي مواجهة الإرهاب وفي الحرب النفسية والسياسية قادر أيضاً على إضافة انتصار جديد في المجال الاقتصادي. فأميركا اليوم تتراجع وتنهشها الاضطرابات والارتباكات وغير مؤهّلة لتحقيق نصر مهما كانت طبيعته.

*أستاذ جامعي – خبير استراتيجي

هل سيعود لبنان إلى العام 1975؟ أم 2005؟ أم 2008؟ فتنة أم احتواء؟

العميد د. أمين محمد حطيط

بعد الفشل الذريع الذي أصاب مشاريع الغرب بقيادة أميركية في المنطقة، عاد المعتدون إلى الساحة اللبنانية لإنجاز شيء يشكل لهم جائزة ترضية بعد الإخفاق الاستراتيجي في سورية. فقد اندلعت الحرب الكونية على سورية تحت عنوان رئيسي: إسقاط القلعة الوسطى من محور المقاومة لتفكيك المحور وفرض التسوية التصفووية بتسليم فلسطين كلها لـ «إسرائيل» وشطب حق العودة للفلسطينيين وإعطاء «إسرائيل» ما تريد من أرض الجوار في لبنان وسورية.

بيد انّ الحرب الإرهابية على سورية تكاد تنتهي اليوم على إخفاق كبير وفشل في تحقيق أهدافها، وانّ الوقت المتبقي لترامب لفرض رؤيته للسلام المسماة «صفقة القرن» بات ضيقاً لا يسمح بترف التسويف والانتظار وان الأوضاع في أميركا تتدحرج بسرعة حتى باتت تهدّد ترامب نفسه، لذلك يبدو أنّ المخطط عاد إلى لبنان لدفعه إلى فتنة تحاصر حزب الله وتقود إلى ترويضه ووضع اليد على سلاحه لإراحة «إسرائيل» من هذا الهمّ الذي حرمها حرية قرار الحرب وفرض عليها معادلة ردع استراتيجي وقواعد اشتباك ندّية جعلت الردّ على عدوانها حتمياً ليعيد التوازن إلى الميدان. يريدون فتنة تحاكي ما حصل في العام 1975 وأدّى إلى إخراج المقاومة الفلسطينية أو فتنة الـ 2005 التي هيّأت البيئة لعودة الجيش العربي السوري من لبنان إلى سورية، ويرون الآن حاجة إلى فتنة ثالثة تؤدّي إلى التخلص من سلاح المقاومة التي يقودها وينفذها حزب الله.

لقد أدرك الصهاينة انّ وجود سلاح المقاومة في لبنان يمنع نجاحهم وهو السلاح الذي تحرّكه إرادة فولاذية صلبة واعية وتستعمله حيث يجب وكيف يجب، سلاح من شأنه أن يفسد عليهم خططهم لأنه يشكل رأس حربة محور المقاومة الاستراتيجي القادر رغم كلّ الضغوط والحروب عليه القادر على الاستمرار في رفض وتعطيل خطط تصفية القضية الفلسطينية كما أنّ هذا السلاح بموقعه وانتشاره الجغرافي على حدود فلسطين وبالنوعية والدقة التي بات عليها قادر على أداء المهام المطلوبة في مسيرة حفظ لبنان والدفاع عنه ومنع استباحة حقوقه، كما هو قادر للعمل في إطار محور المقاومة خدمة لاستراتيجية تحرير فلسطين وإعادة الحق فيها إلى أهله.

لقد بات سلاح حزب الله بعد التطورات التي حصلت في المنطقة والعالم الهدف الرئيسي البديل لكلّ الأهداف التي طرحت منذ العدوان على سورية وبات يشكل بالنسبة لأميركا و»إسرائيل» هاجساً تشكل معالجته والتخلص منه دليلاً على الانتصار في مسعى التصفية، أما الفشل فيه فيكون قرينة على الهزيمة الاستراتيجية.

بيد أنّ نزع السلاح هذا لا يمكن أن يتمّ بفرار من مجلس الأمن وقد جرّبوا حظهم منذ 16 سنة بالقرار 1559 وفشلوا، ولا يمكن أن يحصل بحرب ساحقة تدمّره وقد جرّبوا ذلك في العام 2006 وهزموا، ولا يمكن أن يحصل بالحصار وقطع طرق الإمداد وتجفيف مصادره وقد جرّبوا أولاً بالقرار 1701 ثم كان الأدهى والأعظم الحرب الإرهابية التي شنّت على سورية طيلة 10 سنوات والتي آلت إلى الفشل الذريع والهزيمة والإخفاق في المسّ بالمقاومة التي ارتقت في معارج الخبرة الميدانية والقوة العسكرية كمّاً ونوعاً. لذلك لم يبقَ بيدهم إلا ورقة الفوضى والفتنة في لبنان فتنة تغرق حزب الله وسلاحه في وحول الداخل وتشغله عن أهدافه الاستراتيجية الكبرى في مواجهة العدو الأساسي للعرب والمسلمين «إسرائيل» وراعيتها أميركا. فتنة تمهّد الطريق لـ «إسرائيل» لتنفيذ ما ربها باجتياح جديد.

ومن أجل هذه الفوضى التي تحدثها الفتنة والفراغ كان الأداء الأميركي في لبنان منذ مطلع العام 2019 وكانت زيارة بومبيو إلى بيروت واجتماعاته مع من يأمل انخراطهم في مشروع الفتنة والفوضى التي تحاصر حزب الله، ومن أجل ذلك كان الإعداد لاستغلال «ثورة» شعبية محقة انطلقت في 17 تشرين الأول مطالبة بمطالب معيشية محقة 100%، وهي ثورة تأخرت وكان يجب ان تحصل ضدّ طبقة الفساد السياسي قبل زمن. ثورة أيّدنا ونؤيّد كلّ ما طرحته في أيامها الأولى لأنها ثورة مظلومين محرومين ضدّ ظالمين ناهبين.

بيد انّ المخطط للفوضى فوجئ بحكمة الفريق الوطني في التعامل مع الثورة والفراغ الحكومي الذي تسبّبت به استقالة سعد الحريري، فكانت حكومة جديدة تتبنّى مطالب الثوار وتقطع الطريق على الفراغ وتحول دون انتشار الفوضى وتعقد السير في مسارب الفتنة، ثم جاءت جائحة كورونا لتحدث إخلالاً في الخطط الموضوعة وعرقلة ظاهرة في تنفيذها. وفقد المخطط ثلاثة أشهر ثمينة وشعر بأنّ الوقت يضيق عليه ويهدّد أحلامه التي لم يتبقّ لتنفيذها إلا أشهراً ستة هي ما تبقى من ولاية ترامب المهدّد بعدم العودة إلى البيت الأبيض والذي يرزح ويئنّ تحت وطأة الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية رفضاً للعنصرية في أميركياً وطلباً للعدالة.

انّ لبنان وسورية الآن هدفاً لموجة عدوان أميركي متجدّد من طبيعة خاصة، طبيعة مركبة من عنصرين الأول يتمثل بالتضييق والحصار حتى الاختناق اقتصادياً ولأجل هذا يعدّ لتطبيق قانون قيصر الإرهابي في سورية اعتباراً من 17 حزيران/ يونيو2020، والثاني يتشكل بعمل شوارعي أساسه الفتنة المنتجة للفوضى التي تتلاقى مع الحصار لدفع البلد إلى الانهيار وإغراق السلاح في الوحول لا بل ودماء الداخل فيتحقق المطلوب، ولهذا تتوجه أنظار المخطط وعملائه إلى لبنان من أجل الإعداد للفتنة التي أسند تنفيذها إلى جماعات عرفت بارتباطها بالمشاريع الأجنبية الاستعمارية وتعمل اليوم بأمرة مباشرة من السفيرة الأميركية في عوكر/ بيروت التي حوّلت سفارتها إلى غرفة عمليات لشؤون الفتنة.

انّ لبنان اليوم على أبواب عدوان خطير عنوانه الفتنة والحرب الأهلية الممهّدة لعدوان إسرائيلي، خطة تذكر بما حصل في العام 1975 حيث رفع حزب الكتائب شعار نزع سلاح المقاومة الفلسطينية وافتعل مجزرة عين الرمانة بحق الفلسطينيين وأنتج بيئة قادت «إسرائيل» إلى تنفيذ اجتياحين في لبنان وصلت في الثاني منهما إلى بيروت فأخرجت المقاومة الفلسطينية ثم انقلبت الأمور إلى عملية مراجعة النظام السياسي مراجعة أدّت إلى خسارة حزب الكتائب والطائفة المارونية مواقعهم المتقدّمة في الحكم وباتوا واحداً من ثلاثة شركاء أساسيين يتولون السلطة واقعياً…

بيد انّ تلك الفتنة والحرب التي استمرّت 14 عاماً بين كرّ وفرّ تسبّبت في تدمير لبنان وانهيار عملته (كان الدولار يساوي 3 ليرات ووصل إلى 3000 ليرة، أيّ خسرت الليرة 1000 ضعف من قيمتها) كما هجر 50% من اللبنانيين إلى الداخل والخارج في أعظم وأقسى مأساة حلت بلبنان في العصر الحديث، فهل يريد من يخطط للبنان تكرار هذه التجربة الكارثية؟ وهل سينساق لبنانيون لتدمير بلدهم مقابل دراهم معدودة كما فعلوا في العام 1975؟

نطرح السؤال خاصة أنّ تجربة الاعتبار من التاريخ ليست مشجعة، فقد كانت محاولة أخرى في العام 2004 عبر القرار 1559 بالرعاية الأميركية محاولة ترجمت بقتل واغتيالات وحصار فأدّت إلى خروج الجيش العربي السوري ثم استدعاء الجيش الإسرائيلي إلى لبنان في عدوان فشل في تحقيق أهدافه في العام 2006 ثم تكرّرت بفتنة أطفأ نارها حزب الله بحسم الأمور في ذاك اليوم المجيد من أيار 2008.

أننا حتى الحظة نعتقد بأنّ العمل للفتنة والدعوة اليها لن تنجح في إشعال النار في لبنان، كما أنها حتى ولو نجحت فإنّ هناك عوامل تمنع انتشارها وتسهّل إخمادها، عوامل أهمّها قدرة الجيش اللبناني على إحكام السيطرة على الوضع في مناطق الاحتكاك، يضاف إليها قدرة الفريق المستهدف بالفتنة على حسم الأمور سريعاً في مناطق الخطر والاشتعال، دون ان نهمل أيضاً وجود أصوات وطنية عاقلة ترفض الانجرار اليها.

بيد أنه ومع الثقة وحسن الظنّ نرى أنّ على الجميع من رسميين وغير رسميين تحمّل مسؤولياتهم لأنّ الفتنة إذا انفجرت وسعرت نارها قد تفلت الأمور عن السيطرة خاصة أنّ من يقودها دولة عظمى (أميركا) يعمل تحت قيادتها دول إقليمية عربية وغير عربية تجمعهم رغم عدائهم مصلحة «إسرائيل» بنزع سلاح المقاومة. لذلك نرى أنّ وجوب اتخاذ التدابير الاحترازية على صعيد الإعلام والسياسة والميدان لتعقيد عمل الفتنويّين أمر واجب ولنا في ما حصل يوم 6\6\2020 عبرة حيث أدّى فشل الدعوة إلى التظاهر ضدّ سلاح المقاومة إلى انقلاب المظاهرة إلى غوغاء تكسر وتحرق ثم تطلق الإشاعات حول قتل وخطف ثم تثير النعرات المذهبية والطائفية… لكن الفتنة فشلت في ظلّ حكمة الجيش وقوّته ووعي القيادات وحرصهم.

نعم انّ لبنان مستهدف بفتنة كبرى تحاكي ما حصل في 1975 و2005، ورغم انّ الظروف مختلفة والمستهدف مختلف فإنّ الخطر لا يمكن تجاهله، ورغم ثقتنا بقدرة الجيش والمقاومة ومعهما معظم الشعب للتصدّي لها فإنّ الهواجس تقلقنا فيجب الحذر والحذر الشديد.

أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

هل يحتاج لبنان الى نظام جديد؟

العميد د. أمين محمد حطيط

عندما أعلن لبنان الكبير في العام 1920 من قبل المفوّض السامي الفرنسي، كان جزءاً ممن اعتبروا بموجب الوضع الجديد لبنانيين في الدولة الوليدة، كان هذا الجزء يرفض الإعلان ويرفض قيام دولة تسلخهم عن سورية التي يعتبرونها الوطن الكبير لهم، شأنهم في ذلك شأن العلويين والدروز في سورية الذين رفضوا الانسلاخ عن الوطن الكبير وأطلقوا بلسان صالح العلي العلويّ صرخة «أكون مواطناً بسيطاً في سورية الكبرى ولا أقبل أن أكون حاكماً رئيساً في دولة قزم تخصّص للعلويين»، وكان للدروز وللعلويين ما أرادوا واستمرّوا جزءاً من الوطن الأمّ سورية، أما في لبنان فإنّ فريق رفض لبنان الكبير لم يصمد ولم يحقق غرضه بالبقاء في سورية، وأذعن للأمر الواقع وقبل بأن يكون الشمال والجنوب والبقاع جزءاً من هذه الدولة.

ولما دنت ساعة رحيل فرنسا وإعلان استقلال لبنان في العام 1943 تنازعت القوى السياسية اللبنانية المواقف بين فريق تدغدغ أفكاره أحلام العودة إلى سورية وفريق يتمسك بفرنسا أمّاً حنوناً تحضنه وتحميه من المحيط الشرقي الذي يرى أنه لا يتجانس معه بالدين، حتى ويغالي البعض بالقول إنه لا يتجانس معه بالقوميّة إلى حدّ كبير. وكحلّ وسط بين الفريقين ابتدعت معادلة تجمع رفضين بحيث يتنازل الفريق القومي عن طلب العودة إلى سورية ويتنازل الفريق اللبناني عن طلب الحماية الفرنسية، ويشترك الفريقان في العيش في لبنان كمواطنين يبتدعون صيغة حكم تحفظ لهم حقوقهم وتحفظ لبنان المستقل كما أعلنه المفوض السامي غورو، وهكذا نشأ الميثاق الوطني اللبناني المتضمّن موافقة مكونات الشعب اللبناني على العيش المشترك في دولة مستقلة، وابتدعت لهذه الدولة صيغة حكم طائفي توزع السلطة والحقوق على أساس طائفي أما الواجبات فتلقى على عاتق المكلفين على أساس فردي.

ولأنّ الصيغة الطائفية أخلّت بالمساواة بين الأفراد في الحقوق ومنحت فئة من اللبنانيين امتيازات جعلتها الفئة الحاكمة الممتازة، وصنّفت الطوائف من حيث الحقوق في درجات متفاوتة بحيث حرمت الطوائف الأقلّ عدداً من حق المشاركة بالسلطة أو تقلّد الوظائف العامة العليا ما أنشأ الشعور بالغبن، في مقابل تمسك أصحاب الامتيازات بامتيازاتهم مبرّرين ذلك بالخوف على المصير. وفي النتيجة نشأت في لبنان عقدتان عقدة الخوف وعقدة الغبن. عقدتان أفسدتا لدى الكثير الشعور بالمواطنية حتى وبالانتماء إلى لبنان وجعلتهم يتطلعون إلى الخارج للاستقواء به، ما فرض على لبنان واقعاً من عدم الاستقرار جعل الأوضاع تنفجر داخلياً مرة في كلّ عقد من الزمن، ما فرض على أصحاب الشأن مراجعة الصيغة مع التمسك بالميثاق، وحتى يطمئن الخائفون على المصير أطلق السيد موسى الصدر شعار «لبنان وطن نهائي لكلّ أبنائه»، وهو الشعار الذي أدخل في الدستور بعد اعتماده في اتفاق الطائف الذي ختم 14 عاماً من الحرب الأهلية في لبنان وأعاد توزيع السلطة والنظر بصيغتها على أسس جديدة.

لقد أمل الكثيرون في لبنان ان يشكل اتفاق الطائف 1989 مخرجاً يُرسي الاستقرار القائم على المساواة بين اللبنانيّين، خاصة أنه تضمّن من النصوص ما يعالج مخاوف وطموحات معظمهم. فنصّ على نهائيّة الكيان وعلى العلاقات المميّزة مع سورية وأعاد توزيع السلطة، كما نصّ على عدم مشروعيّة السلطة التي لا تراعي العيش المشترك بمعنى السلطة التي لا يشارك الجميع فيها، وأخيراً نصّ على وجوب إلغاء الطائفية السياسية لإقامة دولة المواطن بدلاً من دولة الطوائف، وأشار إلى وجوب المرور بمرحلة انتقالية مؤقتة تراعى فيها حقوق الطوائف في السلطة والوظائف العامة ريثما تلغى الطائفية السياسية.

بيد أنّ التطبيق جاء مجافياً للاتفاق، فمن حيث النهائية ظلت الأصوات تُسمع بإعادة النظر بالكيان (تقسيم… فيدرالية إلخ…) وفي العلاقة مع سورية انقلبت لتكون سورية عدواً للبعض وصديقاً حليفاً للبعض الآخر، وفي السلطة قامت بدعة الترويكا واختصرت الدولة بـ 3 أشخاص تقريباً وظلت طوائف مبعدة عنها (العلويون مثلاً لا وزير لهم) وحجب موضوع الطائفيّة السياسيّة ووضعت دونه الشروط التعجيزية من قبيل معالجة النفوس قبل النصوص، او القانون الموحّد للأحوال الشخصية وما إليه…

تسبّب التطبيق المخزي للدستور ولاتفاق الطائف بكوارث متعدّدة الوجوه حلت بكلّ لبنان واستشرى الفساد الذي تغذيه الطائفية، وتشكلت مواقع لشخصيات استبدادية تصادر طوائفها وتراكم الأموال سرقة واغتصاباً من المال العام، في مقابل تردّي كلّ شيء في الدولة التي انهارت ماليتها وانهار نقدها وشحّت مواردها ووقف معظم مواطنيها على عتبة الفقر والمجاعة، وأصبح الخوف على المستقبل شعوراً مشتركاً بين كلّ اللبنانيين.

إنّ ما عاناه لبنان ويعانيه اليوم هو نتيجة حتمية لاعتماد نظام طائفي ظالم يخلّ بالمساوة بين المواطنين، ولما رمّم النظام بنصوص قيل إنها مناسبة، فإنّ التعديل لم يطبق لا بل شهد الواقع تطبيقاً معاكساً، ولذلك كانت صرخات تطالب بمراجعة النظام مجدّداً، وأننا نرى انّ لهذه الصرخات مبرّرها فالكلّ يجمع بصراحة أو ضمناً على أنّ الوضع القائم لا يمكن ان يستمرّ حتى أولئك الذين يتمسّكون بالنصوص القائمة المعطل معظمها يعرفون انّ الاستمرار فيها أمر مستحيل وأنّ التطوير أو الإصلاح أو التعديل أمر لا بدّ منه. اعتقاد نكاد نقول إنه يشمل الجميع كما يشملهم الخوف على المصير كما قدّمنا ولا يتمسك بما هو قائم إلا قلة قليلة جداً من المستفيدين الذين هم فئة الـ 2% التي جمعت الثروات من خيرات الوطن.

وعليه ومنطلقين من مسلّمة أنّ الوضع القائم غير مقبول بات واجباً البحث عن حلّ او مخرج من المأساة القائمة، ولكن هنا ينبغي الحذر في اختيار الحلّ. إذ لا يقبل ان ننتقل من وضع ملتهب إلى وضع متفجّر أسوأ، ولا يمكن أن ننتقل من وضع غير مستقر إلى وضع زلزالي، وقبل أن نخوض في الحلّ الأسلم علينا الاتفاق حول آلية الوصول إليه. وهي آلية يمكن ان تبتكر لبنانياً من خلال النصوص الدستورية القائمة رغم انّ دستورنا يعتبر من أشدّ الدساتير جموداً، أو من خلال مؤتمر وطني تعتمد فيه أولاً مبادئ وطنية عامة تراعي نهائيّة الكيان والمساواة على أساس المواطنية وتحفظ الطوائف بصيغة لا تمسّ بحقوق الأفراد وكرامتهم، فهل نبادر إلى البحث؟ أم ننتظر الطوفان الأكبر أو الحريق الشامل؟

وفي هذا السياق نرى وجوب قبول أيّ يطرح يشكل في ذهن أصحابه مخرجاً لمأزق لبنان القائم، ويناقش بعقل منفتح وفقاً لأسس وطنيّة تمنع المسّ بوحدة لبنان وأمنه وسيادته وحقوق المواطن فيه ومبادئ العدالة والمساواة. فإذا وافقها يعتمد والا يستبعد، قبولاً او استبعاداً يتمّ على درجتين أولاً في الهيئة المصغرة التي تناقشه وتوصي به ثم من قبل عامة الشعب بناء لاستفتاء شعبي حقيقي. أما المكابرة ورفض المراجعة او إعادة النظر لمجرد الرفض فإنه يعني الإصرار على دمار الوطن وتهجير سكانه بحثاً عن لقمة العيش، من دون أن نغفل احتمال الانفجار الأمني الذي لا يمكن تفاديه مع اشتداد الجوع وتسارع الانهيار العام.

*أستاذ جامعي – خبير استراتيجي.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

خطرُ حكومة الرأسين الإسرائيليّة: كيف يواجَه؟

العميد د. أمين محمد حطيط

بعد نيّف وسنة وبعد 3 انتخابات عامة توصّل نتنياهو إلى تشكيل حكومة ائتلاف مع حزب «أزرق أبيض» ضمن فيه رئاسة الحكومة في الكيان الصهيوني لـ 18 شهراً تعقبها 18 شهراً أخرى يكون فيها رئيس حكومة بديلاً. فترة يظنها كافية لتصفية ملفاته القضائية التي إذا فعلت ووصلت إلى منتهاها فإنها تقوده إلى السجن بعيداً عن أيّ منصب رسمي.

في المقابل ضمن بني غانتس رئيس «أبيض أزرق» والذي فشل في تشكيل حكومة بمفرده بعيداً عن الليكود ورئيسه نتنياهو، الوصول لأول مرة إلى منصب «رئيس حكومة بديل» الآن ورئيس حكومة أساسي بعد 18 شهراً أيّ بعد انتهاء مدة رئاسة نتنياهو. ومع تشكل هذا الائتلاف الحكومي ذي الرأسين في كيان العدو تطرح أسئلة كثيرة حول الأداء الإسرائيلي في الإقليم بشكل عام وتنفيذ «رؤية ترامب للسلام» والمسماة «صفقة القرن» التي قد تستوجب من الثنائي الإسرائيلي الأميركي عمليات عسكرية تلزمها لإزالة العوائق من أمامها.

قبل مناقشة هذه الأسئلة والإجابة عليها، لا بدّ من استعادة مقولة قديمة تفيد بأنّ «إسرائيل» في كلّ مرة يتعاظم فيها مأزق داخلي أو يشتدّ بتصورها خطر خارجي أو يتزامن الاثنان معاً فإنها تلجأ إلى حكومة ائتلاف تسمّيها «حكومة وحدة وطنية» تذهب بها لمواجهة المأزق أو الخطر بفتح جبهة حرب تنسي جمهورها المأزق او تبعد او تعالج الخطر.

وصحيح أنّ تشكيل الحكومة الراهنة أملته ظواهر عجز أيّ من الطرفين عن تشكيل حكومته الخاصة رغم محاولات تكرّرت بعد 3 دورات انتخابية، إلا انّ الواقع الإسرائيلي من حيث التحديات الداخلية وما تتصوّره من مخاطر خارجية يوحي بأنّ مثل هذه الحكومة ذات الرأسين الأساسي والاحتياط المتناوبين على رئاستها هي حكومة تشكل مصلحة لـ «إسرائيل» الآن، في ظلّ ما تضخمه حكومة نتنياهو الراحلة من خطر خارجي محدق يتمثل حسب زعمها بالوجود الإيراني في سورية وبتنظيم المقاومة في جبهة الجولان بالتعاون والتنسيق بين سورية وحزب الله الذي بات يملك حسب الزعم الإسرائيلي 150 ألف صاروخ متفاوتة المدى فضلاً عن 1000 صاروخ ذات رؤوس الدقيقة. وهذه ترسانة تغطي كامل مساحة فلسطين المحتلة. وكلّ ذلك لا يعالج برأيهم إلا بالعمل العسكري الذي يجهض هذا الخطر بتدمير هذا السلاح.

أما التحدي الآخر ففيه أيضاً ما يستحق «جمع الكلمة» على حدّ قول أحد خبرائهم الاستراتيجيين حيث إنّ من مصلحة «إسرائيل» أن تبدأ بتنفيذ «رؤية ترامب للسلام» المسماة «صفقة القرن» بما فيها من ضمّ أرض وإطاحة حلم الدولة الفلسطينية، وصولاً إلى التصفية النهائية للقضية الفلسطينية كلياً بإسقاط حق العودة وتشكيل «دولة إسرائيل» نهائياً على أساس أنها «وطن قومي لليهود» أو كما جاء في قانونهم الأخير «دولة يهودية». ومن أجل ذلك وفي غضون 48 ساعة من إعلان الاتفاق على تشكيل حكومة ائتلاف اعلن نتنياهو انه «آن الأوان لتضمّ إسرائيل نهائياً مستعمرات الضفة الغربية وغور الأردن» التي تشكل مساحة 30% من الضفة الغربية.

إذن أمام حكومة الرأسين الإسرائيليين ملفان وتحديان كبيران، فكيف ستعالجهما أو كيف ستتصرف حيالهما؟

بالنسبة للموضوع الأول أيّ إيران وحزب الله، تتمنّى «إسرائيل» ان تواكبها الولايات المتحدة في قرار مشترك للذهاب إلى حرب تدميرية واسعة وخاطفة تفرض على إيران الخروج من سورية، وتدمّر ترسانة صواريخ حزب الله. فهل هذا في متناول يد حكومة الرأسين؟

في الإجابة نقول إنّ الزمن الذي كانت الحرب في المنظور الإسرائيلي بمثابة مناورة تحدّد هي وقتها ومدّتها ونطاقها وحجم المغانم التي تريدها، ثم تذهب إليها وتنفذها كما خططت أو بأفضل مما خططت، إنّ هذا الزمن ولى إلى غير رجعة حيث كانت الصورة الأخيرة لها في العام 1982 في لبنان، أما بعدها فقد رسمت صورة جديدة في العام 2006 وفي لبنان أيضاً حيث كسرت المقاومة التي يقودها وينظمها حزب الله كلّ معادلات «إسرائيل» وتصوّرات قادتها وحطمت مقولة الجيش الذي لا يُقهر، ثم كانت الحرب العدوانية على سورية وتطورات رافقت هذه الحرب لتعزز مقولة الردع الاستراتيجي المتبادل ومقولة ان «إسرائيل يمكن ان تطلق الطلقة الأولى إيذاناً ببدء الحرب لكنها لن تستطيع التحكم بشيء من مجرياتها».

فـ «إسرائيل» اليوم وفي مواجهة محور المقاومة المتماسك والمتكامل في قدراته العسكرية الميدانية تبدو عاجزة عن شنّ حرب تحقق لها ما تشاء وتتحمل فيها الخسائر التي تنزلها بها قوات العدو. نعم «إسرائيل» تملك القوة العسكرية التدميرية الهامة لكنها لا تملك القدرة الكافية لتحقيق الإنجاز العسكري الذي حدّدته أيّ إنهاء الوجود الإيراني في سورية وتدمير سلاح حزب الله، كما أنها غير قادرة على احتواء ردة الفعل على جبهتها الداخلية التي فشلت في الارتقاء إلى مستوى «شعب يعمل تحت النار» رغم كلّ الجهود التي بذلت من أجل ذلك. ونشير أيضاً إلى انّ الوجود الإيراني في سورية ليس من الطبيعة التي يعالج بها بحرب من دون ان تصل إلى مستوى احتلال شامل، فهو وجود مستشارين موزعين هنا وهناك يصعب تحديدهم وإحصاؤهم.

وفي ظلّ استبعاد لجوء «إسرائيل» بمفردها إلى شنّ حرب على الجبهة الشمالية تبقى مناقشة فكرة حرب الثنائي الأميركي الإسرائيلي ضدّ محور المقاومة، وهنا أيضا نقول إنّ أميركا وقبل 6 أشهر من انتخاباتها وفي ظلّ الظروف الدولية المعقدة وبائياً ومالياً واقتصادياً وعسكرياً بالنسبة لها ليست في وارد فتح جبهة في الشرق الأوسط وهي التي تتحضّر للمواجهة الأخطر في الشرق الأقصى الذي قد يفرض عليها حرباً مع الصين قبل ان تستكمل انزلاقها إلى بحرها.

وعليه نصل إلى استنتاج أول بن الحرب التي ترى فيها «إسرائيل» علاجاً للخطر الإيراني والصاروخي من حزب الله هي حرب ليست في متناول يدها ويبقى لديها أن تنفذ عمليات عسكرية استعراضية إعلامية في سورية ليست لها أي قيمة عملانية او استراتيجية لتؤكد جدية مواكبتها للخطر المزعوم، رغم انّ جلّ ما تدعيه كاذب ومنافٍ للحقيقة.

أما الأخطر في مواجهة المقاومة وسورية ولبنان فهو ممارسة أميركا وإسرائيل الضغوط في إطار الحرب الاقتصادية الإجرامية التي تشن عليهم، ولذلك تضع أميركا «قانون قيصر» الإجرامي موضع التنفيذ لخنق سورية اقتصادياً، وتثار مسألة الحدود بين لبنان وسورية لخنق لبنان والمقاومة. هنا على لبنان بشكل خاص أن يتوجه إلى الميدان الاقتصادي المشرقي عبر سورية، ويعتمد خطة التكامل الاقتصادي من نواة أربع دول (لبنان سورية والعراق وإيران) لتتسع إلى عمق اقتصادي دولي يصل إلى الصين، فتتعطل بذلك خطة الإجرام الاقتصادي او الإرهاب الاقتصادي التي تمارسها عليه لإخضاعه.

أما التحدي الآخر والذي فيه ضمّ مزيد من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وغور الأردن فإنّ هذا الأمر يبدو لـ «إسرائيل» سهلاً ومتاحاً رغم «إشارات القلق» التي يبديها حيناً الجانب الأميركي متهما «إسرائيل» بالتسرع او بيانات الاستنكار الخجولة من هنا وهناك، ونعتقد ان ترامب الذي أعطى «إسرائيل» في رؤيته فوق ما تطلب لن يمنعها من هضم ما قدّمه لها، ولن تأبه «إسرائيل» لمواقف الرفض والاستنكار الإعلامي العربية والدولية لتتوقف عن عمليتها الإجرامية بضمّ الأراضي، لكنها حتماً ستنظر إلى ردود الفعل الأردنية والفلسطينية التي تؤثر عليها جدياً فيما لو اتخذت.

وعليه نرى أنّ وقف خطة «حكومة الرأسين» الإسرائيلية بصدد ضمّ الأراضي يتطلب موقفاً أردنياً فلسطيناً حازماً يؤذي «إسرائيل» كلّ على صعيده وفي نطاقه، فبإمكان الأردن لعب ورقة التنسيق الأمني وورقة التعاون الاقتصادي والمناطق الصناعية وحركة البضائع وأنبوب الغاز وغيرها من مسائل التبادل التجاري والسياحي والأمني مع «إسرائيل» وصولاً إلى وضع مصير اتفاقية وادي عربة على الطاولة، هنا تجد «إسرائيل» ان توسّعها في الأرض يؤدي إلى انحسار في المصالح وبالمقارنة ستضطر لاختيار المصالح فتتوقف.

أما الموقف الفلسطيني فيكفي أن يتمثل بأمرين اثنين: وقف التنسيق الأمني كلياً، ووقف تدابير القمع التي تمنع الشعب من إطلاق انتفاضته المباركة المتنظرة التي تهز الأرض في الضفة تحت أقدام المحتلّ، عندها نستطيع القول بأنّ هناك موقفاً جدياً يواجه العدوان الإسرائيلي ويوقف تنفيذ صفقة القرن فلسطينياً.

*أستاذ جامعي – خبير استراتيجي.

هل سقط وقف إطلاق النار في إدلب؟ وماذا بعد؟

العميد الركن د. أمين محمد حطيط

. لم نكن نتوقع أن تنفذ تركيا بروتوكول موسكو الإضافي الذي «منحها» هدية كبرى هي وقف إطلاق النار في ريف إدلب وتجميد العمليات القتالية على طرفي خطوط التماس التي رسمتها بنادق رجال الجيش العربي السوري وأقدامهم التي لو تابعت الحركة القتالية لكانت وصلت إلى الحدود مع تركيا وطوت صفحة الإرهاب في إدلب وريفها. فتركيا امتهنت منذ أن فتح لها باب استنة وأعطيت فرصة عضوية المثلث الراعي للمسألة السورية ميدانياً، ومن ثم سياسياً، سياسة النكول والابتزاز وتلمّس الطرق إلى حيث يؤكل الكتف بأقل جهد ممكن.

أما روسيا التي منحت تركيا هذه الهدية العظيمة بعد ان كانت وجهت عبر رئيسها بوتين لأردغان رسائل المهانة والإذلال في قصر الكرملين في موسكو، فقد ظنت ان الرسائل القاسية معطوفة على العطية التي حملها لها بروتوكول موسكو من شأنها أن تغيّر السلوك التركي في سورية وأن تتجه تركيا بشكل جدي هذه المرة ليس إلى تنفيذ بروتوكول موسكو فحسب، بل وكل الاتفاقات السابقة بدءاً من مخرجات استنة وصولاً لاتفاق سوتشي. وهذا يعني بالفهم الروسي توقف تركيا عن السير بمشروعها الخاص في سورية والذي يشمل اقتطاع أرض وتهجير سكان وتغيير ديمغرافي للمناطق الحدودية ووضع اليد على ثروات طبيعية وعرقلة الحركة الاقتصادية والصناعية في الشمال السوري. وكلها أمور تستحق بالفهم الروسي التضحية لضمان حل يحفظ الحقوق السورية دون ان يغضب تركيا او يستفزها.

بيد ان الميدان السوري شهد بعد بروتوكول موسكو مناورات تركية وتذاكياً من نوع جديد، حيث عملت تركيا هذه المرة باستراتيجية الباطن والظاهر المتناقضين او المتعاكسين، ففي خطابها مع الروسي كانت تؤكد المرة تلو المرة على التزامها ببروتوكول موسكو بما في ذلك طي صفحة المطالب بتراجع الجيش السوري بعيداً عن الخطوط التي وصل اليها إثر انتصاراته في عملياته العسكرية الأخيرة، كما وفتح الـ M4 الذي يربط حلب باللاذقية وضمان أمن الحركة عليه بتسيير الدوريات المشتركة الروسية التركية والسير قدماً بتفكيك الجماعات الإرهابية المسلحة المناهضة للحل السياسي، ومن جهة ثانية كانت توجّه جبهة النصرة وغيرها من الإرهابيين المتطرفين من تركمان وإيغور وسواهم لقطع طريق M4 ومنع تسيير الدوريات المشتركة عليها مع ضمان عدم استعمال القوة ضدهم. وفي النتيجة ربحت تركيا بـ»تذاكيها» وأبقت الطريق مقطوعة وجاءت الأيام بعد ذلك لتغيّبها عن جدول الأعمال المشترك لروسيا وتركيا.

لكن تركيا لم تكتف بما حصلت عليها، بل قادها غدرها إلى خرق وقف إطلاق النار ومهاجمة الجيش العربي السوري في سهل الغاب عبر تنظيمات إرهابية متطرفة جلها يعمل بأوامر المخابرات التركية ما يثبت أن تركيا مستمرة في مشروعها الخاص الذي لم تتراجع عنه، حيث لا يوجد أي دليل او أي قرينة تشير إلى هذا التراجع او توحي به، لا بالعكس فإن كل ما تقوم به تركيا ميدانياً يثبت استمرارها على السير قدماً فيه. وهي إذا توقفت فترة فإنما يكون توقفها لعائق ميداني لا علاقة له لا من قريب او بعيد بقرار تركي استراتيجي او مراجعة للسياسة التركية في سورية.

شنّ الهجوم الإرهابي في سهل الغاب شمالي غربي حماه، وإسقاط قرار وقف إطلاق النار عملياً وتمكّن المهاجمون من السيطرة على مساحة جنوبي خط التماس القائم (رغم أنها صغيرة ومحدودة) معطوفة على الإخفاق في فتح طريق الـ M4 مواكبة مع التصعيد التركي ضد الحكومة السورية، كلها وقائع وسلوكيات تدعو إلى وقف الرهان على سياسة تركية يمكن أن تكون صادقة ونظيفة ووفية لتعهداتها وتستحق أن يكون لها شرف الانضواء في منظومة إقليمية دولية لرعاية الحل في سورية.

وإذا كانت الحسابات الروسية تحول دون الانتقال في العلاقة مع تركيا من العمل المشترك إلى المواجهة والعداء الآن، وأن إيران تجد ان حسن التعامل مع تركيا يروّضها ويقلل الخسائر التي يفرضها الحل الذي لا تشارك فيه تركيا، فإن الحسابات السورية تبقى مقروءة من منظار أخر يوحي بأن سورية لا تستطيع أن تنتظر إلى ما شاء الله لإنجاز تحرير إدلب ووضع حد للإرهاب العالمي فيه، ولا تستطيع أن تعطي وقتاً إضافياً لتركيا لتعميق مشروعها الخاص في سورية بشكل يصعب معالجة آثاره ومفاعيله، ولذلك نرى أن الوقت الآن لا يلعب لصالح سورية التي تحتاج بإلحاح لطي صفحة إدلب والتفرغ لصفحة الشرقي الشمالي السوري حيث الاحتلال الأميركي وظاهرة الانفصال الكردي وتلاعب اليد التركية. وهي حالة مركبة فيها قدر من التعقيد تُفضل معالجتها بالتفرغ الميداني والسياسي حتى لا تتزاحم المؤثرات فتعرقل الحل.

لكل ذلك يبدو أن سورية ستجد نفسها وقريباً جداً مضطرة لاستئناف القتال والعمل باستراتيجيتها الناجعة القائمة على التحرير بالوثبات المتتالية، وهي الاستراتيجية التي مكّنتها من تحرير أكثر 5000 كلم 2 في ريفي حلب وحماه وأدت إلى السيطرة على طريق الـ M5 وأظهرت الوهن التركي في مواجهة الجيش العربي السوري وحلفائه وأجبرت أردوغان على أن يستغيث ببوتين استجداء لوقف إطلاق النار، أما روسيا فتجد نفسها مضطرة لأكثر من سبب لمواصلة دعم وإسناد الجيش العربي السوري في عملياته تلك، خاصة أنها فهمت مغزى الزيارة الإيرانية لدمشق مؤخراً.

فالسلوكيّات التركية في سورية باتت تبرّر العودة السورية لاستئناف التحرير بالقوة واجتثاث الإرهاب بكل مسمّياته وأشكاله من إدلب وتُضاف إليها الظروف الإقليمية والدولية هذه المرة التي تعزز هذا الاتجاه وتؤكد عليه إذ إنها اليوم في أفضل الأحوال التي تساعد على إطلاق هذه العمليات. فتركيا تحت وطأة ضغوط وبائية وسياسية واقتصادية داخلية فضلاً عن غرقها وانشغالها في ليبيا ما يمنعها من الدخول في مواجهة واسعة في سورية، وأميركا تنفذ في المنطقة إعادة انتشار عسكري، صحيح أنه لن يصل إلى الانسحاب منها، لكنه يشير إلى خفض في قواتها المنتشرة حالياً وأوروبا مشغولة عن العالم بوباء كورونا الذي لم تسيطر عليه حتى الآن. كل ذلك لا يطرح السؤال هل سيتخذ قرار تحرير إدلب بالقوة العسكرية، بل متى سيوضع هذا القرار موضع التنفيذ؟ الذي نتوقعه قريباً.

أستاذ جامعي – باحـث استراتيجي.

هل تنجح أميركا بتعديل تفويض اليونيفيل في الجنوب؟

العميد د. أمين محمد حطيط

بعد أن فشلت “إسرائيل” في تحقيق أهداف عدوانها على لبنان في العام 2006 بسبب بسالة المقاومة في الدفاع، قدّمت لها أميركا جائزة ترضية تمثلت بالقرار 1701 الذي غيّر بعض الشيء من تفويض قوات اليونيفيل المنتدبة إلى لبنان منذ العدوان الإسرائيلي الأول في العام 1978، كما عدّل تشكيلها ورفعها إلى 15000 عسكري منهم قوة بحرية ألحقت بـ “اليونيفيل” لأول مرة، وقد حاولت أميركا تشديد أحكام القرار يومها وإصداره تحت الفصل السابع وجعل القوات المنتدَبة قوات متعددة الجنسية، لكنها فشلت في مساعيها أمام الواقع الذي ارتسم في الميدان والإقليم يومها والذي لم يكن لصالح أميركا و”إسرائيل” المهزومة. ونذكّر هنا بالفقرة 10 من مشروع القرار الأميركي التي كانت تتحدث عن ذلك، لكن الرفض اللبناني المقاوم أسقطها.

وفي الأشهر الأولى لوصول التعزيزات العسكرية الدولية والتي شكلت قوات الأطلسي النسبة الأكبر فيها براً وبحراً حيث بلغت 75% من مجمل القوات (11000 من أصل 15000 براً وبحراً) حاولت تلك القوات الأطلسية خاصة الفرنسية والإسبانية أن تفرض قواعد اشتباك عملية ميدانية تتخطى منطوق القرار 1701 الذي صدر تحت الفصل السادس والذي يقيّد الأمم المتحدة في المهمة بحصرها في مساندة الجيش اللبناني في مهامه، ويقيّدها في بقعة العمليات ويحصرها في منطقة جنوبي الليطاني بين الحدود الدولية وخط جنوبي النهر ويقيّدها بإطلاق النار ويمنعها من ذلك إلا في حال الدفاع عن النفس أو لزوم مهمة مساندة الجيش. أما الممارسة العملية التي حاول الأطلسيون فرضها يومها فكانت تتخطى كلّ ذلك بعيداً عن القرار. وكانت المفاجأة أنّ الحكومة اللبنانية ورغم تحذير الجيش ورفض المقاومة واستنكار الشخصيات والقوى الوطنية، التزمت الصمت يومها أمام سياسة الفرض بالأمر الواقع، ما استدعى تصدّي الأهالي المدنيّين للأمر حتى كادت تقع مواجهات يسقط فيها ضحايا.

أمام هذا الواقع أدركت القوى الأطلسيّة التي استأثرت منذ العام 2006 بقيادة قوات اليونيفيل أنّ سياسة الأمر الواقع وفرض قواعد اشتباك تتخطى ما قبل به لبنان بمقاومته خاصة في القرار 1701 انّ هذا لن ينجح لا بل انّ الإصرار عليه سيعرّض سلامة القوى للخطر وسيحوّلها بنظر الأهالي إلى قوات احتلال يكون مصيرها كمصير قوات الاحتلال الإسرائيلي، عندها تراجع الأطلسيون ومعهم كلّ اليونيفيل عن المحاولة واعتمدت قواعد اشتباك تلتزم نص القرار 1701 بالشكل الذي ذكرنا.

بيد أنّ أميركا لم تسقط التعديل من رأسها وكانت مع كلّ تجديد او تمديد لمهمة اليونيفيل في لبنان، تحاول فرضه مرة جديدة وكانت تواجَه بالرفض اللبناني الذي كان يضغط على القوى المشاركة في القوات الدولية بما يشكله من خطر عليها فتهدّد بالانسحاب في حال تمّ التعديل الذي كانت تريده أميركا بتحويل قوات اليونيفيل من قوات سلام تعمل برضى الأطراف في بيئة ديمغرافية تتقبّلها، إلى قوات قتال في بيئة تعاديها أو ترفضها. وفي المحصّلة فشلت أميركا طيلة العقد المنصرم من أجراء أيّ تعديل للقرار 1701.

واليوم تتكرّر المحاولة قبل أشهر ثلاثة من انتهاء تفويض اليونيفيل وتريد أميركا إجراء تعديل يخوّل اليونيفيل بمهام بعيداً عن مساندة الجيش ويجيز لها فتح النار خارج حالات الدفاع عن النفس. والبعض يقول أيضاً السماح لها بالعمل في النطاق الأمني شمالي خط الليطاني في العمق اللبناني والقصد من كلّ ذلك تكليف اليونيفيل القيام بمهمة تخدم حصرياً المصالح “الإسرائيلية” بجمع المعلومات والتفتيش عن سلاح المقاومة ونزعه وهي المهمة التي عجزت “إسرائيل” عنها في حرب الـ 33 يوماً وتراها اليوم أكثر ألحاحاً مع ما يُتدَاول عن امتلاك المقاومة لترسانة صواريخ تخطت الـ 100 ألف صاروخ حسب قول “إسرائيل”، ومنها كمّ مهمّ من الصواريخ الدقيقة التي تقضّ مضاجع “إسرائيل”.

إنّ المحاولة الأميركية خطرة وخبيثة وإذا قيّض لها النجاح فإنها ستضع المقاومة والشعب في الجنوب وجهاً لوجه وينقلب الأمن والاستقرار السائدين حالياً في المنطقة إلى حالة من الاضطراب والاختلال الأمني التي لا يمكن لأحد أن يتوقع إلى أين تصل في حال تدحرجها. ولذلك نرى انّ على لبنان أن يضع مجلس الأمن منذ الآن بين خيارين أما التمديد لـ “اليونيفيل” دون أيّ تعديل للقرار 1701 او سحب هذه القوات التي تقدّم حتى في واقعها الحالي خدمات لـ “إسرائيل” أكثر منها للبنان.

وبالمناسبة نقول إنّ اليونيفيل لم تنفذ مهامها التي أسندت اليها بالقرار 1701 في واقعه الحالي خاصة لجهة مزارع شبعا والغجر ومناطق الاحتلال الإسرائيلي الـ 13 شمالي الحدود الدولية والخط الأزرق المعتمد للتحقق من الانسحاب الإسرائيلي، والذي تريده أميركا و”إسرائيل” خطاً للتفاوض على حدود جديدة وفقاً لصفقة القرن، ولم تلتفت أميركا او أحد من المعنيين إلى هذا التقصير، بينما تصرّ أميركا على أمر آخر يتعلق بتعديل التفويض لمحاصرة المقاومة والتفتيش عن سلاحها ودفع الجنوبيين إلى حالة من القلق لا يعرفون معها متى تدخل عليهم في بيوتهم وممتلكاتهم قوات أجنبية ترتدي القبعات الزرقاء لتفتش أماكن تظنّ أنها فيها ممنوعات متجاوزة الجيش اللبناني وقوى الأمن اللبناني ذات الصلاحية وممارسة لوظيفة قوات احتلال وليس قوات سلام او حفظ سلام.

لبنان: انتهاكات إسرائيل الجوية "خطيرة" - وكالة سند للأنباء

إننا ورغم شكّنا بقدرة أميركا على إجراء التعديل، وذلك لأكثر من اعتبار أهمّها ما يتعلق بخوف الدول المشاركة في اليونيفيل على أمن قواتها إذا جرى التعديل دون موافقة بيئة المقاومة وشعبها في الجنوب، وكذلك حاجة ذلك لموافقة الحكومة اللبنانية التي بتركيبتها الحالية لا يمكن لها أن توافق على التعديل ولا يغيّر من الأمر شيء القول بانّ مندوبة لبنان في الأمم المتحدة قد توافق، فهذا الأمر هو أمر تأسيسي استراتيجي لا يمكن للمندوبة أن تتخذ فيه قراراً دون العودة الى وزارة الخارجية، رغم كلّ ما يُقال بهذا الصدد، أضف إلى ذلك توقع الرفض الروسي والصيني والفرنسي تبعاً للرفض اللبناني.

بيد أنه ورغم كلّ ما ذكر نرى أنّ على الحكومة اللبنانية ومنذ الآن إبلاغ مجلس الأمن بكتاب خطي واضح رفضها أيّ تعديل للقرار 1701 ورفضها أيّ مراجعة لقواعد الاشتباك مهما كان الأمر طفيفاً. وقبل أن ينظر بتعديلات تقيّد لبنان وتطلق يد الأمم المتحدة فيه لمصلحة “إسرائيل”، وأنّ على الأمم المتحدة تطبيق القرار بأحكامه الحالية وتأمين المصالح اللبنانية التي قيل إنها اعتُمدت لترعاها.

*أستاذ جامعي – وخبير استراتيجي

فيديو متعلق

مقالات متعلقة

لماذا يفشل الغرب في مواجهة إيران؟

العميد د. أمين محمد حطيط

منذ أن نجحت الثورة الإسلاميّة في إيران في إقامة دولة مستقلة فعلياً تحوّلت إيران إلى عقدة للغرب الاستعماريّ لا يطيقها ويبحث عن أيّ وسيلة تقود إلى إنهاء هذه الظاهرة التي شكلت كابوساً للغرب عامة ولأميركا و«إسرائيل» خاصة. ولم يحاول الغرب التعايش مع هذا المتغيّر الدولي بل رأى أنّ الحلّ الوحيد له هو الإجهاز على هذه الدولة قبل تفاقم خطرها المتمثل بما أطلق عليه «تصدير الثورة» واجتياح الفكر التحريري الاستقلالي جيران إيران أولاً، وفي طليعتهم دول الخليج التي تشكل محميات للاستعمار يحكمها عبر عائلات تتحكّم بها وتمكّنه من وضع اليد على نفطها ومالها.

ولأجل التخلّص من النظام الإسلامي في إيران شنّت الحرب عليها من قبل صدام حسين بتوجيه أميركي وتمويل خليجي خاصة السعودية التي أفهمها الأميركيّون أنّ بقاء هذا النظام في إيران يشكل خطراً على العائلة المالكة في السعودية وكلّ العائلات المالكة في الخليج.

بيد أنّ إيران رغم حالة التفكّك والتضعضع الذاتي التي كانت عليها في الأشهر الأولى لانتصار الثورة، استطاعت ان تصمد وتستوعب الهجوم العراقي رغم أنها خسرت أرضاً في البدء وتكبّدت خسائر فادحة، لكنها صمدت واستعادت أرضها وقبلت بإنهاء الحرب من دون أن تتمكّن من معاقبة المعتدي، لكن أميركا لم ترضها تلك النتيجة وتحت عناوين وذرائع شتى فرضت عليها تدابير كيدية أسمتها عقوبات رغم عدم انطباق التسمية على الحقيقة القانونية لتلك التدابير. ومنذ 32 عاماً وحتى الآن ترزح إيران تحت وطأة ما يسمّى عقوبات متنوّعة منها ما هو أحادي كتلك التي تفرضها أميركا، ومنها ما هو جماعي خارج مجلس الأمن كتلك التي يفرضها الاتحاد الأوروبيّ وأميركا، ومنها ما هو دولي أممي كتلك التي تفرض بقرار من مجلس الأمن بضغط أميركي.

لقد لجأ الغرب إلى العقوبات التي من شأنها أن تخنق إيران وتجعلها تتراجع عن سياستها الاستقلاليّة، وعن دعمها لحركات التحرّر والمقاومة في العالم ومنعها أيضاً من امتلاك مصادر القوة (العسكرية والاقتصادية والعلمية) لإبقائها دولة من العالم الثالث وسوقاً استهلاكية لسلع الغرب وفرض التبعية الاقتصادية بعد السياسية لمجموعة المنتصرين في الحرب الثانية.

لكن إيران سفّهت أحلام محاصريها وثبتت على سياستها الاستقلالية، رغم ما أحدثته الحرب الاقتصادية من شرور وأضرار في الداخل الإيراني، لا بل حققت إيران رغم الحصار قفزات في مجال القوة الإنتاجية والصناعية يكاد المراقب يقول معها إنّ إيران وصلت إلى المستوى الذي زرع اليأس في النفس الاستعمارية وأفهمها انّ إسقاط إيران بات حلماً لا يُدرَك.

لقد طوّرت إيران نفسها بشكل تكاملي متعدّد الاتجاهات وفي كلّ المجالات التي تميّز الدول المتقدّمة في العالم المعاصر، سواء في ذلك على صعيد السلع الاستهلاكية المعيشية وقد حققت فيه شبه اكتفاء ذاتي بلغ 85% او في المجالات العلمية والصناعية، وقد طرقت بنجاح الباب النووي السلمي ووصلت أيضاً إلى مستوى مَن يطلق الأقمار الصناعيّة ويضعها بنجاح على مدار تشغيلي استثماري، او على صعيد البنية التحتية خاصة في مجالات النقل والكهرباء والاتصالات والخدمات العامة، والأهمّ كان في مجال التصنيع العسكري الذي تمارس فيه القوى العظمى احتكاراً صارماً وتمنع مشاركتها فيه، لكن إيران عرفت كيف تلج مجاله وتؤمّن لنفسها ولقواتها المسلحة من جيش وحرس ثوري وتعبئة شعبية ما يلزمهم من السلاح والذخيرة المتطوّرة التي تمكّنهم من تأمين دفاع موثوق محكم عن إيران أرضاً وشعباً ونظاماً وثروات، كما ويمكّنها من مؤازرة الحلفاء في ممارستهم لحق المقاومة والدفاع المشروع عن النفس. وهنا يطرح السؤال كيف نجحت إيران حيث فشل الآخرون؟

بكلّ تأكيد نجحت إيران في المواجهة طيلة السنوات الـ 41 من عمر ثورتها، أما سبب النجاح برأينا فهو عائد إلى عوامل تميّز الواقع الإيراني من وجوهه كلها، عوامل تضافرت بشكل ليس من شأنه تخطي الصعوبات والمآزق بل من شأنها أيضاً أن ترتقي بإيران إلى مصاف الدول الكبرى في نظام عالمي قيد التشكل على أساس المجموعات الاستراتيجية، حيث تتجه إيران اليوم لتكون نواة مجموعة استراتيجية تفرض نفسها في النظام العالمي الجديد ويمكن ذكر أهمّ عوامل القوة هذه:

1

ـ العامل الفكري العقائدي الديني. أقامت إيران نظامها السياسي على أسس دينية عقائدية، تتفتح فيه على مقولة إنشاء الدولة المستقلة القوية الممهّدة للإمام المهدي، وباتت العقيدة الدينية حافزاً للتضحية والإقدام والتطوّر خلافاً لما جعلها آخرون من المسلمين عامل تخلّف. فالإسلام الحركيّ الذي تعمل به إيران هو إسلام يقود الحياة ويطوّر المجتمع وينافس من أجل الرفاه دون انحراف إسلام محفز وليس مثبطاً. ويضاف ذلك إلى طبيعة الإنسان الإيراني المتميّز بالصلابة وطول النفس والعناد والإصرار على النجاح والتمسك بالحقوق.

2

ـ العامل السياسي: اعتمدت إيران نظاماً سياسياً متماسكاً تحتلّ الإرادة الشعبية الصلب والأساس في إنتاجه وتجديد السلطة عبر انتخابات نزيهة تجعل منه منتجاً شعبياً وتجعل الشعب مدافعاً عنه يرفض أيّ مسّ فيه، لأنه نظامه الذي اختاره ويجدّد أشخاصه بإرادته، هذا في الأصل؛ أما في الهيكلية فالنظام السياسي الإيراني نظام قوي متماسك قائم على المؤسسات المنفصلة والمتعاونة والتي يراقب بعضها بعضاً في حدود الدستور ويعمل في ظلّ قيادة رشيدة تجمع الديني إلى السياسي في أدائها فيطمئن الشعب إلى حكمتها وقوتها والتزامها بالدستور وفلسفته وأحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها.

3

ـ العامل الجغرافيّ الطبيعيّ. تمتلك إيران موقعاً جغرافياً ومساحة وثروات طبيعية تجعلها في موقع الاستغناء عن الآخر بنسبة عالية من دون أن يكون الآخر بموقع الاستغناء عنها اقتصادياً او سياسياً. وهذا العنصر مكّن إيران من النجاح في سياسة الاكتفاء الذاتي اقتصادياً والوصول إلى موقع التأثير دولياً وإقليمياً في المجالات الأخرى.

4

ـ العامل الاستراتيجي التحالفي. في هذا العامل أمرأن الأول طبيعة الخيار الإيراني في تقديم الدعم وإنشاء التحالفات دولياً والثاني النجاح في تشكيل محور المقاومة الإقليميّ. فإيران تبني تحالفاتها على أساس دعم قضية حق لرفع ظلم، وتقيم علاقة مع الأشخاص والمكوّنات الذين يؤمنون بعدالة هذه القضية ويستعدّون للدفاع عنها وخير مثال هنا موقفها من قضية فلسطين التي جهد الآخرون في إبعادها عنها ففشلوا. وهنا التباين بين إيران ودول الغرب الاستعماريّ التي تقيم التحالف انطلاقاً من المصالح الفردية والذاتية التي تريد اقتناصها من الآخرين. ففي الحالة الإيرانيّة يكون التكتل أو المحور او التحالف انطلاقاً من المبادئ التي تجمع المتحالفين ولذا تقيم تحالفاتها على مبادئ وحقوق وقضايا عادلة ثم تبحث في الأشخاص الذين يخدمونه. وبهذا أنشات إيران شبكة تحالفات متفاوتة السقوف أهمية وتأثيراً، أولها محور المقاومة يليها التفاهم مع روسيا والصين، وبعدها العمل في منظومة شنغهاي الاقتصادية وغيرها. وتوصف السياسة الإيرانية بأنها أخلاقية إنسانية لا غدر فيها، وحليف إيران مطمئن، في حين يوصف أداء الغرب باللاإنساني أو اللاأخلاقي وحليفه قلق.

هذه أهمّ العوامل التي منحت إيران مناعة وقوة وقدرة جعلتها تستعصي على الحرب والحصار وفرضتها لاعباً إقليمياً مركزياً وطرفاً دولياً لا يمكن تجاوزه وأبعدت ضمن المنطق والمعقول شبح الحرب عنها، وأكسبتها قدرة تمكنها من المسّ بهيبة أميركا الدولة المتصدّية لقيادة العالم. وعليه نرى مع وجود إيران هذه نستبعد حرباً تشنّها أميركا او «إسرائيل» على محور المقاومة، ونرى أنّ الأشهر والسنوات المقبلة ستحمل ترهّلاً وتراجعاً في صفوف أعداء إيران مترافقاً مع تقدّم إيران وحلفائها بشكل حثيث نحو تحقيق أهدافهم الاستراتيجية الكبرى خاصة لجهة المحافظة على الاستقلالية الوطنية وحمل الآخرين على التسليم بها ونصرة قضية فلسطين وصولاً إلى تحصيل حقوق شعبها وليس من فراغ يحتفل بيوم القدس العالم سنوياً وبشكل ثابت.

*أستاذ جامعي – خبير استراتيجي.

<span>%d</span> bloggers like this: