سلاح حزب الله ليس حديداً للبيع

د. وفيق إبراهيم

يتعامل قسم من السياسيين في لبنان والإقليم بدفع أميركي – غربي مع سلاح حزب الله وكأنه حديد جامد قابل للنقل والصدأ والبيع متجاهلين عن عمد أنه يجسد مشروعاً سياسياً كبيراً.

هو اولاً مشروع ناجح تمكن بواسطة هذا السلاح من إلحاق هزيمتين متتاليتين في 2000 و2006 بالعدو الإسرائيلي متصدياً للإرهاب في سورية ولبنان معززاً ثقافة التصدّي له في الإقليم من اليمن الى العراق.

ما هو هذا المشروع؟

خرج هذا المشروع الى العلن بعد سقوط لبنان بأسره في اجتياح إسرائيلي بلغ عاصمته بيروت وسط تأييد سياسي له من قوى لبنانية شاركته علناً في اجتياحاته في 1982 وقتلت آلاف اللبنانيين والفلسطينيين في هجمات إرهابية كاملة.

ومع احتلال الإسرائيليين لجنوب لبنان بشكل دائم منذ 1982 خرج حزب الله شاهراً مشروع التصدي للخطر الإسرائيلي الدائم على لبنان، وكان لزاماً عليه استعمال الأسلوب الناجع مع هذا الخطر وهو السلاح.

اما عن أسباب ولادة مشروع شعبي لهذا التصدي فعائد لغياب الدولة اللبنانية التي لا تمتلك سياسة وطنية موحّدة تجاه العدو الإسرائيلي، ورفض القوة الأساسية لهذه الدولة بهيمنة أميركية غربية، بتسليح الجيش اللبناني بأسلحة معادلة لردع «إسرائيل».

هذه الأسباب استولدت مشروع حزب الله في تلك المرحلة. وهي نفسها الدواعي التي تؤكد على ضرورة استمراره. والدليل ان الدولة اللبنانية المتعددة القوى الطوائفية الى درجة التناقض، لم تحسم أمرها وتتّحد في مواجهة الخطر الإسرائيلي كما أن الجيش اللبناني لا يزال محروماً من أسلحة نوعيّة بقرار أميركي، هذا جلي في منع الأميركيين للبنان بالتزوّد بالسلاح من روسيا او ايران؟ مع الحرص على تجهيزه بسلاح يفوق أسلحة الشرطة بعيارات خفيفة.

ضمن هذه المعطيات يتبين للمتابعين ضرورة استمرار مشروع الحزب بالدفاع عن الوطن ليس بالخطابات على الطريقة العربية التقليدية، بل بهذا السلاح الذي يشكل الوسيلة الوحيدة لردع الخطر الإسرائيلي الدائم والمتواصل، وإلا فليفسر لنا المطالبين بإلغاء هذا السلاح لماذا تحاول «إسرائيل» بدعم أميركي سرقة الآبار اللبنانية من موارد الطاقة وفي مياهه البحرية ومناطقه الحدودية؟

وليشرحوا الأسباب التي تُملي على السلاح الجوي الإسرائيلي اختراق الأجواء اللبنانية يومياً؟ ولماذا توقفت اختراقاتها البرية؟ وهل هو سحر البيان الأدبي الذي ردعها ام ذلك السلاح الممسوك بأيدي مجاهدين اختبرت ميادين القتال من الناقورة الى البوكمال عند الحدود السورية – العراقية؟

هناك اذاً مشروعية سياسية وطنية في لبنان والإقليم تجيز لهذا السلاح التصدي لـ»إسرائيل» والإرهاب، فلو كانت لهذا السلاح أبعاد مذهبية وطائفية، لكان احتكر قسماً هاماً من المواقع الادارية والسياسية في لبنان؟

لكنه نجح بإقصاء دوره الجهادي عن العاب الخفة السياسية في لبنان التي تحتكر التقنيات وسرقة المال العام.

هذه المعطيات الكافية تجيز الانتقال الى البحث في التغطية الشعبية لهذا السلاح في الأوساط الشعبية؟

إن هذا السلاح هو الأول في التأييد الشعبي في لبنان وسورية وله مكانة وازنة من العراق الى فلسطين حتى اليمن، بما يجعل له تغطية عربية وعالمية وازنة تعتبره ضرورة للأمن الاقليمي في الشرق الاوسط. متمتعاً بتأييد طوائفي إسلامي مسيحي في آن معاً.

لكن قوة هذا السلاح وصلابة مشروعه والتغطيات الوازنة التي تؤازره، لم تردع بعض المراهنين في لبنان والاقليم والحزب الجمهوري الأميركي وجماعات ناتنياهو على التلويح بضربة أميركية إسرائيلية لاستهداف سلاح حزب الله بضربات مميتة.

بما ان هذا السلاح ليس حديداً قابلاً للصداء بل يجسد أحاسيس رجال آمنوا بحريات بلادهم وعواطف شعوب بحثت عن الكرامة والاستقلال وإرادات بمجابهة المستعمرين، فإنه ليس معروضاً في واجهات للزينة كحال سلاح الانظمة العربية، بل ينتشر على مساحات واسعة بين جمهور يغطيه وشعب يخفيه بهاماته وتجارب استقاها هذا السلاح من ميادين قتال صعب وشرس في الأربعة عقود الاخيرة.

بما يؤشر على صعوبة اي محاولة أميركية او إسرائيلية لاستهدافه في ميادين سورية ومنطقتي البقاع والجنوب مع الضاحية الجنوبية.

فهذا السلاح لن يواصل نموه في حال تعرّضت مناطق اللبنانيين والسوريين للقصف، فأمامه «إسرائيل» والقوات الأميركية في شرقي الفرات السوري، ولن يكون بمأمن من اندلاع قتال عنيف معهما.

فإذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب بحاجة لتطور نوعي في القتال، يعتقد أنه قد يبقيه رئيساً في البيت الأبيض، فإن سلاح حزب الله ليس ذلك الهدف القابل للخضوع للتجارب او لأحلام العابثين.

واذا كان رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي نتانياهو يشعر ان نجاته من الاتهامات الداخلية بالفساد وسوء الإدارة السياسية، لا تنتهي إلا بافتعاله حرباً على حزب الله، فإنه لا يفعل الا التعجيل بسقوطه السريع لان ردة فعل سلاح حزب الله قد تتجاوز هذه المرة صحراء النقب المحتلة مروراً بعشرات المدن الإسرائيلية ومنها عاصمة الكيان «تل أبيب».

عطفاً على ما تقدّم، يتضح أن ترامب يحاول الاستثمار بنتانياهو وهذا الأخير يسعى لاستخدام التباينات السياسية اللبنانية والتعامل التاريخي لأجزاء منها مع بلاده، مع محاولة الاستثمار بالدول العربية المطبعة مع بلاده الى ان ينكشف أخيراً ان كل تلك المحاولات قابلة للصدأ والانهيار فيما يبقى سلاح حزب الله أماناً للبنان وسورية متصدياً لكل الطامعين بالأرض والثروات والتاريخ.

باسيل لم يَخضعْ… فعوقِب

 الأخبار السبت 7 تشرين الثاني 2020

الولايات المتحدة الأميركية المُنشغلة بانتخابات تكاد تُشعل حرباً داخلية، وبرئيسٍ يُجاهر بعدم احترام نتائج الانتخابات وينتقد أُسس النظام الأميركي، قرّرت أن تفرض عقوبات على رئيس أكبر كتلة نيابية لبنانية: جبران باسيل. الأخير رفض «التوقيع» على لائحة شروط سلّمته إياها السفيرة الأميركية في بيروت، على رأسها إعلان فكّ تحالفه مع حزب الله، مقابل ضمان مستقبله السياسي. ولأن واشنطن لم تحصل على توقيعه، عاقبته بذريعة الفساد

من كوبا وفنزويلا وبوليفيا إلى كوريا الشمالية والصين وإيران وسوريا وروسيا والعراق والسودان (سابقاً)، مروراً بدول أنتجت في فترات مُعيّنة أنظمة مُعادية لسياسات الولايات المتحدة الأميركية، ورجال أعمال وسياسة وجدت واشنطن داعياً لـ«مُعاقبتهم»، سلاح الحرب المُستَخدم واحد: العقوبات.

لا تهمّ الأسباب المُزيفة المُقَدّمة لتبرير العقوبات، ولا تحت أي «قانون» أميركي تُدرج. فالمسؤولون الأميركيون يُجاهرون بأنّها وسيلتهم الأبرز لليّ ذراع كلّ خصومهم، وإجبارهم بهذه الطريقة على تقديم التنازل تلوَ الآخر، أملاً بإعادتهم إلى بيت الطاعة الأميركي.

سذاجة «حلفاء» واشنطن في العالم، هي المُستغربة في هذه الحالة، تحديداً أولئك الذين يعتقدون حقّاً أنّ الولايات المتحدة «تنتقم» لهم ممّن عاث في بلادهم «فساداً»، مُصدّقين أنّها تشدّ على أياديهم وتُريد مُساعدتهم على «إصلاح» دولهم، فيُهلّلون ويفرحون كلّما أُضيف اسمٌ على «القائمة السوداء». في حين أنّ هدفَ الأميركيِّ في لبنان واحد: ضرب قوّة المقاومة اللبنانية التي تحمي لبنان، ضماناً «لأمن اسرائيل». وطالما أنّ منالها بعيد، ستبقى تُحاول تفكيك الدوائر المُحيطة بالمقاومة، مُراهنةً على أنّها بذلك تُضعف هيكلها فيسقط تلقائياً.

في هذا الإطار، تندرج العقوبات التي أعلنتها الولايات المتحدة الأميركية أمس، على رئيس التيار الوطني الحرّ، النائب جبران باسيل. هي معركة سياسية لم تُشنّ على باسيل وحده، ومن خلفه حزب الله، بل على رئيس الجمهورية، العماد ميشال عون أيضاً. في الأصل كان هو، وكانت وثيقة «مار مخايل» سنة 2006، التي عبّدت طريق التحالف بين اثنين من أكبر الأحزاب اللبنانية، وشكّلت نظام حماية كبيراً للبنان وأمنه وسيادته.

ردّ باسيل على القرار الأميركي كان شديد الوضوح إذ قال: «لا العقوبات أخافتني، ولا الوعود أغرتني. لا أنقلب على أيّ لبناني. ولا أُنقذ نفسي ليهلك لبنان. اعتدت الظلم وتعلّمت من تاريخنا: كُتب علينا في هذا الشرق أن نحمل صليبنا كلّ يوم… لنبقى». وسيعقد باسيل مؤتمراً صحافياً يوم غد الأحد، يسرد خلاله «وقائع مُهمة» – بحسب مُقربين منه – حول «العروض والإغراءات والتهديدات التي وصلته من الأميركيين في الفترة الأخيرة، وتُطالبه بفكّ التحالف مع حزب الله».

على مدى شهور، حاول مسؤولون أميركيون التوصّل الى اتفاق سياسي مع باسيل. آخر العروضات، كان رسالة رسمية نقلتها السفيرة الأميركية في بيروت، دوروثي شيا، تطلب فيها من رئيس «التيار» إشهاراً منه بقطع العلاقة مع حزب الله، وإدانة دور الأخير في سوريا والعراق واليمن، بالإضافة إلى تقديم ضمانات بالتوصّل إلى تسوية سريعة لملفّ ترسيم الحدود الجنوبية والإقرار بفصل الترسيم البرّي عن البحري، وعدم الأخذ بالمطالب التي تفرض حصة مطابقة لما أُقرّ ضمن ما يُسمّى بـ«خطّ هوف».

وبحسب مصادر في «8 آذار»، تلقّى باسيل «ضمانات» أميركية بـ«حماية مُستقبله السياسي». تقول المصادر إنّ باسيل أوضح لمحدّثيه الأميركيين بأنّ العلاقة مع حزب الله هي «علاقة مع قوّة سياسية رئيسية، ولديها أكبر تمثيل شعبي في لبنان، وأنّ التيار الوطني الحرّ، مثله مثل بقية اللبنانيين، لا علاقة له بكلّ ما يُنسب إلى حزب الله من أنشطة خارج لبنان، وما قام به حزب الله في سوريا إنّما وفّر حماية للبنان لا العكس». هو الموقف نفسه الذي أعلنه باسيل قبل سنة في مؤتمر صحافي مع وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو: «حزب الله بالنسبة إلينا حزب لبناني غير إرهابي ونوّابه مُنتخبون من قبل الشعب اللبناني، وبتأييد شعبي كبير، وتصنيفه بالإرهابي يعود للدولة التي تقوم بذلك وهذا أمر لا يعني لبنان».

انتظر الأميركيون كثيراً لسماع مواقف جديدة لباسيل، وكانت الضغوط تشتدّ عليه بالتعاون مع الجانب الفرنسي، من بوّابة تشكيل الحكومة، سواء مع مصطفى أديب أم مع سعد الحريري. تقول المصادر إنّ الوزير السابق «أبلغ من يهمّه الأمر، بأنّ التيّار يميل إلى عدم المشاركة في الحكومة ولكنه لن يمنح الثقة لرئيس أو حكومة لا توافق على إجراءات جدّية لمعالجة الأزمات الحالية».

تأرجحت ردود فعل الأميركيين، «أولاً عبر الرسائل التحذيرية بوقف التواصل المُباشر مع باسيل، ثمّ مع إبلاغ الرئيس عون أنّ أوروبا – كما الولايات المتحدة – ستُمارس الضغوط على جميع القوى، من ضمنها باسيل والتيار الوطني الحر لتحقيق تفاهم على الحكومة بما يتلاءم مع خطة صندوق النقد الدولي».

نائب البترون رفض الانصياع لضغوط الأميركيين. وفي اللقاء الأخير الذي جمعه بشيا، قبل نحو أسبوع، رفض لائحة الشروط الأميركية التي ضمّت طلبات «غريبة». فإضافة إلى مطلب إعلان فكّ التحالف مع حزب الله، ضمّت اللائحة التي حملتها السفيرة الأميركية إلى باسيل «أوامر» أميركية بشأن قضايا تفصيلية، منها شؤون إدارية لبنانية، كأسماء مرشحين لتولي مناصب في مديريات محددة! وبالطبع، أرفقت السفيرة مطالبها بالتهديد بفرض عقوبات على باسيل شخصياً، لكنه، رغم ذلك، رفض العرض الأميركي. كل ما كان يمكن لباسيل «التساهل» به هو في أمور يراها «تكتيكية» سبق أن قام بها، كعدم زيارة سوريا علناً، وتسهيل المفاوضات لترسيم الحدود الجنوبية (علماً بأن الدولة اللبنانية، بجميع أركانها، اتخذت قرار التفاوض غير المباشر).

ولأن باسيل رفض أن «يوقّع» على لائحة الشروط الأميركية، نفّذت واشنطن تهديدها بفرض العقوبات، التي كان جميع المعنيين يعيشون مناخها منذ أسبوع تقريباً. فبحسب المصادر، تبلّغت مرجعيات لبنانية نيّة الإدارة الأميركية إصدار قرار بالعقوبات، وكان البحث يتركّز على اختيار القانون الذي ستصدر العقوبات على أساسه.


باسيل سـ«يفضح» غداً التهديدات والضغوط والمُغريات التي تلقّاها

وخلافاً لما حصل مع الوزيرين السابقين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس في 8 أيلول الماضي، اللذين فُرضت عليهما العقوبات بناءً على قوانين مكافحة الإرهاب، استُخدم «قانون ماغنيتسكي» لـ«مُعاقبة» جبران باسيل. اللافت في الموضوع، أن تكون الإدارة الأميركية قد أقدمت على خطوتها «التفجيرية» للوضع في لبنان، في فترة عادةً ما تكون خلالها الإدارة قد دخلت «مرحلة اللاقرار» مع انتظار حسم هوية رئيسها. الولايات المتحدة الأميركية تمرّ في واحدة من أدّق مراحلها السياسية، «الميليشيات» تغزو شوارعها منذ أسابيع وتُهدّد بارتكاب العُنف في حال خسارة دونالد ترامب، الأخير يطعن بكلّ النظام «الديمقراطي» الأميركي، ويُهدّد بعدم الاعتراف بنتائج الانتخابات «الديمقراطية»، الاقتصاد الداخلي يُعاني من تبعات «كورونا»… ورغم ذلك تَجد الإدارة الأميركية «وقت فراغ» لتفرض عقوبات على باسيل. قد يبدو الإجراء «طبيعياً»، بعد أن استُنزفت كلّ الخيارات الأخرى، التي انطلقت مع حرب تموز في عام 2006، ثمّ الرهان على الحرب السورية والغارات التي شنّها العدو الإسرائيلي على قوافل يعتقد أنها تحمل أسلحة نوعية للمقاومة في سوريا (المعركة بين الحروب)، والأزمة الاقتصادية لتأليب بيئة حزب الله ضدّه، وفشل مشروع خطف سعد الحريري عام 2017 وتفجير حرب أهلية، وصولاً إلى عدم نجاح انتفاضة 17 تشرين، وبالتالي فشل الرهان الأميركي عليها لضرب حزب الله.

هذا المسار الطويل، أوصل في النهاية إلى شنّ حرب العقوبات على حلفاء المقاومة. ما يحصل في لبنان، يُعتبر شبيهاً بالإجراءات التي اتخذتها واشنطن في الإقليم، يوم انتقلت إلى الحرب بواسطة العقوبات. هي عبر هذه الوسيلة، تُثبّت وقائع سياسية، يصعب على أي إدارة جديدة التراجع عنها. في حديثه أمس مع قناة «ال بي سي»، قال مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، ديفيد شينكر: «هناك نوع من الاستمرارية في السياسات الأميركية في حال حصول تغيير في الإدارة أم لا… الولايات المتحدة ستستمر في النظر في عقوبات مستقبلية بموجب قانون ماغنيتسكي».

الحريريّ وخطر إضاعة الفرص

ناصر قنديل

يعرف الرئيس السابق سعد الحريري أنه قرر مغادرة الحكومة في مثل اليوم الذي سيسمّى فيه مجدداً رئيساً مكلفاً لتشكيل الحكومة الجديدة، ليس بفعل ما قاله من إصغاء لصوت الشارع الغاضب وهو يعرف أكثر من غيره من هم قادة هذا الشارع ومَن يقف خلفهم، بل بفعل ما كان لديه من تأكيدات ومعطيات بأن لبنان سيخضع لأشد انواع الضغط المالي قسوة أملاً بتطويق المقاومة وصولاً للرهان على إخضاعها، وان لا أموال يرتجى دخولها الى الأسواق حتى تنتهي هذه الموجة من الضغوط نجاحاً أو فشلاً، وأنه يعود اليوم لأن المرحلة تغيرت سواء لجهة الحجم السياسي للشارع ومحركاته رغم اشتداد الوضع الاقتصادي وضغوطه الاجتماعية، أو لجهة فشل الضغوط على حزب الله مع تبلور مشهد ترسيم الحدود البحرية والوساطة الأميركية فيه في ظل بقاء سلاح المقاومة الذي كان مطلوباً تحييده عن التفاوض.

يعرف الحريري أن المبادرة الفرنسية التي يرفع بطاقتها الصفراء حيناً والحمراء حيناً، بوجه الآخرين، ترنّحت لأنه ارتضى تحويل مناسبة تشكيل اول حكومة في ظلالها إلى مدخل لحساب الضغوط الأميركية على حزب الله من بوابة أزمة مفتعلة عنوانها حقيبة وزارة المال لم تكن أبداً على جدول أعمال المبادرة الفرنسية، وأن فرص انطلاق حكومة جديدة برضا أميركي توافرت مع وصول الضغوط الأميركية على حزب الله لتقييد السلاح وتحييده من ملفي الطاقة وأمن «إسرائيل « كملفين حاكمين للسياسات الأميركية، إلى طريق مسدود، فطالما قرر الأميركيون التساكن مع السلاح كشريك في ترسيم ثروات الغاز في المتوسط المقدرة بتريليونات الدولارات، لا يعود ثمة وظيفة لتجفيف ضخ بضعة مليارات الدولارات عن الاقتصاد اللبناني، وطالما يتم التعامل مع السلاح كشريك استراتيجي في الإقليم لا فرصة لتحييده وتقييده، لا تعود ثمة وظيفة للعبة صغيرة اسمها الحكومة اللبنانية لإقصائه.

كما عام 2000 تنفتح أمام لبنان فرصة لتحقيق إنجاز سياديّ كبير بفضل قوة المقاومة وصمودها، اللذين لولاهما ربما ما كان المفاوض اللبناني سيسلم بالطلبات الإسرائيلية، لكن ما كان ليكون ثمة اضطرار «إسرائيلي» للتفاوض أصلاً، وكان «الإسرائيلي» سيفرض الأمر الواقع مستقوياً بالترسيم اللبناني القبرصي عام 2007 في ايام حكومة رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة، وليس خافياً أن إلزامية التفاوض وقبول الأميركي بالوساطة في ظل السلاح، يعنيان السير بالتفاوض وفقاً لخطوط حمراء معلومة للمفهوم اللبناني لخطوط الترسيم، وإلا فلا جدوى للتفاوض، ولا للوساطة، ولذلك فقرار إطلاق التفاوض هو قرار السير بها نحو النجاح وما يعنيه من فوز لبناني بثروات سيادية تفوق حجم أزماته المالية وأعبائها أضعافاً مضاعفة، ما يعني أن فرصة تشكيل حكومة جديدة برئاسة الحريري ليس مجرد حدث تفصيلي لتقطيع الوقت، بل هو قابل لتحوّل الى فرصة لانطلاق عجلة سياسية مالية تدور بعكس ما هو عليه الحال منذ أكثر من سنة.

أمام تحوّل بهذا الحجم، وفرص ربح وطني متعدّد الوجوه، هل يعقل أن يسعى الرئيس الحريري للتصرّف وكأنه منقذ ومخلص، متطوّع لحمل تضحيات، ولكنه مضطر للتيقن من صدق الآخرين بفحص مواقفهم، وأن يقدّم صورة تريد الإيحاء عمداً بأنه رغم كونه مع تياره أصحاب أكبر حجم من المسؤولية الداخلية في صناعة الأزمة الماليّة، صاحب الحلول الإنقاذية، والسعي لتحقيق الربح الكامل من الفرصة المقبلة، وتحويل الشركاء الضروريين للنجاح السلس، وفي طليعتهم رئيس الجمهورية وفريقه السياسي إلى طرف خاسر، بدلاً من تقاسم سياسي براغماتي للأرباح، يتيح فرص التسريع وإزالة الألغام من الطريق لا زرع المزيد منها، خصوصاً أنه إذا كان جوهر التحوّل عائد إلى حضور وقوة المقاومة وتغير نمط التعامل الأميركي معها، فإن درجة الأحقية بالعائدات لرئيس الجمهورية أعلى من أحقية الحريري، مقابل درجة مسؤولية للحريري أعلى في صناعة الأزمة وتفاقمها، فهل يجوز الاستقواء بقلق المقاومة على البلد وحرصها على الوحدة الوطنيّة لإضعاف حلفائها كمكافأة لها على وطنيّتها، وهل ما تسبب من مواقف وشكليات بعرقلة التكليف سيتكرر مع التأليف وصولاً للمغامرة بتضييع الفرصة كلها بالإصرار على تحويلها الى منصة لتصفية الحسابات؟

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

إخبار بالقتل الجماعي

شوقي عواضة

لم تكنِ المرّة الأولى التي يهدّد فيها رئيس حزب القوّات اللبنانيّة سمير جعجع بإعلان الحرب في لبنان، وما نقله رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النّائب السابق وليد جنبلاط عن جعجع في مقابلته على قناة «الجديد» أول أمس كشف عن مخطّطٍ كبيرٍ وخطيرٍ يُعدُّ للبنان، وفضح مدى ارتباط جعجع بالأجندة الأميركيّة السعوديّة الإماراتيّة، إنْ لم نضف إليها الاسرائيليّة، في ظلّ سياسة المحاور التي نشهدها.

أول تهديدات جعجع السابقة كان في التاسع من أيار سنة 2008 حيث كشف موقع «ويكيليكس» عن برقية تحمل الرقم 08BEIRUT642 موجّهة من السّفارة الأميركية في بيروت إلى واشنطن على أثر زيارة جعجع المفاجئة حينها للسّفارة الأميركية في بيروت واجتماعه بميشيل سيسون القائمة بالأعمال في السفارة. ورد في مضمون البرقية «طرح جعجع لفكرة نشر قوات عربيّةٍ لحفظ السلام في لبنان، وهي فكرة، كما فهمنا، كان السعوديون أول من طرحها. وأبلغنا جعجع أنّ لديه بين 7000 إلى 10000 مقاتل مستعدين للتحرّك». وفي العام نفسه كشف موقع «ويكيليكس» عن برقيةٍ أخرى صادرة عن السفارة الأميركيّة في بيروت بعد لقائه أيضاً بميشيل سيسون، أعلن جعجع عن «وجود حاجة لتغييرٍ جذري في طبيعة النّظام الأمني في لبنان»، (هذا هو مستوى التخطيط الاستراتيجي الذي يرى أنّه ضروريٌّ جداً للحفاظ على لبنان)، مشيراً إلى «فشل الجيش في حماية الشعب»، وطالب جعجع بـ «أسلحةٍ لخمسة آلاف مقاتل تابعين له. قال لنا أنّه بإمكانه زيادة 5000 مقاتل إضافي سريعاً. (هذه عمليّة كبيرة، ولها اعتباراتٌ لوجستية عديدة. يجب أن ترسلوا شخصاً ما لإجراء تقويم معي من أجل تحريك هذه الخطة قدماً).

ذلك هو (السّيادي) الذي ينظّر على الجميع ويملي دروساً في الوطنية، يتهم حزب الله بالانقلاب على الدولة وهو أوّل المنقلبين عليها تاريخيّاً، يصوّب سهامه على المقاومة وسلاحها ويتهمها بارتباطها بأجندةٍ ايرانيّةٍ وهو ينفذ أجندات أميركا والكيان الصّهيوني ونظام آل سعود والإمارات. وكأنّه لم يرتوِ من الدم الذي سفكه ولم تمتلئ صفحاته السّوداء بأسماء ضحاياه حتى من المقرّبين. لا سيما أنّ تاريخ الرجل حافلٌ بالاتهامات والتهديد بالقتل وتقديم العروض الارتزاقيّة للأميركيين وغيرهم واستباحة لبنان وسفك دم أبنائه. وجِّهت له تهمٌ كثيرةٌ حوكم بها منها تفجير كنيسة سيدة النّجاة عام 1994 التي أدين بها أقرب المقرّبين إليه وحُفظ ملفها لعدم كفاية الأدلة التي تدينه، وحوكم بتهمة اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رشيد كرامي ورئيس حزب الوطنيين الأحرار داني شمعون، وارتكابه مجزرة إهدن التي أدّت إلى قتل النائب طوني فرنجيّة ابن الرئيس الأسبق سليمان فرنجيّة وعائلته. ولم تردعه سنوات سجنه الـ 11 التي قضاها في زنزانته في وزارة الدّفاع عن الاستمرار في سياسته العدوانيّة وتمسّكه بمشروعه التقسيمي وولائه للخارج. وبالرغم من ذلك يصرّ على جرّ لبنان نحو حربٍ أهليّةٍ مدمّرة لم يخرج منها أيُّ فريقٍ منتصراً بل كانت هزيمة للبنان بكلّ أحزابه وأطيافه الدّينية والسياسية وكانت انتصاراً للكيان الصهيوني وأعداء لبنان. فجعجع القوي أكثر من بشير هو أكثر خبرةً في استثمار أنقاض لبنان وأرواح البشر وهو أكثر إجراماً منه وأكثر إصراراً على مشروعه التقسيمي، ينبئنا أمير الحرب بضعف حزب الله الذي لا يزال يرعب أسياده الذين يستجديهم طلباً للمساعدة من أميركيين وسعوديين وإماراتيين وهزم أدواتهم من داعش وغيرها في لبنان وسورية والعراق واليمن.

لم يخبرنا جعجع أين كانت قوّاته حين كانت القرى المسيحيّة رهينة إرهاب داعش في البقاع الشرقي وأين كانت قوّته حين كان يهاجم الجيش اللبناني الذي يتهمه بالفشل في الدّفاع عن الشعب كما ورد في إحدى البرقيات، ويعلن عن استعداده لمواجهة حزب الله بخمسة عشر ألف عنصر (مقاتل) وكأنّ غشاوة الغباء على عينيه منعته أن يرى أو يقرأ هزائم داعش وأخواتها الذين فاق تعدادهم الثلاثين ألف مقاتل، وحرمته من مشهد العزة في تحرير القلمون والجرود على يد الجيش والمقاومة.

لم يدرك جعجع أنّ حزب الله عندما يقدّم تنازلات على المستوى الدّاخلي إنّما يقدّمها من أجل الحفاظ على لبنان وقوّته، ولأنّ ثقافته هي ثقافة إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق والوطن، وهذا ليس ضعفاً من الحزب كما يتوهّم، بل هو أرقى مستوى لقوّة الحزب وديمقراطيته وإصراره على التمسّك بلبنان وطناً واحداً لجميع أبنائه، أمّا التآمر على حزب الله وسياسة الاستجداء والعودة إلى تاريخك الأسود فهو مؤامرة على لبنان وشعبه قبل أن يكون مؤامرة على حزب الله والمقاومة التي كان لها دور أساسي ومحوري في حماية المسيحيين في لبنان وسورية والعراق بسلاحها الذي حمى الكنائس ولم يفجّرها وبإنسانيتها التي اجتازتِ الحدود وهزمت داعش وحالت دون أن يصبح لبنان إماراتٍ داعشيةٍ.

تلك المقاومة التي لم تتبنَ سوى قضيّة حماية لبنان ليس لديها أجندة خارجية لا سورية ولا إيرانية ولا لديها التزامات كالتزاماتك الأميركيّة أو تعهّدات كتعهّداتك الدّموية للسعوديّة والإمارات والكيان الصهيوني.

وبالعودة إلى ما نقله جنبلاط عن جعجع فإنّ الإعلان عن استعداده لمواجهة حزب الله هو قرار إعلان حربٍ وفتنة بين اللبنانيين، وعليه فإنّ ذلك يستدعي من القضاء استدعاء جعجع ومحاكمته بتهمة التحريض الطائفي والمذهبي والتحريض على تدمير الوطن ومؤسّسات الدولة وارتكاب القتل الجماعي بحقّ أبناء الوطن.

ختاماً ليدرك جعجع تماماً أنّ من قهر الجيش الذي قيل بأنّه لا يقهر، ومن سحق داعش بكافّة فصائله ليس بحاجة لأن يثبت قوّته بالعودة إلى الوراء وتدمير الوطن الذي سيّجته ثلاثية الانتصار بدماء أبنائه من الجيش والشّعب والمقاومة

Related

القوات بين خطأ الحسابات وخطر المغامرة

ناصر قنديل

لم يعُد الكلام المنسوب لرئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع عن قراءته لموازين القوى المختلة لصالح حزبه مجرد قال وقيل يمكن إنكاره، فكلام رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الذي نقل كلام جعجع عن عشاء جمعهما معاً، قطع باب الجدل حول الإثبات رغم نفيه لجانبين من الكلام المنسوب لجعجع، الجانب المتصل بفرضية عمل عسكري، والجانب المتصل بتقييم قوة حزب الله مقارنة بمنظمة التحرير الفلسطينية، فيكفي إثبات جنبلاط لصحة ما نسب لجعجع قوله في العشاء حول تغير الموازين مسيحياً لصالح القوات بصورة كاسحة تجعل جعجع في وضع أقوى من الذي بلغه مؤسس القوات بشير الجميل عشية ترشحه لرئاسة الجمهورية، ما يمنح جعجع فرصة أن يكون المرشح الأقوى للرئاسة في الاستحقاق المقبل، وما يجعله ساعياً بقوة للانتخابات النيابية المبكرة أملاً بنيل أغلبية النواب المسيحيين، اي ما يزيد عن ثلاثين نائباً، ويمنحه موقع الكتلة النيابية الأكبر في مجلس النواب، وما يمليه ذلك من نتائج وتداعيات في الملفات الحكوميّة والرئاسيّة.

إثبات جنبلاط لشق من كلام منسوب لجعجع يمنح مصداقية للكلام الذي لم يثبته جنبلاط من أقوال جعجع، فالمقارنة بين قوة جعجع وقوة بشير لا تستقيم، من دون مقارنة موازية كانت العامل الحاسم في منح الفرصة لبشير لامتلاك مصداقية التفكير بالترشح للرئاسة، وهي المقارنة العسكرية بما كان قائماً، حيث كان الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 هو العامل الحاسم في ترجيح كفة ترشيح بشير، كانت مقابله منظمة التحرير الفلسطينية، بحيث يصير الحساب الطبيعي لاكتمال صورة التوازن الذي يبني عليه جعجع تصوره الرئاسي مشروطاً بالإجابة عن سؤال، حول المكافئ الذي سيحل مكان الاجتياح الإسرائيلي، وهو مكافئ عسكري حكماً، ومعه إجراء تقييم لقوة حزب الله كعقبة في طريق رئاسة جعجع ومقارنتها بقوة منظمة التحرير الفلسطينية، فمن يبدأ بمقارنة قوته بقوة بشير كمدخل لقياس الفرص الرئاسيّة، لا بد أن ينتهي بمقارنة قوة حزب الله بقوة منظمة التحرير الفلسطينية من جهة، وبالتفكير ببديل عسكري للاجتياح الإسرائيلي.

هذا التفكير المغامر وما قد يستتبعه من تحضير تنظيمي، ومن استعداد لمواجهة قد تكون مناطق جبل لبنان مسرحها، قد يلقى تشجيعاً من عقول أميركية مغامرة، وربما غير أميركية، وقد يتقاطع مع بعض التعبئة المدنية والدينية ضد سلاح المقاومة، لإحاطة مهمة لاحقة للقوات بقدسية دينيّة وهالة مهمة ثوريّة في آن واحد، ما سيعني شيئاً واحداً، هو أخذ لبنان نحو الحرب الأهلية، التي كان لافتاً تحذير الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري منها، وإشارته اللافتة لمشاهد الاستعراضات القواتيّة في منطقة الأشرفية كمثال.

خلال المرحلة المقبلة التي سيكون عنوانها مزيداً من الفقر، ومزيداً من ضعف الدولة وتراجع هيبتها وحضور مؤسساتها، تزداد خطورة التورط بالمغامرات، لأن الاحتماء بالعصبيات الطائفية سيرتفع منسوبه، والمناطق ستعيش حال اللامركزية بصورة متزايدة، ونظريات الإدارة الذاتية ستجد المزيد من الحضور والإصغاء، والمنطقة في ظروف شديدة التوتر، والدول العاجزة عن خوض الحروب تلجأ إلى حروب الوكالة، وتبحث عن ساحات تصفية حسابات بديلة، فتصير المغامرات المنطلقة من قصور الرؤية وخطأ الحسابات مصدراً للقلق والخطر، فكيف وفي العالم أسئلة كبرى تبدأ من مصير الانتخابات الأميركية واحتمالات الفوضى، وتحولها نظاماً عالمياً.

أيّ النصفين يحكم خطاب الحريري؟

ناصر قنديل

مَن استمع للرئيس السابق للحكومة سعد الحريري قبل أيام لاحظ بقوة أن مَن توقف عن متابعة الكلام عند نهاية الساعة الأولى استنتج أن البلد ذاهب لأزمة مفتوحة وأن حجم التناقضات الحاكمة للعلاقات بين القوى السياسية يفوق فرص الحلول المنتظرة. ومن بدأ الاستماع للحريري بعد الساعة الأولى خرج باستنتاج معاكس، مضمونه أن الرئيس الحريري يفتح الباب لتسوية سياسية للخروج من المأزق الحكومي وينهي الفراغ بحكومة تحظى بالتوافق، لذلك فإن السؤال الأهم مع بدء الحريري لمشاوراته التمهيدية للاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس مكلف بتشكيل الحكومة، هو أي من النصفين من خطابه هو الحاكم للنصف الآخر، فنصف التصعيد السياسي لم يكن في الهواء بل رسم شروطاً وإطاراً لمواقف إذا بقي حاضراً في التشاور حول فرصة التسوية فالتشاؤم سيد الموقف، خصوصاً أن الفرصة التي لاحت في النصف الثاني من الكلام تكون منطلقة من سوء تقدير، عبّر عنه الحريري بافتراض أن اتفاق إطار ترسيم الحدود جاء من موقع ضعف أصاب المفاوض ومعه المقاومة بنتيجة العقوبات، وبذلك يكون الحريري مرشح هذا الفهم الخاطئ للموازين، على قاعدة أن ما فشل بانتزاعه لحكومة مصطفى أديب صار انتزاعه ممكناً لحكومته.

يمكن للمتفائلين أن يعتبروا أن هناك إشارة خارجية أوحت للرئيس الحريري بالتقدم بفتح الباب للفرصة الجديدة، وأن كلامه التصعيدي وحديثه عن دور العقوبات لا يعبّران عن قراءته الفعلية للموازين. فهو يدرك أن الأميركي الذي رفع شعار لا تفاوض في ظل السلاح ولا حوار في ظل السلاح ولا حكومة في ظل السلاح ولا حل في ظل السلاح، ارتضى أن يكسر القاعدة بنفسه، رغم تورط الكثيرين بحمل شعاره تحت ضغط طلبه وتأثيره، وها هو يقبل دور الوسيط في التفاوض على الترسيم وفق ما يعلم الرئيس الحريري أنها شروط لبنان، التي فاتحه الأميركيون برفضها، ودعوه ليتولى الملف ويسهل التفاوض مقابل وعود ماليّة، ولذلك يعتقد المتفائلون أن الحريري يحاول التقاط فرصة تسوية يعتقد أن التفاوض على الترسيم فتح لها الباب برفع الحظر عن الحلول في ظل سلاح المقاومة، يمنحه الإمكانية لفعل المثل. وهذا هو معنى الاستعداد لفتح الطريق لتسوية تبدأ من حقيبة المال التي اعتقد الحريري مخطئاً أن بالمستطاع وضع اليد عليها بقوة المبادرة الفرنسية والتهويل بتحميل الثنائي مسؤولية الانهيار في ظل معادلة لا حلول في ظل السلاح، وبات ثابتاً أن المعادلة تغيرت مع بدء التفاوض، والسلاح حاضر في خلفية التفاوض كمصدر قوة.

يمكن للمتفائلين أيضاً أن يقرأوا في كلام الحريري عن الترشّح، سعياً لمقايضة عنوانها تفويضه بالملف الاقتصادي كما ورد في الخطة الفرنسيّة، بحيث يتم تسهيل إقرارها في الحكومة الجديدة، ومناقشة ما تجب مناقشته من الكتل النيابية في المجلس النيابي، مقابل التطمين السياسي بنسبة من الشراكة السياسية في الحكومة، تشكل ضمانة للفرقاء بعدم الاستثمار السياسيّ للحكومة لحساب فريق واحد، واعتبار المعني بهذا العرض هو الثنائي أولاً، على قاعدة التسليم بحق هذا الفريق بالقلق من الاستهداف، ودعوة الأطراف الأخرى لعدم المطالبة بالمثل على مستوى حجم التمثيل السياسي، مع قدر من المرونة في صياغة نقطة وسط تتيح ولادة حكومة، يفترض أن يغطي وجود رئيس الجمهورية ومن سيسمّيهم من الوزراء حاجة فريق رئيسي يمثله التيار الوطني الحر للتمثيل.

أي من نصفي الخطاب الحريري يحكم النصف الآخر، أمر ستكشفه مشاورات اليوم، خصوصاً لجهة الكشف عن عمق التفكير لدى الحريري في فهم تحوّل واحد شهده لبنان يبرّر عودته لترشيح نفسه، وهو ترشيح رفضه قبل شهر، وهو بدء المفاوضات، فهل قرأ الحريري في هذا التحول تراجعاً في وضع المقاومة فرضته العقوبات الأميركية؟ وفي هذه الحالة سيفشل حكماً؛ أم أنه يقرأ تراجعاً أميركياً عن معادلة لا تفاوض في ظل السلاح وتعطيله كل فرص التسويات الداخلية بسبب ذلك، وبعد فشله في فرضها واعترافه بالفشل، تتاح الفرص للتقدم لفتح الباب لتسوية، وفي هذه الحالة يمكنه إذا أحسن التصرف النجاح، وسيلقى التعاون والإيجابية.

التفاوض في ظل السلاح

بدأت حملة تهويل على الدولة اللبنانية من الجماعات التي تخشى أن يكون الموقف الأميركي بقبول دور الوساطة رغم وجود سلاح المقاومة وفي ظله تراجعاً عن سياسات الضغط وتسليماً بميزان جديد للقوى سيحكم التفاوض وغير التفاوض.

مضمون الحملة يقوم على الدعوة للتسليم بأن الأميركي والإسرائيلي يمنحان لبنان فرصة مشروطة من موقع قوة. فالتفاوض على الترسيم أمر شكلي لفرض حل وسط يشبه خط هوف وربط لبنان بخط الأنابيب الذي يضمّ مصر وكيان الاحتلال وقبرص واليونان وأن أي شروط لبنانية في شكل التفاوض وطبيعة الوفد وشروط الترسيم والتمسك بالسيادة على الثروات والشركات التي تتولى تسويقها وضمن أي أحلاف للغاز في المنطقة سيؤدي لضياع الفرصة.

يتجاهل هؤلاء أن التفاوض الممتد خلال عشر سنوات دار حول كل ما يظنون أنهم يكشفون النقاب عنه للمرة الأولى وأن الأميركي عندما رفض شروط لبنان كان يعتقد أن فرض شروطه ومن ضمنها ما يسوق له أصحاب الحملة يتوقف على الفوز بمعركته المفتوحة التي يخوضها على سلاح المقاومة واستعمل فيها كل ما يمكن من عقوبات وتفجير اجتماعي تحت الحصار المالي وتصنيع قيادة للشارع تضع شرط نزع السلاح في الواجهة وبناء جبهات سياسية واستقالات نيابية والدفع بدعوات مرجعيّات دينية تحت العنوان ذاته، وربما تفجير المرفأ وتفخيخ المسار الحكومي وعندما قبل شروط لبنان فعل ذلك لأنه فشل في معركة مصير سلاح المقاومة ومع الفشل سقطت شروطه المسبقة للترسيم.

ما يتجاهله هؤلاء يتجاهله آخرون يعتقدون أن ما يدعو إليه أصحاب الحملة سيتحقق ويشككون بأن يكون ما تحقق هو انتصار للبنان ناتج عن فوز المقاومة بمعركة حماية سلاحها ودوره في حماية الموقع التفاوضي، فيقع المتجاهلون ضحايا تسليمهم بفوبيا القوة الأميركية الإسرائيلية بينما توازن القوى الذي ولد من خلاله التفاوض يعبر عن تحوّل نوعيّ عنوانه، التفاوض في ظل السلاح.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

كيف يرضى الأميركيّ دور الوسيط في ظل السلاح؟

ناصر قنديل

قد يكون حجب الأعين عن طرح هذا السؤال، سبباً كافياً لتفسير وفهم الحملة المبرمجة على الإعلان عن اتفاق الإطار للتفاوض غير المباشر حول ترسيم الحدود، وما تضمنته الحملة من كثافة أسئلة تشكيكية بوطنية الأهداف، كالاتهام بالتطبيع والاعتراف بكيان الاحتلال، والتفريط بالمقاومة، وفتح الباب لطرح مصير سلاح المقاومة على الطاولة، وهي أسئلة لا يمكن فهم أهدافها وتفسيرها بالنظر إلى انتماء أغلب أصحابها إلى معسكر الداعين علناً لنزع سلاح المقاومة وتحميله مسؤولية كل أزمات لبنان، وتبني أغلبهم دعوات الحياد، والساعين لخطب ودّ المناخ الخليجي الزاحف نحو الاعتراف والتطبيع، ولكون الجهة المستهدفة بالتشكيك هي المقاومة التي تتهم إما بالخيانة أو بالغباء، وتاريخها ناصع في الشجاعة والحكمة والتضحية والثبات في آن واحد.

من الممكن تفهُّم أسباب هؤلاء في حملتهم، من موقع غضب وغيظ وخيبة، بفعل ما ذهبوا إليه من إحراق للسفن في حملاتهم لشيطنة المقاومة وتحميلها وزر كل الأزمات، ودعوتهم لتقييدها وحصارها، وإبعادها من المشهد وطرح مصير سلاحها على الطاولة، وتسويق دعوات الحياد، وكل ذلك تحت عنوان واحد، أن المقاومة تسبّبت بغضب مَن يُمكنهم مساعدة لبنان على الخروج من أزمته، ولهؤلاء المتعدّدي الهوية عنوان واحد يبدأ من واشنطن، وفيما هم يفعلون كل ما بوسعهم لتقديم أوراق اعتمادهم للأميركي كسعاة لترجمة شعاره، لا حلول مالية في ظل سلاح المقاومة، يفاجئهم الأميركي بالقبول بما وصف به اتفاق الإطار وما يهدف إليه، كعنوان حل أزمة لبنان المالية، وفقاً لكلام وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو ومعاونه ديفيد شينكر، وفي ظل السلاح وبعيدا عن أي نقاش حول نزعه أو اشتراط إدخال مستقبله بنداً في التفاوض.

الأسباب الخاصة لهؤلاء في الشعور بالغضب والغيظ والخيبة، واضحة ومفهومة، لكنها تفسر انخراطهم في الحملة، وليس أهدافها، فهم عبر الحملة يفجّرون غضبهم وغيظهم ويعبرون عن خيبتهم، لكنهم يعاودون تقديم أوراق اعتمادهم للأميركي مجدداً، على أبواب مفاوضات شاقة ومعقدة يحتاج التفاوض فيها إلى حرب إعلامية ونفسية تواكبها، وأعلى مستويات الحرب النفسيّة هو نقل الخصم المنتصر إلى مهزوم يدافع عن نفسه، تماماً كما فعل الرئيس فؤاد السنيورة بعد حرب تموز، برفض الاعتراف بأن لبنان انتصر، رغم أن كيان الاحتلال بقادته السياسيين والعسكريين، ومفكّريه ونخبه ووسائل إعلامه وقضاته، كان يعترف بالإجماع بأنه هُزم وبأن المقاومة انتصرت، وكان الهدف من الإنكار، أبعد من مجرد نقل المقاومة إلى موقع الدفاع، بل الإسهام في معركة الوعي، لصالح منع تجذر فكرة النصر في الوعي الجمعي للبنانيين والعرب، وتقديم أوراق الاعتماد للجولة المقبلة من المواجهة.

لنتخيل المشهد لولا حملات التشكيك وكثافتها، وتدفق الأسئلة المبرمجة ضمنها، كما لنتخيل المشهد من دون حملات التشكيك بالنصر في تموز، بعيداً عن وظيفة التشكيك بنقل المقاومة إلى الدفاع عن نفسها وصدق وإخلاص موقعها من أجل وطنها، والدفاع بالتالي عن صدقيّة نصرها. فهدف الحملات الأعمق والأبعد مدى، كان حرمان المقاومة من خوض معركتها وإطلاق حملتها، لطرح أسئلتها، وفي حرب تموز كان سؤال المقاومة هل بقي هذا الجيش جيشاً لا يُقهر، وهل ثبت أن «إسرائيل» أوهن من بيت العنكبوت، والسؤال الذي كان يجب أن يطرح اليوم، ليس كيف قبلت المقاومة بالأميركي وسيطاً، لأن السؤال الطبيعي كيف قبل الأميركي دور الوسيط في ظل السلاح؟

لقد خاض الأميركيون والإسرائيليون، حرب تموز لإقصاء السلاح عن قدرة التأثير في أمن الكيان وثروات الغاز، وفشلوا، وشنّوا حربهم على سورية وفي أحد أهدافها تحقيق ما لم يتحقق في حرب تموز، وفشلوا، وحاولوا السطو على الغاز من دون تعريض أمن الكيان، ومرة أخرى كان اسم السنيورة حاضراً، ففشلوا مرتين، مرة بإسقاط التسلل عبر السنيورة، لترسيم مشوّه لحساب الكيان، والمرة الأهم لفشلهم كانت عندما رفعت المقاومة شعارها، سندمّر كل منصات الغاز التي تنصب في المنطقة الاقتصادية التي يعتبرها لبنان حقاً سيادياً له، وركزوا خلال عامين على الذهاب نحو دفع لبنان إلى الانهيار والانفجار، أملاً بتوجيه كرة النار نحو المقاومة تحت شعار، لا حل في ظل السلاح، ولا حوار في ظل السلاح، ولا إنقاذ في ظل السلاح، وذهب بعضهم للقول لا حكومة في ظل لسلاح، ولا انتخابات في ظل السلاح، وفشلوا ولم ينجح السيناريو بإضعاف المقاومة وفرض التنازلات عليها، وعلى بيئتها وحلفائها، فاضطر الأميركي والإسرائيلي للرضوخ لمعادلة حرب تموز الاقتصادية، والتسليم بالتفاوض في ظل السلاح.

مَن يستطيع اليوم أن يقول لا تفاوض ولا حوار في ظل السلاح؟

استحضار بندر بن سلطان: السعوديّة إلى التطبيع در

في ظروف سعودية تغلق فيها كل المنافذ أمام ما يُسمّى بالحرس القديم، وظروف أميركية تضع ملف التطبيع الخليجي الإسرائيلي في الواجهة، لا يمكن أن يحضر الأمير المتقاعد بندر بن سلطان على فضائيّة سعودية ليفتتح حملة تشهير بالشعب والقيادات الفلسطينيّة إلا كثمرة لخطة سعودية أميركية تم إسناد تنفيذها لبندر الذي كان تاريخياً نقطة تقاطع المهمات الخاصة الأميركية السعودية منذ تشكيل مجموعات «جهادية» للقتال في أفغانستان تحوّلت لاحقاً إلى تنظيم القاعدة، كما يروي مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق زبيغينيو بيريجنسكي.

العلاقة بكيان الاحتلال كانت دائماً حاضرة في مهمات بندر الأميركية السعودية، وهو مهندس الشراكة الثلاثية الأميركية السعودية الإسرائيلية في الحرب على سورية، وهو مَن وصف مراراً من قادة الكيان بالصديق الموثوق، وهو صاحب الدعوة العلنية لصندوق خاص لتمويل توطين الفلسطينيين في أماكن اللجوء، ضمن إطار تصفية حق العودة للاجئين.

إطلالة بندر بن سلطان لخوض معركة تحميل الفلسطينيين مسؤولية ضياع فرص نيل الحقوق والاستحضار المشوه للوقائع لتثبيت هذه الفكرة، من رجل تولى مسؤوليات وقاد اتصالات تمنحه صفة التحدث بما كان شريكاً في صناعته، تهدف للتمهيد أمام الرأي العام الخليجي عموماً والسعودي خصوصاً من أي التزام بالقضية الفلسطينية، وصولاً للدعوة التي يتبنّاها حكام الإمارات أصدقاء بندر، تحت عنوان هدرنا جهوداً ووقتاً أكثر مما ينبغي من أجل فلسطين من دون جدوى، على حساب مصالحنا، وآن لنا أن نهتمّ بأنفسنا، وهنا طبعاً لا يسأل هؤلاء أنفسهم عن مصلحة بلادهم بفتح أمنها ومجتمعاتها أمام مخابرات كيان الاحتلال؟

الذريعة التي سينتقل بندر لتسويقها في إطلالة ثانية ستكون أولوية إيران كخطر يستدعي التعاون مع كيان الاحتلال. وهذا يعني أن خطة الانضمام السعوديّ إلى ركب التطبيع، كما بشر دونالد ترامب، قد وضعَت قيد التنفيذ.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

انطلاق مفاوضات الترسيم: من تنازل لمن؟

ناصر قنديل

مع إعلان رئيس مجلس النواب نبيه بري، التوصل الى التفاهم على إعلان إطار للتفاوض حول ترسيم الحدود، يحضر هذا الملف بقوة على طاولة النقاش والتقييم، بعيداً عن الخطابات الوظيفية، أي المكرّسة لمناقشة هادفة سلفاً لأداء وظيفة لا علاقة بمضمون البحث عن حقيقة، والتي تهدف مرة للإيحاء بأن المفاوضات ستكون تخلياً عن خيار المقاومة أو اعترافاً بكيان الاحتلال أو انخراطاً في التطبيع، ومرة بالتنمر على تهديدات المقاومة في حال إقدام كيان الاحتلال على شن حرب على لبنان بالرد الموجع وصولاً لتعريض الكيان لخطر الزوال، بالتساؤل عن مبرر الترسيم طالما المقاومة قادرة على تدمير الكيان، فغالب هؤلاء ليسوا من دعاة تدمير الكيان، ولا من رافضي الاعتراف به ولا من معارضي التطبيع، وخلفية كلامهم الغاضبة من إعلان الاتفاق تعكس تعارض معانيه مع مراميهم الآتية مرة تحت عنوان “الحياد” ومرة تحت عنوان نزع سلاح المقاومة، ومرات تحت عنوان تحميل القوى التي تؤمن بالمقاومة مسؤولية الانهيار المالي، لأنها تقف بوجه السياسات الأميركية والخليجية المتقاطعة عند النقطة الإسرائيلية تطبيعاً.

يعلم المتنمرون على الاتفاق أن لغته ليست لغة الطرف اللبناني فيه، بل هي لغة الاتفاقات التي سبقته من اتفاق الهدنة إلى تفاهم نيسان والقرارات الدولية طالما أنه موثق في الأمم المتحدة وتل أبيب وواشنطن مثلما سيوثق في بيروت، ولو كان الاتفاق يصبّ الماء في طاحونة المتنمّرين ودعواتهم ويعبّر عن انتصارها، وهي ليست بعيدة عن دعوات واشنطن لضرب المقاومة وثقافتها، لصفقوا له وساهموا بتمريره بدلاً من الهجوم عليه، ولعل ما يجعل غضبهم مفهوماً هو أنهم وجدوا أن الأميركي الذي ينظرون إليه كإله جبار، يخون ثقتهم فيرتضي التسليم بأن نزع سلاح المقاومة فوق طاقته، وأن المقاومة وحلفاءها من القوة بما لا يمكن كسرهم أو تطويعهم رغم الأزمات الضخمة التي تقع فوق أكتافهم والعقوبات التي تقع عليهم، وأنه لا بد من مقاربة بلغة المصالح للبحث عن تفادي خيار المواجهة معهم، لأنها تعبر عن خيار خاسر خاسر، وهذا سبب سعي الطرفين لتفاديها، وسبب بقائها بالنسبة للمقاومة رداً دفاعياً يضمن تدمير الكيان لكنه يدمّر الكثير مما يهمّها سواه، ولذلك لن يكون خياراً ابتدائياً عندها. ومع السعي الأميركي القائم على التسليم بمغادرة خيار المواجهة يظهر العقل الأميركي القابلية لاستبدال المواجهة بالبحث عن خيار رابح رابح، بشروط أقرب لمصالحه، وإلا ففي منطقة وسط طالما لم تنفع محاولات تليين موقف المقاومة وحلفائها من شروط البحث عنه، ويعرف المتنمّرون على الاتفاق أنه ضمناً جواب على لا جدوى دعواتهم الحياد ونزع السلاح والالتحاق الأعمى بدفتر الشروط الأميركي الخليجي الذي يترجمه التطبيع، طالما تثبت التجربة الحسية أن بمستطاع المقاومة وحلفائها خلق موازين قوة تفرض على الأميركي قبول التفاوض، وتفرض شروط هذا التفاوض، بما فيها عدم الاعتراف بالكيان وعدم التطبيع معه، وتفرض نيل الحقوق الاقتصادية وانتزاعها من بين براثنه في زمن يقدم بعض العرب نفطهم وغازهم وبلادهم وأسواقهم وأمنهم على طبق من ذهب للإسرائيلي بعدما صار الأميركي سيد قرارهم منذ زمان، ويراهم هؤلاء المتنمرون مثالاً يُحتذى.

صبر الأميركيون عشرة أعوام منذ بدء فتح ملف الحدود البحرية، رسمياً عام 2010 عندما بدأ الكشف عن الثروات الهائلة في البحر في المياه اللبنانية وبصورة مكثفة في المياه الواقعة جنوباً على حدود فلسطين المحتلة حيث العين الإسرائيلية حاضرة، لكنهم صبروا منذ ما قبل ذلك عشرة أخرى تمتد منذ العام 2000 بعد تحرير المقاومة لجنوب لبنان، وانطلاق الحملة العسكرية الأميركية على المنطقة في عهد المحافظين الجدد خلال ولايتي الرئيس جورج بوش، وعينهم على ثروات النفط والغاز التي لا يعرف عنها الكثير سواهم ولا عن مواطنها، ومنها البحر المتوسط، وفقاً لتقرير الطاقة الذي أقره الكونغرس عام 2000، وجاءت بعدها الحروب على المنطقة ترجمة له، وقد جسدت هذه التوجهات مباشرة في لبنان بصورة حربية عام 2006 بعدما سبقها الإعلان عن أنبوب للنفط من ميناء جيهان التركي إلى ميناء عسقلان في فلسطين المحتلة، وما يستدعيه تنفيذه وتفرضه الحاجة لحمايته من حرب تُنهي المقاومة، وأعقب الحرب التي فشلت عسكرياً مشروع عسكرة البحر المتوسط بموجب القرار 1701 استعداداً لخطط استثمار النفط والغاز بعيداً عن تأثير قوة المقاومة وشروطها السيادية، وقبل حرب تموز 2006 تم بصورة أمنية وسياسية التمهيد لفرض السيطرة على هذه الثروات عبر القرار 1559 عام 2004، وصولاً لربط اغتيال الرئيس رفيق الحريري لإشاعة الفوضى ونشر الفتن وإرباك سورية والمقاومة وإضعافهما خدمة لهذا الهدف، لكن صبر الأميركيين لم يحمل جديداً يتيح الرهان على المزيد من الصبر، فقوّة المقاومة تتزايد، ومعادلتها السياسية في لبنان تبدو غير قابلة للكسر أو للعصر.

بعد فشل رهانات 2004 و2005 و2006، جاء رهان 2010 على الحرب على سورية وتداعياتها لبنانياً بإضعاف المقاومة إذا قيض للحرب تحقيق أهدافها، ولكن خاب الرهان وجاءت النتائج عكسية، وبدت واضحة مسارات الحرب على سورية منذ نهاية العام 2016 ومعركة حلب، كما بدت المقاومة في ذروة صعودها السياسي مع وصول الرئيس ميشال عون كحليف للمقاومة إلى رئاسة الجمهورية في الفترة ذاتها، فحضر الرهان الأشد قسوة الذي ترجم حضوره عام 2016 ببدء العد التنازلي لموجودات المصرف المركزي من العملات الصعبة، وكانت الهندسات المالية التي نفذها تعبيراً عن هذا التراجع، الذي زاد تفاقماً عاماً بعد عام تحت ضغط أميركي مدروس هدفه خنق لبنان مالياً وتفجيره اجتماعياً، وصولاً لتسييل هذا التفجير بوجه المقاومة وخياراتها، وفي الطليعة فرض خط لترسيم النفط والغاز قدّمه الأميركيون تحت اسم سفيرهم فريديريك هوف منذ العام 2012 ورفضه لبنان رغم الضغوط التي تجدّدت مع خلفه في المفاوضات السفير الأميركي ديفيد ساترفيلد، ليعلن لبنان عام 2016 اشتراطه حصر الدور الأميركي بالوسيط وربط الترسيم والتفاوض غير المباشر برعاية الأمم المتحدة، وتتجمّد المفاوضات من حينها.

حاول الأميركيون خلال هذه السنوات، تصعيد الضغط الاقتصادي حتى الانفجار الشامل، حيث لم يخف الأميركيون رهانهم على توظيف انتفاضة 17 تشرين وتوجيهها بوجه المقاومة وحزب الله، والتركيز على موقع رئيس مجلس النواب نبيه بري، بصفته الممسك بحنكة وحزم بملف التفاوض، وكلام سفيرهم السابق جيفري فيلتمان وإشاراته للتفاوض على ثروات النفط والغاز أمام الكونغرس تلاقيها الكلمات الواضحة لمعاون وزير الخارجية الأميركية ديفيد شينكر، “لديكم معاناة كبيرة وتملكون ثروات واعدة في البحر المتوسط تتنازعون عليها مع “إسرائيل”، وقد قدمنا لكم تصوراً لحل النزاع فاقبلوه”، كانت كافية لتكشف جوهر الأهداف الأميركية من الضغوط، وصولاً لدفع لبنان نحو الانهيار، واللعب بتوازناته السياسية والطائفية، وبشوارعه المتعددة اجتماعياً وثقافياً حتى الاشتعال، أملاً بالحصول على موافقة لبنانية على خط هوف من بوابة تفاوض مباشر بين لبنان و”إسرائيل” برعاية أميركية، ولم يخف الأميركيون خلال هذه الحملة المركزة المتعددة الجوانب سعيهم لإخراج ملف التفاوض من يد الرئيس بري، أملاً بجعل الأماكن البديلة خواصر رخوة يمكن الضغط عليها بشوارعها أو بالعقوبات، فلم يحصدوا إلا الفشل.

كان الجميع من اللاعبين الكبار يدرك أن الزمن الأميركي محكوم بسقف الانتخابات الرئاسية، وأن كل الأوراق المطلوب لعبها يحب أن تستثمر قبل ذلك التاريخ، وعندما سلم الأميركيون مطلع تموز الماضي بالإطار اللبناني لمفاوضات الترسيم، لا مفاوضات مباشرة، بل إحياء للجنة التفاوض في تفاهم نيسان مع أو بدون فرنسا، ورعاية الأمم المتحدة، وحصر الدور الأميركي بالوسيط والمسهل بدلاً من الراعي، وربط حدود البحر بنقطة برية محورية في الناقورة، وهذا معنى التلازم البري والبحري، بقوا ينتظرون فرصة جديدة لاختبار إمكانيات التعديل مرة أخيرة على حافة النهاية، والاتفاق في جيبهم جاهز للإعلان، لتطل برأسها ثلاثية تفجير المرفأ وحملة التطبيع الخليجية والمبادرة الفرنسية نحو لبنان، والثلاثية مترابطة لدرجة تطرح أسئلة كبرى حول تلازمها ومرجعيّتها الأميركية. وتحرك الفرنسيون بالتنسيق مع الأميركيين وتحت نظرهم. كان الناظر الأميركي ديفيد شينكر وزميله ديفيد هيل يزوران بيروت، ويجسّان نبض الرئيس بري ومن خلاله المقاومة، حول شروط الترسيم، وفقاً لمعادلة، أن يحصل الأميركيون على ما يريدون في ملف الترسيم فيحصل بري ومن خلفه حزب الله على ما يريدون في الملف الحكومي، وعند التمسك بالشروط جاءت العقوبات، وعندما سقطت الفرصة ولم ينفع شيء في تغيير المواقف قرر الأميركيون الإفراج عن التفاهم، ليتمّ الإعلان عنه، متقبّلين معادلة رابح رابح، بعدما فشلت كل محاولات الفرض وقوبلت بالرفض، فيربح الأميركيون ومن خلفهم الإسرائيليون ما يستثمرون من خلاله النفط والغاز والسياسة والتسويق الرئاسي والترويج لإنجازات تحاكي إنجازاتهم في الخليج، ويربح لبنان ومقاومته سيادة غير منقوصة، وثروات كاملة، وإحباطاً لضغوط تحت عناوين الحياد ونزع السلاح.

الجولات المقبلة لن تكون سهلة، لكنها تحت سقف توازنات صنعتها مفاوضات الإطار، وستكشف الأيام يوماً أن إدارة الرئيس بري لملف التفاوض كانت تتمة مديدة لمفاوضات حرب تموز، وأنها خلافاً لكل ما يقوله المزايدون والمتنمّرون، والذين غالباً ما كانت مواقفهم تعبيراً عن صدى للضغوط الأميركية، وسيظهر كيف أن إدارة بري عبرت عن وطنية لبنانية صافية وصلبة وعن استعداد للتضحية ترجمه تحمل العقوبات والاستعداد لتحمل التهديد بأكثر منها، لتكتب صفحة إنجاز وطني لبناني، مؤسف أن لا يتلقفه اللبنانيون موحّدين، ومؤسف أكثر أن يضعوه على خطوط تماس مراهقات عصبيّاتهم المريضة، في لحظة وطنية تستحق الترفع عن لغة التفاهة والحقد والعبث.

مبارك للبنان وشكراً لنبيه بري وتحية للمقاومة.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

قراءة سياسيّة وهادئة لكلام ماكرون

ناصر قنديل

راجت منذ لحظة انتهاء المؤتمر الصحافي للرئيس الفرنسي امانويل ماكرون قراءة بدت موضع إجماع من خصوم حزب الله وأصدقائه، وهذا بحد ذاته أمر غريب ولافت للنظر، محورها ان خطاب ماكرون يمثل تحولاً في النظرة للعلاقة مع حزب الله باتجاه التصعيد، وأن ماكرون حمّل حزب الله مسؤولية إفشال مبادرته في لبنان، واستخدمت في تبرير هذا الإستنتاج مفردات الخطاب التنديدي بدور الحزب في سورية، وبوصفه مستقوياً بالسلاح في الداخل، يرهب به خصومه ويسعى للتصرف كأنه أقوى من الآخرين، ودعوته للاقتناع بعدم أخذ الشيعة اللبنانيين نحو الخيار الأسوأ، وقبول القواعد الديمقراطية، هذا من جهة؛ ومن جهة ثانية تركيز حجم رئيسيّ من كلام ماكرون في نص المؤتمر والإجابة عن الأسئلة حول حزب الله.

لا يخطئ الذين يقرأون ما قاله ماكرون بعين البحث عن عمق الموقف في التعامل مع حزب الله ورصد التحولات فيه، باعتباره القضية الرئيسية في الكلام، والقضية الرئيسية في جوهر المبادرة الفرنسية، والقضية الرئيسية في نظرة فرنسا لموقعها وموقفها من الصراعات الكبرى في المنطقة، والقضية الرئيسية التي تتمحور حولها الأزمة اللبنانية ببعدها الدولي والإقليمي، بمعزل عن نقاش آخر ضروري، لكنه بالمعنى السياسي والاستراتيجي أقل أهميّة من الأول، وهو مسار المبادرة الفرنسية وفرص نجاحها أو فرضيات تعطّلها، لجهة السعي لاستيلاد حكومة جديدة، تتولى الإصلاحات المتفق عليها بعيداً عن استثارة قضايا الخلاف، وفقاً لما تمّ تضمينه في كلام ماكرون في قصر الصنوبر كإطار لمبادرته، التي توجهت نحو حزب الله أسوة بسائر القوى والقيادات، لصياغة نقطة تقاطع افتراضية محلية في زمن الصراع المفتوح على مساحة المنطقة ولبنان في قلبها.

كي نقدّم قراءة صحيحة لما قاله ماكرون يجب أن نتحرّر من نبرة الكلمات ودرجة التكرار في بعض التوصيفات السلبية، لأنها تقنيات إقناع البيئة السياسية والنخبوية التي ينتمي إليها المتحدث، وتأكيد للموقع الذي ينتمي إليه المتحدث، والأهم لأننا ندرك بأن الأزمة اللبنانيّة الواقفة على شفا انفجار أو انهيار، هي رغم ما يتصل بأسبابها الداخلية الوجيهة من فساد وسياسات ماليّة مدمّرة، تعبير في تجلياتها الداخلية وبعديها الدولي والإقليمي، عن قرار أميركي شاركت فيه أوروبا وفرنسا ضمنها، وشاركت فيه حكومات الخليج بلا استثناء، محوره وقف التمويل الذي كان يضخّ في شرايين المصارف اللبنانية والنظام المالي اللبناني، ومن خلالهما في الأسواق الماليّة ومن خلالها جميعاً في القطاعات الإقتصادية وهو تمويل كان مستمراً لعقدين، رغم إدراك أميركي وغربي وعربي لتفاقم المديونية وصولاً للعجز عن السداد منذ العام 1998، وتصاعداً في 2002 و2012 وتكراراً بصورة أشد تفاقماً في الـ 2017، ورغم إدراك أنه تمويل لنظام سياسي اقتصادي قائم على لعبة الفوائد المرتفعة من جهة، لربحية غير مشروعة للنظام المصرفي، وبالتوازي الإنفاق القائم على المحاصصة والفساد والتوظيف العشوائي في سياق العملية التقليدية لإعادة إنتاج النظام السياسي نفسه، فقد قرّر الأميركيون أنهم غير معنيين بما ستؤدي إليه عملية وقف التمويل من انهيار، وشعارهم فليسقط لبنان كله إذا كان هذا الطريق يمكن أن ينتهي بسقوط حزب الله، ووفقاً لهذا الشعار سار معهم الحلفاء، بحيث يجب أن يبقى حاضراً في ذهننا أن القضيّة المحوريّة في الصراع حول لبنان هي القرار الأميركي بالمواجهة مع حزب الله، وهذا لا يحتاج إلى جهد لاكتشافه فكل سياق المواقف الأميركية علنيّ جداً في التعبير عنه، قبل تفجير مرفأ بيروت وبعده، وواشنطن لا تنفكّ تسعى لحشد الحلفاء لخوض هذه المواجهة، وصولاً لكلام الملك السعودي من منصة الأمم المتحدة حول توصيف حزب الله كمصدر لأزمة لبنان وأزمات المنطقة والدعوة لأولويّة نزع سلاحه.

– كي نضع الكلام الفرنسي في السياق الصحيح، يجب أن ننطلق من معرفة الموقع الذي يتحدّث من خلاله ماكرون، ففرنسا كانت ولا تزال العضو في حلف الأطلسي والحليف القريب من أميركا، والشريك في الحرب على سورية، المتوضّع فيها على ضفة مقابلة لحزب الله، حيث لغة السلاح تتكلم، والضنين بأمن ومستقبل “إسرائيل”، حيث لغة العداء تحكم علاقته بحزب الله. فرنسا هذه هي التي تتحدّث عن محاولة لفعل شيء مشترك مع حزب الله، على قاعدة عدم مغادرة الفريقين لمواقعهما، وربط النزاع حولها، لصناعة تسوية تحول دون الانهيار في لبنان، انطلاقاً من استكشاف مصالح مشتركة بذلك، حيث فرنسا تعتبر خلافاً لحلفائها ومعسكرها التقليدي دولياً وإقليمياً، أن خيار الضغط الأميركي المدعوم سعودياً وإسرائيلياً، حتى ينهار لبنان أملاً بأن ينهار حزب الله معه، خيار أرعن، سيرتب نتائج مؤذية للحلف الذي تقف فيه فرنسا، فبدلاً من الفراغ يأتي المنافسون الإقليميون والدوليون، وقبل أن تسقط بيئة حزب الله يسقط الحلفاء، وفي الفراغ والفوضى يتموضع الإرهاب على سواحل مقابل أوروبا وترتفع بصورة جنونية حالة النزوح، وينتظر الفرنسي من حزب الله أن يقرأ من موقعه كخصم، ومن موقع تحالفاته ومعسكره، أن منع انهيار لبنان مصلحة، فهو إنقاذ لشعب يعنيه، وتحقيق لاستقرار سياسي وأمني يفيده، وقطع لطريق الفوضى والفتن التي لا يرغبها، وفتح للباب نحو فرص لتسويات أكثر اتساعاً ربما تقبل عليها المنطقة خلال سنة مقبلة. وهذه المنطلقات التي تحركت من خلالها المبادرة الفرنسية، هي ترجمة سياسية لمضمون الدعوة التي أطلقها وزير مالية فرنسا برونو لومير في مؤتمر وزراء مالية قمة العشرين مطلع العام، عندما قال بالنص “تدعو فرنسا لفصل مساعي تعافي لبنان عن المواجهة التي تخوضها واشنطن ضد طهران وحزب الله”.

لنفهم أكثر وأكثر تنطلق فرنسا في مقاربة مبادرتها نحو لبنان، من حسابات مصلحية متمايزة عن حسابات حليفها الأميركي، بعضها يتصل بسعي فرنسي لاستعادة موقع تقليدي على المتوسط ورؤية فرصة لذلك من باب التمايز فيما فرنسا تخسر آخر مواقعها التقليدية في أفريقيا، وخسرت مع الذين خسروا الحرب على سورية، وبعضها يتصل بصراع وتنافس حقيقيين بين فرنسا وتركيا في المتوسط، وبعضها يتصل بالفرص الاقتصادية التي يوفرها لبنان للشركات الفرنسية في زمن الركود، لكن بعضها الأهم ينطلق من موجبات القلق من البدائل التي يفتح بابها طريق الانهيار الذي تتبناه واشنطن، ولكن الأهم أن منهج فرنسا في المقاربة المتمايزة يتم من داخل حلفها التقليدي وليس إعلان خروج من هذا الحلف لموقع منفصل يعرف ماكرون أنه فوق طاقة فرنسا، وربما يعتقد أنه في غير مصلحتها. والفهم هنا يصبح أسهل إذا اتخذنا المقاربة الفرنسية للملف النووي الإيراني والعلاقة مع إيران نموذجاً بحثياً، حيث لا تغيب الانتقادات واللغة العدائية عن الخطاب الفرنسي للسياسات الإيرانية، وباريس لا تتوانى عن تحميل إيران مسؤولية التوتر في المنطقة، من اليمن إلى سورية وصولاً إلى لبنان والعراق، وتحدّثت بلسان ماكرون عن تدخّلات إيرانيّة غير مشروعة في الأوضاع الداخلية لدول المنطقة، وحملت فرنسا دائماً إيران مسؤوليّة ما تسمّيه المبالغة بفرض نفوذ بقوة السلاح في المنطقة، بمثل ما كانت تسجل اعتراضاتها على بعض مفردات سلوك إيران في ملفها النووي، وتعلن مشاركتها للأميركي في الدعوة لوقف البرنامج الصاروخي لإيران، لكن فرنسا ومعها أوروبا لا ترى في الانسحاب من الاتفاق النووي وفرض العقوبات وتصعيد التوتر الطريق المناسب، لأنها تخشى تبعات مدمّرة لخيار المواجهة، وتؤمن بأنه لن يوصل إلى مكان. وهذا هو بالضبط ما شكل منهج المقاربة الفرنسية للوضع في لبنان، وبمثل ما عجزت فرنسا ومعها أوروبا عن ترجمة تمايزها في الملف الإيراني بخطوات مستقلة عن سياسات واشنطن كالتمرد على العقوبات وإقرار آلية مالية جدية للتعامل مع إيران من خارج منظومة العقوبات، يمكن طرح السؤال حول فرص نجاح فرنسا بترجمة تمايزها اللبناني، أي إنجاح مبادرتها، التي تحتاج من جهة إلى تجاوب حزب الله، ولكنها تحتاج أكثر إلى تسهيل حلفاء فرنسا لفرص النجاح.

تبدأ قراءة الكلام الفرنسي بعد فشل النسخة الأولى من المبادرة، من اختبار الرهان الفرنسي على ضوء أخضر من الحلفاء، أولاً، ومن كيفية تناول الرئيس الفرنسي لمواقف الحلفاء، قبل الحديث عن تقييمه لدرجة تعاون الخصم، أي حزب الله، وقبل الحديث عن النبرة التي تحدث من خلالها عن هذا الخصم، فالمبادرة تحوّلت منذ انطلاقتها إلى ساحة صراع، محورها من جانب حلفاء باريس الأميركيين والسعوديين واللبنانيين، السعي لكسب باريس إلى خيار المواجهة، وإقناعها بأن لا جدوى من الرهان على فرصة تسوية مع حزب الله، ودون دخول في التفاصيل، يكفي كلام ماكرون عن أن العقوبات الأميركية كانت أحد أسباب تعقيد المشهد، وأن الحلفاء الداخليين الممثلين بالرئيس السابق للحكومة سعد الحريري ورؤساء الحكومات السابقين حاولوا توظيف المبادرة للعبث بالتوازنات الطائفية فتسببوا بتعثرها، بمثل ما حمل حزب الله مسؤولية التشدد في شروط التعامل مع مبادرة الحريري لتصحيح “خطأ اللعب بالتوازنات”. وهذا يعني أن الذين انتظروا أن يخرج ماكرون بإعلان الانضمام إلى جبهة المواجهة مع حزب الله، وأن يحصر به مسؤولية فشل المبادرة الفرنسية ليحمله تبعات أخذ لبنان نحو الانهيار، وربما حلموا بتصنيفه على لوائح الإرهاب وإنزال نظام العقوبات الأوروبية عليه، قد أصيبوا بالخيبة والإحباط، فهل كان من حق حزب الله ومناصريه انتظار أن يخرج ماكرون ليعلن أن حزب الله كان دون الآخرين عنصراً إيجابياً للتفاعل مع المبادرة، أم أن مجرد تركيز ماكرون على القول بأن الطبقة السياسية اللبنانية قد فشلت بالمجمل وأن القيادات اللبنانية بلا استثناء خانت تعهداتها، وأن الحفاظ على المصالح تقدم عند القوى اللبنانية على دعم المبادرة لإنجاحها، يجب أن يكون كافياً ليعتبر حزب الله أنه ربح الجولة، ولا يدع خصومه الخاسرين يصورونه خاسراً بدلاً منهم؟

خلال خمسة عشر يوماً كانت المعركة السياسية والإعلامية، تدور حول نقطتين، الأولى هي هل طرح المداورة في المواقع الوزارية هو مجرد ذريعة تم دسها على المبادرة الفرنسية من نادي رؤساء الحكومات السابقين، لاستفزاز الثنائي وخصوصاً حزب الله، أم أنها طرح إصلاحي تضمنته المبادرة وانقلب عليه حزب الله؟ والنقطة الثانية هي هل العقوبات الأميركية جزء من سياق الضغوط لإنجاح المبادرة الفرنسية ام هي باستهدافها حلفاء لحزب الله، تعقيد لفرص المبادرة واستهداف لها؟ وقد قال ماكرون ما يكفي لترجيح كفة الرواية التي تبناها حزب الله وحلفائه في القضيتين.

هل استجابت فرنسا لدعوات الانضمام إلى جبهة المواجهة مع حزب الله، أم أنها وجدت من الأعذار والتبريرات ما يكفي للقول إن الفرصة لم تسقط ولا تزال متاحة لإنعاش التسوية على قاعدة الفرضيات ذاتها التي قامت عليها، وفي قلبها، فرضية المصلحة المشتركة مع حزب الله بتفادي المواجهة وتفادي الانهيار؟

ماكرون ليس حليفاً لحزب الله، بل هو في قلب معسكر الخصوم، وهذا معنى أن حزب الله ربح جولة الحفاظ على التفكك في هذا المعسكر الدولي والإقليمي، وعزّز انقساماته، ونجح بإبقاء فرنسا خارج هذا الخيار، وماكرون لم يكن ينتظر من حزب الله منح الاطمئنان لمبادرته بلا شروط الحذر الواجب مع خصم، واتهام حزب الله بهذا الحذر ولو استخدم من موقعه كخصم في وصفه نبرة عالية، متوقع ولا يفاجئ، لكنه كان ينتظر ممن يفترضهم حلفاء ألا يقوموا بتفخيخ مبادرته، لكنهم فعلوا، وقال إنهم فعلوا، بالعقوبات الأميركية والتلاعب بالتوازنات الطائفية من خارج المبادرة، والربح بالنقاط بالنسبة لحزب الله يجب أن يكون كافياً، بمعزل عن فرص نجاح المبادرة، كما هو الحال في الملف النووي الإيراني، بقاء فرنسا وأوروبا على ضفة التمسك بالاتفاق ورفض العقوبات كافٍ بمعزل عن قدرتهما على بلورة خطوات عملية بحجم الموقف.

من حق حزب الله، لا بل من واجبه أن يتناول بالتفصيل كل المنزلقات التي تورط فيها خطاب ماكرون، وأن يفند أي اتهام، ويتصدى لأي لغة عدائية ولكل تشويه لمسيرته النضالية، ولكل توصيف غير لائق، وأن يقدّم روايته لما جرى ويكشف كل ما يثبت تعامله بشرف الوفاء بالتعهّد خلافاً لاتهامات ماكرون، لكن على حزب الله أن يفعل ذلك وهو يضحك في سره، لأنه ربح جولة هامة، وأن لا يتيح لخصومه أن يضحكوا بشماتة مَن أصيب بالخيبة وينتظر تعويض خسارته بأن يتصرّف الرابح كخاسر، فربما يحوّل الخاسر خسارته انتصاراً.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

OBSTACLES TO FRENCH SUCCESS IN LEBANON: SAUDI ARABIA AND THE US

Posted on  by Elijah J Magnier

Leb Zionists

By Elijah J. Magnier: @ejmalrai

A US counterterrorism official has claimed that Hezbollah “is stocking ammonium nitrate in France, Italy, Greece, Spain and Switzerland”. The French Foreign Ministry responded that these allegations were untrue. Consequently, it dealt a direct blow to the American administration, which is working in Brussels to place Hezbollah with its military and political wings on the EU’s terrorist list. France enjoys enough influence within the corridors of the European Union and the European Parliament to stand as an impediment to the American plans. For France, it is not a matter of love or support for Hezbollah, but rather its belief that the time has not come to declare war on the organisation. France believes that it needs a relationship with Hezbollah if it is to advance its strategic interests in Lebanon. Hostility to Hezbollah means engaging in a war with the group or moving away from acquiring a foothold in Lebanon. Paris is trying to advance its chances by, for example, avoiding the resignation of its candidate, Prime Minister Mustafa Adib. But France does not hold all the cards and certainly not all the aces.

It is common knowledge that Prime Minister Mustafa Adib does not have any experience in navigating Lebanese domestic politics and its complications and ramifications that extend out to Saudi Arabia, the US and France. These are the countries mainly involved in Lebanon, while Turkey and Russia play smaller roles.Adib’s nomination was arranged when former Prime Minister Saad Hariri lost any hope of being appointed to this position due to his rejection by Saudi Arabia. The Lebanese former Prime Minister Hariri holds both Saudi and French nationalities. During his time in office, More

بين الموقف السعودي والفيتو الأميركي… ودور نادي الرؤساء!

حسن حردان

شكل موقف الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز، في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، لناحية توجيه الاتهام الى حزب الله بالإرهاب، واشتراط عودة الاستقرار للبنان بنزع سلاح المقاومة، شكل مؤشراً واضحاً لا لبس فيه على تماهي موقف المملكة مع الهدف الأميركي المُراد تحقيقه في لبنان في هذه المرحلة، كون الموقف السعودي إنًما هو يُجسّد ويُترجم السياسة الأميركية في لبنان وعموم الوطن العربي والشرق الأوسط.. ذلك أنّ السياسة السعودية إنما هي مرتبطة تماماً بالسياسة الأميركية، وليست مستقلة عنها…

والهدف الأميركي هو إخراج حزب الله وحلفائه من السلطة وتغيير المعادلة النيابية، في سياق خطة مدروسة، كان قد شرحها بالتفصيل السفير الأميركي السابق في لبنان جيفري فيلتمان في شهادته الشهيرة أمام الكونغرس الأميركي في شهر تشرين الثاني 2019.

ولتحقيق هذا الهدف، أقدمت واشنطن على تشديد الحصار المالي على لبنان وتفجير الاستقرار فيه وربط تسهيل الحلول للأزمة ورفع الحصار عن لبنان بإقصاء حزب الله وحلفائه عن السلطة التنفيذية، عبر فرض تشكيل حكومة من الاختصاصيين، يكون ولاؤهم للسياسة الأميركية، لضمان تنفيذ خطة إنجاز انقلاب سياسي في لبنان على غرار انقلاب 2005 للسيطرة على السلطة وتحقيق الأهداف الأميركية التي تنسجم أيضاً مع الأهداف الصهيونية… وهي:

فرض الهيمنة الأميركية على لبنان وإخضاعه بالكامل لتوجهات الولايات المتحدة، وإنهاء وجود المقاومة ونزع سلاحها، وتأمين أمن الكيان الصهيوني، وفرض اتفاق لترسيم الحدود البحرية والبرية بين لبنان وفلسطين المحتلة يحقق لكيان العدو أطماعه في ثروات لبنان النفطية والغازية والمائية، وصولاً إلى فرض خطة القرن لتصفية القضية الفلسطينية، والتي لا يمكن أن تفرض طالما هناك مقاومة تملك القدرات والإمكانيات الردعية وتشكل جزءاً من محور مقاوم يعيق تعويم مشروع الهيمنة الأميركي…

لذلك فإنّ طرح موضوع المداورة في حقيبة وزارة المالية، ومن ثم إعلان رئيس الحكومة السابق سعد الحريري اقتراح أن يسمّي الرئيس المكلف مصطفى أديب وزير شيعياً مستقلاً، إنما يضمر محاولة تمرير الخطة الانقلابية الأميركية السعودية الأشمل، والتي تقتضي قلب المعادلة في لبنان عبر تغيير قواعد اللعبة السياسية وفرض آليات جديدة لتشكيل الحكومة، يتولى نادي رؤساء الحكومات السابقون التحكم فيها من خلال إظهاره في صورة، أولاً، من يسمّي الرئيس المكلف، وثانياً، من يشكل معه الحكومة من دون أيّ مشاركة من الكتل النيابية ورئيس الجمهورية، وأنّ المطلوب ألا يعترض أحد على ذلك، والقبول بالتشكيلة الحكومية والطريقة المبتكرة في تأليفها، وإلا تكونوا، (أيّ الكتل النيابية التي تمثل الأكثرية)، تعرقلون المبادرة الفرنسية، وتقفون عقبة في طريق إنقاذ البلاد من الكارثة الاقتصادية والمالية إلخ…

والرهان في محاولة تمرير هذه الخطة من قبل نادي الرؤساء، إنما على…

أولاً، إحداث شرخ في العلاقة بين التيار الوطني الحر وحزب الله وصولاً الى تفكيكه.. من خلال محاولات فريق المستقبل والقوات اللبنانية، التصويب بشكل مستمر على هذا التحالف بتحميله مسؤولية الأزمة من جهة، وتغذية التناقضات والخلافات والعمل على تأليب قواعد الطرفين ضدّ بعضهما البعض من خلال إثارة الشائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ثانياً، إطلاق مناورات مستمرة مفخخة لوضع تحالف حزب الله ـ أمل في وضع حرج… فإذا قبل يكون قد وقع في فخ الموافقة على ولادة حكومة انقلابية يسمّيها، من ألِفها إلى يائها، الرئيس المكلف مصطفى أديب ومن ورائه نادي رؤساء الحكومات السابقين، أما إذا رفض التحالف فإنه يجري اتهامه بالعرقلة ويُحمّل المسؤولية عن تعطيل تشكيل الحكومة.

ثالثاً، ممارسة الضغط الاستثنائي على التيار الوطني عبر…

1

ـ استغلال المبادرة الفرنسية التي تلقى قبولاً وترحيباً عاماً، لا سيما في الوسط المسيحي، انطلاقاً من الارتباط الثقافي والعلاقات المصلحية الاقتصادية مع الغرب.

2

ـ الضغط الأميركي بسلاح العقوبات، والذي رفع الأميركي من منسوب التهديد به لقيادات في التيار الوطني وفي المقدمة الوزير جبران باسيل، إذا ما وقف ضدّ تشكيل حكومة يختارها أديب.. وكانت العقوبات على الوزيرين السابقين، علي حسن خليل ويوسف فنيانوس، في سياق هذه الخطة الأميركية لإرهاب حلفاء حزب الله ودفعهم إلى الرضوخ للمطلب الأميركي القاضي بفرض تشكيل حكومة تكنوقراط أميركية الهوى. تكون الأداة لتمرير جملة الأهداف المُراد تحقيقها في لبنان…

3

ـ ممارسة الضغوط من قبل بكركي على الرئيس ميشال عون، لمنعه من الاعتراض على تشكيل حكومة، منزلة عليه بالبراشوت، وبالتالي دفعه الى التخلي عن ممارسة صلاحياته الدستورية التي تضمن له الحق بالمشاركة في تأليف الحكومة مع الرئيس المكلف.

انطلاقاً مما تقدّم، باتت الصورة واضحة، مهما جرى تمويهها، وهي الضغط بكلّ الوسائل لفكّ عرى التحالف بين التيار الوطني الحر وحزب الله، وفرض تشكيل حكومة اللون الأميركي.. واقتراح الرئيس الحريري بأن يسمّي أديب وزيراً مستقلاً للمالية من الطائفة الشيعية، لا يخرج عن هذا السياق، وهو مناورة حيكت في مطبخ نادي رؤساء الحكومات السابقين، لتعلن باسم الحريري لضمان خطة الرجعة في حال فشلت محاولة تمريرها، والرئيس فؤاد السنيورة يتقن حياكة مثل هذه المناورات المفخخة، التي جرى تصويرها على أنها تنازل كبير في حين هي بالجوهر تريد دسّ السمّ في العسل، لتمرير حكومة يختار كلّ وزرائها نادي الرؤساء.. وفي الحالتين هي خروج على دستور الطائف الذي يحدّد بوضوح كيفية تشكيل الحكومة على أسس التمثيل البرلماني والطائفي والميثاقي.. كما يحدّد دور رئيس الجمهورية في المشاركة في عملية تأليف الحكومة مع الرئيس المكلف…

من هنا فإنّ المهمة الملحة الملقاة على عاتق تحالف حزب الله والتيار الوطني الحر إنما هي…

1

ـ التنبّه لخطورة المخطط الذي يستهدف النيل من تحالفهما، وإقصائهما عن السلطة وإضعاف تمثيلهما الشعبي والوطني.. وإعلان التمسك، أكثر من أيّ وقت مضى، بهذا التحالف، (وهو ما أكد عليه بالأمس الوزير باسيل)، والعمل على تحصينه والتصدي بخطة موحدة بالتنسيق مع كلّ القوى الوطنية، لمنع الانقلاب على قواعد دستور الطائف التي تضمن مشاركة الكتل النيابية وفق أحجامها التمثيلية، وعلى أسس التمثيل الطائفي والحفاظ على الميثاقية.. ريثما يتمّ تطبيق البنود الإصلاحية في اتفاق الطائف، لإلغاء الطائفية السياسية المنصوص عليها في المادتين 95 و22 من الدستور.

2

ـ الامتناع عن إطلاق أيّ تصريحات علنية حول مسائل الخلاف، والتركيز على أهمية القضايا المشتركة التي قام عليها التحالف، لا سيما في هذه المرحلة التي يستهدف فيها هذا التحالف بسهام أميركية مسمومة، وبسهام خصوم الداخل، الذين يراهنون على تفكيك التحالف لتحقيق ما يطمحون إليه من العودة إلى فرض هيمنتهم على السلطة، وإضعاف شعبية وتمثيل التيار الوطني الحر في الشارع المسيحي باعتبار ذلك مقدمة أيضاً لمحاصرة حزب الله المقاوم.. وهو ما يشكل أيضاً هدفاً مركزياً لرئيس حزب القوات سمير جعجع، الذي باتت تتمحور معظم مواقفه حول كيفية تحقيق هذا الهدف الذي يعتبره هو الأساس في نجاح أو فشل الخطة الأميركية الانقلابية للإمساك بناصية القرار السياسي في لبنان وقلب المعادلة النيابية…

صراع الحريري ونادي رؤساء الحكومات على السعوديّة؟

نادي رؤساء الحكومات: مفتاح التأليف حصراً بيد الحريري

د. وفيق إبراهيم

رئيس الحكومة السابق سعد الحريري يسعى لإرضاء الفرنسيين والأميركيين مخترعاً اقتراحاً بتوزير شيعي لوزارة المالية إنما لمرة واحدة فقط، وبشكل يسحب منها ميثاقيتها التي يصرّ عليها حلف حزب الله – حركة أمل.

اما حلفاؤه الثلاثة في نادي رؤساء الحكومة السابقين وهم فؤاد السنيورة وتمام سلام ونجيب ميقاتي، فاعتبروا في تصريح لهم أن موقف الحريري خاص به ولا يعنيهم، وذلك في موقف يقترب من رفضهم له.

هل هناك مرجع يفصل بين الفريقين المذكورين؟ نعم إنها السعودية التي تمسك بالقرار السياسي السني في لبنان منذ تسلم الراحل رفيق الحريري لرئاسات الحكومات المتعاقبة بين 1990 و2005 وورثته المتجسدين في ابنه سعد والسنيورة وتمام سلام والميقاتي ونجله الأكبر بهاء المتوثب لأداء دور لبناني.

ماذا يقول السعوديون؟

انتصر الملك سلمان للخط الأميركي الذي يريد تدمير إيران لأنها تكاد تحتل العالم؟ وتعمم الإرهاب في كل مكان، ما أتاح للملك السعودي تركيز استهداف كبير لإيران التي تريد نشر «شيعيّتها» في اليمن والعراق وسورية ولبنان والخليج وتدعم إرهابييها. وهنا ركز سلمان على حزب الله موجهاً هجوماً حاداً دعا فيه العالم بأسره الى تجريد حزب الله من سلاحه وضربه لأنه إرهابي، مضيفاً أن لا قائمة للبنان إلا بعد إلغاء الحزب الإرهابي، كما وصفه.

هذا الموقف الحاد يضع القوى اللبنانية الموالية للسعودية، خصوصاً الفريق السني في دائرة المحاسبة السعودية. فالقريب من هذا الموقف يتمتع بالرعاية السعودية السياسية والمالية والدينية، فيما يجد الرافض لها نفسه معزولاً.

لذلك يبدو نادي رؤساء الحكومات السابقين أقرب القوى السنية الى التصعيد السعودي ومعه أشرف ريفي والمشنوق ودار الإفتاء. وداعش والنصرة وهيئة تحرير الشام. فهؤلاء ذاهبون الى التماهي الكامل مع التصعيد السعودي.

لجهة سعد الحريري فلا شك في أنه نادم على إطلاقه مشروع حل لوزارة المالية أي تعيين شيعيّ مستقلّ يختاره الرئيس المكلف أديب ولمرة واحدة.

كيف يمكن لسعد أن يلتحق بالموقف التصعيدي السعوديّ من دون سحب اقتراحه الأخير من التداول؟

لا بدّ للشيخ سعد أن يطلق أكثر من تصريح إعلامي مخادع حول استقلالية الوزير الشيعي في وزارة المالية وابتعاده الكامل عن حركة أمل وحزب الله، بذلك قد يرضي السياسة السعودية نسبياً ويضيف بأنه لمرة واحدة ما يدفع الثنائي الشيعي الى رفض اقتراحه. ويتعمّد التأكيد على دوره الأساسي في تشكيل الحكومة المرتقبة. وهذا يؤذي مكانة رئاسة الجمهورية دستورياً وطائفياً.

هذا ما حدث بالفعل بصدور بيان من الرئيس ميشال عون أكد فيه أن رئاسة الجمهورية شريك كامل في إنتاج الحكومات ولا يمكن تجاوزها أو تجاهلها.

فيكون سعد باقتراحه الأخير دافعاً ومؤسساً لرفض شيعي من جهة ورئاسي وماروني من جهة ثانية، فتعود العلاقات بين القوى السياسية إلى حالة من الاحتراب الشديد تنعكس على الشارع على شكل مواجهات غير قابلة للتأجج لأن فريق حزب الله – امل لا يريدها ويعمل على إجهاضها.

فيتبين أن القوى اللبنانية الموالية للسعودية تتصارع لكسب ود الملك سلمان وابنه محمد بشكل لا تعير فيه أي انتباه لمدى حراجة الوضع اللبناني وخطورته.

لذلك، فإن الساحة اللبنانية يتحكم فيها حالياً مشروع أميركي سعودي يدفع في اتجاه السيطرة على حكومة لبنانية مرتقبة لا تضمّ القوى الرافضة للتطبيع مع العدو الإسرائيلي. بما يفسّر أسباب هذا الاستهداف السعودي المركز على دور حزب الله في قتال «اسرائيل» والإرهاب.

هل يمكن للمراقب أن يفترض انبثاق موقف سني رافض لهذا التصعيد السعودي؟

إن القوى الشعبية السنية، خصوصاً ذات البعد التاريخي ترفض أي تقارب مع «اسرائيل» وتشجع على محاربته، لكن الكلام هنا يتركز على فريق الحريرية السياسية ومتفرّعاتها، ويستثني أيضاً فريقاً كبيراً من النواب السنة المستقلين الذين يرفضون هذا الانهيار الوطني والقومي في صفوف رؤساء الحكومات السابقين والحريرية السياسية بكامل تنوّعاتها.

يتبين بالنتيجة ان لبنان ذاهب الى أشكال مختلفة من تصعيد سياسي واقتصادي واجتماعي يرعاه المحور الأميركي السعودي الذي يضع لبنان بين اقتراحين: اما الانهيار الاقتصادي الكامل او حكومة موالية لهذا المحور تعمل على تجريد حزب الله من سلاحه وإلغاء دوره اللبناني في وجه «إسرائيل» المحتلة، وخارجي في وجه الإرهاب المهدّد للمنطقة عموماً ولبنان خصوصاً.

لكن ما يدعو الى التنبه الشديد هو احتمال انعكاس الخلافات بين القوى السنية الى معارك بين أنصارها، او مشاريع حروب مع مذاهب وطوائف أخرى، لن تؤدي إلا الى انتاج مهزوم واحد هو الاستقرار اللبناني، وبالتالي الكيان السياسي وفقاً لمشروع كيسنجر الذي كان يعتبر لبنان فائضاً تاريخياً لا لزوم له.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

لهذه الأسباب يرفض أديب احترام الآليات الدستورية للطائف

حسن حردان

بات من الواضح أنّ عملية تشكيل الحكومة اللبنانية، من قبل الرئيس المكلف الدكتور مصطفى أديب، لا تسلك طريق الآليات الدستورية، التي كرّسها اتفاق الطائف، والتي يجب أن تقوم على احترام نتائج الانتخابات… عبر القيام بالخطوات الإلزامية التالية…

أولاً، التشاور مع الكتل النيابية في البرلمان لتحديد شكل ومضمون وبرنامج الحكومة، وتسمية الشخصيات التي تقترح تمثيلها في الحكومة.

ثانياً، الحرص على أن تكون تشكيلة الحكومة التي ستشكل تحوز على…

1

ـ تمثيل الكتل النيابية وفق أحجامها في البرلمان…

2

ـ ضمان تمتع الحكومة بالميثاقية، أيّ تمثيل الطوائف اللبنانية تمثيلاً عادلاً حسب الدستور.. لأنّ النظام يقوم على المحاصصة الطائفية بموجب المادة 95، طالما لم يتمّ إلغاء الطائفية…

3

ـ الاتفاق مع رئيس الجمهورية بشأن التشكيلة الحكومية وأسماء الوزراء، حسب الدستور الذي يقول بوضوح إنّ رئيس الجمهورية «يصدر بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء مرسوم تشكيل الحكومة» (الفقرة 4). وكلمة بالاتفاق تعني دستورياً انّ لديه صلاحية التعديل والاعتراض على التشكيلة إذا كانت لا تلبّي شروط التمثيل الحقيقي أو الميثاقية…

لماذا يتمّ القفز فوق هذه الآليات الدستورية؟

لا شيء يدفع الرئيس المكلف إلى تجاهل الكتل النيابية لا سيما الأغلبية، التي من دونها لا تستطيع حكومته أن تنال الثقة في البرلمان.. لا شيء يدفعه إلى ذلك سوى خضوعه لضغط مباشر من رئيس تيار المستقبل الرئيس سعد الحريري ونادي رؤساء الحكومات السابقين الذين سمّوه قبل الاستشارات النيابية، والذين استغلوا تسمية أديب، من دون وجود اتفاق مسبق على تشكيلة وطبيعة ونوعية الحكومة وبرنامجها، لأجل محاولة فرض تأليف حكومة من الاختصاصيين تؤمّن لهم ولسيّدهم الأميركي إقصاء حزب الله المقاوم وحلفائه عن السلطة التنفيذية.. وهو أمر يتعارض مع الموقف المعلن للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لكنه يلبّي المطلب الأميركي المعلن والواضح منذ استقالة حكومة الرئيس الحريري اثر انتفاضة ١٧ تشرين الأول.. وذلك بهدف تمكن هذه الحكومة من تحقيق هدفين مهمّين لواشنطن…

الهدف الأول، فرض اتفاق لترسيم الحدود البحرية والبرية وفق الصيغة التي وضعها الموفد الأميركي فريدريك هوف خلال زيارته لبنان عام 2012 واقترح خلالها أن يتمّ تقاسم المنطقة المتنازع عليها بين لبنان وكيان العدو الصهيوني عند الحدود البحرية الجنوبية. التي تمتدّ على حوالى 860 كلم 2، والاقتراح يريد إعطاء لبنان مساحة 500 كلم2 مقابل أن تحصل تل أبيب على 360 كلم2. أي أن يتخلى لبنان عن 40% من هذه المساحة التي تحتوي على ثروة نفطية هامة… لكن لبنان رفض رفضاً قاطعاً التنازل وأصرّ على ترسيم يحفظ كامل حقه، وهذا الموقف أبلغه دولة الرئيس بري مراراً وتكراراً إلى جميع الموفدين الأميركيين الذين زاروا لبنان منذ ذلك التاريخ وحاولوا، دون جدوى، الحصول منه على تنازل…

الهدف الثاني، الاستجابة لشروط صندوق النقد الدولي التي تربط تقديم قروض ميسّرة للبنان بتخصيص ما تبقى من مؤسسات ومنشآت للدولة تدرّ عائدات هامة على الخزينة، وفي المقدمة الهاتف الخليوي والمرافئ وغيرها.. إلى جانب فرض ضرائب جديدة غير مباشرة على عامة المواطنين وتقليص حجم الدولة بتسريح عدد كبير من الموظفين…

هذان الهدفان، الأول يحقق الأطماع الصهيونية على حساب المصلحة الوطنية.. والثاني يجعل لبنان أكثر ارتهاناً اقتصادياً ومالياً للولايات المتحدة لإخضاعه بالكامل لهيمنتها انطلاقاً من سياسة معروفة وهي الإمساك باقتصاديات الدول التي ترفض الهيمنة الاستعمارية الأميركية والعمل على ابتزازها وإخضاعها بوساطة السلاح الاقتصادي والمالي، الذي اطلق عليه احد الكتاب الأميركيين وصف «القاتل الاقتصادي».. وطبعاً الهدف الذي تسعى إليه واشنطن من وراء ذلك هو محاصرة المقاومة والعمل على نزع سلاحها، لا سيما الصواريخ الدقيقة التي تقلق كيان العدو الصهيوني وتردعه وتشلّ قدرته على شنّ العدوان على لبنان، وتشكل قوة دعم أساسية للمقاومة الفلسطينية وعموداً أساسياً من أعمدة محور المقاومة، الذي أحبط المشروع الأميركي الصهيوني للشرق الأوسط الجديد، تهيمن فيه «إسرائيل» باعتبارها أداة الغرب لتأبيد الهيمنة الاستعمارية على المنطقة، ومواصلة نهب ثرواتها وتحويلها إلى مجرد سوق استهلاكية لمنتجاته…

لأجل تحقيق هذين الهدفين عمدت واشنطن إلى وضع خطة لتفجير «ربيع لبناني» من خلال تشديد الحصار المالي على لبنان ودفع الأزمة المالية والاقتصادية للانفجار، واستطراداً التسبّب بانهيار القدرة الشرائية للمواطنين مما يدفعهم إلى الاحتجاج في الشارع ضدّ سياسات الحكومة.. طبعاً الأدوات الأميركية، لتنفيذ الانقلاب، كانت جاهزة لاستغلال وركوب موجة الاحتجاج الذي انفجر في ١٧ تشرين الأول من عام 2019… إعلام، مال، منظمات الأنجيؤز، وشعارات موجهة تحرّض ضدّ حزب الله وحلفائه، لا سيما رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، والرئيس نبيه بري، والتيار الوطني الحر، وتحمّلهم المسؤولية الأساسية عن الفساد والأزمة تحت شعار «كلن يعني كلن».. بما يذكر بشعار «الشعب يريد إسقاط النظام» لمصلحة تجديد شباب الأنظمة العربية الرجعية في مصر وتونس، ومن ثم استخدامه لإسقاط الدول الوطنية، وخصوصاً الدولة الوطنية السورية، التي تواجه الاحتلال وتدعم المقاومة وترفض الهيمنة الاستعمارية الأميركية الغربية..

هذا هو بيت القصيد من المحاولات الأميركية لتدبير الانقلاب على المعادلة السياسية في لبنان عبر السعي لفرض تشكيل حكومة اختصاصيين «مستقلة» لكنها في الحقيقة حكومة تابعة تنفذ التوجيهات الأميركية..

إذا عاد وسلم الرئيس أديب، وطبعاً من خلفه نادي رؤساء الحكومات السابقين، بتشكيل حكومة وفاق وطني، كما ينص اتفاق الطائف، فهذا معناه فشل الخطة الأميركية الانقلابية…

ولأنّ واشنطن، لا تزال تراهن على أنه بإمكانها تحقيق الانقلاب السياسي في لبنان، تعمل على الضغط لمنع تأليف مثل هذه الحكومة، وتستخدم سلاح العقوبات الاقتصادية ضدّ شخصيات وطنية حليفة لحزب الله المقاوم، لأجل محاولة إرهابها ودفعها إلى الاستسلام للشروط الأميركية المذكورة وعدم الوقوف حائلاً دون تشكيل حكومة أميركية الهوى..

غير أنّ الحلم الأميركي بتحقيق هذا الانقلاب كحلم ابليس بالجنة.. فما كان ممكناً جزئياً عام 2005، لم يعد ممكناً عام 2020، لا سيما في ظلّ تنامي قوة المقاومة وحلفها الوطني والعربي والإقليمي، على خلفية فشل الحروب الأميركية الصهيونية الإرهابية في تحقيق أهدافها، ونجاح حلف المقاومة في تحقيق الانتصارات في مواجهة هذه الحروب وتعميق مأزق المشروع الأميركي الصهيوني.. ولولا وجود بعض القوى والأطراف السياسية في لبنان، التي تشكل حصان طروادة للتدخل الأميركي الغربي، وتحاول الاستقواء به لاستعادة هيمنتها على السلطة، لما كان بإمكان واشنطن إثارة الاضطراب والانقسام في البلاد وتستمرّ في المراهنة على محاولة تحقيق أهدافها الاستعمارية، التي هي، في الوقت نفسه، أهداف صهيونية…

المعركة الأميركية في لبنان: التطبيع أو ما يؤدي إليه؟

د.وفيق إبراهيم

الصراع المندلع في لبنان حول الجهة التي يجب أن تؤول اليها وزارة المالية في الحكومة المرتقبة التي يعكف على تشكيلها الرئيس المكلف مصطفى أديب، ليست أكثر من عنوان قد يكون مهماً، إنما في إطار الحرص الأميركي للإمساك بالسياسة الأميركية.

هذا ما يكشفه الإصرار الحاد من قبل مجموعات لبنانية سياسية مرتبطة بالأميركيين والسعوديين ترفض تسلّم أي شيعي لوزارة المالية، ولو اقتضى الأمر اعتذار أديب ودفع البلاد نحو الفراغ.

فينكشف وجود مشروعين متناقضين الأول يزعم ان مصطفى أديب يشكل حكومة مستقلة بمفرده بشكل لا يأخذ فيه بأي اقتراح للقوى النيابية السياسية، فيما يؤكد المشروع الثاني، أن هناك محاولة تشكيل لحكومة، أعطى الأميركيون لفريق لبناني مكون من الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري ومعه ثلاثة رؤساء سابقون للحكومة هم فؤاد السنيورة وتمام سلام ونجيب ميقاتي، الحق باختيار اسماء الوزراء وطبيعة الحقائب، على أن يلبوا في الدرجة الاولى مهمة إبعاد حزب الله والرئيس نبيه بري وحلفائهم عن الحقائب الاساسية، خصوصاً وزارة المال التي تمتلك التوقيع الثالث في الدولة على معظم المراسيم والقوانين الى جانب توقيعي رئيس الجمهورية والحكومة.

هنا، بدا الفرنسيون تائهين في مبادرتهم لسببين: انتقادات أميركية حادة تستهدفهم بزعم أنهم لطيفون مع حزب الله ويلتقون بقياداته، أما السبب فيتعلق برفض حزب الله والرئيس بري، التخلي عن وزارة المالية التي يجزمون اتفاقية الدوحة إناطتها بهم عرفياً كحال الإناطة العرفية التاريخية لرئاستي الجمهورية للموارنة والحكومة للسنة وقيادة الجيش ومديرية المخابرات والإنماء والإعمار ومطار بيروت وطيران الشرق الاوسط والأمن العام والقضاء الاعلى، كلها مواقع موزعة مذهبياً بما يكشف ان الصراع على المالية يضمر خفايا اشتباك كبير أميركي مع حزب الله للسيطرة على السياسة اللبنانية من خلال الإمساك بحكومة أديب المرتقبة وقراراتها.

فمن يتصوّر أن وزارة المالية التي يمسك بها رئيس المجلس نبيه بري منذ أكثر من عقد تنتزع هذه الأهميات المحلية اللبنانية والخليجية السعودية والفرنسية والأميركية..

مع أن هذا لا ينفي مطلقاً أهميتها الداخلية في تحقيق هيمنة على السياسة اللبنانية من خلال الثنائية المارونية ـ السنية الى ثلاثية تخترقها الشيعية الثلاثية..

لكن الواضح أن هذه الشيعية السياسية هي جزء من إنتاج القرار السياسي اللبناني منذ انتصار حزب الله على إسرائيل في معارك 2006، ونجاحه في طردها من الأراضي اللبنانية، فأين الجديد إذا؟

لا بد أنه موجود من خلال وضوح التقاطع الأميركي ـ الفرنسي الذي انتج المبادرة الفرنسية الاخيرة في لبنان، وتبين أن مكابحها أميركية الصنع تعتمد خطة السيطرة على لبنان عبر حنين بعض اللبنانيين الى الفرنكوفونية ويجب بالمفهوم الأميركي، ان تحاصر حزب الله بإبعاده عن الحكومة.

الأمر الذي يوضح أن الأميركيين عبر الوساطة الفرنسية، يريدون نصب كمين دستوري حكومي، يلوّح ببعض حسنات الصندوق الدولي ومؤتمر سيدر والبنك الدولي لوقف الانهيار الاقتصادي اللبناني.

إلا أن لهذه الحسنات ما يقابلها أميركياً، وهي مخفية بألاعيب بعض رؤساء الحكومات السابقين الذين نجحوا بإيهام الرأي العام بأن الصراع داخلي على حقائب وأوزان طوائف فيتبين بالعمق أن الأميركيين يريدون حكومة تستطيع ان تربط بين وقف الانهيار الاقتصادي الداخلي وبين امتناع القوى اللبنانية عن التدخل في حروب الاقليم.. وهذا يعني إلغاء مشاركة حزب الله في ضرب الإرهاب في سورية وحدود لبنان الشرقية، وانتهاء دوره في الجنوب عبر تسليم قوات الطوارئ الدولية حق انتهاك القرى والبلدات اللبنانية الى عمق يصل الى سبعين كيلومتراً.

علماً ان الصورة الحالية للجنوب، هي احتلال اسرائيلي لبلدة الغجر ومزارع شبعا وكفرشوبا واحتلال مساحة من الحدود البرية والبحرية.

فلماذا يريد الأميركيون استصدار هذه القرارات من حكومة أديب؟

لديهم هدفان: إغراق لبنان بفوضى مسلحة تطالب بنزع سلاح حزب الله ونقل هذا الخلاف الى منظمة الأمم المتحدة، مع محاولات إعلان هذه الحكومة لحيادية لبنان في الصراع مع «اسرائيل» كما يطالب البطريرك الماروني الراعي وحزب القوات والخليج الذي احتضن أخيراً «اسرائيل».

بذلك يتضح ان ما يجري في لبنان من صراعات طوائف ليست إلا حجاباً رقيقاً يستر محاولة أميركية لنقل لبنان الى حلف التطبيع مع «اسرائيل» ـ أو الحياد معها على الأقل ـ وهذا يتطلب مشاركة شيعية في حكومة أديب ليست على قدر وازن من الفاعلية الوطنية.

فهل هذا ممكن؟ إن إصرار الثنائي الشيعي على وزارة المال وتسمية وزرائهم ليس عملاً طائفياً، بقدر ما يؤسس قدرة دستورية على مجابهة المشروع الأميركي الذي يريد دفع لبنان الى احضان «إسرائيل».

WHAT DOES FRANCE WANT FROM LEBANON AND HEZBOLLAH, AND WILL IT ACHIEVE ITS GOALS? (2/3)

Posted on  by Elijah J Magnier

Written by Elijah J. Magnier: @ejmalrai

It would be inaccurate to say that the US has given the green light to French President Emmanuel Macron to carry his initiative to Lebanon. In fact, US policy does not coincide with the French goals in all details. In fact, following each of the two French visits an American envoy followed behind to assure his allies that the US had not relinquished the Lebanese theatre to France. The French approach differs from that of the Americans. Macron visited all the heads of parliamentary blocs, while Assistant US Secretary of State David Schenker visited lower echelon Lebanese officials and met via video “civil society representatives,” revealing the faces of those who claim to be revolutionary but receive support and are guided by Washington to promote US policy. If this indicates anything, it indicates the US administration’s lack of experience in dealing with the complex Lebanese file (and others, undoubtedly). As for the French President, he seemed determined to push Lebanon forward, grappling with the thorny issue of Hezbollah’s armaments , while still adopting unavoidable parts of the US-Israeli goals.

Germany had enjoyed a reliable reputation among Hezbollah and Israel following the exchange of prisoners and bodies. This reputation was lost when Germany bowed to Israeli pressure and claimed that Hezbollah, in all its military and political branches, is a terrorist organisation. France, by approaching Hezbollah in its own way is attempting to replace Germany but without any guarantee of success. Thus far Hezbollah is not showing a particularly warm attitude towards the “mother of Lebanon” but neither is it showing (yet) any aggression towards President Macron. 

 French sympathy was always directed towards the Christian community since the declaration of the “Greater State of Lebanon” and continued until the last decade. In 2011, the Maronite Patriarch, Mar Bechara Boutros Al-Rahi, visited Paris, where he met with French President Nicolas Sarkozy, who “suggested that Christians leave Lebanon – since the number of Christians had decreased to 1.3 million (in 2011) – and come to Europe, since there was no longer a place for them in the Middle East and that Europe could absorb them as it had already absorbed two million Christian Iraqis”!The Shiites of Lebanon have acquired a very powerful social status. Hezbollah had already received several offers to seize power in Lebanon in exchange for giving up its arms: Japan, the US and European countries’ offers were rejected because they did not take into consideration the ideological makeup of Hezbollah. This ideology categorically rejects any peace deal with Israel. Consequently, Hezbollah cannot give up its weapons even if there is an offer to become part of the Lebanese army, merge with it, assume the highest command authority and lead the parliament. This was one of the foreign suggestions turned down by Hezbollah.

Informed sources say, “Israel could destroy the Lebanese army within a few hours if the battle is drawn between two classic armies. Even if France provides anti-aircraft and defensive missiles, the protection of the army’s qualitative capabilities needs an…

Elijah Magnier

Add New Post

Elijah J. Magnier is a veteran war-zone correspondent and political analyst with over 38 years’ experience in the Middle East and North Africa (MENA). Extended field work in Lebanon, Bosnia, Iraq, Iran, Sudan, Libya and Syria, created his extensive network of trusted military and political contacts. Magnier specialises in real-time reporting and in-depth analysis of political, strategic and military planning, terrorism and counter-terrorism.

WHAT DOES FRANCE WANT FROM LEBANON AND HEZBOLLAH, AND WILL IT ACHIEVE ITS GOALS? (1/3)

Posted on  by Elijah J Magnier

Written by Elijah J. Magnier: @ejmalrai

On the first day of September, French President Emmanuel Macron came to Lebanon carrying several explicit and implicit messages to diffuse in various directions. The French President said that Lebanon should establish a government as soon as possible in order to benefit from international financial support. As for the explicit messages, Macron – despite his meeting with a representative of Hezbollah in the Lebanese parliament (13 MPs), MP Muhammad Rand – focused on Hezbollah’s armed presence. In fact, France is attempting to adopt the same approach Hezbollah has used for decades to win the hearts and minds of a large section of the population. Macron is aiming to confirm France’s influence over Lebanon by embracing the soft approach, if he can. Indeed, the French President is benefitting from the failure of US policy in Lebanon to curb the “Axis of the Resistance”. Macron is endeavouring to divert to his country (and away from Turkey, Russia, Iran, China and the United Emirates) Lebanese economic-commercial-energy contracts. And finally, France would like to have its own window to the Mediterranean through the harbour of Beirut and to elbow the Turkish expansionist threat away from Lebanon. Many “birds with one stone”, if Macron is successful.

On the first of September 1920, the French General Henri Gouraud, the military commander and high commissioner for Lebanon and Syria, announced the birth of the “state of Greater Lebanon”. He visited the tomb of the Muslim conqueror Salah al-Din al-Ayyubi adjacent to the Umayyad Mosque in Damascus, saying: “Wake up, Saladin, we have returned. My presence here consecrates a victory of the cross over the crescent (Mayer Karl and Brysak Shareen, (2008). King Makers: The Invention of the Modern Middle East, NY: Norton).

President Macron himself landed in Lebanon with an agenda to try to conquer the Muslim Shia, though, in an unprecedented move for a European Leader, he met with Hezbollah twice, separately just after the port explosion and again on the first of September. In the first meeting, Hezbollah considered – according to informed sources – the private dialogue very positive. In fact, merely meeting the French President is a significant recognition, especially since European countries such as Britain, Germany and others consider Hezbollah a terrorist organisation (or at least its military wing). However, France considered that the meeting with Hezbollah, the king-maker in Lebanon, was indispensable for accessing Lebanon and returning to it through a broader and more acceptable door. France is making an exceptional effort especially since the militant wings that joined Hezbollah after the end of the Lebanese civil war (1989) were responsible for the assassination of the French ambassador Louis Delamar in 1981, the bombing of the French embassy in 1982, and the bombing of the French barracks in Beirut in 1983. Macron did not mention Hezbollah’s weapons on his first visit. Rather, he raised the subject on the second visit by way of inquiry without exerting any pressure. He knows that the time …

As for the most important demand that Macron asked of Hezbollah during his last visit, it is the ability to search for and assess Hezbollah’s military capability. The answer came to him that Hezbollah was ready to discuss and put the subject of weapons on the negotiating table. But does Macron know what Hezbollah has up its sleeve and what its intentions are? The answer is in the next article…

Proofread by:   Maurice Brasher and C.G.B.

الثنائي الشيعي لن يوافق على حكومة أمر واقع

باريس أمام الاختبار: التوافق أو الانفجار السياسي

الثنائي الشيعي لن يوافق على حكومة أمر  واقع
(هيثم الموسوي)
ابراهيم الأمين

الإثنين 14 أيلول 2020

ابراهيم الأمين

التعقيدات التي تحيط بعملية تأليف الحكومة ليست مستغربة. وعدم الاستغراب مردّه الى طريقة عمل الرئيس المكلف مصطفى أديب ورعاته المباشرين، المحليين منهم والخارجيين. يكفي أن تستمع الى صغيرهم يقول «لا أحد يقدر على منع تشكيل الحكومة ومواجهة العالم»، حتى تفهم خلفية البحث في حجم الحكومة وتوزيع الحقائب وحتى اختيار الأسماء.

المشكلة لا تتصل حصراً بالحسابات الخاصة بالقوى المحلية، بل أيضاً بالعقلية التي تسيطر على عقل المستعمر الفرنسي الذي يبدو أنه «داخ» بالهمروجة التي رافقت زيارتي إيمانويل ماكرون للبنان. الكارثة تكتمل إذا ظن الفرنسيون أن مواقع التواصل الاجتماعي والضخ الإعلامي يعبّران عن حقيقة الوقائع الجديدة في لبنان. ولكن، من المهم هنا لفت الانتباه الى ان الفرنسيين ليسوا كلهم على هذا المنوال. كما في كل بلد وفي كل إدارة، هناك العاقل الذي يعرف المعطيات، ويعرف الفرق بين «الخبرية» و»المعلومة».
اليوم يقف الجميع عند سؤال وحيد: هل يحمل مصطفى أديب تشكيلته الى الرئيس ميشال عون على قاعدة «وَقِّعها بلا نقاش»؟
بعيداً عن كل كلام منمّق، فإن نادي رؤساء الحكومة السابقين اعتبر أن التفاهم على خروج لائحة المرشحين لرئاسة الحكومة من عنده، يعني أنه المرجعية الحاكمة لكل رئيس حكومة من الآن فصاعداً. لكنّ الاجتهاد هنا لا يتعلق بعرض أسماء المرشحين وحسب، بل بآلية العمل. ولذلك، يتصرف الرؤساء فؤاد السنيورة ونجيب ميقاتي وسعد الحريري على أساس أنهم أمام فرصة نادرة لفرض حكومة على تحالف التيار الوطني الحر وحزب الله وحركة أمل. وفي دفاتر السنيورة وميقاتي حسابات طويلة وعميقة ومعقدة مع عون ومع حزب الله. وهما، والى جانبهما الحريري، طوّقوا الرئيس المكلف منذ اليوم الاول، وأفهموه أنه أمام فرصة لم تتح لغيره، وهي أن يقوم بفرض شروطه (شروطهم)، وأن سيف الضغط الدولي على لبنان سيمنع الآخرين من الاعتراض. وصار هؤلاء يتحدثون عن العقوبات الأميركية أو الأوروبية على شخصيات لبنانية، باعتبارها السلاح الذي يوازن سلاح حزب الله، وأن الوصاية الفرنسية تعطّل الدور الإضافي الذي لعبه عون، بخلاف بقية رؤساء الجمهورية الذين وصلوا الى بعبدا بعد اتفاق الطائف. ولذلك فإن ميقاتي والسنيورة قالا مساء أمس إن اديب سيحمل تشكيلته الى عون ويضعها أمامه، وإن الأخير سيوقّعها، وإن كل ما يقدر عليه بري وباسيل وحزب الله هو الاعتراض ببيانات… و«انتهى الأمر».
المشكلة هنا لم تعد تخصّ الرئيس المكلف (ليس معروفاً من هو فريقه، من يساعده ومن يستشيره… إلخ)، بل تخص الفريق السياسي المحلي والخارجي الذي يفترض أن حكومته تمثل فرصة لتحقيق انقلاب سياسي كبير في البلاد، وأن لبنان ليس أمامه أي فرصة للنقاش. وإذا أراد الحصول على مساعدات مالية من العالم، فليس له الحق في التعامل مع تركيبة الحكومة كما كان يجري سابقاً.
أصحاب وجهة النظر هذه، قالوا إنه يمكن اللجوء الى تشكيلة حكومية من نوع جديد. يعني أن تكون حكومة مصغرة من 14 وزيراً، بحيث يفرض على بعض الوزراء تولّي أكثر من حقيبة. ويمكن عندها أن يحتفظ رئيس الحكومة نفسه بحقائب حساسة، ويوكل أمر إدارتها إلى مساعدين تقنيين. وتعمل هذه العقلية على أساس اختيار شخصيات قد لا تكون معروفة للناس. ويجري الحديث عن سبعة من الوزراء من الذين يعيشون في الخارج ويزورون لبنان في العطل والمناسبات الاجتماعية. والحجة أن هؤلاء لديهم سيرة ذاتية اختصاصية، وأنه سيكون من الصعب إخضاعهم لتأثيرات القوى المحلية، وأن يتم تحييد الحقائب الخدماتية الأبرز، مثل المالية والاتصالات والطاقة والأشغال العامة، بينما يجري اختيار «هامشيين» لوزارتَي الدفاع والخارجية بما يشير الى أنه ليس لديهما عمل جدي. كل ذلك على قاعدة أن الذين يتم اختيارهم، لن يمثّلوا استفزازاً للقوى الرئيسية في البلاد. وسيكون أمامهم جدول أعمال محصور بمهام الحكومة لا غير، وليس لهم أي طموحات سياسية أو صلات تدفعهم إلى أن يكونوا في حضن القوى السياسية.
الفرنسيون ليسوا بعيدين عن هذه المناخات. لكن الاشكالية بدأت مباشرة بعد تكليف أديب، إذ بينما تطلّب أمر تكليفه إجراء الاتصالات والمشاورات والحصول على موافقة القوى البارزة في المجلس النيابي، فإن العكس هو قاعدة العمل الآن. بمعنى أن من يقف خلف أديب يعتبر أنه لا داعي لمشاورة أحد في أمر التأليف، وأن من الأفضل أن تبتعد القوى السياسية عن الحكومة أصلاً. ولذلك، نصح الفريق ذاته الرئيس المكلف بعدم التشاور مع الآخرين. فقرر هو الاستجابة، وعقد اجتماعات كانت على شكل علاقات عامة، لكنه ليس مضطراً إلى محاورتهم في أمر الحكومة.
بعد مرور نحو عشرة أيام على تكليف أديب، توصل الرئيس عون ومعه الرئيس بري كما حزب الله وباسيل الى نتيجة مفادها أن هناك من يريد فرض حكومة أمر واقع، وينتزع موافقتهم من دون نقاش. وخشية الوصول الى صدام مباشر، بعث هؤلاء برسائل متنوعة الى الرئيس المكلف، لكن الأخير لم يكن على الخط. وفجأة خرجت العقوبات الاميركية على الوزيرين السابقين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس، مع تهديد صريح بوضع آخرين مقرّبين من الرئيس عون على لائحة العقوبات. وتبين أن نقاشاً حال دون وضع اسم الوزير السابق سليم جريصاتي على اللائحة، وجرى التعامل مع هذه الخطوة على أنها رسالة الى هذه القوى، وأن عليها التعجيل في تأليف الحكومة وإلا فالعقوبات المباشرة.
الرئيس عون، كما الرئيس بري وحزب الله، وجدوا أن من المناسب لفت انتباه الجهة التي تلعب دور الوصاية الى أن هناك مشكلة قد تتفاقم وقد تعرقل كل المبادرة الفرنسية. وبناءً عليه، كانت زيارة اللواء عباس ابراهيم الى باريس، وهو يمكن أن يزورها مجدداً خلال الايام القليلة المقبلة، بعدما انتقل إليها أمس النائب السابق وليد جنبلاط، وحيث يقيم هناك كثيرون من المتعاطين بالشأن اللبناني من لبنانيين وغير لبنانيين أيضاً.
زيارة إبراهيم لباريس كان هدفها إبلاغ الجانب الفرنسي، من خلال قناة رئيس المخابرات الخارجية برناردر إيميه، أن هناك مشكلة قائمة، وأنها قد تتحول الى مشكلة أكبر إذا لم يبادر الفرنسيون الى تدارك الأمر. وبحسب ما هو متداول، فإن نتيجة الزيارة الاولى كانت في تولي الفرنسيين التواصل مباشرة مع القوى المحتجة، ومحاولة الوقوف على رأيها لمناقشته مع أديب نفسه، وسرت معلومة مفادها أن باريس «طلبت من أديب التريث».
عملياً، الفرنسيون كانوا يهتمون بمعرفة تفاصيل كثيرة. ويبدو أنهم سمعوا كلاماً مباشراً يتعلق بأصل المبادرة ودورهم في هذه المرحلة، ويمكن تلخيص الرسالة الواضحة لهم بالآتي:
أولاً: لقد قررتم المبادرة في لبنان بعدم ممانعة أميركية، وحيادية سلبية لعواصم عربية أساسية. لكنكم دخلتم بيروت هذه المرة بتسهيلات من قوى لبنانية أساسية وبدعم عواصم إقليمية. وإذا كنتم تشعرون بأنه يمكنكم القيام بأمر ما وحدكم، من دون الاخذ بالاعتبار الحسابات الجديدة في لبنان والمنطقة، فهذا يهدّد ليس مبادرتكم فحسب، بل مجمل دوركم، ومن المفيد الانتباه الى أن ما تقومون به في لبنان اليوم، قد يمثل آخر فرصة لكم في المنطقة.
ثانياً: إن التسهيلات التي حصلتم عليها بشأن البرنامج الزمني وبشأن اختياركم لرئيس الحكومة المكلف، كان من باب الايجابية، لكن ذلك لا يعني أن لديكم التفويض للقيام بكل ما ترونه مناسباً لكم أو لمصلحة حلفاء لكم في لبنان على حساب الآخرين. وبالتالي، فإن الإجماع الذي حصل حول المبادرة وحول التكليف سيسقط نهائياً، وسيكون مكانه الانقسام الذي يعكس حقيقة الوضع على الارض، لا الذي يتخيله بعض القائمين على «حركات صبيانية» في بيروت.

نادي رؤساء الحكومة يمنح نفسه شرعية دستورية وبرلمانية وسياسية ويتصرف كما لو أن الحكم بيده وحده


ثالثاً: إن التهديد بالعقوبات الاميركية أو الفرنسية أو الاوروبية، لا يمكن أن يكون عاملاً حاسماً بتولي الدور السياسي. وإذا كانت العقوبات بسبب دعم الارهاب، فهذا أمر لن يكون له أي تأثير على مواقف القوى الاساسية التي تسعى فرنسا للتفاهم معها. أما إذا كان على أساس الفساد ويطال من تورط فعلياً في الفساد، فهذا أمر سيكون محل ثناء وشكر، لأنه يساعد اللبنانيين حيث فشل قضاؤهم في تحقيق العدالة.
رابعاً: إن الوضع لا يحتمل المداراة أو تدوير الزوايا، وإن الوصول الى تفاهمات واضحة بشأن المرحلة المقبلة لا يتم من خلال الطريقة المعتمدة في تأليف الحكومة. فهذا الأداء سيؤثر بقوة على المصالح الفرنسية، وليس حصراً على المبادرة الفرنسية. وبالتالي، فإن الاعتقاد بأنه يمكن فرض حكومة على رئيس الجمهورية أو على المجلس النيابي ومن ثم السعي الى تجاوز رئاسة الجمهورية وفق الطريقة التي اعتمدت مع الرئيس السابق إميل لحود، أو السعي الى انتزاع صلاحيات استثنائية من المجلس النيابي رغماً عنه، كل ذلك يحتاج الى أكثر من انقلاب سياسي في البلاد، وعلى فرنسا الاستعداد لتحمل مسؤولية مثل هذه الامور.

المفاجأة والمبادرة

الجانب الفرنسي يعلم جيداً الكثير من هذه المعطيات. وهو يدرك أن الأمر لا يتعلق بشكليات مثل التي اقترحها أحدهم، بأن يعقد أديب اجتماعات سريعة مع ممثلي القوى كافة، وخصوصاً باسيل وحركة أمل وحزب الله، ثم يعود ويطرح تشكيلته، بل إن الأمر يتعلق بالدور الحقيقي للحكومة المقبلة. وإن فكرة تمرير تشكيلة من الاسماء التي يراد إقناع اللبنانيين بأنها مستقلة عن القوى السياسية لكنها مختارة من قبل عواصم الاستعمار، سيحوّل هؤلاء الى عملاء في نظر قسم كبير من الناس، وسيجري التعامل معهم على هذا الاساس. وبالتالي، فإن المجلس النيابي لن يكون حيادياً كما جرت عليه العادة يوم كان لغالبية قواه تمثيلهم المباشر داخل الحكومة.
حتى الآن، لا يظهر أن هناك عنجر ودمشق والزبداني، لكن قد نصل الى هذه المرحلة. عندما ينقل زوار باريس معلومات فيها شيء من التناقض بين ما يقوله مسؤولو المخابرات الخارجية وما يقوله مَن يُعرف بمسؤول ملف لبنان في الرئاسة الفرنسية وما يقوله السفير في بيروت، والذي يريد إنجازاً ما قبل مغادرته الى مكان عمل آخر، فإن هذه التناقضات قد لا تكون واقعية بقدر ما تمثل الدور الفرنسي غير المكتمل إزاء الازمة اللبنانية. الأكيد أن اللبنانيين صاروا ينقلون كل ساعة روايات متعارضة حول موقف باريس من هذه القضية أو تلك. طبعاً لن يمر وقت طويل قبل أن يصبح عندنا مَن هم مِن «جماعة السفارة» أو «جماعة إيميه» أو «جماعة إيمانويل بون»، هذا عدا عن لبنانيين يعيشون في باريس أو سبق لهم أن عاشوا طويلاً في باريس، ويعرضون خدماتهم على السياسيين اللبنانيين لأجل ترتيب لقاءات أو اتصالات لهم في العاصمة الفرنسية… إنها سوق رائجة بقوة عند اللبنانيين، ومن المفيد التعرف على النسخة الاوروبية منها الآن.
المهم أن الساعات المقبلة ستفرض على الفرنسيين تحمل المسؤولية عن سياق المبادرة التي يقودونها. إما حكومة تحظى بإجماع كبير كما هي حال تكليف رئيسها، وبالتالي ستكون هناك مشاركة كاملة في عملية التأليف، أو حكومة أمر واقع لا تتمثل فيها قوى أساسية لها تمثيلها الطائفي ولها موقعها السياسي الكبير ايضاً.

تواصل الفرنسيون مع القوى المحتجّة على مسار التأليف ثم طلبوا من أديب التريث


من بين الامور التي جرت مناقشتها في اليومين الماضيين، بما في ذلك مع الفرنسيين، أن المطلب الذي يرفعه حزب الله وحركة أمل بشأن تسمية وزير المالية، أخذ بُعداً جديداً بَعد العقوبات الاميركية، ويبدو أن الموقف سيكون أكثر تشدداً حيال فكرة أن تتم تسمية وزير بالنيابة عنهما. وبمعزل عن خلفية الموقف لدى الطرفين، وعن كل النقاش الدائر في البلاد، فمن المفيد معرفة واقع أن الثنائي الشيعي يتصرف على أساس أنه «مستهدف هذه المرة بأكثر من السابق، وأن الهدف كان ولا يزال هو رأس المقاومة»، وهو ما دفع بمطلعين الى الكشف عن احتمال من اثنين:
إما أن يرفض الرئيس عون تشكيلة أديب المفروضة وبالتالي لا يكون التأليف، وساعتها يبرر عون والتيار الوطني موقفهما بعدم الرغبة بالمشاركة في حكومة يرفضها الثنائي الشيعي، وإما أن يقبل عون بالتشكيلة رامياً بالمشكلة الى حضن المجلس النيابي، وفي هذه الحالة، يفكر الثنائي في مقاطعة الجلسة النيابية، فلا يترأس الرئيس بري جلسة مناقشة البيان الوزاري، ولا يحضر نواب حركة أمل وحزب الله الجلسة.
وفي كل حالة من الحالتين، سيكون الفرنسيون أمام اختبار لبنان الجديد، لا لبنان الكبير الذي أنتجوه على شاكلة الذين يشكون منهم اليوم، وحيث لا أمل بالقيام من جديد!

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

المبادرة الفرنسيّة باب للحلّ أم للحرب؟

ناصر قنديل

تمّ تسويق تدريجيّ لمقولة الوصول للحضيض المالي والاقتصادي كمدخل لتسويق ما يليها من مطالبات بات لها صدى شعبيّ بضرورة تلبية مطالب أي مسعى إنقاذي مهما كانت، حتى لو كان بعضها في السابق سبباً كافياً للتمترس وراءه، وجرى تصوير كل مطلب سياسي بصفته عرقلة، وكل دعوة لمراعاة التوازنات بصفتها تخريباً، وسبق ذلك جهد مبرمج لشيطنة كل سياسة، لتفرغ الساحة أمام سياسة واحدة، هي السياسة التي تزعم أنها غير سياسية، لأنها تلبس ثوب كيس المال، الذي يحتاجه اللبنانيون بعدما جرى الضغط الأقصى على لبنان لتجفيف موارده، سواء عبر تغطية فساد مستديم، أو عبر ترك الدين العام يتضخّم ويكبر ليصير سبباً للاسترهان وفرض الشروط، فما هو السياق الذي تفتحه المبادرة الفرنسيّة التي جاءت بثوب الإنقاذ ولاقت ترحيباً من الجميع، خصوصاً بعد تأكيد تمسك الرئيس الفرنسي أمانويل ماكرون باستبعاد قضايا الخلاف والتركيز على الإصلاحات الاقتصادية، والتعبير عن تجاوزه للحظر الأميركي على المقاومة؟

عشية تبلور صورة حكومة الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة الذي ولدت تسميته في كنف المبادرة الفرنسية، تبدو الصورة سوداويّة، حيث نشأ عن الحركة الأميركية تعديل في التوجه الفرنسي، أو تظهيرا لنيات فرنسية مبيّتة منسقة، لكن في الحصيلة طرح على السطح بدلاً من تأجيل قضايا الخلاف، مشروع ينتقي من القضايا الخلافية المتصلة بالإصلاح السياسي عنوان المداورة ويريد تطبيقه جزئياً في تشكيل الحكومة، ومعه السعي لحسم أمر توازنات التوقيع السياسي الطائفي على المراسيم، الذي تمّ التعامل معه خلال الحكومات السابقة بمنطق تجاوز الخلاف وتأجيل الحسم، انطلاقاً من أن للمداورة معايير تطال الرئاسات إذا طالت المناصب السيادية غير المذكورة في الدستور ضمن التوزيعات الطائفية، وتبدأ بوظائف الفئة الأولى التي نصت المادة 95 على عدم تخصيصها بطائفة، ومن ضمنها حاكم مصرف لبنان ورئيس مجلس الإنماء والإعمار وقائد الجيش ومديرية قوى الأمن الداخلي والأمن العام وسواها، بحيث جاءت مفاجأة الإصرار على حسم الأمر من ضمن تشكيل الحكومة، مع دعوات لإطلاق يد الرئيس المكلف بصورة تعيد التذكير بصلاحيات رئيس الجمهورية وفقاً لصيغة 43، حيث يمارس السلطة رئيس الجمهورية يعاونه وزراء يختارهم، لتظهر محاولة فرض صيغة تمنح هذه الصفات لرئيس الحكومة في نظام طائفي هشّ، يفترض تغييره تمرير الحكومة بأقل التشنجات الطائفية، وصولاً للحوار الوطني حول عقد سياسي جديد، يأمل الكثيرون أن يكون الدولة المدنية من باب قانون انتخاب جديد خارج القيد الطائفي.

المشهد الثاني الذي يرتسم عشية تبلور التشكيلة الحكومية، هو مع الإصرار على التلاعب بالتوازنات الطائفية، بدلاً من التمهيد لتجاوزها وتخطيها، الاستعداد لعزل كتلتين نيابيتين كبيرتين عن المشهد الحكومي، تقع المقاومة في قلب تكوينهما، ومعهما حلفاء، ينتمون لخيار المقاومة، فتصير المبادرة الفرنسية بالحصيلة الواقعية مشروعاً شبيهاً بمرحلة حكم الرئيس أمين الجميل، سواء لجهة الهوية الطائفية للجهات التي تم إحراجها لإخراجها، أو لجهة هويتها السياسية المقاومة، وهذه مخاطرة تستدرج نحوها المبادرة الفرنسية أو تذهب المبادرة إليها عمداً، ما يضع الأسئلة الكبرى حول ما هو أبعد من الحكومة والوعود المالية التي تبدو مربوطة بشروط سياسيّة تنفذها حكومة موضبة سلفاً، والشروط تبدأ من ترسيم الحدود ولا يعرف أحد أين تنتهي، والتاريخ يقول إن مثل هذه المخاطرة لا تفتح إلا أبواب جهنم على لبنان، سواء كان ذلك عاجلاً أو آجلاً، فواحدة من النتائج تبشر بمشروع حرب أهلية، وثانية تبشر بفرضية حرب إقليمية، وكأن المطلوب استدراج 6 شباط ثانية أو حرب تموز 2006 أخرى؟

هل يستدرك ماكرون المخاطرة خلال الساعات الأخيرة؟

Related

مأزق خطاب جعجع وجماعة شينكر

ناصر قنديل

خلال أسبوع واحد كانت اللقاءات التي عقدها معاون وزير الخارجية الأميركيّة ديفيد شينكر مع النواب المستقيلين، وعدد من الجمعيات التي تقدم نفسها كقيادة للحراك الشعبي الذي انطلق ضد الفساد في 17 تشرين من العام الماضي، وخطاب رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، تحاول إقامة توازن سياسي وإعلامي مع المناخ الذي خلقته حركة الرئيس الفرنسي أمانويل ماكرون، التي شكل حدثها الأبرز الانفتاح على العلاقة بالمقاومة، والتخلي عن رهانات العزل والحصار، وبات معلوماً أن حركة ماكرون تحظى بدعم أميركي يشبه التكليف أكثر من الدعم، وقد حاولت هذه الأطراف الإيحاء بالتلاقي مع أهدافها والتشكيك بجدواها في آن واحد، على خلفية خطاب تلاقت هذه الجماعات على مضمونه، وعبر عنه بوضوح رئيس القوات سمير جعجع في كلمته أمس.

الخطاب الموازن في الشكل يحمل الكثير من المزاعم والمبالغات، سواء لجهة الحجم أو لجهة الدور والموقف، فمدعاة للسخرية أن يصير هؤلاء آباء ثورة تشرين ويملك كل منهم منفرداً حق التصرف بأبوتها لينسبها كل منهم إلى من يشاء، وأن يحاضروا بعفة سياسية ومالية، وقد كان بعضهم شريكاً حتى نخاعه الشوكي في النظام قبل الطائف وخلاله وبعده، وبعضهم الآخر يمثل ميليشيات قام تاريخها على اغتصاب حقوق الدولة، ويروي لنا الرئيس السابق أمين الجميل في كتاب مذكراته فضيحة الاسترداد المنقوص للحوض الخامس لمرفأ بيروت إلى عهدة الدولة في عهده، بعد مفاوضات شاقة مع القوات انتهت لتخصيص مبلغ مقطوع من المالية العامة للدولة لصندوق القوات، بصفتها خوة نظامية مشرعنة بالجملة بدلاً من خوات تفرض على المواطنين بالمفرق، أما بعضها الثالث فجمعيات تعتاش على التمويل الخارجي بداعي العمل الإنساني أو التبشير بالإصلاح، لكن التحقيقات الأممية في كيفية تعاملها مع أموال مخصصة لدعم النازحين السوريين تكشف ما يندى له الجبين من لصوصية وسرقات، والحكايات المتداولة حول ما يرافق المساعدات المخصّصة لمتضرّري تفجير مرفأ بيروت لا تبدو مختلفة.

افتقاد الخطاب وأصحابه إلى الصدق والمصداقية لا تعوّضه النبرة العالية، ولا يُخفيه الصراخ، ولا لغة التحدي الميليشياوي من جهة، أو إنكار التاريخ من جهة موازية، لكن الأهم هو مأزق الخطاب الموحّد من حيث المضمون، وبعيداً عن التوابل التي يقوم برشها على صحن المائدة كل فريق ليضفي نكهته على الصحن الموحّد، يتكون هذا الصحن من عنصرين، على طريق «ملوخية» سامي الجميل، وهما برغل ولحم لصناعة «كبة نية» سيكتشف من يتذوّقها أنها رغم كل أنواع الكمون والبهارات وزيت الزيتون، تسبّب عسر الهضم ويصعب ابتلاعها، والعنصران هما، «برغل» مسؤولية السلاح و«لحمة» الانتخابات المبكرة، وسرعان ما يكتشف المتذوق أنهما عنصران غير قابلين لتكوين جبلة واحدة، فمقدّمة الخطاب الصادر عن جميع أصحاب الصحن الموحّد لطبق شينكر، ترتكز على فكرة مكررة يتم تلخيصها وتوسيعها وشرحها ومقاربتها من باب «مار مخايل» أو من باب «مرفأ بيروت» أو من باب خسارة الدعم الدولي والعربي، وتقول الفكرة إن سلاح المقاومة هو علة العلل وهو اصل المشاكل، والفكرة الثانية التي تشكل جوهر الحل وفق الخطاب الموحّد، تقول بكل اللغات واللهجات تقوم على الدعوة لانتخابات نيابية مبكرة تعيد تشكيل السلطة السياسية، وينتظر منها تغيير التوازنات، مرّة تحت عنوان تغيير وجهة الأغلبية النيابية وفقاً لخطاب جعجع، ومرة تحت شعار إسقاط «الطبقة السياسيّة الفاسدة» والمجيء بممثلين مدنيين للشعب من صفوف «الثوار».

المشكلة ليست بنصفَيْ صحن شينكر الموحّد، كل على حدة، بل بجمعهما معاً، ففي النصف الأول، لا شرعية للانتخابات في ظل السلاح، وفي النصف الثاني نزع شرعية السلاح تتم عبر الانتخابات، ولا تشبه هذه الثنائية الملفقة إلا ثنائية الحياد والتوافق، فلا توافق إلا على الحياد، ولا حياد بدون توافق، وعلى أصحاب دعوتي إنهاء عهد السلاح والحياد أن يخبرونا، هل لديهم خطة لتحقيق الهدفين عبر الحوار مع حلفاء السلاح وأصحابه وجمهوره أم بكسرهم وكيف، وهل يرون الانتخابات طريقة مناسبة للكسر، وهل يعتبرونها شرعية رغم وجود السلاح وقبل كسر التحالف السياسي المؤمن بدور السلاح و المتمسك ببقائه، وإذا كانت هذه خريطة طريقهم فهذا يعني أنهم يثقون بأن السلاح ديمقراطي، ولا يتدخل في شؤون تكوين السلطة، ولا يسبب علة للطعن بنتائج الانتخابات وشرعيتها؟ وهذا يعني أن هذا السلاح لا يقلقهم، وأن أصحاب السلاح صادقون بأنه لا يستخدم إلا لوجهة واحدة هي من يجب أن يشعر نحوه بالقلق، وهو لا يشكل مصدراً للقلق إلا لعدو يحتل أرضاً ويتربّص شراً بالبلد، فلماذا يقيمون قيامتهم عليه إذن ويعتبرونه علة العلل، فيشاركون هذا العدو حملته للتخلص من هذا السلاح ليطمئن هو ويرتاح، ويقلق لبنان على أمنه وسيادته، بينما هم بكل عنفوان ونبرة عالية واثقون من الانتصار على ما يسمونه بحلف السلاح في انتخابات حرة ونزيهة وشفافة رغم وجود هذا السلاح؟

الإجازة الرئاسيّة الأميركيّة حبلى بالمفاجآت شينكر لاحتواء المحبَطين من ماكرون

ناصر قنديل

منح الأميركيون بعدما ضمّوا السعودية معهم، فرنسا أمر مهمة لتغطية الإجازة الرئاسية التي تبدأ من أول أيلول وتنتهي أول كانون الأول، والمطلوب من فرنسا خلال هذه الإجازة الرئاسية الأميركية بناء الجسور مع دول وقوى محور المقاومة بعدما فشل الأميركيون والسعودية في قطف ثمار سياسة بناء الجدران بوجهه، وضمان التهدئة خلال هذه الشهور الثلاثة، واختبار نموذج التسوية الذي يرغب الفرنسيون البدء به من لبنان لرؤية مدى صلاحيته للتعميم، فيما يراهن الأميركيون على مفاعيل ما بدأوه بين الإمارات وكيان الاحتلال لتعزيز الوضعين الانتخابيين للرئيس دونالد ترامب، وفتح الباب أمام كيان الاحتلال لاختبار الاستدارة نحو الخليج بدلاً من الغرق في مستنقعات المشرق، وتعويض خسائره الناجمة عن مشروع التسوية اللبنانية، خصوصاً في مجال ترسيم حدود النفط والغاز مع لبنان، التي يحملها معاون وزير الخارجية الأميركية ديفيد شينكر إلى بيروت، وهو يصرخ ليل نهار بلغة التصعيد الكلامي ضد المقاومة، التي يأمل أن يكون عرضه للترسيم مستجيباُ لخطوطها الحمراء، وسيكون الوقت متاحاً لاستكشاف النتائج بعد نهاية الإجازة الرئاسية، وبلورة السياسات نحو سورية ولبنان وفلسطين من وحي عائدات التوجه نحو الخليج.

خلال ثلاثة شهور سيغيب الأميركيون عن المنطقة عملياً، وسيتصاعد الصراع الفرنسي التركي في المتوسط، وستقف روسيا وإيران وسورية وقوى المقاومة، في منتصف الطريق لتلقي العروض الأفضل ورفع سقوف الطلبات، باعتبار موقعها الجيواستراتيجي هو المرجّح، وموقفها هو بيضة القبان في هذا الصراع، وخلال ثلاثة شهور سيكون بيد المقاومة في لبنان قدرة تأثير إقليميّة فاعلة بما يتناسب مع المعادلات والمتغيرات، يمثلها حق الرد الذي أكدت المقاومة الالتزام به مجدداً، وبأن تكون حصيلته قتل جندي إسرائيلي على الأقل، والردّ صالح للتحوّل إلى ما هو أكبر، وفقاً لطبيعة الهدف، وخلال ثلاثة شهور سيكون القتال على الجبهة اليمنية الخليجية مرشحاً للتصعيد، وبعد التطبيع الإماراتي الإسرائيلي انتقلت الإمارات من موقع الصديق المطلوب مراعاته بالنسبة لإيران إلى موقع العدو المطلوب عقابه، وبالتالي زالت الوساطة الإيرانيّة التي كانت تمنح الإمارات استثناء من العقاب الذي نالت السعودية منه النصيب الوافر، واستهداف منشآت حيوية في الإمارات التي وصفها اليمنيون بمدن الزجاج سينقل التعامل مع التطبيع من مستوى إلى آخر في الخليج والمنطقة.

خلال ثلاثة شهور سينطلق مسار فلسطينيّ شكل لقاء الأمناء العامين للفصائل أمس، بدعوة من الرئيس الفلسطيني ومشاركة الجميع نقطة بدايته، ويبدو أن إعلان العودة إلى ما قبل اتفاقات أوسلو يشكل أبرز السيناريوات المتداولة، عبر منظمة تحرير تضم الجميع والانسحاب من اتفاقات أوسلو، وسحب الاعتراف بكيان الاحتلال، ضمن روزنامة الشهر الأول، للانطلاق خلال الشهر الثاني إلى تزخيم الانتفاضة في القدس والضفة الغربية والداخل الفلسطيني والشتات، ليصل الشهر الثالث والجهوزية للانتقال بالمقاومة المسلّحة من حماية غزة وبناء ميزان الردع حولها، إلى تصعيد العمليات في الضفة والقدس والأراضي المحتلة عام 1948، وسيكون من حسن حظ الأميركيين إذا انتخبوا جورج بايدن بدلاً من تجديد ولاية دونالد ترامب، لأنه سيكون بمستطاعه القول إن الخراب ناتج عن سوء إدارة سلفه، ليتعامل مع الوقائع الجديدة.

شينكر لاحتواء المحبَطين من ماكرون

لأن لا تفاهمات كبرى ولا تسويات كبرى، تستدعي التضحية بالمراهنين على الدور الأميركي أو التفاوض على ثمن لإسكاتهم، فإن هؤلاء لا يزالون حاجة أميركية، فهم أوراق ضغط تفاوضية، وهم احتياط يجب الحفاظ عليه إذا فشلت أنصاف التسويات التي كلف الرئيس الفرنسي بإنجازها.

هذا هو التوصيف الذي أعطاه سياسي متابع للمراحل التي مرّ بها الأميركيون بأحداث ومنعطفات مشابهة سواء ما قبل انسحابهم من لبنان عام 1984، وما قبل اتفاق الطائف، ويمرّون به اليوم، حيث يعلن المسؤولون الأميركيون توفير الغطاء اللازم لتقدّم الرئيس الفرنسي أمانويل ماكرون في خطة بناء الجسور بعدما فشلت سياسة بناء الجدران، ويتولّون هم عبر مواقف إعلامية تذكر بالمواقف التقليدية العدائية لإيران والمقاومة طمأنة جماعاتهم بأنهم لم يبدلوا مواقفهم، ويبذلون بالتوازي جهودهم لاحتواء غضب وإحباط المتعلقين بحبال السياسات الأميركية، ويعدونهم بالمزيد من المال الخليجي، على قاعدة أن الأولوية ليست الآن للشأن اللبناني ويجب الانتظار إلى ما بعد الانتخابات الأميركية، وبانتظار ذلك تجب حماية الموقف الإماراتي في التطبيع مع كيان الاحتلال.

ديفيد شينكر معاون وزير الخارجية الأميركية في بيروت لمواكبة زيارة الرئيس الفرنسي بإبلاغ القوى الأساسية في لبنان دعم المبادرة الفرنسية، ولتفعيل مفاوضات ترسيم الحدود ضمن إطار نيات التهدئة وعدم التصعيد، وبالتوازي الوقوف على خاطر الذين بقوا يصرخون ليل نهار بأن الأولوية هي لوضع سلاح المقاومة على الطاولة ورفض مشاركة حزب الله في أي حكومة وفوجئوا بماكرون يقول إن أمر السلاح غير مطروح لأن المطلوب التعاون مع حزب الله في تشكيل حكومة جديدة.

مقالات متعلقة

%d bloggers like this: