السفينة الانتحارية ومحاولة اغتيال قناة السويس .. الرومانسية الناصرية والحلم

نُشرت بتاريخ 2021/03/28 بواسطة naram.serjoonn

لن عرف الحكاية اذا عرفت بدايتها فقط او نهايتها او جزءا منها .. ومن يظن ان حكاية السفينة العالقة في قناة السويس عابرة فليعلم انه لايعلم .. فحكاية السفينة الانتحارية ايفرغرين التي انتحرت في وسط القناة – مثل اي انتحاري ارهابي يفجر حزامه الناسف لالحاق الاذى بخصومه – لتخريب فكرة قناة السويس .. يعود سرها الى عام 1956 عندما انتحرت سفينة استشهادية لغاية أخرى يقودها الاستشهادي ضابط البحرية السوري المسيحي جول جمال في بورسعيد .. ذلك العمل الاستشهادي كان دفاعا عن قناة السويس المصرية ابان العدوان الثلاثي على مصر .. وكان ذلك اعلانا لاغلاق قناة السويس الى اشعار آخر الى ان تصبح مصرية بالكامل ..


في تلك اللحظة عام 56 ظهرت أسرار القناة .. فالقناة تبين انها عزيزة على قلب بريطانيا وانها احدى اهم جواهر التاج البريطاني .. ولكن أخطر الأسرار ظهرت عندما تبين ان الجغرافيا هي التي تقرر ملكية الطرق الدولية .. في تلك اللحظة المصرية المصيرية الناصرية تنبه البريطانيون الى حقيقة الجغرافيا وهي ان هذه القناة ليست في انكلترة بل في مصر .. ومن يملك الجغرافيا يملك القرار على الجغرافيا .. ولذلك فان البريطانيين لم يمانعوا في ان تقفل او تقتل قناة السويس وتردم اذا لم تكن لبريطانيا او فلتخلق قناة سويس بديلة او استنساخ القناة في النقب الفلسطيني .. وهذا ماكان في صلب التخطيط الغربي .. لذلك ظهرت فجأة منذ الستينات مشاريع شق قناة بديلة من العقبة (ايلات) الى البحر المتوسط عبر النقب في فلسطين المحتلة تحت رعاية اسرائيل ..


العالم الغربي لايحب النوم في العسل كما بعض البسطاء من السياسيين في الشرق .. لأن قرار قتل قناة السويس ظهر ووضع أخرى تحت رعاية اسرائيل يعني ان القناة ستكون نقلت وكأنها صارت في بريطانيا .. لأن اسرائيل مربوطة بالسلاسل الى الغرب ولاتقدر الا ان تكون طوع بنان الغرب لحاجتها اليه .. فهي مخفر متقدم ونواطير من المستوطنين اليهود الذين يرتبط مصيرهم بجرة قلم من أوروبة .. واذا فكرت اسرائيل في التمرد فان الغرب سيتركها لمصيرها في هذا البحر العربي الهائل بل وسيوجهه لتحطيمها .. واذا كان الرئيس الامريكي يقول للملك السعودي انك لن تبقى اسبوعين اذا تخلينا عن دعمك فان نفس الكلام يقال لاسرائيل .. فهذه الاسرائيل ستقع في خمسة ايام اذا قرر الغرب تركها لمصيرها ..
هذه بداية الحكاية .. اي منذ لحظة تحرير القناة وظهور ضابط بحري انتحاري يحول سفينته الى سفينة انتحارية وتغلق القناة الى اشعار آخر .. ولكن مابعد هذه البداية نصل الى وسط الحكاية الذي يبدو مشطوبا وخفيا وجزءا لايراه أحد ولايلتفت اليه أحد بسبب زحمة الاحداث التي غطت بضجيجها على صوت الحكاية الحقيقية .. ففي وسط الحكاية حدثت بداية الانتقام من قناة السويس وبداية الجريمة لاغتيالها .. الى ان نصل الى نهاية القصة التي ظهرت منذ أشهر ..


مشكلة اي جريمة اغتيال انها تحتاج تحضيرا .. وجريمة اغتيال قناة السويس والانتقام منها كانت تحتاج تحضيرا جيدا لمسرح واسع .. وتحضير المسرح يعني تدمير السيطرة المصرية على منظومة الفكر الناصري والقومي التي صنعت ظاهرة جول جمال المواطن المشرقي الذي يستميت من اجل الدفاع عن كل الشرق وهي الظاهرة التي صنعها زمن الضباط الاحرار والرومانسية الناصرية .. وتم كسر الرومانسية الناصرية عام 1967 لاحلال الحلم الساداتي محلها والذي هو باختصار النوم في العسل .. الحلم الساداتي كان يحلم بالرفاه ودولة اللاحرب ولذلك كان عليه تفكيك المنظومة الفكرية الناصرية القومية المشاغبة بطموحها بكل رومانسيتها والتخلص من تلك التركة في مصر وحول مصر .. وبناء منظومة كامب ديفيد .. ونجح الحلم الساداتي في استئصال النزعة العسكرية من نفوس المصريين بمعاهدة كامب ديفيد التي كانت مخدرا قويا فيما يتم انجاز العمل بصمت لتجريد مصر من كل اسلحتها التي كانت تحمي قناة السويس .. وأهم أسلحتها كان القومية العربية التي جعلت ضابطا سوريا مسيحيا يفجر نفسه في سفينة فرنسية (مسيحية) والذي كان يعني ان قناة السويس صارت محمية ب 200 مليون عربي .. وهذا هو رعب الغرب الذي وجد نفسه ان الحلم الرومانسي المصري وضعه وجها لوجه مع كتلة 200 مليون عربي مستعدين للموت..


وبعد 12 سنة فقط من كامب ديفيد تم ضرب العراق حيث تدربت القوات الامريكية في الصحراء المصرية بتسهيلات كامب ديفيد عبر كثير من المناورات على حروب الصحراء في ماسمي بسلسلة (مناورات النجم الساطع) والتي كانت تحاكي حربا في الصحراء وفيها عرفت مشاكل الحروب الحديثة في الصحراء وتم تجنبها كلها في حرب عاصفة الصحراء التي كانت تدريباتها تتم في صحراء مصر .. والمصريون لايعرفون انهم يحضرون مسرحا لقتل العراق ومن ثم اضعاف مصر واغتيال قناة السويس ونهر النيل ..

وبعد عشر سنوات اخرى تم الاجهاز على العراق نهائيا في احتلال مباشر .. فيما محبو منظومة كامب ديفيد في مصر ينامون في العسل ويسمع شخيرهم الى المريخ وهم يحمدون الله ان السادات كان فطنا وذكيا انه جنبهم هذه الصراعات والحروب .. فرغم كل ماقيل عن أسباب حرب العراق فان هناك سببا لم يتم التركيز عليه وهو ان التجارة القادمة من الصين تفكر في طريق بري على طريق الحرير من ايران الى العراق الى سورية .. وهذه قد تكون قناة سويس برية ..

ولذلك وضع اميريكا داعش في وسط الطريق .. وكان المراد قطع الطريق البري .. ليس من أجل قناة السويس بل من أجل الا تموت القناة البديلة الاسرائيلية التي صارت تتحضر بمشروع مدينة نيوم السعودي .. الذي لايوجد اي سبب لبنائها الا انه ليخدم مشروعا اسرائيليا ما ..

بعد تدمير طريق الحرير بما يسمى (الثورة السورية) .. وميناء بيروت .. وتعطيل قناة السويس .. صار الحل الوحيد لتجارة أسيا والغرب في اسرائيل فقط .. فكل الطرق الدولية تمر من اسرائيل .. طريق حيفا – دبي البري .. وقناة ايلات -المتوسط .. وهذه الطرق كلها بيد الغرب طالما هي بيد اسرائيل حيث لايوجد ناصر ولارومانسية ناصرية .. والغرب موجود في الخليج المحتل والذي تم نشر جاليات غير عربية بشكل واسع فيه لاعلان هوية جديدة لاعلاقة لها بمنظومة الناصريين والقوميين العروبيين الذين قد يهددون الطرق الدولية ..


من جديد سيخرج علينا أصحاب النوم في العسل ويسخرون من نظرية المؤامرة لان وظيفتهم هي تطبيع المؤامرة .. اي جعل المنظر التآمري منظرا طبيعيا لا يد للانسان فيه .. فهم يرون ان داعش ليست مؤامرة امريكية لقطع التواصل الجغرافي وقاعدة التنف التي تجثم على الطريق الواصل من العراق الى سورية ليست الا بالصدفة .. والربيع العربي ليس مؤامرة بل بسبب توق الشعوب العربية الى الكرامة والحرية .. وليس لان الشعوب البسيطة صارت لها وظيفة تنفيذ المشاريع الغربية دون ان تدري .. والقذافي قتل بسبب غضب الجماهير وليس لأنه اراد تحقيق فكرة نكروما بالولايات المتحدة الافريقية وصك عملة ذهبية لها ..
واليوم وبعد مرور 130 سنة على افتتاح قناة السويس يتقرر ان باخرة عملاقة تنفذ عملية انتحارية في قناة السويس .. لأن السفن تحركها الامواج وليس الرياح .. فاين هي الامواج في قناة السويس كي تجنح بها سفينة .. ولايمكن ان تحرك الرياح هذا الجبل العملاق الذي طوله 400 متر ويحمل مايعادل 100 الف سيارة .. ليجنح بهذه الزاوية مالم تكن عملية انتحارية للسفينة التي ارتطمت بالضفة الشرقية للقناة .. فما هذه الصدفة في انها حدثت بعد تفجير ميناء بيروت وبعد تفعيل الاتفاق التجاري بين دبي وحيفا؟؟ وبعد تعطل طريق الحرير السوري؟؟
ماذا سيحل المصريون اليوم من مشاكل خلقها لهم الوهم الساداتي والحلم الساداتي الذي كان نوما في العسل؟؟ سد النهضة يسرق مياههم وقناة السويس تسرق منهم ..

النيل سرق في اثيوبية .. وقناة النيل كثرت سكاكينها .. بين حلمين تصارعا .. بين سفينتين انتحاريتين .. سفينة قادها جول جمال الضابط البحري السوري من أجل قناة السويس في الحلم الرومانسي الناصري .. وسفينة انتحارية صنعها زمن الحلم والنوم في عسل كامب ديفيد .. سفينة نعلم ان من أرسلها هو نفسه من أرسل الانتحاريين الى بغداد ودمشق والى ابراج نيويورك .. ونسف موكب الحريري .. ونسف ميناء بيروت .. ومن أراد ان يكسر الشرق .. ويقيد كل جرائمه ضد مجهول ..

=============================

يذكرني هذا الحدث بفيلم مصري لمحمود ياسين (بعنوان وقيدت ضد مجهول) كأنه نبوءة عن اليوم لنوستراداموس .. كان يلعب فيه دور شرطي بسيط للحراسة ولكن في كل حي يحرسه كانت تزداد السرقات فقرر رئيسه وضعه لحراسة الاهرامات .. فلاشيء يسرق هناك .. ولكن الهرم الاكبر يختفي ويسرق .. فيقرر رئيسه وضعه في مناوبة حراسة على كورنيش النيل .. فماذا سيسرق هناك ؟؟ ولكن ينتهي الفيلم بتلفون مفاجئ لرئيس الشرطة ليبلغه بأن نهر النيل سرق !! في رمزية عن سرقة رمزية مصر ..

حملة إعلاميّة على كلام السيد… من دون خطاب إعلاميّ

ناصر قنديل

خلال سنتين يمكن إحصاء انخراط عشرات المنابر الإعلاميّة القديمة والجديدة والمستجدة في حملات مبرمجة تستهدف موقف حزب الله وتسعى إلى شيطنته، ربطاً بكلام قاله سابقاً وزير الخارجية الأميركية السابق مايك بومبيو، عن تحميل حزب الله مسؤولية كل أزمات لبنان، وإقفال الطريق على كل الحلول، وكلما كان للحزب موقف لافت تجاه الشأن الداخليّ خصوصاً على لسان أمينه العام السيد حسن نصرالله، تنطلق موجة من الصخب الإعلامي والسياسي، تحت عناوين تصل حد المبالغة في تضخيم أو تحجيم الوقائع التي ترد في الخطاب، للوصول الى نظرية محورها، أن حزب الله يرهن مستقبل لبنان وأوضاعه خدمة لعلاقته بإيران ومصالحها، ودائماً من دون تقديم أي دليل مقارن علمياً، بين حجم التدخل الأميركي وحجم التدخل الإيراني، طالما أن القضية تدور على توظيف النفوذ في لبنان ضمن مفاوضات طرفها الأول طهران وطرفها الآخر هو واشنطن، من دون أن ينتبه الذين يقولون إن طهران هي المشكلة وإن واشنطن هي الحل، فهم بذلك أول من يربط مستقبل لبنان يهذا التفاوض، ويجعل لبنان ورقة قوة لأحد الفريقين.

يترافق ذلك مع استنتاجات من نوع، التحذير من خطورة الحملة الإعلامية وقوتها واتساع مداها، بالاستناد إلى حجم المجندين فيها من سياسيين وإعلاميين ومنابر، لتأتي محطة حدث لاحق لتقول إن موازين القوى الإعلامية والسياسية لم تتغير، وإن حملة جديدة تنطلق، فيظهر ان حلفاء حزب الله لا زالوا حلفاءه، وأن بيئة حزب الله الشعبية لا تزال بيئته المتماسكة، وهنا تبدو دعوات جلد الذات التي يقوم بها بعض المؤيدين للحزب والمقاومة، تحت عنوان اختلال التوازن الإعلامي بين المقاومة وخصومها، في غير مكانها، بل يصحّ الحديث عن فشل الحملات، خصوصاً عندما يكون معيار النجاح والفشل، هو في مدى القدرة على تغيير الاصطفافات سواء للتحالفات، أو للبيئة المحيطة بالمقاومة. وهذا ما تقول أحداث السنتين رغم كثافة الحملات، إن شيئاً فيها لن يتغيّر، وإن حدث تغيير فهو باتجاه شدّ عصب البيئة الحاضنة للمقاومة لتتمسّك أكثر بخياراتها، وهذا يعني نجاحاً في الإعلام المقاوم، الذي يشكل كلام السيد نصرالله صواريخه الدقيقة، التي لا تصمد أمامها لا جبهة داخلية ولا جليل ولا قبة حديدية لدى الخصوم، تماماً كما لا تصمد الإمكانات الهائلة لجيش الإحتلال أمام التحدّي الذي تمثله المقاومة بإمكانات متواضعة قياساً بما لدى كيان الاحتلال.

كما هو الفارق بين جيش الاحتلال والمقاومة هو في الروح، وهو الذي يرتب نتائج معاكسة لموازين الإمكانات، يبدو الفارق بين كلام السيد نصرالله والحملات المنظمة ضده، هو في أن كلام السيد يقدم خطاباً إعلاميّاً تفتقده الحملات التي تستهدف خطابه، ونبدأ بالخطاب الأخير، أعلن السيد قبوله والتزامه بتعهّده السابق لجهة تسهيل حكومة اختصاصيين معلناً تفضيله حكومة تكنوسياسيّة أو حكومة سياسيّة، فقامت حملة ترى في كلامه تخلياً عن المبادرة الفرنسيّة، وتراجعاً تمهيداً للتعطيل، ونسي أصحاب الحملة ان يصيغوا خطاباً يجيب عن حقيقة أن الحكومة التي نصّت عليها المبادرة الفرنسيّة قامت على حكومة من غير السياسيين رئيساً وأعضاء، وأن هذه المبادرة تحورت إلى تكنوسياسيّة عندما صار رئيسها سياسياً ومن الصف الأول، وكل دعوة السيد تقوم على مواءمة تركيبة الحكومة مع هوية رئيسها، من دون جعل ذلك شرطاً. فهل هذا تعطيل ام تسهيل، أن يقول السيد رغم ان الحكومة صارت تكنوسياسية بشخص رئيسها فنحن لا نمانع ببقاء أعضائها من غير السياسيين ولا نعتبر ذلك ضرباً للمبادرة الفرنسيّة وتخلياً عن حكومة الاختصاصيين ونقترح توازناً يتيح شراكة سياسية أوسع تحمي الحكومة، لا تنحصر برئيسها فقط، لكننا لا نضع ذلك شرطاً مساهمة في تسهيل الحكومة.

في الماضي قال السيد إن داعش موجودة في عرسال، فقامت القيامة كما اليوم، وخرج وزير الدفاع يومها فايز غصن يتحدّث عن تقارير أمنية يؤكد ذلك، فنالته سهام الاتهام، وطبعاً قالت الأحداث بعدها إن كل الحملات كانت متواطئة مع وجود داعش ضمن رهانات ضيقة الأفق. واليوم عندما يحذّر السيد من حرب أهلية ويخرج وزير الداخلية ويقول إن هناك تقارير تؤكد وجود مخططات إسرائيليّة لتعميم الفوضى وإشعال حرب أهلية، يتذاكى البعض فيتهم السيد بالسعي للحرب الأهليّة، وهو نفسه يتهم الحزب بالسيطرة على مفاصل القرار في البلد، والاتهامان لا يستقيمان، بحيث يفرط حزب ممسك بالبلد بإنجازه بالذهاب الى حرب أهلية، وبالتوازي يخرج اتهام الحزب بالسيطرة على الدولة، وفي الدولة جيش يقولون عنه إنه جزيرة خارج سيطرة الحزب يدعمونها، وأجهزة أمنية تتباهى السفارات الغربية برعايتها والتعاون معها، ومصرف لبنان الذي قيل عنه خط دولي أحمر، وهو الممسك بالوضعين المالي والنقدي، وكلها خارج سيطرة الحزب، وبجانبها قضاء يُفرج عن العملاء، فأين تقع جزيرة نفوذ حزب الله في الدولة؟

بعض الحملات ارتكز على اللغة التي خاطب من خلالها السيد نصرالله، المعنيين في حالتي الارتفاع غير المبرّر في سعر الصرف، وقطع الطرقات، وحاول البناء عليها استنتاجات من نوع التصرف بلغة الحاكم مرة وبلغة التهديد مرة، والتدقيق في كلام السيد نصرالله يوصل لنتيجتين، الأولى أنه في شأن قطع الطرقات شرح وأوضح أنها ليست جزءاً من أي عمل ديمقراطي وان مظلة الحماية التي جيب توفيرها لكل احتجاج لا تطالها، وأنها عمل تخريبي وتحضيري للحرب الأهلية وإثارة الفتن الطائفية، ليصل الى مطالبة القوى الأمنية والعسكرية بمعاملتها على هذا الأساس، ولم نسمع أحداً من الوزراء او المراجع الأمنية يقول إن قطع الطرقات تعبير ديمقراطي سلمي، ما يطرح سؤالاً عن كيفية التصرف مع هذا الخطر إذا لم تقم القوى الأمنيّة بواجبها، بغير التعبير عن الغضب، وإعلان الاستعداد لتحمل المسؤوليّة، لمنع شرارة فتنة وليس سعياً لفتنة، ومن يريد الفتنة يشجع استمرار الاحتقان الناتج عن قطع الطرقات بدلاً من أن يحذّر منه، ومن لا يريدها هو من يحذّر وبالتالي فإن تصرّفه سيكون محكوماً بتفادي الوقوع في الفتنة، ومثله موضوع سعر الصرف الذي جنّ جنون الناس بسببه، فهل يعتبر التحذير من خطورته تجاوزاً؟ وهل تحميل مصرف لبنان وحاكمه المسؤوليّة تجاوز للأصول، أم ترك الناس تقتحم المصرف والمصارف هو الالتزام بالأصول؟

هناك حملات وليست حملة، لكن ليس هناك خطاب إعلاميّ، ولذلك تتحول الحملات الى مجرد صخب وضجيج وصراخ، لكنها في النهاية زبد، والزبد يذهب جفاء وما ينفع الناس يمكث في الأرض.

مقالات متعلقة

Maarouf Saad champion of Palestine and the poor معروف سعد مناصر فلسطين والفقراء

Marouf Saad… The Live Martyr in Saida’s (SIDON) memory

معروف سعد... الحيّ في ذاكرة الصيداويين

Amal Khalil, Ali Hashisho

Saturday, March 6, 2021 19:37

It is the first time in 45 years that Saida failed to track down Maarouf Saad’s last steps before he was shot in Nejmeh Square in 1975 while leading a protest demonstration for fishermen. The city and its environs to the south, even Iqlim al-Kharroub, to the rest of the patriots, were not late to participate in the annual loyalty march organised by the Nasserite Popular Organisation and the national forces to commemorate his assassination on February 26. However, the Corona virus prevented Al-Wafaa from tracking his last march from Al-Shakria to Riyadh Al-Solh Street and the commercial market towards Nejmeh Square opposite the municipality headquarters.

The pedestrian march was replaced by a car march. It gathered the allies and rivals who only meet under the image of Ma’ruf, the father of the poor. On March 6, the martyr surrendered his soul by the bullets of treachery. And like the majority of political assassinations, and despite their referral to the judicial investigator, the investigations did not determine the identity of the perpetrators.

Eyewitness accounts confirm the involvement of the army, who were deployed on the rooftops of the municipality and the buildings overlooking the sit-in square. While the Leb-authority accused a “fifth column” with the aim of removing the army from the south in favour of the Palestinian revolution. The assassination almost set off the security situation as soon as it happened, but on April 1 it turned into a fire under the ashes that dawned all of Lebanon into a civil war about a month later.

Saad was not a sectarian leader or the owner of a financial empire that linked people to him for benefit or sectarian incitement. He is the Policeman, the farmer, and the fighter in Palestine until the catastrophe of 1948, he was one of the people, without making up. Saad, and his family after him, presented an image worthy of ٍSaida the capital of the south. His Christian mother Maarouf Jamila Atta, of Darb al-Sim raised him on tolerance and non-sectarianism, and Arab nationalism, through advocating for the Palestinian cause, and building every resistance against the Israeli enemy and its agents.

«I stand this healthy body and mind on the service of tormented humanity»


On a rainy Wednesday, February 26, 1975, peaceful demonstrations were held for fishermen along the Lebanese coast, to protest against the establishment of the “Protén” company, which was granted by the state the privilege of fishing by modern ships in partnership with foreign companies, displacing poor fishermen and cutting off their livelihoods.

The company was a front for former president of the republic, Camille Chamoun, and a number of capitalists and financier politicians. However, it was reported at the time that they were a front for Amin Awar, the founder of the company and one of the major foodstuff dealers.

The demonstration started from the fishermen port of the and entered the old Sidon, passing through Al-Shakria, Al-Awqaf Street, and Riyadh Al-Solh, to reach Al-Najma Square opposite the headquarters of the Saida municipality. The fishermen were led by Maarouf Saad, and the deputy Nazih Al-Bizri. Upon its arrival at Nejmeh Square, which was witnessing a heavy military presence, Saad and a number of demonstrators were shot and wounded. In the initial reactions, army patrols in Sidon were attacked.

In Beirut, the company’s headquarters were blown up. The protest reactions escalated after the announcement of Saad’s death on March 6. During the funeral procession, the army was attacked.

Despite the 46 years since his martyrdom, the presence of Marouf Saad Tag is still in Sidon.

معروف سعد… الحيّ في ذاكرة الصيداويين

معروف سعد... الحيّ في ذاكرة الصيداويين

آمال خليل، علي حشيشو السبت 6 آذار 2021 19:37

إنها المرة الأولى منذ 45 عاماً، تتخلف صيدا عن تعقب آخر خطوات معروف سعد قبل إطلاق الرصاص عليه في ساحة النجمة عام 1975 خلال قيادته تظاهرة مطلبية للصيادين. لم تتأخر المدينة وجوارها جنوباً حتى إقليم الخروب إلى سائر الوطنيين، عن المشاركة في مسيرة الوفاء السنوية التي ينظمها التنظيم الشعبي الناصري والقوى الوطنية إحياء لذكرى اغتياله في 26 شباط. لكن فيروس كورونا منع الأوفياء من تعقب مسيرته الأخيرة من الشاكرية إلى شارع رياض الصلح والسوق التجاري باتجاه ساحة النجمة قبالة مقر البلدية.

استبدلت المسيرة الراجلة بمسيرة سيارات. العام الماضي، كانت مسيرة الوفاء آخر الأنشطة في بوابة الجنوب. ليست الأخيرة من حيث طابعها العام والشعبي فحسب، بل أيضاً الأخيرة من ناحية جمعها لسائر الحلفاء والأخصام الذين لا يجتمعون سوى تحت صورة أبي الفقراء.

في 6 آذار، أسلم الشهيد روحه متأثراً بالرصاصات التي غدرته من بين الجموع. ومثل غالبية الاغتيالات السياسية، وبرغم إحالتها إلى المحقق العدلي، إلا أن التحقيقات لم تحسم هوية الفاعلين.

روايات شهود العيان تجزم تورط عناصر الجيش الذين انتشروا على أسطح البلدية والمباني المطلة على ساحة الاعتصام. فيما اتهمت السلطة “طابوراً خامساً” بهدف إخراج الجيش من الجنوب لصالح الثورة الفلسطينية. كاد اغتيال سعد أن يفجر الوضع أمنياً فور حدوثه، لكنه تحول إلى نار تحت الرماد فجر لبنان برمته بحرب أهلية بعد حوالي شهر في 1 نيسان.

لم يكن سعد زعيماً طائفياً أو صاحب امبراطورية مالية ربطت به الناس انتفاعاً أو بالتحريض المذهبي. الدركي والبستانجي والمقاتل في فلسطين حتى نكبة 1948، كان واحداً من الناس، يشبههم حتى في استخدامه للضرب أحياناً للثأر لمظلوم كصفعه شرطي البلدية لتحريره ضبطاً بحق بائع خضر. من دون اصطناع، قدّم سعد، وأسرته من بعده، صورة تليق بعاصمة الجنوب. من الجذور، من والدة معروف جميلة عطا، ابنة درب السيم المسيحية المجاورة لصيدا التي ربته على التسامح اللاطائفية إلى الناصرية والقومية العربية وفلسطين مروراً بمناصرة القضية الفلسطينية وتبني كل مقاومة ضد العدو الإسرائيلي وعملائه.

«إني أقف هذا الجسم والعقل السليمين على خدمة الإنسانية المعذبة»


في يوم أربعاء ماطر بتاريخ 26 شباط 1975، انطلقت تظاهرات سلمية مطلبية للصيادين على طول الساحل اللبناني، ومنه صيدا، احتجاجاً على إنشاء شركة “بروتيين” التي منحت من قبل الدولة امتياز صيد الأسماك بواسطة بواخر حديثة بالاشتراك مع شركات أجنبية. ووجد الصيادون بـ”بروتيين” تشريداً لهم ولعائلاتهم عبر قطع أرزاقهم.
الشركة كانت واجهة للسلطة. فقد كان رئيسها الظاهر رئيس الجمهورية الأسبق كميل شمعون وعدد من الرأسماليين والسياسيين المتمولين. لكن تردد حينها بأنهم واجهة لأمين عور، مؤسس الشركة وأحد كبار تجار المواد الغذائية.
في صيدا، انطلقت التظاهرة من ميناء الصيادين ودخلت إلى صيدا القديمة مروراً بالشاكرية وشارع الأوقاف ورياض الصلح لتصل إلى ساحة النجمة قبالة مقر بلدية صيدا. وتقدم الصيادون كلاً من نائب صيدا ورئيس بلديتها السابق معروف سعد والنائب نزيه البزري. وفور وصولها إلى ساحة النجمة التي كانت تشهد تواجداً عسكرياً كثيفاً، أطلق الرصاص وأصيب سعد وعدد من المتظاهرين.
وفي ردات الفعل الأولية، تعرضت دوريات للجيش في صيدا للاعتداء. وفي بيروت تم نسف مقر الشركة. وتصاعدت ردات الفعل الاحتجاجية عقب إعلان وفاة سعد في 6 آذار. خلال تظاهرة التشييع الحاشدة، تعرض الجيش للاعتداء.
أما وزير التجارة فقد وعد بإعادة النظر بالامتياز الممنوح لـ”بروتيين”، لتأتي الحرب الأهلية بعد شهر ونيف، وتنسف المشروع برمته.
برغم مرور 46 عاماً على استشهاده، لا يزال حضور معروف سعد طاغ في صيدا. صوره في المنازل الفقيرة وفي غرف الصيادين. أقواله لا تزال ترن في آذان المستضعفين أبرزها: «إني أقف هذا الجسم والعقل السليمين على خدمة الإنسانية المعذبة».

فيديوات ذات صلة

شاهد ايضا

فيديو زمان ورجال – الشهيد معروف سعد

انتاج قناة المنار

أنيس النقاش: جدليّة الاستراتيجيا والإيديولوجيا

سيف دعنا

سيف دعنا 

الميادين

25 شباط 15:50

لم يكن أنيس يحلم باليوم التالي لتحرير فلسطين فحسب، بل كان يعرف أيضاً، أنه قادم حتماً.
لم يكن أنيس يحلم باليوم التالي لتحرير فلسطين فحسب، بل كان يعرف أيضاً، أنه قادم حتماً.


الاشتباك في حالة أنيس النقاش ومن سبقه وعاصره من رجال بذلوا أنفسهم من أجل فلسطين في مواجهة الصهيوني والإمبريالية الغربية هو وعي الأهمية لأن تصبح المقاومة حقلاً معرفياً قائماً بذاته.

“تكليفنا لا يقتصر على قتال إسرائيل، تكليفنا هو الانتصار عليها” (الشهيد عماد مغنية).

قبل أكثر من 100 عام بقليل، وتحديداً في تمام الساعة 9:40 من مساء السادس من تشرين الثاني/نوفمبر 1917 (25 تشرين الأول/أكتوبر، بحسب التقويم اليولياني)، أطلق الطراد “أورورا”، الراسي حينها على ضفاف نهر نيفا الَّذي يقطع مدينة بطرسبورغ الروسية، رصاصة مدوية في الهواء. كانت تلك إشارة لأنصار البلاشفة بأمر الهجوم على قصر الشتاء. بعدها بدقائق قليلة، كانت فرق الجيش الأحمر تقتحم قصر الشتاء كالإعصار، ليدخل بعدها تاريخ الإنسانية والعالم مرحلة جديدة سيتغيّر معها العالم. 

بعد تلك الليلة بتسعة وثلاثين عاماً، في 26 تموز/يوليو 1956، ومن ميدان المنشية في الإسكندرية، أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس. في 9 كلمات فقط (“قرار من رئيس الجمهورية بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس”).

لم يكن الرئيس عبد الناصر يصدر الأمر للسيطرة على مكاتب “الشركة العالمية لقناة السويس” فحسب، بل كان يعلن بداية انقلاب العرب على اتفاق “سايكس بيكو” ووعد “بلفور” ومفاعيلهما، بفتحه الأفق والطريق للوحدة العربية كعملية تاريخية. هكذا كان إعلان المنشية إيذاناً بتحوّل فكرة الجماعة العربية والأمة العربية لقوة تاريخية فعلية ومضادة للاستراتيجية الاستعمارية القائمة على التجزئة. 

 بعدها بتسعة عشر عاماً (وأكثر من نصف قرن على رصاصة الطراد أورورا)، وتحديداً في 29 نيسان/أبريل 1975، أعطى الجنرال الفيتنامي فان تاين دونغ الأمر للجيش الشعبي الفيتنامي باقتحام سايغون. بعدها بيوم واحد فقط، كان العالم يشاهد مذهولاً اقتحام دبابات الفيتكونغ لبوابات القصر الرئاسي في سايغون، كإعلان صارخ لهزيمة الإمبراطورية الأعتى في التاريخ (والثالثة بعد فرنسا واليابان).

 بعد ذلك اليوم بخمسة وعشرين عاماً، وتحديداً في 25 أيار/مايو 2000، وفي نهاية مشهد مذلّ من الانسحاب الفوضوي لطّخ سمعة كلّ عسكري صهيوني إلى الأبد، أغلق ضابط صهيوني مهزوم ومكسور الروح اسمه بيني غانتس بوابة فاطمة في جنوب لبنان، ظناً منه ومن حكومته أن باباً حديدياً يمكنه أن يوقف مفاعيل تلك الهزيمة المُرَّة عند تلك النقطة، لكن ذلك اليوم وتلك الهزيمة المُرة والأولى في تاريخ الصراع العربي- الصهيوني أسست لمسار يقوده الأمين لحزب الله السيّد حسن نصر الله بعبقرية، وبَشَّرَنا بخاتمته بصلاة العرب في الأقصى الراحل أنيس النقاش في مقاله “اليوم التالي للصلاة في الأقصى”.

أنيس المثقّف المشتبك: جدليّة الفعل والفكر

خلف كلّ تلك المشاهد العظيمة والمدهشة التي غيّرت وستظلّ تغيّر العالم، فكرة ونهج تفكير عرفه الراحل أنيس النقاش وأتقنه جيداً، ولخّصه سيد المقاومة في ذلك اليوم العظيم من أيار/مايو بكلمتين: “مصيرك بيدك”، فخلف كلّ تلك المشاهد التي تختصر وتختزل جوهر حركة التاريخ وتغييره كانت جدلية الفعل والفكر، ديالكتيك الممارسة والنظرية. 

وليس غريباً أنها تجلَّت أولاً، وبوضوح، في مشهد الثورة البلشفية، فمع فلاديمير لينين فقط، يقول الفيلسوف الفرنسي لوي التوسير في “لينين والفلسفة”: “يمكن للعبارة النبوءة في الأطروحة الحادية عشرة لـ (الفيلسوف الألماني) لودفيغ فيورباخ أن تكتسب أخيراً الشكل والمعنى: حتى الآن، قام الفلاسفة بتفسير العالم بطرق مختلفة، بينما الهدف هو تغييره”، فزعيم الثورة البلشفية تجاوز معرفة ماهية الفلسفة إلى معرفة ماهية ممارسة الفلسفة، تجاوز النظرية للفعل والممارسة. هكذا أصبحت الماركسية عند لينين السياسي والقائد ممارسة (جديدة) للفلسفة، وهو ما لم يغير الفلسفة فحسب، ولكن غيّر العالم أيضاً في تشرين الأول/أكتوبر 1917.   

لهذا السبب بالضبط، يجادل التوسير بأنه مهما حاول أحد الإيديولوجيين دفنه (أي لينين) تحت دليل من التحليل التاريخي، فسيظل هذا الرجل يقف دائماً على سهل التاريخ والحياة، وسيواصل الحديث بهدوء أو بحماس. سيواصل الحديث عن شيء بسيط: “عن ممارسته الثورية وعن ممارسة الصراع الطبقي. سيواصل الحديث عما يجعل من إمكانية الفعل في التاريخ. وليس ذلك لإثبات أن الثورات حتمية، ولكن لجعلها (حقيقة) في حاضرنا الفريد”.

أنيس النقاش، المثقف المشتبك بامتياز، أدرك ذلك جيداً، فالاشتباك الثوري، كما هو في حالة المثقف المشتبك، من تشي غيفارا إلى وديع حداد، ومن عماد مغنية إلى غسان كنفاني، هو ديالكتيك الفعل والفكر في أرقى صوره على الإطلاق. 

الاشتباك، كما عرفه أبطال المقاومة، ليس الاشتباك الثقافي البحت مع مثقفي الطرف الآخر في صفحات الجرائد والمجلات أو في شاشات التلفزة فحسب، ولا حتى مجرد تسخير للمعرفة والثقافة المكتسبة في الأكاديميات والجامعات في خدمة النضال السياسي والقضايا الكبرى. 

الاشتباك في حالة أنيس النقاش ومن سبقه وعاصره من مقاومين عرب من أجل فلسطين في مواجهة العدو الصهيوني والإمبريالية الغربية هو وعي الأهمية الفائقة لأن تصبح المقاومة حقلاً معرفياً (علم المقاومة) قائماً بذاته فعلاً، مختبره الميدان الفعلي للمواجهة، وأن تصبح المقاومة أيضاً مادة المعرفة الأولى والأخيرة والهم الدائم للمثقف التي يختبرها بنفسه ومباشرة في الخنادق والدشم والمتاريس وبين أزيز الرصاص. 

في حواره مع صقر أبو فخر، عبّر النقاش عن هذه الفكرة بوضوح لا لبس فيه: “بدأت بالفعل البحث عن مجالات سياسية تلبي رغبة الفاعلية والجهد المباشر. وأكثر ما كان يضايقني، حتى الآن، قلة الفاعلية أو انعدامها، أي من يقول ولا يفعل، لأن أي قول، لكي يكون ذا أثر، يجب أن يقترن بالعمل المباشر، وإلا أصبح كلاماً وتنظيراً فقط، ولا سيما في القضايا الكبرى مثل الدفاع عن العدالة”.

الأهم من كل ذلك، أنّ أنيس لم يكن مثقفاً فقط، كما لم يكن مقاوماً فقط، بل جمع الصفتين، فكان لما يقوله كمثقف مشتبك وزن أكبر بكثير من أي قائل آخر لم يعرف المقاومة في الميدان، مهما كانت مستوى ثقافته، فلم يكن لمثقف غير مشتبك، مهما كانت درجة ثقافته فعلاً، أن يعرف متى يعطي إشارة اقتحام قصر الشتاء، أو تأميم قناة السويس، أو اقتحام سايغون، أو طرد الصهاينة وهزيمتهم في لبنان. لم يكن لأيّ مثقّف غير مشتبك، مهما كانت مستوى ثقافته، أن يتحدث بالثقة المطلقة والقناعة الحاسمة التي تحدث بها أنيس النقاش عن حتمية تحرير فلسطين، فالمعرفة في القضايا الكبرى تشترط انخراط المثقف في ميدان المواجهة المباشرة، ولا يمكن تحصيلها في الأكاديميات التقليدية. 

كانت هذه الفكرة لوحدها دليل أصالة روح أنيس المقاومة وصدق انتمائه المطلق إلى مشروع تحرير فلسطين، ففي عُرف أنيس النقاش، وفي عرف المقاومة، كل مقاوم لا يؤمن حتى النخاع بحتمية تحرير فلسطين وزوال الكيان الصهيوني، لم يُهزم قبل أن يبدأ فقط (وربما كان عليه أن يبقى في بيته)، بل أصبح بروحه المهزومة وعقله المستعمر عبئاً حقيقياً وخطراً جدياً على مشروع المقاومة. هذه هي معضلة بعض قادة الثورة الفلسطينية الأساسية وسبب فشلهم الأهم، فمن لم يكن منهم على اقتناع بحتمية زوال الكيان الصهيوني، انتهى إلى طاولة المفاوضات متنازلاً عن الأرض والشعب. 

أنيس الاستراتيجي

تعالوا إلى كلمة سواء: نحو استراتيجيا شاملة لبلاد الشام“. كان هذا عنوان وفكرة مقال نشره الراحل أنيس النقاش مباشرة عقب انتصار تموز 2006 في صحيفة الأخبار اللبنانية. ورغم أن العنوان يكشف عن محتوى المقال، كما يختزل ويختزن فكرته الأساسية إلى حد كبير، فإنه يكشف أيضاً بعض ملامح المنظومة المفاهيمية التي شكَّلت أسس التفكير السياسي للراحل.  

ويكشف منطق المقال أيضاً بعض ما يربط التفكير السياسي للنقاش بمنهجية وآلية تفكير سياسي لتيار عروبي وحدوي جنوبي الهوى ومتنوع المشارب الإيديولوجية (يساري، قومي، إسلامي)، تطور منذ عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وثورة يوليو، وما زال سائداً عند كل من يعتقد من العروبيين وثوار الجنوب وأحرار العالم بكل مشاربهم العقائدية بأولوية اللحظة الإمبريالية على ما عداها في التحليل السياسي. 

فكرة الوحدة في هذا التقليد السياسي ليست مجرد اتفاقية بين بلدين أو أكثر أو اندماج بين شعبين أو أكثر، بل هي استراتيجية مؤسسة على وعي وإدراك عميق بجوهر السيطرة الإمبريالية وطبيعتها، فلا يمكن، وفق هذه الرؤية، تحقيق الاستقلال والسيادة والأمن لشعوب أمتنا ومنطقتنا في عصر الاستعمار الغربي وإمبراطورياته الكبرى، إلا عبر رؤية ترى في الوحدة أولاً وأساساً تكتلاً مضاداً من القوى المناهضة للهيمنة الإمبريالية والمتضررة منها. لهذا، إن منطق الوحدة العربية كاستراتيجيا في مواجهة الكيان الصهيوني، مثلاً، يستند إلى قاعدة سياسية بسيطة أجملتها في مقال آخر في “الميادين نت” سابقاً بعبارة: “كلما كبر العرب، صغرت إسرائيل”.    

هذا الفكر المؤسّس على الوحدة والعروبة كاستراتيجيا أكثر من كونها إيديولوجيا، يؤشر إلى إدراك صاحبه العميق بأن التجزئة الاستعمارية للوطن العربي، وللمنطقة بمجملها، هي من أهم متطلبات الهيمنة الامبريالية الغربية، ومن أهم متطلبات النهب الإمبريالي، ويؤشر كذلك بالتالي، وبالضرورة، إلى إدراك النقاش أن الوحدة ليست أهم آليات ومتطلبات المواجهة والانتصار فحسب، بل وأهم متطلّبات الدفاع عن النفس والوجود أيضاً. 

هذا المنهج في التفكير السياسي الذي اعتمده الراحل أنيس النقاش يتجاوز مجرد المعاداة الإيديولوجية والعقائدية للإمبريالية الغربية القائمة على أساس التناقض الاجتماعي أو الاقتصادي-السياسي البحت (الطبقي على مستوى عالمي)، كما في بعض الإيديولوجيات اليسارية، كما يتجاوز إدراك بعض الإيديولوجيات القومية ذات الفهم القاصر لمفهوم الأمة، والتي كانت ترى في الوحدة “فكرة مطلقة”، فالأولى بقيت أسيرة رؤية قطرية ضيقة تبحث عن عدالة اجتماعية غير ممكنة الإنجاز والتحقيق في سياق منظومة نهب عالمية تتحكّم بها القوى الإمبريالية الغربية، فيما اصطدمت الثانية بتباينات الواقع الاجتماعي القطري الذي يكشف ارتباط بعض شرائحه الاجتماعية عضوياً بالإمبريالية الغربية.

لهذا، كانت نتيجة هذه الاستراتيجيا، يقول النقاش، “التي عُرفت في الماضي بسياسة فرّق تسد، تُمارس اليوم على أكثر من صعيد، وأهم ما فيها أنها تستهدف المفاهيم المكونة للمجتمع وعقائده أكثر مما تستهدف تفريق الصفوف فقط، كما كان في السياسات القديمة لاستراتيجيات فرّق تسد، أو مجرد السيطرة على الأرض والمواد الأولية، فهي تحوي كل هذا في آن واحد”.

الأهم أنَّ هذه الرؤية القائمة على أساس الوحدة كاستراتيجيا، وجوهرها التأسيس لأكبر تكتل مضاد في مواجهة العدو، تستتبع بالضرورة مركزية قضية فلسطين ومركزية تحريرها، كما توفّر الآلية الأكثر فاعلية وإمكانية لتحقيق النصر وإنجاز التحرير.

 ولهذا، يستنتج النقاش: “على استراتيجيتنا الشاملة أيضاً أن تنقض على بقايا الاستعمار القديم وقراراته بتقسيم المنطقة، من خلال وحدة الجهاد والاجتهاد والصحوة والعمل التنموي، وخصوصاً العمل الوحدوي في مجتمعاتنا المستهدفة في وحدتها الاجتماعية وسلامها الأهلي، وبالتالي في مستقبلها وآمالها. إنها استراتيجيا بلاد الشام قاطبة، محورها بيت المقدس، وساحتها أكناف بيت المقدس كساحة جغرافية لحركتها”.

ولأنَّ هذه الفكرة كانت تعبيراً عن منهج تفكير عند النقاش، يمكننا رؤيتها في تعاطيه مع أغلب القضايا السياسية. هذا التفكير هو الذي يرى الأهمية الوجودية لعلاقة العرب مع إيران وفنزويلا وكوبا وبوليفيا وغيرها من مجتمعات الجنوب المتضررة من الهيمنة الغربية، والمهددة مثل أمتنا تماماً بوجودها، فليس انتصار العرب وغيرهم من أهل الجنوب وتحررهم فقط، ولكن استمرار وجودهم نفسه أيضاً، أصبح مشروطاً بهذه الاستراتيجية: أن نكون جزءاً من تكتّل مضادّ يدرك أنّ المعركة مع الإمبريالية الغربية، وليس فقط مع ممثلها في منطقتنا (العدوّ الصهيوني)، هي معركة وجودية بامتياز، تتطلب وتفترض اندماج هذه القوى، وليس مجرد تعاونها فقط. 

وداعاً أنيس فلسطين

لم يكن أنيس يحلم باليوم التالي لتحرير فلسطين فحسب، بل كان يعرف أيضاً، كما كتب عن ذلك اليوم، أنه قادم حتماً. كان يعلم أنَّ ثمة من يعمل لذلك اليوم في الليل والنهار. يومها، وبينما تقرع أجراس كنائسنا في المهد والقيامة إجلالاً للشهداء والمقاومين، سنسوّي صفوفنا، ونعتدل خلف إمامنا وقائد حركة التحرير العربية والأمين عليها، السيد حسن نصر الله، لنصلّي في المسجد الأقصى. ولأنَّ النّصر سيكون كبيراً، فإن الفرح سيكون أيضاً كبيراً، لكن ستكون في القلب غصة، لأنَّ بعض من أحبّ فلسطين، وأفنى عمره في سبيلها وفي سبيل أن نصل إلى ذلك اليوم، لن يكون معنا. 

يومها، سنفتقدك جداً يا أنيس، كما سنفتقد كل مقاوم استشهد على طريق فلسطين، لكنَّ عزاءنا يكمن في أنَّنا نعرف أنَّكم عشتم وقاومتم واستشهدتم وأنتم ترددون خلف سيد المقاومة: “اللهم إنّك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسةً في سلطان، ولا ابتغاء لشيء من الحطام، وإنما كان إحياءً للحق، وإماتةً للباطل، ودفاعاً عن مظلومي عبادك، وإقامةً للعدل في أرضك، وطلباً لرضاك والقرب منك. على هذا قضى شهداؤنا، وعلى هذا نمضي ونواصل العمل والجهاد، وقد وعدتنا يا رب إحدى الحسنيين: إما النصر وإما التشرف بلقائك مخضبين بدمائنا”.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

Zionists’ Efforts to Coopt the BLM Movement: Can Racists Be Anti-Racist?

February 14, 2021

Palestinian artists painting George Floyed on the walls on UNRWA office, in Gaza. (Photo: via UNRWA Website)

By Benay Blend

On February 6, 2021, Black Lives Matter co-founder Alicia Garza announced that she was pulling out of a World Values Network online gala with Rabbi Shmuley Boteach, a prominent American Zionist.

“They approached me about having a conversation about the importance of solidarity between black communities and Jewish communities,” she explained, then thanked Palestinian American activist Linda Sarsour for amplifying the larger picture.

According to journalist Michael Brown, Garza has a history of denouncing other public figures who joined propaganda trips to Israel. Boteach’s gala, Brown continued, appears just as egregious, for it “follow[s] Boteach’s years of backing the racist Donald Trump, thereby making a mockery of the efforts promoted by Black leaders and the wider Black community to advance racial justice and decolonization.”

Placed within a larger context, Boteach’s move comes at a time when Zionists are increasingly fearful of the Boycott, Divestment Sanctions Movement (BDS)’s success. Coupled with the International Criminal Court (ICC)’s decision to investigate Israel for War Crimes, any support for Palestinian rights will undoubtedly come under attack.

There is a long history of Pan-African support for Palestine which has resulted in Zionists denouncing that alignment. In a lecture series “Palestine and Us: Black and Palestinian Solidarity,” Ahmad Abuznaid traced the history of Black support for Palestine as well as the fall-out from it. Referring to Malcolm X’s Zionist Logic (1964), Abuznaid explained that this statement drew from Malcolm X’s shift from Black Nationalist to a more Pan-Africanist position, particularly after he saw connections between Pan-Arabists, represented by Egypt’s Gamal Abdel Nasser, and Pan-Africanists that he was beginning to support.

After the 1967 war, Black Radicals began to move away from seeing Zionism as a liberation movement to viewing it as a colonialist venture, much like the colonialism that was oppressing Africans around the world. Following in this direction, Ethel Minor, a leader in the Student Nonviolent Coordinating Committee (SNCC), wrote a piece in their newsletter entitled “Third World Round-up: The Palestine Problem: Test Your Knowledge,” leading to a split between those, like Kwame Ture (Stokely Carmichael) who would continue to support Palestine on principle, and others who feared that without taking a more “balanced position,” one that included mention of the Holocaust, there would be loss of funding.

Indeed, as Ture made clear“immediately after the statement, phone calls rang in and the checks stopped coming.” Today, organizations, politicians and others who depend on funding are leery of taking a principled stance on Palestine, because, much like what happened with SNCC, Zionist supporters will use whatever means necessary to launch a targeted smear campaign of anyone who is critical of the Israeli state.

For example, in the aftermath of the Black Lives Matter movement’s 2014 platform that denounced the US government’s military aid to Israel, there were claims of “one-sided” and “unfair” from pro-Israel commentators who rejected the coalition’s critique. Several years before B’tselem’s quite similar statement, which was either ignored completely or applauded for its courage, BLM charged the following:

“The US justifies and advances the global war on terror via its alliance with Israel and is complicit in the genocide taking place against the Palestinian people. Israel is an apartheid state with over 50 laws on the books that sanction discrimination against the Palestinian people.”

The BLM platform also drew ire for its support of BDS. Fear of its success continues to motivate Zionists into the present time. In a piece for Haaretz, Rabbi Dan Dorsch of Atlanta declared that the mainstream Jewish community, and also Palestinian Government officials, have rejected BDS.

He continued that connecting the Black struggle in American to that of Palestinians is “unquestionably shortsighted and will only undermine the credibility of the movement and the important cause of civil rights in America”.

Like several years before, when pro-Israel donors withdrew their funds from SNCC, Rabbi Dorsch was warning that the pattern would continue as long as BLM lent its support to Palestine. Returning to the question of whether Zionists can be anti-racist, the short answer is an emphatic “no.” Quoting a message from Jewish Voice for Peace: “If you oppose racism, you should oppose Zionism too.”

As BDS successes grow and the ICC moves closer to investigate Israel for war crimes, pro-Israel groups will increasingly try to sever anti-racist movements in the US from their ties to Palestinians. Nevertheless, given several factors—the historic connections between Palestine and anti-colonial movements around the world, coupled with the waning acceptance of Progressive Except Palestine–Israel will not succeed.

For example, in a recent article Ramzy Baroud noted that

“Israeli efforts at co-opting Africa countries received a major setback on Saturday, February, 6 when the African Union issued a strong statement of solidarity with Palestine, condemning Israel’s illegal settlement activities and the US’s so-called ‘Deal of the Century’.”

In return, Palestinians have supported movements against injustice around the globe. Documenting a new round of Palestinian uprisings within the Zionist entity, Gaza-based journalist Wafaa Al-Udaini chose to use a photo from another protest against the Israeli regime.

Dating back a year to the shooting of Iyad al-Halak, an unarmed autistic Palestinian man, Palestinians in the picture also hold signs calling attention to the killing of George Floyd in Minneapolis the previous week, an extralegal murder that they link with al-Halak.

While Palestinians understand the connections between their struggles and anti-colonial movements in other countries, many liberals in the U.S. do not. Nevertheless, as Marc Lamont Hill and Mitchell Plitnick outline in their new book, Except for Palestine: The Limits of Progressive Politics, the days are over when so-called progressive public figures can join the anti-racist struggle at home while accepting gifts from Zionist organizations who fully support the Israeli apartheid state.

As Sarah Doyel notes in her review of Hill and Plitnick’s book, the authors observe that

“Democrats will take to the global stage to champion victims of other humanitarian crises, but Palestinians in Gaza living in what is commonly described as ‘the world’s largest open-air prison’ somehow merit little succor in the liberal worldview.”

Their work, Doyel concludes, is “a crucial and ultimately hopeful tool that better equips progressives to combat injustices within their own political circles.” Combined with the work of members of anti-colonial coalitions, some of whom convinced Alicia Garza to withdraw from Shmuley’s gala, perhaps anti-Zionists in the future will be strong enough to resist what will surely be increasing attacks on their political alignment with Palestinians.

– Benay Blend earned her doctorate in American Studies from the University of New Mexico. Her scholarly works include Douglas Vakoch and Sam Mickey, Eds. (2017), “’Neither Homeland Nor Exile are Words’: ‘Situated Knowledge’ in the Works of Palestinian and Native American Writers”. She contributed this article to The Palestine Chronicle.

13 years after the Departure of the Palestinian Revolution’s Hakim 13 عاماً على رحيل حكيم الثورة الفلسطينيّة

**Please scroll down for the Arabic version **

“الثوريون لا يموتون أبدا”

Machine translation

“Revolutionaries never die.”

Watan: Today marks the anniversary of the departure of the national, national and international leader, founder of the Movement of Arab Nationalists and the Popular Front for the Liberation of Palestine (PFLP), “Hakim” George Habash.

Born in the Palestinian city of Lod on August 2, 1926,to an affluent Christian Orthodoxfamily.

-He completed his studies for the primary and secondary stages in Jaffa and Jerusalem, and in 1944 enrolled in the Faculty of Medicine at the American University of Beirut, where he graduated as a doctor in 1951, and during his studies he was a prominent political figure who worked through the association “Al-urwa al-Wuthqa” at the university, and through the “Resistance to Reconciliation with Israel” association.

– One of the activists of the””Al-urwa al-Wuthqa”” association at the American University of Beirut, whose main engine was Dr. Constantine Zureik, then co-founded the “Arab Youth Organisation”, which was established in 1951 and then issued the publication “Revenge”, and held its first conference in 1954 under the chairmanship of George Habash and emerged from it the Movement of Arab Nationalists, and was the most prominent members of the movement, Wadih Haddad, Hani Al Hindi, Ahmed Al Yamani, Ahmed Al Khatib, Saleh Shibl, Hamad Al Farhan and Hamed Al Jubouri

– Nominated for parliamentary elections in Jordan in August 1956.

-The Movement of Arab Nationalists in Jordan was banned in 1957 and Habash was forced to hide and live in secret, and in 1958 he moved to Damascus.

عبد الناصر والحكيم - بوابة الهدف الإخبارية

– He married in Damascus in early 1961, and remained there throughout the period of unity with Egypt, and in the meantime the Movement of Arab Nationalists strongly supported President Gamal Abdel Nasser, and one of its founders (Hani al-Hindi) took over one of the ministries under unity.

– Following the defeat of June 1967, he and a group of his colleagues in the Movement of Arab Nationalists established the Popular Front for the Liberation of Palestine, which was officially declared on 11 December 1967, and since then the Front has not ceased its nationalist origins with a Marxist vision. Habash declared his affiliation and the Popular Front affiliation with the Marxist-Leninist ideology,

-His relationship with President Gamal Abdel Nasser remained very close, but began to break in in July 1970 when President Nasser approved the Rogers project.

In 1971, confrontations known as “Black September” broke out between the revolution and the resistance on the one hand and the Jordanian regime on the other hand, which resulted in the expulsion of the Fedayeen forces from Amman and the Ahrash later on.

– In 1971 after the movement of the Palestinian Resistance Forces to the south Lebanon and the camps of Beirut, Habash moved to Lebanon.

– On March 14, 1972, he announced the cessation of the hijacking strategy.

– The Popular Front announced the withdrawal from the Executive Committee of the PLO in September 1974 in protest against the new political direction of the PLO, known as the 10-point program approved by the 10th Palestinian National Council.

– He made a significant contribution to the establishment of the Arab Socialist Action Party in Lebanon and other Arab countries.

– Israel tried to arrest him and kill him more than once, most notably the attempt to hijack one of the planes immediately after taking off from Beirut airport for Baghdad because it believed that he was among the passengers and the incident took place on 10 August 1973.

-He left Beirut in August 1982 with Palestinian forces and resided in Damascus.

– He was significant in the establishment of the Palestinian National Salvation Front, made up of organisations opposed to the Leadership of PLO, which was based in Damascus.

– Opposed the Amman Agreement between PLO. and Jordan, which was signed in February 1986 and called for its cancellation.

-He suffered a stroke in Tunisia on 01/17/1992, as a result of which he was transferred to a hospital in Paris. His transfer sparked an internal political crisis in France, after which three Frensh officials resigned.

– Resigned from the General Secretariat of the PFLP in September 2000 during the sixth general conference of the Front.

-Founded the “Arab Ghad Center” in Damascus in 2002.

– Lived the last stage moving between Damascus and Amman.

-He was admitted to a hospital in Amman on 17 January 2008 for a heart attack and died on 26 January 2008.

From the sayings and sayings of the late Hakim (wise leader) George Habash

Willpower:

“Enemy aircraft can bomb our cities and camps and kill children, the elderly and women, but they cannot kill the will to fight against us.”

-“Don’t be afraid of the path of truth because of the few who walk in it.”

-“There is no excuse for those who realized the idea and abandoned it.”

Self-talk:

-I left home to study in Beirut to rise up, and I hope and insist on returning to it with my hopes, dreams and determination to continue my journey in my country. It is the most difficult moment in my life that has transformed me from a country-loving person and a life to a politician looking for a homeland. And at a distinct historical moment that cannot be erased from my memory .. I lost lost homeland .. !! I missed my being … and the wound deepened in my whole body.. It is the most difficult moment in my life that transformed me from a person who loved a homeland and life to a politician looking for a homeland..and a better life, that is the secret that prompted me to employ all my years of life in order to restore this homeland. , and regain all my dreams and hopes.

Speaking to young people:

The most important thing I can convey to the younger generations is the summary of my experience, and the lessons it contains, whether it be the lessons of failure or the lessons of success, they have to start from where we arrived, not to repeat our experience, but based on its precious lessons, for they are lessons paid for by sacrifices and precious and dear blood, And to strive and strive to overcome our failures and their causes, and this is conditional on possessing awareness, knowledge and knowledge as tools without which progress is impossible, and that they possess self-confidence and in the future, and that defeats do not mean compromising our goals, as they are true, scientific, just and humane to the greatest extent.

The tasks are great and the challenges are enormous, and our youth must sharpen their minds, roll up their sleeves and rush to work, they must overcome the dangers of marginalisation, alienation and develop a positive spirit of rebellion and overcome the mentality of submission, and strive to liberate women from everything that hinders their progress and limits their initiative and creativity, and to link always between its originality and the necessity to possess modernity and not to put it in a deadly confrontation, and to master production in order to be worthy of consumption, the production of thought, knowledge and civilisation, and material production in its various fields, and I hope in this context that the failure of the parties and the severity of defeats will not constitute a force to destroy the spirit of regularity and belonging among our young people, there is no room for progress and multiplication of action without broad regularity within parties, institutions, unions, associations and clubs, to raise social regularity to the level of comprehensive unification of energies, and to reduce their waste and direct them within a comprehensive strategy.

– I am confident that the successive and ascending generations of our youth will not need someone to teach them what to do. No one, individual or party, has the right to forfeit their right to define their ambitions and goals in advance. This is a fact, but an equally important fact stands next to it. The life of nations and peoples, their history and their future is not a disjointed chain that is not connected by a link, but rather it is a continuous, cumulative process, and whoever does not realise his history and is aware of it will not be able to comprehend his present and thus his future.

Conflict with occupation:

– We are in a state of open conflict, a continuous struggle, and a historical process in the face of the aggressor .. It is not surprising that on the sidelines of this struggle appear those who, consciously or unconsciously, tamper with the Palestinian right. Every attempt to tamper with these national rights, is a political and practical brake on the march of the Palestinian national struggle, and therefore all conferences, documents that detract from the Palestinian right will not succeed due to the Palestinian people’s adherence to all their rights and constants. Was Oslo and its documents able to end the Palestinian right, or restore part of the Palestinian right? “Israel” can say its nos. However, every one of these nos will be confronted by our people fiercely, militarily, politically and strategically .. Everyone must realise that the Palestinian issue is not confined to the headings of these nos .. it is the land and the people together, that is, historical Palestine.

-The struggle with an enemy, such as Zionism, Israel and imperialism, is an open historical struggle that will not be reduced to moments of of retreat, this understanding practically pushes towards the necessity of managing the conflict in a comprehensive manner, in a way that supports and intertwines the national liberation struggle with the democratic social struggle, and this means awareness of democracy as a tool for advancement There are values ​​of behaviour, thought, and practice for the liberation of society. Democracy, in itself, is not the solution, but rather a gateway to the solution. As for the solution, it is the strength and freedom of society capable of setting goals and ambitions and striving to achieve them.

Hakim and organizational issue (party):

– A Marxist-based organisation, guided by dialectic systematic thought, and adhering to the interest of the exploited and oppressed majority that lies in liberation, democracy and social justice, will prevail, while the organisation that is based on a petty-bourgeois foundation will fail.

-However, the need to build the self-factor/party is, until now, the central issue, that occupies an important and fundamental position in the hierarchy of priorities necessary for activating the dialectical relationship between the objective circumstance and the subjective factor as a condition that must be met to overcome the current reality.

-The pause of positive reflection that we want is – from my point of view – an invitation to delve into the critical vision of what we are and to diagnose our reality without any frills or falsity, far from being underestimated or arrogant, a meditation that does not call for stillness, but rather starts from the heartbeat of our forehead and its rising movement within the framework of the general political, social, national and democratic movement at the Palestinian level, with its close organic connection with the progressive Arab national project, as there is no longer any possibility to talk about the development and progress of the Palestinian national project by separating it from the Arab nationalist carrier, I say that, despite the severity of the current divergence or or separation between the national and the national.

– The most important merit of a system at the organisational level is our ability in the Popular Front to develop its buildings and institutions and perform them in accordance with the function and historical role that it must play in relation to what it represents historically and the ideological, political, social and combat vision it presents.

– The integration of different forms of struggle political, economic, struggle, media and mass all shovels must be used in a conscious and scientific way and invested in the highest possible capacity of efficiency and clarity of vision.

Hakim and right of return:

– The right of return is a natural, legal, collective and individual right, which no one in the world can tamper with, because the issue is as clear as the sun, there are refugees who have been forced to leave their land and homes. They have the right to return as a natural right, and they have the right to return in accordance with UN Resolution 194, a resolution that allows them to return.

George Habash and the question of the national struggle against imperialism:

– The process of national liberation and the process of social emancipation are linked to each other, and this brings us to talk about the fronts of the future confrontation, namely: the cultural front, which must address the causes of this reality and analyse it and think about solutions and alternatives, it is the front that secures the systematic intellectual basis for the awareness of the past, present and the future. Without it, underdevelopment and emotion will remain, and secondly the political front, where parties and fronts must govern the cultural front, and participate in the development of vision, analysis, treatment, and the transfer of awareness to the power of organised socio-political action, and there is a third social front, it is not permissible, no matter how focused on the Zionist side, to neglect the social issue that addresses the living concerns of people, and in this context, too, and whatever the reality is bitter and I agree with the diagnosis of this reality, I look forward to achieving a great Arab renaissance commensurate with the size of the energies of the Arab nation and its potential, heritage and civilisation.

-The rush to which the enemies of this nation, American imperialism and “Israel” are driving us, under the guise of globalisation, and through tools that control or control this country. This impulse or push must stop, because it leads us to dangers and disasters in front of which all risks or defeats will be neglected. Or the calamities throughout our modern and contemporary history, but we all aware that this crisis and defeated reality that we are living in today is due in one of its most important direct causes, to the accumulation of the crisis of the Arab liberation movement for many decades, which is an accumulation in which the factors of political decline, societal distortion and general backwardness are renewed, with increasing dependency in all its forms, but the major problem is that the inflation of this crisis would otherwise not have been possible by the political failure of the parties of the Arab Liberation Movement, and the failure of its parties and factions to lead the process of change in order to overcome the current reality.

– The first reason for the victory of the Zionist project is that its leaders managed the conflict comprehensively, and on the basis of an advanced strategy of conflict, and the mistake of those who think that the Zionist movement is just an uncontrolled gang, can be described morally by our side as gangs, but in fact they have done their part and their function in relation to their objectives from the point where Europe and the industrialised countries have reached the level of development. The other topic, in this context, is the formulation of criteria that fit the best interests of the project, which went beyond individuals and parties, and the need to raise individuals to the level of the need for the job and the role to be performed, not the other way around.

– While deepening my belief in the need for the unity of the Arab nation as a whole, and the importance of this to achieve the conditions for the liberation of Palestine, I do not see unity today as a slogan, nor as it was done between Syria and Egypt, but through the process of accumulation and integration, and through the smaller units: the unity of Egypt and Sudan, the unity of Morocco, the unity of the Fertile Crescent States, the unity of the Gulf states, but it is necessary to focus on the importance of Syria’s role in relation to the Asian section, and the importance of Egypt to the African section. The essence of socialism is that a society is not based on exploitation, and the failure of socialist systems does not mean a failure of socialist theory and all socialists in the world must be concerned with studyingthe reasons for the failure of the first socialist experiment.

Hakim and attitude of Oslo and national unity:

– The Oslo tragedy is not due to a particular event, it is in fact a historical outcome of the previous stages, but it can be said that it is the result of the defeats accumulated in the Arab and Palestinian areas, and I mean defeats not only the military defeat in front of “Israel”, but also , and more importantly, its own elements, i.e. the interior, in the sense of our inability to secure the advances of political, economic, scientific and cultural victory, and our inability to secure the advances of political, economic, scientific and cultural victory, and our inability, so how can it be imagined that a people will succeed in defeating an advanced enemy that has the causes of power such as the Zionist enemy as long as that people does not know the meaning of their inner freedom, and where the occult, ignorance and self-closing prevail, here lies the reference of the defeat of Oslo and other Arab-Palestinian defeats.

-National unity is an urgent necessity to confront the Zionist cancer, provided that it is based on a clear political basis, on a democratic basis, and not at the mercy of individual leadership.

The current political phase is not the same as the start of the contemporary Palestinian revolution. It must not make concessions under the weight of this unipolar world.

Hakim words before leaving:

– In the end I say that our generation tried to do its duty well, or less, or badly, and certainly could have done better, and give better, and was able to overcome some big mistakes, but this is what happened,

– In the end, I say that our generation tried to do its duty well, less, or badly, and it was certainly able to do better, give better, and it was in its ability to overcome some big mistakes, but this is what happened, and we are ready and we are ready to take responsibility for the people and history no matter how harsh, the goal in the end is not to protect the head, but not to waste the experience of years, decades and irreplaceable sacrifices that cannot be compensated.

– My word to the Palestinian people at this stage .. I remind them that colonialism in all its forms will depart from our land and we have in history a lesson .. but the matter first needs unity, then unity, then unity .. and Palestine is the goal, the current and strategic goal, so we do not make of our differences our internal struggles over phantom power, which are under occupation, are a field for the other to triumph over us.

Source: Target Portal

13 عاماً على رحيل حكيم الثورة الفلسطينيّة

“الثوريون لا يموتون أبدا”

وطن: يصادف اليوم، ذكرى رحيل القائد الوطني والقومي والأممي، مؤسّس حركة القوميين العرب، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، “الحكيم” جورج حبش .

– ولد في مدينة اللد الفلسطينية يوم 2/8/1926 لعائلة مسيحية أرثوذكسية ميسورة.

-أنهى دراسته للمرحلتين الابتدائية والثانوية في يافا و القدس ، ثم التحق سنة 1944 بكلية الطب في الجامعة الأمريكية في بيروت، تخرج فيها طبيبًا سنة 1951، وفي أثناء دراسته كان من البارزين في المجال السياسي الذين عملوا من خلال جمعية “العروة الوثقى” في الجامعة، ومن خلال “هيئة مقاومة الصلح مع إسرائيل”.

-من ناشطي “جمعية العروة الوثقى” في الجامعة الأمريكية في بيروت التي كان الدكتور قسطنطين زريق محركها الأساسي، ثم شارك في تأسيس “منظمة الشباب العربي” التي نشأت سنة 1951 ثم أصدرت نشرة “الثأر”، وعقدت هذه المنظمة أول مؤتمر لها سنة 1954 برئاسة جورج حبش وانبثق عنها “حركة القوميين العرب”، وكان أبرز أعضاء الحركة وديع حداد وهاني الهندي وأحمد اليماني وأحمد الخطيب وصالح شبل وحمد الفرحان وحامد الجبوري.

– ترشح للانتخابات النيابية في الأردن في آب 1956.

-منعت حركة القوميين العرب في الأردن سنة 1957 فاضطر إلى التخفي والعيش في السر، وفي سنة 1958 ذهب إلى دمشق.

– تزوّج في دمشق في أوائل سنة 1961، وبقي فيها طوال فترة الوحدة، وكانت حركة القوميين العرب في هذه الأثناء قد أيدت بقوة الرئيس جمال عبد الناصر، وتولى أحد مؤسسيها (هاني الهندي) إحدى الوزارات في عهد الوحدة.

-على اثر هزيمة حزيران 1967، قام مع مجموعة من رفاقه في حركة القوميين العرب بتأسيس “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” التي تم الإعلان عن تأسيسها رسميًا يوم 11/12/1967، ومنذ ذلك التاريخ لم تنقطع الجبهة عن منطلقاتها القومية برؤية ماركسية، حرص الحكيم على صيرورتها وتطورها كتوجه ومنهج عمل رئيسي للجبهة الشعبية.

– أعلن انتماءه وانتماء الجبهة الشعبية إلى الفكر الماركسي – اللينيني وذلك بعد هزيمة حزيران 1967.

– استمرت علاقته بالرئيس جمال عبد الناصر وثيقة جدًا لكنها بدأت بالفتور في تموز 1970 عندما وافق الرئيس عبد الناصر على مشروع روجرز.

– عام 1971 اندلعت مواجهات عرفت بـ “أيلول الأسود” بين الثورة والمقاومة من جهة والنظام الأردني من جهة ثانية أسفرت عن إخراج قوات الفدائيين من عمان والأحراش فيما بعد.

– جاء إلى لبنان سنة 1971 بعد انتقال قوات الثورة الفلسطينية إلى الجنوب ومخيمات بيروت.

– أعلن في 14/3/1972 التوقف عن إستراتيجية خطف الطائرات.

– أعلن انسحاب الجبهة الشعبية من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في أيلول 1974 احتجاجًا على الاتجاه السياسي الجديد للمنظمة والذي عرف ببرنامج النقاط العشر الذي أقره المجلس الوطني الفلسطيني العاشر.

– كان له إسهام بارز في تأسيس “حزب العمل الاشتراكي العربي” في لبنان وبلدان عربية أخرى.

– حاولت إسرائيل اعتقاله وقتله أكثر من مرة وكان أبرزها محاولة اختطاف إحدى الطائرات فور إقلاعها من مطار بيروت متجهة إلى بغداد لاعتقادها انه كان بين الركاب وجرت الحادثة في 10/8/1973.

-غادر بيروت في آب 1982 مع القوات الفلسطينية وأقام منذ ذلك الحين في دمشق.

– كان له شأن في تأسيس جبهة الإنقاذ الوطني الفلسطيني المؤلفة من المنظمات المعارضة لقيادة م.ت.ف والتي اتخذت دمشق مقرًا لها.

-عارض اتفاق عمّان بين م .ت.ف والأردن الذي وقع في شباط 1986 ودعا إلى إلغائه.

–  أصيب بجلطة دماغية في تونس في 17/1/1992 نقل على أثرها إلى أحد مستشفيات باريس، وأثار نقله أزمة سياسية داخلية في فرنسا استقال في أعقابها ثلاثة مسئولين.

– استقال من الأمانة العامة للجبهة الشعبية في أيلول عام 2000  أثناء عقد المؤتمر العام السادس للجبهة.

– أسس “مركز الغد العربي” في دمشق سنة 2002.

–  عاش المرحلة الأخيرة متنقلاً بين دمشق وعمان.

–  أدخل إلى إحدى مستشفيات عمان في 17/1/2008 لإصابته بجلطة قلبية وتوفى يوم 26/1/2008.

من مأثورات ومقولات القائد الراحل الحكيم جورج حبش

قوة الإرادة:

– “تستطيع طائرات العدو أن تقصف مدننا ومخيماتنا وتقتل الأطفال والشيوخ والنساء ولكن لا تستطيع قتل إرادة القتال فينا”.

– “لا تستوحشوا طريق الحق لقلة السائرين فيه”.

– “لا عذر لمن أدرك الفكرة وتخلى عنها”.

حديث عن الذات:

-لقد غادرت الوطن للدراسة في بيروت لأجل الارتقاء، وكلّي أمل وإصرار على العودة إليه حاملاً معي آمالي وأحلامي وعزمي لأكمل مشواري بين أحضان وطني.. وفي لحظة تاريخية فارقة لا يمكن أن تمحى من ذاكرتي.. افتقدت هذا الوطن..!! افتقدت كياني.. وغار الجرح عميقًا في كل جسدي.. إنها اللحظة الأصعب في حياتي التي حولتني من إنسان عاشق لوطنٍ وحياة إلى سياسي يبحث عن وطن.. وحياة أفضل، ذلك هو السر الذي دفعني إلى أن أوظف كل سنوات عمري لأجل استعادة هذا الوطن. وأستعيد معه كل أحلامي وآمالي.

حديثه إلى الشباب:

– إن أهم ما يمكن أن أنقله للأجيال الصاعدة هو خلاصة تجربتي، وما احتوته من دروس، سواء كانت دروس الإخفاق أو دروس النجاح، عليهم أن ينطلقوا من حيث وصلنا، لا لتكرار تجربتنا وإنما بالاستناد إلى دروسها الثمينة كونها دروسًا دُفعت أثمانها تضحيات ودماء غالية وعزيزة، وأن يجتهدوا ويجاهدوا لتخطي إخفاقاتنا وأسبابها، وهذا مشروط بامتلاك الوعي والعلم والمعرفة كأدوات من دونها يستحيل التقدّم، وأن يملكوا الثقة بالذات، وبالمستقبل وبأن الهزائم لا تعني المساس بأهدافنا، فهي صحيحة وعلمية وعادلة وإنسانية إلى أبعد حد.

– إن المهمات كبرى والتحديات جسيمة، وعلى شبابنا أن يشحذ عقله ويشمر عن ساعده ويندفع للعمل، عليه أن يتخطى أخطار التهميش والاستلاب والاغتراب، وأن ينمّي روح التمرد الايجابي وتخطي نفسية الخضوع، وأن يجاهد لتحرير المرأة من كل ما يعوق تقدمها ويحد من مبادرتها وإبداعها، وأن يربط دائمًا بين أصالته وضرورة امتلاك الحداثة وعدم وضعها في مواجهة مميتة، وأن يجيد الإنتاج ليصبح جديرًا بالاستهلاك، إنتاج الفكر والمعرفة والحضارة، والإنتاج المادي بمختلف ميادينه، وآمل ضمن هذا السياق، ألا يشكّل فشل الأحزاب وقساوة الهزائم قوة تدمير لروح الانتظام والانتماء لدى شبابنا، فلا مجال للتقدم ومضاعفة الفعل من دون الانتظام الواسع ضمن أحزاب ومؤسسات ونقابات وجمعيات ونواد، للارتقاء بالانتظام الاجتماعي إلى مستوى التوحيد الشامل للطاقات، وتقليص هدرها وتوجيهها ضمن رؤية إستراتيجية شاملة.

–  انني على ثقة بأن أجيال شبابنا الصاعدة والمتتالية لن تحتاج إلى من يلقّنها ما يجب أن تفعله، فليس من حق أحد، فردًا أو حزبًا، أن يصادر حقها في تحديد طموحاتها وأهدافها مسبقًا، هذه حقيقة، لكن تقف إلى جانبها حقيقة لا تقل أهمية، وهي أن حياة الأمم والشعوب وتاريخها ومستقبلها ليست سلسلة مفككة لا يربطها رابط، إنما هي عملية تراكمية متواصلة، ومن لا يدرك تاريخه ويعيه لن يستطيع إدراك حاضره، وبالتالي مستقبله.

الصراع مع الاحتلال:

الذكرى التاسعة لرحيل حكيم الثورة الفلسطينية جورج حبش - الإعلام الحقيقي ::  ريال ميديا ::

-إننا في حالة صراع مفتوح، ونضال مستمر، وصيرورة تاريخية في مواجهة المعتدي.. وليس مستغربًا أن يظهر على هامش هذه الصيرورة النضالية من يعبث بالحق الفلسطيني بصرف النظر عن الأسماء والمسميات، وكل محاولة للعبث بهذه الحقوق الوطنية عن وعي أو بدون وعي هي بمثابة كوابح سياسية وعملية لمسيرة النضال الوطني الفلسطيني، وعليه فإن كل المؤتمرات واللاءات والوثائق التي تنتقص من الحق الفلسطيني لن يكتب لها النجاح بفعل تمسك الشعب الفلسطيني بكافة حقوقه وثوابته. هل استطاعت أوسلو ووثائقها أن تنهي الحق الفلسطيني، أو تعيد جزءًا من الحق الفلسطيني؟ إن «إسرائيل» تستطيع أن تقول لاءاتها. ولكن كل واحدة من هذه اللاءات سيواجهها شعبنا بضراوة كفاحيًا وسياسيًا واستراتيجيًا.. ويجب أن يدرك الجميع أن القضية الفلسطينية لا تنحصر في عناوين هذه اللاءات الأربع.. إنما هي الأرض والشعب معًا، أي فلسطين التاريخة.

–  أن الصراع مع عدو، كالصهيونية – وإسرائيل – والامبريالية، هو صراع تاريخي مفتوح لن تختزله لحظات انكفاء عابرة، هذا الفهم يدفع عمليًا نحو ضرورة إدارة الصراع بطريقة شمولية، وبصورة يتساند ويتشابك فيها النضال التحرري القومي مع النضال الاجتماعي الديمقراطي، وهذا يعني وعي الديمقراطية كأداة للنهوض وقيم للسلوك والفكر والممارسة لتحرير المجتمع، فالديمقراطية، هي في حد ذاتها، ليست هي الحل وإنما بوابة للحل، أما الحل فهو قوى المجتمع وحريته القادرة على تحديد الأهداف والطموحات والنضال من أجل تحقيقها.

الحكيم والمسألة التنظيمية (الحزب):

–  إن التنظيم الذي يقوم على أساس ماركسي، أي بمعنى الاسترشاد بالفكر المنهجي الجدلي، ويلتزم مصلحة الأغلبية المستغَلة والمضطهدة التي تكمن في التحرّر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، سينتصر بينما التنظيم الذي يقوم على أساس برجوازي صغير سيفشل.

– إلا أن الحاجة إلى بناء العامل الذاتي/ الحزب، تشكّل حتى اللحظة القضية المركزية التي تحتل موقعًا هامًا أساسيًا في سلم الأولويات الضرورية من أجل تفعيل العلاقة الجدلية بين الظرف الموضوعي والعامل الذاتي كشرط لا بد من توفره لتجاوز الواقع الراهن.

– إن وقفة التأمل الايجابي التي نريدها، – من وجهة نظري – دعوة إلى التعمق في رؤية ما نحن عليه بصورة نقدية وتشخيص واقعنا بلا أية رتوش أو زيف، بعيدًا كل البعد عن الاستخفاف أو المكابرة، تأمل لا يدعو إلى السكون، بل ينطلق من نبضات قلب جبهتنا وحركتها الصاعدة في إطار الحراك السياسي الاجتماعي العام، الوطني والديمقراطي على الصعيد الفلسطيني بارتباطه العضوي الوثيق بالمشروع التقدمي القومي العربي، إذ لم يعد هناك أية إمكانية للحديث عن تطور وتقدم المشروع الوطني الفلسطيني بانفصاله عن الحامل القومي العربي، أقول ذلك، رغم شدة التباعد أو الانفصام الراهن بين الوطني والقومي.

– إن أهم استحقاق نظام على الصعيد التنظيمي يتمثل في قدرتنا في الجبهة الشعبية على تطوير بناها ومؤسساتها وأدائها بما يلبي الوظيفة والدور التاريخي الذي يجب أن تقوم به ارتباطًا بما تمثله تاريخيًا وما تطرحه راهنًا من رؤية أيدلوجية وسياسية واجتماعية وكفاحية.

– إن تكامل أشكال النضال المختلفة السياسية والاقتصادية والكفاحية والإعلامية والجماهيرية كلها معاول يجب أن تستخدم بطريقة واعية وعلمية واستثمارها بأعلى طاقة ممكنة من الكفاءة ووضوح الرؤية.

الحكيم وحق العودة:

-حق العودة هو حق طبيعي، وقانوني، وجمعي وفردي، ليس لأحد في العالم أن يعبث به، فالمسألة واضحة كالشمس، هناك لاجئون أرغموا على ترك أرضهم وديارهم.. لهم الحق في العودة كحقٍ طبيعي، ولهم الحق في العودة وفق قرار الأمم المتحدة 194، وهو قرار يجيز لهم العودة. والمنطق الطبيعي أن يعودوا لا أن يحل مكانهم مستوطنون قادمون من آفاق الأرض، وعليه فنحن ننظر إلى حق العودة كأساس وجوهر للمسألة الفلسطينية، ولا حلّ سياسيًا بدون ربط حق العودة بالأرض والوطن والكيان السياسي للشعب الفلسطيني.

جورج حبش ومسألة النضال القومي ضد الامبريالية:

-ترتبط عملية التحرّر القومي وعملية التحرر الاجتماعي إحداهما بالأخرى، وهذا ينقلنا إلى الحديث عن جبهات المواجهة المستقبلية، وهي أولاً: الجبهة الثقافية التي يجب أن تتناول أسباب هذا الواقع وتحليله والتفكير في الحلول والبدائل، إنها الجبهة التي تؤمن الأساس الفكري المنهجي لوعي الماضي والحاضر والمستقبل، ومن دونها سيبقى التخلف والانفعال، وهناك ثانيًا الجبهة السياسية، إذ يجب أن تقوم أحزاب وجبهات حكمًا بالجبهة الثقافية، وتشاركها في بلورة الرؤية والتحليل والعلاج، وتنقل الوعي إلى قوة فعل سياسي – اجتماعي منظم، وهناك ثالثًا الجبهة الاجتماعية، فلا يجوز، مهما نركز على الجهة الصهيونية، أن نهمل الموضوع الاجتماعي الذي يتصدى لمعالجة هموم الناس المعيشية، وفي هذا الإطار، أيضًا، ومهما يكن الواقع مرًّا وأنا أوافق على تشخيص هذا الواقع، فإنني أتطلّع إلى تحقيق نهضة عربية كبيرة تتلاءم مع حجم طاقات الأمة العربية وإمكاناتها وتراثها وحضارتها.

-إن الاندفاع الذي يسوقنا إليه أعداء هذه الأمة، الامبريالية الأمريكية و”إسرائيل”، تحت ستار العولمة، وعبر أدوات تحكم هذا الوطن أو تتحكم فيه، هذا الاندفاع أو الدفع لا بد له أن يتوقف، لأنه يسوقنا إلى مخاطر وكوارث ستهون أمامها كل المخاطر أو الهزائم أو النكبات على امتداد تاريخنا الحديث والمعاصر، لكننا جميعًا نُدرك أن هذا الواقع المأزوم والمهزوم الذي نعيشه اليوم يعود في أحد أهم أسبابه المباشرة، إلى تراكم أزمة حركة التحرّر العربية منذ عقود طويلة، وهو تراكم تتجدّد فيه عوامل الهبوط السياسي والتشوه المجتمعي والتخلف العام، مع تزايد التبعية بكل أشكالها، ولكن الإشكالية الكبرى أن تضخم هذه الأزمة لم يكن ممكنًا لولا ذلك القصور السياسي لأطراف حركة التحرّر العربية، وقصور أحزابها وفصائلها عن قيادة عملية التغيير من أجل تجاوز الواقع الراهن.

– ان أول أسباب انتصار المشروع الصهيوني يكمن في أن قياداته أدارت الصراع بصورة شمولية، وعلى أساس إستراتيجية صراعية متقدمة، ويخطئ من يظن أن الحركة الصهيونية مجرد عصابات منفلتة، يمكن وصفها خلقيًا من جانبنا بالعصابات، لكنها في الواقع قامت بدورها ووظيفتها ارتباطًا بأهدافها من النقطة التي وصلت إليها أوروبا والدول الصناعية على صعيد التطور. هذا عنوان أول، العنوان الثاني هو تركيم مكونات القوة. الموضوع الآخر، في هذا السياق، يتمثل في صوغ معايير تتلاءم مع مصلحة المشروع العليا، وهي معايير كانت تتخطى الأفراد والأحزاب، وفي ضرورة الارتقاء بالأفراد إلى مستوى حاجة الوظيفة والدور المطلوب تأديتها، وليس العكس.

– مع تعميق إيماني بضرورة وحدة الأمة العربية ككل، وأهمية ذلك لتحقيق شروط تحرير فلسطين، لا أنظر إلى الوحدة اليوم كمجرد شعار، ولا كما تمت بين سورية ومصر، وإنما من خلال عملية التراكم والتكامل، ومن خلال الوحدات الأصغر: وحدة مصر والسودان، وحدة المغرب، وحدة دول الهلال الخصيب، وحدة دول الخليج، لكن من الضروري التركيز على أهمية دور سورية فيما يتعلق بالقسم الآسيوي، وعلى أهمية دور مصر بالنسبة إلى القسم الإفريقي. جوهر الاشتراكية ألاً يقوم مجتمع على أساس الاستغلال، وفشل الأنظمة الاشتراكية لا يعني فشلاً للنظرية الاشتراكية ويجب أن يكون كل الاشتراكيين في العالم معنيين بدراسة أسباب فشل التجربة الاشتراكية الأولى.

الحكيم والموقف من أوسلو والوحدة الوطنية:

– مأساة أوسلو لا تعود إلى حدث بعينه، إنها في الواقع حصيلة تاريخية لما سبقها من مراحل، بل يمكن القول إنها حصيلة الهزائم المتراكمة عربيًا وفلسطينيًا، ولا أقصد بالهزائم فقط الانهزام العسكري أمام “إسرائيل”، بل أيضًا – وهذا هو الأهم – عناصرها الذاتية، أي الداخلية، بمعنى عجزنا عن تركيم وتأمين مقدمات الانتصار السياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية، وعجزنا عن انطلاق فاعلية المجتمع العربي في كل الدول، وإبقاؤه تحت رحمة الاستلاب والخضوع وقمع الأنظمة البوليسية، فكيف يمكن تصوّر أن ينجح شعب في الانتصار على عدو متقدم يملك أسباب القوة كالعدو الصهيوني، ما دام ذلك الشعب لا يعرف معنى حريته الداخلية، وتسود فيه الغيبية والجهل والانغلاق على الذات، هنا تكمن مرجعية هزيمة أوسلو وغيرها من الهزائم العربية – الفلسطينية.

-الوحدة الوطنية ضرورة ملحّة لمواجهة السرطان الصهيوني، شرط أن تقوم على أساس سياسي واضح، وعلى أساس ديمقراطي، وألاّ تكون تحت رحمة قيادة فردية.

-إن المرحلة السياسية الراهنة ليست ذاتها التي انطلقت منها الثورة الفلسطينية المعاصرة.. وبالتالي الشيء الطبيعي أن تختلف وسائل وأشكال النضال، وأولويات النضال وفقًا للظروف المناسبة، وعلى القيادات الفلسطينية المناضلة أن تقرأ اللوحة الدولية بكل تضاريسها كي تعرف أين موقعها في هذا الصراع الدائر على مستوى العالم.. وابتداع الأشكال النضالية المناسبة، كما عليها أن تدرك أن هذا التوازن الآن، بل الاختلال بتوازن القوى الدولية ليس إلا مرحلة سياسية قد تقصر أو تطول. فلا يجب على هذه القيادات أن تقدم على تنازلات تحت وطأة هذا العالم الأحادي القطبية.. فهو عالم ليس سرمديًا وأبديًا.. إنما عليها أن تؤسّس لحركة وعي وطنية وقومية جديدة لدى الإنسان الفلسطيني والعربي، مضمونها بعث الهوية الوطنية والقومية لجهة عدم الاندماج في ما يسمى الهوية العالمية.. هذا تضليل من قبل الآخر لتسهيل مهمته في احتلال الأرض والعقل والثقافة.

كلمات الحكيم قبل الرحيل:

– في النهاية أقول إن جيلنا حاول أن يقوم بواجبه بصورة جيدة، أو أقل، أو سيئة، وبالتأكيد كان في إمكانه أن يعمل أفضل، وأن يعطي أفضل، وكان في قدرته أن يتخطى بعض الأخطاء الكبيرة، لكن هذا ما حدث، ونحن مستعدون لتحمل مسؤوليتنا وتحمل محاكمة الشعب والتاريخ مهما تكن قاسية، فالهدف في النهاية ليس حماية الرأس، وإنما عدم تبديد خبرة أعوام وعقود وتضحيات لا يمكن تعويضها.

– كلمتي إلى الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة.. أذكّرهم بأن الاستعمار بكافة أشكاله سيرحل عن أرضنا ولنا بالتاريخ عبرة.. لكن الأمر يحتاج أولاً إلى الوحدة، ثم الوحدة، ثم الوحدة.. وإن فلسطين هي الهدف، والهدف الراهن والاستراتيجي، فلا نجعل من خلافاتنا وصراعاتنا الداخلية على السلطة الوهمية والتي هي تحت الاحتلال مجالاً لانتصار الآخر علينا.

المصدر: بوابة الهدف

فيدوات متعلقة

مقالات متعلقة

لبعض المتفذلكين على المقاومة في مفهوم الصراع مع العدو

ناصر قنديل

من حيث المبدأ لا يستقيم نقد إلا مع سلوك وموقع صاحبه، فمن يريد توجيه الانتقاد لفريق في الصراع عليه أن يكون متجاوزاً له نحو الأعلى في سياق الموقف والموقع والفعل، إذا كان حزباً أو قوة سياسية، أو على الأقل منتمياً على المستوى الفكري والسياسي الثابت والمستدام لمدرسة ومنهج أشد جذرية من الفريق المنتقد في النظر لقضايا الصراع إذا كان فرداً وصاحب رأي. وبالتوقف أمام ما قيل وكتب من انتقادات تناولت الإعلان عن اتفاق الإطار لترسيم الحدود البحرية من قبل رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي لم يعد موضع نقاش لكونه حاصل تنسيق بالتفاصيل مع قيادة المقاومة منذ يوم التفاوض الأول مع الأميركيين حتى الخاتمة المتمثلة بالبيان المصوغ بلغة تفاهم نيسان، الذي لم يكن أحد يومها مستعداً لرؤية كلمة «حكومة إسرائيل» فيه مصدراً لتساؤل، لأن الصادقين رأوا فيه الجوهر الصراعي التراكمي، في سياق واقعية مقتضيات هذا التراكم، أما الآخرون فتجاهلوا الانتقاد يومها لأنهم كانوا يعتقدون أن المقاومة كلها قائمة أصلاً على المبالغة في تقدير قوتها وما تسميه إنجازاتها، وسوف لن يطول عمر «أوهامها وأحلامها» بالتفوق على الاحتلال. من هنا يجب الوضوح بالقول إن كل نقد يوجه للإعلان تحت شعار التشكيك بما يعبر عنه في سياق الصراع مع العدو، ولو حصر سهامه برئيس مجلس النواب من باب الكيد السياسي، فهو يعلم أنه يستهدف حزب الله والمقاومة تشكيكاً بصدقية الموقع من الصراع مع العدو، فهل يملك هذا التشكيك قدراً من الصدقية؟

ماذا يعني مفهوم الصراع المفتوح مع كيان الاحتلال، هو السؤال المنهجيّ الأول الذي يطرحه النقاش، فهل هو يعني أن حركة المقاومة والدولة المقاومة في أي بلد عربي مجاور لفلسطين، ستسعى لجعل بلدها مجرد منطقة محرّرة من الاحتلال في حرب تحرير مفتوحة نحو فلسطين، على قاعدة أن الأمة واحدة، سورية أو عربية، وهل هذا ممكن واقعياً، أم أن على حركات المقاومة أن تضع منهجاً يقوم على ثنائية، ربط نضالها وموقفها بسقوف وطنية. فالدولة السورية المقاومة تضع سقفها الوطني بتحرير الجولان حتى خط الرابع من حزيران، كما قال القرار الأممي 242 والقرار 338، والمقاومة في لبنان تضع سقفها الوطني بتحرير الأراضي اللبنانية المحتلة حتى الحدود الدولية المعترف بها، وفقاً لنص القرار 425، وبالتوازي التمسك بالالتزام بالقضية الفلسطينية والحقوق التاريخية في كل فلسطين، ولو فرضت منعرجات الصراع استعمال مفردات ولغة تتناسب مع موازين القوى الدولية، كإعلان سورية وقبلها مصر مع الرئيس جمال عبد الناصر، السعي للسلام العادل والشامل، لرمي كرة التعطيل في ملعب العدو، والرهان على الزمن لبناء توازنات جديدة تتيح ملف التحرير للأراضي الفلسطينية، وكما تفعل المقاومة في لبنان عندما تربط وجود سلاحها بعناوين مثل حماية لبنان من العدوان، وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وهل يعني ذلك تفريطاً بالقضاياً المصيرية والاستراتيجية في الصراع؟

عندما ننطلق من فهم ضبط الأداء الهجومي للمقاومة بالسقوف الوطنية، وضبط منهجها السياسي برفض التخلي عن أسباب القوة لأنها جزء من مقتضيات الصراع الذي لم ينته ولن ينتهي بالنسبة لها، إلا بتحرير كامل فلسطين وزوال الكيان، ندرك معنى المسار المتعرج للصراع، الذي يعرف مراحل سكون وتصعيد، ويعرف مراحل هدنة وحروب، لكن ضمن معادلة الحفاظ على أسباب القوة، وخوض الصراع على الوعي في كل تفاصيل الصراع، ولا يمكن رؤية كل الحملة التي تستهدف إعلان اتفاق الإطار، إلا في سياق تعطيل مهمة مراكمة الوعي لصالح ثقافة المقاومة وخيار المقاومة وجعل المقاومة في حال دفاع، تحت وابل التشكيك كي لا تتمكن من ترسيخ خلاصة جوهرية محورها، ان كيان الاحتلال فقد القدرة على التسيّد في المنطقة. وهو رضخ مجبراً لشروط لبنان، القوي بمقاومته، لأن الكيان لن يستطيع توفير الأمن لاستثمار الغاز في فلسطين المحتلة، من دون أن يسلّم بحقوق لبنان التي كان يرغب بالسطو عليها. وهذا يعني بمفهوم معركة الوعي تظهير المقاومة كمصدر قوة للدولة الوطنية، بعد حروب فكرية وسياسية وإعلامية ممتدة خلال أعوام بشراكة دولية وعربية ولبنانية تريد تظهير المقاومة كعبء على بلدها وسبباً لاستجلاب العقوبات والحصار وفقدان الموارد. وإذ هي تظهر حامية للثروات ومصدراً للحفاظ على الموارد وتحصيل حقوق كانت ستضيع لولا وجود هذه المقاومة وقوتها، من دون أن تبيع للعدو شيئاً في السياسة، أو تفتح بازراً للبيع والشراء، فالتفاوض غير مباشر وعسكري وتقني وسينتهي بمحاضر وخرائط اسوة بما جرى في نقاط البر على مراحل متعددة.

السؤال الذي تجب الإجابة عليه بشجاعة، بعيداً عن التفذلك، هل يعيب المقاومة أن يكون معادل فرض شروطها في التفاهمات المؤقتة ضمن حركة الصراع، هو التوقيت، فالذي أجبر العدو على قبول تفاهم نيسان الذي قيل فيه إنه شرعن المقاومة وصولاً لتمكينها من إنجاز التحرير، هو نفاد الوقت منه ضمن مدى قدرته على الاحتمال، ومثل ذلك حدث في حرب تموز 2006 وفرض شروط المقاومة ضمن القرار 1701، فسقطت مشاريع القوات المتعددة الجنسيات ونزع سلاح المقاومة كشروط لوقف النار. وها هي المقاومة في ظل القرار 1701 باعتراف أعدائها أشدّ قوة ومصدر خطر وجودي على الكيان، ومثل ذلك حصل في عام 2000، مع نفاد الوقت المتاح لإعلان إتمام الانسحاب من لبنان، فنال لبنان ملايين الأمتار المربعة، ومثل ذلك يحدث اليوم، مع فرض شروط التفاوض غير المباشر والرعاية الأممية لعملية الترسيم، وما فرض على العدو ومن خلفه الأميركي القبول هو حاجته للتوقيت، سواء لجهة الاستثمار الذي يحتاجه في ما يمكن تحصيله من حقول الغاز، أو الاستثمار السياسي الذي يحتاجه الأميركي في سياق انتخاباته الرئاسية، وفي كل هذه المحطات هل كانت المقايضة على نصف الشروط بدلاً من مقايضة كل الشروط بالتوقيت هي الأصحّ والأسلم وفقاً لقوانين الصراع حيث التوقيت عابر، والشروط دائمة، أم أن الأفضل هو التخلّي عن فرصة تحقيق الشروط لحرمان العدو من كسب التوقيت، وهل تبني هذه العدمية العبثية مقاومة وتحقق تراكم وعي وإنجازات في الميدان؟

السؤال الذي لا يقلّ أهمية، هو أنه في كل هدنة ووقف نار، من تفاهم نيسان، وقبله فك الاشتباك في الجولان، وبعدهما بعد العام 2000، وبعد القرار 1701، تبادل مع العدو في الحصول على مقدار من الأمن التكتيكي، من دون منحه ضمانات للأمن الاستراتيجي الذي يبقى تعزيز مقدرات المقاومة والتذكير بمعادلاتها الرادعة مصدر تهديد دائم له ضمن التأكيد على الطابع المصيري والوجودي للصراع. فهل في هذا المفهوم لنيل الأمن من جانب العدو تكتيكياً ما يعيب المقاومة في صدقيتها؟ وهل في نيل العدو أمناً تكتيكياً لاستثماراته في حقول الغاز، مقابل التسليم بحقوق لبنان، التي كان يرغب العدو بالسطو عليها وأجبرته مخاوفه على أمن الاستثمار، على التسليم بالحقوق اللبنانية، وهل ينتقص هذا الأمن التكتيكي الذي يصاحب كل مراحل التفاهمات من جدية مشروع المقاومة وصدقيته في نهائية مواجهته مع الكيان وسعيه لإزالته عن الخريطة؟

المقاومة الصادقة في توجهاتها الاستراتيجية تحتاج لرسم خريطة طريق نجاحها، إلى عدم الوقوع تحت ابتزاز تطرفين، تطرف يقيس صدقيتها القومية بأن تتجاهل أنها حامل موضوعي لأسباب القوة لهوية وطنية، وأن تتجاهل قوانين الصراع وقواعد تراكم موازين القوة، ومن ضمنها مراكمة الوعي، وبنظر هؤلاء على المقاومة أن تمتنع عن كل هدنة، والهدنة أمن للعدو بمثل ما هي أمن للمقاومة، فتبقي جبهاتها مشتعلة حتى لو خسرت شعبها من ورائها، وتورطت بمواجهات تفقدها مصادر قوتها كي تثبت أنها مخلصة لفلسطين، وتطرّف آخر يقيس صدقيتها الوطنية بأن تتجاهل مسؤوليتها القومية، وتنسى فلسطين، وتبني على قواعد المعادلات الوطنية اللبنانية وحدها مصير حركتها، فتنتهي مهمتها في الصراع بمجرد تحقيق المصالح الوطنية، ولو كان الثمن التخلي عن مسؤوليتها القومية، فلا مشكلة لدى أصحاب هذا التطرف بالتطبيع والاعتراف بشرعية كيان الاحتلال إذا كان الثمن مكاسب لبنانية، والمقاومة لا تنتمي لهذا التطرّف ولا لذاك لسبب بسيط، لأنها تعي وطنيتها وقوميتها بصفتهما مصدري تكامل لا تنافر.

ألاعيب أبناء وأحفاد البنا!

د. محمد سيد أحمد

لم نكتب منذ فترة طويلة عن جماعة الإخوان المسلمين، على الرغم من أنّ غالبية مقالاتي منذ 25 يناير/ كانون الثاني 2011 وحتى 30 يونيو/ حزيران 2013 وما بعد ذلك بعام تقريباً لم تكن إلا عن الجماعة وخطورتها على المجتمع المصري، وكنت دائماً ما أحذر من ألاعيب أبناء وأحفاد البنا، وذلك من واقع خبرة علمية بفكر التنظيم وحركته التاريخية، واليوم أجد إلحاحاً من بعض الأصدقاء بضرورة العودة للكتابة مرة أخرى عن التنظيم وفكره وحركته بعد أن عاد للعمل من جديد ويحاول زعزعة الأمن والاستقرار بالداخل المصري، والقضاء على كلّ منجز تقوم به الدولة المصرية على طريق النهوض والتنمية، مستغلاً بعض الأخطاء من ناحية، وعدم القدرة على الفهم والتعامل مع ألاعيب الجماعة من ناحية أخرى.

ونعود إلى الخلف قليلاً ففي أعقاب 30 يونيو/ حزيران 2013 والإطاحة بالجماعة من سدة الحكم تحدّثنا عن الخيارات المتاحة أمام الجماعة باعتبارها إحدى القوى الاجتماعية والسياسية الفاعلة على الساحة المجتمعية المصرية – فهذه حقيقة علمية سواء قبلها البعض أو حاول إنكارها – ولعلّ محاولات إنكارها هي ما أوصلنا إلى هذه الحالة الراهنة التي كبرت فيها الجماعة وتوحّشت وكادت تبتلع الوطن بكامله، فأخطاء السلطة السياسية عبر ما يقرب من الخمسة عقود الماضية كانت سبباً في ما وصلنا إليه الآن من مواجهة شاملة مع هذه القوى الإرهابية، فعندما ظنّ الرئيس السادات أنه بإمكانه القيام بثورة مضادة لثورة 23 يوليو/ تموز 1952 يتخلّص على أثرها من خصومه السياسيين من الناصريين والشيوعيين فاستعان على الفور بخصمهم العنيد جماعة الإخوان المسلمين فأخرجهم من السجون والمعتقلات وأطلق سراحهم لمواجهة هؤلاء الخصوم، لكن هذه المواجهة انتهت باغتياله شخصياً بعد أن ظنّ أنهم فرغوا من مهمّتهم التي أوكلها لهم، ثم جاء الرئيس مبارك ليسير في نفس الطريق حيث قرّر منذ البداية استمالة الجماعة وعقد صفقات تحتية معها، تمكنت على أثرها من التغلغل داخل بنية المجتمع انتظاراً للفرصة التي تمكنها من الانقضاض على السلطة السياسية وانتزاعها، وساعدتها على ذلك سياسات مبارك المنسحبة من الأدوار الرئيسية للدولة وتخليها عن مسؤوليتها الاجتماعية والاقتصادية تجاه مواطنيها، مما خلق فراغاً تمكنت هذه الجماعة وحلفائها من ملئه خاصة في الأحياء والمناطق الأكثر فقراً في الريف والحضر.

وفي أعقاب الإطاحة بالجماعة من سدة الحكم طرحنا مجموعة من الخيارات المتاحة أمامها، من خلال قراءة علمية نقدية في أدبيات الجماعة الفكرية، وحركتها التنظيمية، وتجاربها التاريخية داخل المجتمع المصري، وتوصلنا إلى ثلاثة خيارات متاحة أمامها في اللحظة الراهنة وهي:

1

ـ إلى الأمام، والاعتذار عن الفشل وإعادة النظر في تجربتها والاندماج مرة أخرى في المجتمع بعد مصالحة يتمّ على أثرها معاقبة من أخطأ.

2

ـ إلى الخلف، وخوض مواجهة مفتوحة مع الجميع المجتمع والدولة والسلطة السياسية، وهذا خيار اللاعودة، فإما الانتصار باستخدام الإرهاب على الشعب والحكومة والدولة، أو الانتحار.

3

ـ في المكان، واتّباع مبدأ التقية والعودة مرة أخرى لعقد صفقات وتحالفات مرحلية ومؤقتة مع السلطة السياسية، كما كان يحدث في الماضي، وهي لعبة تجيدها الجماعة تاريخياً، بل هي جزء من عقيدتها حيث اتقاء شرّ السلطة السياسية حين تكون الجماعة في مرحلة استضعاف، وهو ما تمّ على مدار حكم مبارك، ثمّ انتهاز الفرصة للانقضاض عليه والإطاحة به والجلوس محله، وهي المرحلة التي تعرف بمرحلة الاستقواء والتمكين.

وكنا قد أكدنا أنّ كلّ الشواهد والأدلة والبراهين تشير إلى أنّ الجماعة تسير بالفعل في اتجاه اللاعودة أيّ الخيار الثاني إلى الخلف، فالجماعة قد حسمت أمرها وقرّرت خوض معركة إلى الخلف للنهاية، وذلك من خلال تحالفها مع باقي الجماعات الإرهابية التي خرجت من تحت عباءتها والتي تطلق على نفسها مسمّيات مختلفة – سلفية وجهادية وغيرها – حيث أعلنوا النزول ضدّ الشعب والدولة والسلطة السياسية في مواجهة شاملة سيقومون من خلالها باستدعاء كلّ الحيل التاريخية لقوى الإسلام السياسي التي استخدمت من أجل الوصول إلى السلطة والسيطرة على مقاليد الحكم باسم الله والدين، والله والدين منهم براء، لكن الجديد في الأمر هو استخدام الجماعة وأعوانها حيل جديدة حيث استخدمت المنصات الإعلامية في الخارج سواء في تركيا أو قطر، وشكلت كتائب إلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي تعمل على مدار الساعة لنشر الفتن والأكاذيب وتضخيم الأحداث الصغيرة، والدعوة الدائمة للخروج والتظاهر مستغلين بعض السياسات غير الرشيدة من السلطة السياسية سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي.

لذلك يجب أن يعي الشعب المصري والسلطة السياسية معا أنّ المعركة الراهنة، هي الخيار الأخير أمام هذه الجماعة الإرهابية، وعلى الجميع أن يتوحّد تحت مظلة الوطن فالمعركة لا يمكن أن تحسم من خلال الأجهزة الأمنية فقط – جيش وشرطة – وإنما تحتاج لدعم شعبي ومواجهة مجتمعية شاملة على كافة المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والدينية والإعلامية، وليدرك الجميع أنّ هذه المعركة ستطول ولن تحسم في المنظور القريب، وما المعركة الدائرة اليوم من خلال تحريض المواطنين الغاضبين من بعض السياسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية إلا جولة من جولات الصراع بين الوطن وأعداء الوطن، لذلك لا بدّ أن تتحرك السلطة السياسية لنزع فتيل الغضب بمجموعة من السياسات المنحازة للفقراء والكادحين والمهمّشين، وإحداث إصلاح سياسي حقيقي ووقف العبث الذي تمّ في انتخابات مجلس الشيوخ، والذي يتمّ في انتخابات مجلس النواب، خاصة أنّ أبناء وأحفاد البنا ما زالوا يتلاعبون بالعقول وينفخون في النار، اللهم بلغت اللهم فاشهد.

جمال عبد الناصر زعيم الأمة العربية الخالد

  الصفصاف

بوفاة جمال عبد الناصر في الثامن والعشرين من أيلول سنة 1970 فقدت الأمة العربية قلبها النابض، عقلها الاستراتيجي ولسانها العربي القومي الفصيح. فقدت قائدها الثائر ومثور أجيالها من المحيط الى الخليج. رأس حربتها في مواجهة الاستعمار والصهاينة والرجعيين. ولأنه كان كذلك نجد أن كل أعداء الزعيم الخالد كانوا ولازالوا حاقدين عليه بالرغم من مرور عشرات السنين على رحيله. يأتي العدو الصهيوني على رأس الحاقدين والباغضين والكارهين والمعادين لعبد الناصر، فهذا الرجل الذي كان مبدعاً في تثوير الأمة العربية من محيطها الى خليجها ومن خليجها الى محيطها ضد الاحتلال الصهيوني وأعداء الأمة العربية وأعوانهم الرجعيين العرب. غرس العروبة والمقاومة والعداء لكل هؤلاء في عقول الملايين من الجماهير العربية. خير دليل على احترام ومحبة وتقدير الأمة العربية للزعيم الخالد كان يوم وفاته واثناء جنازته المهيبة التي شارك فيها نحو 5 مليون مصري. عداكم عن ملايين الجنازات التي أقميت في كل الوطن العربي وشاركت فيها ملايين الحشود من جماهير الأمة. فلو كان عبد الناصر كما يصفه الأعداء واعلامهم وجواسيسهم وأعوانهم لما لاقى هذا الوداع العظيم ولما بقي خالداً في قلوب العرب حتى يومنا هذا. ولما بقي احترامه موجوداً ومقدراً لغاية يومنا هذا في عدد كبير من دول العالم وبين قواها الحية وشعوبها. ولو كان عبد الناصر خائنا ومتخاذلا وذليلا ومستسلما ومطبعا ومهزوما وعاجزا و صغيراً كما الذين خلفوه في حكم مصر، لما قامت وسائل الاعلام المؤتمرة بإمرة الحكام وأشباه الحكام بتشويه سيرته وزرع ذلك في عقول الشباب المصري. فعبد الناصر سيبقى ملهماً للثورة وللنضال وللانتماء الأصيل للأمة. بقي هو ولازال حياً في أجيال العرب المقاةمة بينما مات أعداؤه في الحياة نفسياً ووطنياً وقومياً قبل أن يموتوا جسدياً.

عاش زاهدا مثله مثل أي مواطن عادي وأي فلاح وأي عامل وأي جندي مصري. تزوج من سيدة من طينته وعجينته تشابهت صفاتها مع صفاته وتواضعها مع تواضعه وطريقة معيشتها وحياتها العادية والبسيطة مع طريقة حياته ومعيشته العادية. عاشت في الظل ولم تبدل جلدها تماما كما فعل زوجها ورفيق عمرها الزعيم جمال عبد الناصر، زعيم مصر والعرب، هذا الجندي الذي قاتل في فلسطين اثناء النكبة وصمد ودافع عنها بضراوة وشراسة. ففي فلسطين عاش عبد الناصر النكبة والخيانة والألم على ضياعها واغتصابها واحتلالها من قبل الصهاينة المجرمين. فقرر عند عودته أن يفعل هو ورفاقه من أبناء الجيش المصري شيئاً يقلب مصر والمنطقة راساً على عقب، فكانت حركة الضباط الأحرار التي أزاحت عرش الملك وأعادت لمصر مكانتها في طليعة العرب وأفريقيا ودول العالم، وصار يحسب لمصر ناصر ألف حساب. منذ نجح ناصر ورفاقه في السيطرة على الحكم في مصر بدأت المؤامرات ضده من قبل الصهاينة والغرب الاستعماري ممثلا بالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وكل معسكر الأعداء من مملكة آل سعود الوهابية الى المجرمين الصهاينة اليهود في فلسطين المحتلة. وصولاً الى أعداء الداخل في مصر نفسها الذين كانوا يكيدون لعبد الناصر، ثم حاولوا اغتياله بالتنسيق مع المخابرات البريطانية وبتمويل ودعم من السعودية. لكنه صبر وصمد وقاوم وأستمر وانتصر عليهم.

الرئيس عبد الناصر توجه إلى قمة دول عدم الانحياز في باندونغ عام 1955، برفقة شوان لاي رئيس وزراء الصين الأسبق و نهرو وسوكارنو وأسسوا مجموعة دول عدم الانحياز، الحلف التضامني الآسيوي الافريقي واللاتيني الأمريكي. الذي ضم عظماء من ذلك الزمان منهم أيضاً تيتو ثم كاسترو. استطاع الزعيم عبد الناصر مع قادة عالميين بناء حلف عالمي كبير لأجل دعم قضية فلسطين وحركات التحرر العربية والافريقية والأسيوية والعالمية. وللتحشيد العالمي لنصرة شعب وقضية فلسطين.

كما دافع عبد الناصر عن فلسطين دافع عن البلاد العربية الأخرى من الجزائر الى اليمن وسوريا والعراق وليبيا ولبنان والخ. هذا كله لم يرق للأعداء ومعسكرهم الكبير، خاصة علاقات عبد الناصر مع الاتحاد السويفيتي واعادة بناء الجيش المصري استعداد لحرب التحرير الكبرى. لكن الأعداء هاجموه في العدوان الثلاثي رداً على المقاومة المصرية التي ألحقت خسائر كبيرة بالمستعمرين البريطانيين في سيناء قبل واثناء توقيع اتفاقية الجلاء سنة 1954. التي انتهت بطرد الاستعمار البريطاني من مصر نهائياً.

في ذلك الوقت كان موقف عبد الناصر واضحاً في عداءه للكيان الصهيوني ورفض الاعتراف بوجوده. وكرس ذلك عبر تضييق حركة الملاحة في قناة السويس وخليج العقبة على السفن الصهيونية. طبعاً لم يرق ذلك للصهاينة الذين قاموا بتعزيز قدراتهم العسكرية عبر ابرام صفقات سلاح كبيرة مع فرنسا. طلب عبد الناصر السلاح من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا لكنهما رفضتا تزويده بالسلاح فتوجه نحو الاتحاد السويفيتي الذي رحب بذلك وزود مصر بالسلاح والعتاد العسكريين. في ذلك الوقت كان السوفييت يريدون أن يكون لهم موطئ قدم وحلفاء في المنطقة. في ذلك الوقت أيضاً رفض عبد الناصر الدخول في حلف مع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا حليفتا (اسرائيل). وأعلن يوم 26 تموز – يوليو 1956 تأميم قناة السويس. وعندما فشل معسكر الأعداء العالمي في ثنيّ مصر عن قرارها قررت بريطانيا مع فرنسا والكيان الصهيوني مهاجمة مصر عقابا لعبد الناصر على قرار التأميم ورفض الصلح والاعتراف بالكيان الصهيوني، أو توقيع اتفاقيات سلام (استسلام) معه والسيطرة والسيادة الكاملة على قناة السويس التي هي جزء من الأرض العربية المصرية.

هاجمت مصر قوات معادية بريطانية، فرنسية وصهيونية سنة 1956 وعرفت تلك الحرب بحرب السويس. تعتبر تلك الحرب العدوانية ثاني حروب وغزوات العدو الصهيوني على الأمة العربية بعد احتلال فلسطين في الحرب الأولى سنة 1948. لم تكن مصر في وضع عسكري قوي يسمح لها بمواجهة هذا العدوان لكنها واجهته ودحرته بعد معارك مشرفة وكان لموقف الاتحاد السوفيتي شديد الأثر في انهاء العدوان الثلاثي حيث وجه السوفييت انذارا شديد اللهجة للمعتدين وهددت القيادة السوفيتية بمحو العدوان. مما اضطر المعتدين الى الانسحاب. اعتبرت تلك الحرب نهاية لنفوذ وقوة بريطانيا كدولة عظمى في العالم. وهذا يضاف أيضاً لانجازات الزعيم جمال عبد الناصر.

اليوم ونحن على مشارف ذكرى رحيل الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، الذي قال في خطبة من خطبه “إن جزمة جندي مصري بتاج آل سعود”. نقول للزعيم الراحل: تلك الجزمة بتيجان كل الذين خانوا مصر وخانوك وخانوا فلسطين والعروبة. عبيد أموال السعودية وأخواتها من الذين لازالوا يعيشون في عهد العبودية والاستعمار والتبعية والخيانة.

أما من وقعوا اتفاقيات مع الصهاينة معترفين بروايتهم التاريخية الزائفة ومتخلين عن روايتنا العربية المقدسة فقد أصبحوا خارج الصفين الوطني والقومي. وهذا ينطبق على المستسلمين الفلسطينيين أولا ثم على أشباههم من العرب.

في ذكرى رحيل زعيم الأمة العربية بلا منازع أقول للفلسطينيين الصامدين الصابرين المرابطين داخل الوطن المحتل وبالذات في القدس وأماكنها المقدسة، مساجد وكنائس. جهزوا نعالكم وأحذيتكم لاستقبال أي مستسلم ومطبع عربي سيتجرأ على زيارة أحياء المدينة العربية القديمة في القدس ولو حتى برفقة نتنياهو نفسه وليس فقط شرطته وجيشه.

نضال حمد

جمال عبد الناصر.. في ذكراه الخمسين: لا صلح.. لا تفاوض.. لا اعتراف

محب للجميع Twitterren: "من اقوال هذا الرجل ( اذا وجدتم امريكا راضية عني  فاعلموا اني اسير في الطريق الخطا ) http://t.co/ipHCFfZUeE"

د. جمال زهران

يأتي يوم 28 سبتمبر/ أيلول 2020، ليذكرنا بالذكرى الخمسين لرحيل الزعيم جمال عبد الناصر، أيّ نصف قرن من عمر الزمن والتاريخ، وذلك وسط متغيّرات وظروف بيئية في منتهى القسوة إقليمياً ودولياً، بل ومحلياً داخل الأقطار العربيّة. فنحن نعيش عصر التدهور العربي خاصة في محور الرجعية العربية، مقابل تصاعد محور المقاومة الذي يواجه ضغوطاً غير مسبوقة، ومع ذلك يحقق الانتصارات تباعاً.

ومن أهمّ المتغيّرات التي يواجهها الإقليم والقضية الفلسطينية، ما حدث من اختراق رسمي وعلني صهيوني لدول الخليج التي كانت عربية، لتسقط الدولة تلو الأخرى في براثن الكيان الصهيوني (إسرائيل)، بإعلان التطبيع وتأسيس العلاقات بينهم وبين “إسرائيل”. وفي المقدّمة رسمياً (الإمارات – البحرين)، والبقية في الطريق بقيادة رأس الرجعية العربية وهي المملكة السعودية، وذلك عدا دولة الكويت التي أعلنت رفضها القاطع للتطبيع مع الكيان الصهيوني.

تلك الإشارة هي التي تتعلق بالذكرى الخمسين لرحيل عبد الناصر الذي كان يمتلك رؤية كاملة وشاملة وواضحة إزاء العداء لهذا الكيان الصهيوني منذ بداية قيامه ورفاقه بثورة 23 يوليو 1952، ولعلّ السبب الرئيسي الذي ساهم في بناء رؤيته، هو مشاركته في حرب 1948، التي كانت بداية لتفتح ذهنه وعقله وإدراكه حقائق القضية، وعاد منها مكسوراً، حيث رأى أنّ الطريق لتحرير فلسطين هو تغيير الداخل في مصر والثورة عليه، لتكون البداية لقيادة مصر للصف العربي في مواجهة الاستعمار. فكيف نقضي على الاستعمار الصهيوني في فلسطين، والاستعمار الإنجليزي موجود في مصر، ورأس الحكم (الملك) يتحالف معه ضدّ الشعب والحركة الوطنية؟! فلا بد إذن من تحرير مصر أولاً، وهو ما حدث وقامت ثورة 23 يوليو/ تموز 1952، بقيادة جمال عبد الناصر.

فقد كان عبد الناصر، طبقاً لما هو وارد في “فلسفة الثورة”، وأكده في الكثير من خطبه، أنّ الأعداء السياسيين لمصر والوطن العربي كله، هم: (الاستعمار العالمي – الصهيونية – الرجعية العربية)، وأنّ الطريق للمواجهة الشاملة مع هؤلاء الأعداء تكون بتحقيق الاستقلال الوطني والتنمية المستقلة والشاملة لتحقيق النهضة الحقيقية بالاعتماد على الذات وتحقيق التقدم من خلال التعليم الواسع والصحة والثقافة والإعلام الجيد. فضلاً عن تبنّي مشروع تنموي حقيقي عموده الفقري “الصناعة والزراعة”. ولذلك أنجز بعد التمصير والتأميم، نهضة صناعية قوامها مشروع الـ (1400) مصنع، شاملاً الصناعات الاستراتيجية كالحديد والصلب والفوسفات والسيارات، وغيرها كما أنه في مواجهته للاستعمار خاض معركة بناء السدّ العالي الذي رفض تمويله البنك الدولي وصندوق النقد، فقرر الاعتماد على الذات ودعم الصديق الدولي (الاتحاد السوفياتي)، وتمّ بناء السدّ في (10) سنوات (1960 – 1970م).

حيث إنّ السدّ العالي، ساهم في توليد الكهرباء وهي أساس مشروع النهضة الحديثة في الصناعة والزراعة، وتوصيل الكهرباء للريف المصري وكلّ أنحاء مصر. كما أنّ كلّ ذلك – حسبما رأى وفعل – مهدّد إذا ما لم يتأسّس على تحقيق العدالة الاجتماعية وبناء طبقة وسطى، ودعم الكادحين، وعمودها الفقري العمال (صناعيين وزراعيين)، وموظفو الدولة والقطاع العام.

ولذلك، فقد أصدر جمال عبد الناصر، قانون الإصلاح الزراعي في 9 سبتمبر/ أيلول 1952، بوضع الحدّ الأقصى للملكية (200 فدان – صارت بعد ذلك إلى (50) فدانا، وقام بتوزيع الباقي على الفلاحين ليتحوّلوا من أجراء إلى ملاك، فيتم إصلاح حال البناء الطبقي في مصر في ضوء ذلك تدريجياً، وأعاد بذلك توزيع الدخل القومي والثروة لصالح الأغلبية.

ثم خاض معركة تأميم قناة السويس في 26 يوليو/ تموز 1952، ويستردّها للشعب، بعدما طرد الاستعمار الإنجليزي، وذلك بعقد اتفاقية الجلاء، وبعد رفض البنك الدولي والصندوق تمويل السدّ العالي، كعقبة أمام استقلال واستقرار مصر، فكان ردّه العاجل والمباشر هو تأميم قناة السويس، واستعادة ملكيتها للشعب المصري، فكان ردّ فعل الاستعمار هو العدوان الثلاثي (بريطانيا – وفرنسا – “إسرائيل”) على بور سعيد، والذي فشل، وانتصرت مصر التي أدركت ما وراء وجود هذا الكيان الصهيوني في المنطقة العربية كخنجر في ظهر الأمة العربية.

ولم يهدأ الاستعمار والصهيونية والرجعية، وذلك بافتعال أزمة، أسهمت في نكسة 1967، وكان عبد الناصر يتمتع بحسّ المسؤولية، حيث أعلن عن مسؤوليته وتنحى عن منصبه، إلا أنّ جماهير مصر الواعية أدركت عمق المؤامرة على مصر وفلسطين والعرب، وتمسكوا به، وأجبروه على التراجع فما كان منه إلا أن أعاد بناء القوات المسلحة بنفسه، وأدار حرب الاستنزاف على مدار (1000) يوم وأكثر من (1400) عملية عسكرية ضدّ “إسرائيل”، وأعدّ خطط الحرب النهائية (جرانيت1، جرانيت2، والخطة 200). ولكن القدر لم يمهله حتى يحقق النصر الكامل على الأعداء، ولكن ما حققه كان المقدمة لحرب أكتوبر 1973، بحسم.

وفي أعقاب النكسة، دعا عبد الناصر لعقد لقاء قمة عربية في الخرطوم، ليعلن اللاءات الثلاث وهي: (لا.. للصلح، لا.. للتفاوض، لا.. للاعتراف).

هذه هي مكونات الموقف العربي الشامل ضد الكيان الصهيوني ومن ورائه من استعمار ورجعية عربية متآمرة حذرنا جمال عبد الناصر، كثيراً، من خطورتها باعتبارها عميلة الاستعمار الأميركي.

فقد عرضت عليه مشروعات للتصالح مع “إسرائيل”، يستردّ بها كل سيناء مقابل الصلح، ورفض معلناً أنّ “فلسطين قبل سيناء”. إلا أنّ القوى المضادة لعبد الناصر ومشروعه، بدأت خطواتها من داخل مصر في عهد السادات. فلم يكن السادات ينوي الحرب لتحرير الأرض التي احتلتها “إسرائيل”، والدليل طرحه لمبادرة فتح جزئي لقناة السويس، في 4 فبراير/ شباط 1971، وفتح قنوات الاتصال بالمخابرات الأميركية وإدارتها، عبر المخابرات السعودية ومديرها آنذاك كمال أدهم، فضلاً عن قيامه بتأزيم العلاقات مع الاتحاد السوفياتي وطرد خبرائه في يوليو/ تموز 1972! لكن كان للقوات المسلحة المصرية بالتنسيق مع القوات المسلحة السورية (الجيش الأول)، والقيادة السورية، الكلمة الفصل وممارسة الضغوط عليه، حتى قبل الدخول في الحرب ووافق على قرار الحرب، وبعد العبور وتدمير خط بارليف في (6) ساعات، وفي اليوم نفسه (6) أكتوبر/ تشرين الأول بدأ فتح قناة الاتصال مع الأميركان للتراجع للأسف! وازدادت ضراوة القوة المضادة للناصرية بقيادة السادات، بعد حرب أكتوبر، إيذاناً بعصر الانفتاح، والرأسماليّة، وعودة الإقطاع، والتصالح مع الرجعية العربية، والتواصل مع أميركا.. لتصل الأمور لقمتها بالذهاب للقدس 1977، ثم كامب ديفيد 1978، ثم المعاهدة المصرية الإسرائيلية عام 1979! كمحاولة لطوي صفحة الصراع العربي الصهيوني، إلى صفحة “السلام الوهمي”! وكان الهدف هو تعبيد الأرض لسلامات وانكسارات باتفاقيات مشبوهة في وادي عربة وأوسلو، إلى أن تمّ مؤخراً مع الإمارات والبحرين، والبقية الخليجية في الطريق كما هو معلن للأسف مع الكيان الصهيوني، رسمياً، والداعم أو الراعي الرئيسي له وهو ترامب، الرئيس الأميركي، في محاولة لإنقاذه من الرسوب في الانتخابات المقرّر لها بعد شهر وأيام من الآن، وإنقاذ نتنياهو من السجن والعزل!

ختاماً: فإنه في ظلّ الذكرى الخمسين لرحيل الزعيم جمال عبد الناصر، مؤسّس فكر المقاومة الحقيقي، يمكن القول بأننا سنظلّ على الطريق مقاومين للتبعية، ومقاومين للكيان الصهيوني حتى الزوال وتحرير كلّ فلسطين من النهر إلى البحر.

وسنظلّ متمسكين باللاءات الثلاث، (لا صلح.. لا تفاوض.. لا اعتراف).

كما سنظلّ مقاومين لتحقيق الاستقلال الوطني والتقدم والحرية والاعتماد على الذات وتحقيق الديمقراطية، حتى بلوغ الوحدة العربية قريباً إنْ شاء الله…

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، والأمين العام المساعد للتجمع العربي الإسلامي لدعم خيار المقاومة، ورئيس الجمعية العربية للعلوم السياسية.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

ما العمل لإنقاذ لبنان

زاهر الخطيب

ما هو عِلميَّا وعَمليَّا مُقتَرحُنا الخَلاصيّ؟

بين انتصار المقاومة 14 آب 2006 وانفجار الفاجعة 4 آب 2020 وفي أعقابِ التّطوراتِ والمستجِدّات الأخيرة…

سَواءٌ على صعيدِ الجائحةِ الكورونيّةِ وطنيّاً وإقليميّاً ودوليّاً…

أو على صعيدِ الانفجارِ الفاجعة في المرفأ التاريخيّ العريق لبيروت «اُمِّ الشرائع»، والتّداعيات المُزلْزِلة، التي أقلُّ ما خلّفت وراءها: رعباً… ودماً… وألماً… ودَماراً… وَرُكاماً… وتهجيراً…

بين الانفجار الزّلزلَة.. وتفرُّد الحكومة باستقالةٍ متسرِّعة!

فوَّتتِ الحكومةُ فرصةً ثمينةً بِرِهانِها الطويلِ المدى على صندوق النّقد الدولي، وبعدم التوجُّهِ شرقاً، لملاقاة عروضٍ سخيّةٍ قدّمتها دولٌ صديقةٌ لو استُجيبَ لها، لكانت فَتحت للحكومةِ منافذ واسعةً أمامَ حُلولٍ عمليّةٍ فوريَّة، وشقّت طُرُقاً لإنقاذِ لبنانَ من فظيعِ محنتِهِ والمآسي. أوَلم يكنِ الأجدى للبنانَ، بألّا تُقدِمَ الحكومةُ على تركِ المسؤوليةِ فجأةً بِلا استشارة؟ وفي تِلكُمُ الظروفِ العصيبة؟ وإذا كان في ما نقولُ الكثيرُ من الأسف وبعضُ العتب، فهو على قدرِ المودَّة. وتبقى الغلطةُ الكبيرةُ بالتردُّدِ والتفرُّد، وبعدمِ قراءةِ موازينِ القُوى موضوعِيّاً بعينِ العقل. ولو فعَلتِ الحكومة ذلك، لما خَذَلت أو خُذِلت، لأنّ موازينَ القُوى كانت لِتسمَحَ للحكومةِ بالفلاح، لو كانت لبَّت نداءَ التوجُّه شرقاً، ولكانت وضعت لبنانَ فوراً، على سكّةِ الخلاصِ الاستراتيجيّ. أمّا الأدلَّةُ الثبوتيةُ على صحّةِ ما نقولُ فعديدة، ويكفي أن نُشيرَ الى شاهدٍ من أهْلِهِ، هو نفسُهُ المبعوثُ الأميركيُّ السّيد هيل، الذي، في زيارته لبنان، جاءنا مُتكبِّراً مُتجبِّراً لِيفرِضَ شروطاً أميركيةً على لبنان، توحي بإقصاءِ حزبِ الله عن الحكومة اللبنانيّة تمهيداً لنزعِ سلاحِه، وإذ بالمبعوثِ نفسِهِ، بعد تصريحاته المزَلزِلة، وبعد صدورِ الحكمِ المهزلة عن المحكمةِ الدوليَّة، يُصرِّحُ بما معناه: إنّ أميركا تعايشت وتعاملت مع حكوماتٍ سابقةٍ شاركَ فيها حزبُ الله (وفي مثل هذا التّصريح الفصيح طبعاً) إشارةٌ واضحةٌ إلى أنَّ أميركا على استعدادٍ للتعاملِ مع الحكومة اللبنانيّة المُقبلة، التي لن تُشكَّلَ إنْ لم يكن حزبُ اللهِ، فيها، شريكاً.

أمّا بعدُ، وعلى ضوء ما سبق، وبحصيلة مشاوراتٍ دَؤوبةٍ مع الرِّفاق في القيادةِ المركزيَّةِ لرابطةِ الشَّغيلة… وكوادرَ ناشطةٍ في تيَّار العُروبةِ للمقاومةِ والعدالةِ الاجتماعيَّة.

ارتأيتُ ضَرورةَ التوجُّه لأبناءِ الوطنِ العربيّ ولا سِيّما فلسطين وسورية والعراق واليمن وسائر الأقطار، والى الأحرار والشرفاء في العالم بِنداءٍ وجدانيٍّ، أو فلنقُلْ بصريحِ بيانٍ عقلانيٍّ موضوعي، بعناوينَ ثلاثة، أُوجِزُ مضامينَها تمهيداً، كما يلي:

العنوانُ الأول: «المقاومة شرطُ وجودِ لبنان»

المقاومة شرطُ حماية انتصار شعبه في العام 2000.

المقاومة شرطُ صونِ سيادته بسمائهِ وأرضِهِ ومياهِهِ والثروات ما ظهرَ منها وما بَطَن.

أوَلم يؤكد ذلك أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في ذكرى انتصار آب 2006؟

العنوان الثاني: أليسَ لِغاياتِها وأهدافِها السياسيّة تُشَنُّ الحروبُ العسكرية والعدوانية،

أوَليس الحِصارُ والعقوباتُ والاغتيالاتُ والفوضى الخلّاقةُ والثوراتُ الملوّنةُ والإرهابُ الوحشيُّ وقطعُ الطرقاتِ والأموالُ، هي البدائلُ الجاهزةُ للحروبِ الاقتصاديةِ عند فشلِ الحروبِ العسكريّةِ الظالمةِ من تحقيقِ غاياتِها وأهدافِها السياسية؟

العنوان الثالث: ما العملُ لإنقاذِ لبنان

وما هو عِلميّاً وعَمليّاً مُقتَرحُنا الخَلاصيّ؟

تمهيدٌ… في البُعد الفلسفيّ: المقاومةُ شرطٌ وجوديّ

إنّ المقاومةَ شرطٌ وجوديٌّ في حياةِ الإنسان، لأنه فطرةٌ طبيعية وسُنَّةٌ تواكِبُه مع نشأتِه وفي تكوينه، سواء بمناعته الجسدية، أم بمناعته النفسيّة، مناعةٌ جسدية لِدفع أذىً يطالُ الجسد، ونفسيّة لِردعِ ظلم ينالُ من النّفس… أولم تلِدْنا أمهاتُنا أحراراً؟

ألا تتجلّى هذه السِّمات في سِيَرِ الأنبياءِ والشهداءِ والعلماءِ والقادةِ العظماء؟ وعند الشعوب المناضِلة والأقوياءِ في نفوسهم مُذ كان التمرّد على الظلم والطغيان؟

أليس جدلُ الكونِ والإنسان قائمٌ على الدِّيالكتيّة، أي الثنائيّة في صراع الأضداد، كالصّراع الدائر بين الخير والشرّ على صعيد الإنسان والمجتمع، أو كالصّراع الدائرِ بين الحقِّ والباطل، أو بين النور والظُلمة، أما في الموضوعةِ التي نحن بصددها ففي الصّراع الدائرِ بين الحرية والعبودية.. بين حرية الإنسان في خِياراته بإعطاء المعنى الذي يريدُ لِوجودِه سيّداً حرّاً مستقلّا عن أيِّ ارتهان أو استلاب أو استغلال من أيِّ نوعٍ كان، وعبوديةٍ تكبِّلُهُ بالسلاسل الحديدية والأغلال الى الأذقان، أو عبودية أشدُّ وأدهى، تتبدّى خبيثًةً بالعبودية الفكريّة والعنصريّة والطائفيّة والمذهبيّة والفئويّة والمناطقيّة والعائليّة والعُصبويّة، وهي أخطرُ أنواعِ العبوديات. وفي حديثٍ شريفٍ عن التعصُّب والعصبيّة: «إنها لجاهليَّةٌ نتِنة».

1

ـ المقاومةُ شرطُ وجودِ لبنان

أربعةَ عشر عاماً مضت على انتصار شعبِنا على العدو الصّهيوني في حرب تموز 2006، استطاعت خلالها المقاومةُ مجابهةَ تحدِّيات الحرب الصُّهيو – أميركيّة العدوانيّة الهمجيّة، وإسقاطَ مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي كانت قد بشّرت به السيدة رايس الحكومة اللبنانية بشخصِ رئيسِها فؤاد السنيورة، ولم يكن قد مضى أكثر من ثلاثةٍ وثلاثين يوماً حتى خاب فألُ أميركا بعد أن ساء ظنُّها بقوةِ أداة التنفيذ الصُّهيونية، التي لم توفّر حتى أطفال قانا في ارتكاب مجازرها، فجعلتهم أشلاءَ متناثرة في مركز القُوات الدولية. وقد تمكّنت المقاومة بعد ذلك من تثبيت معادلاتٍ للرّدع، غلّت يد الصّهاينة عن استسهالِ العدوان على لبنان، بفضل القوةِ المتعاظمة للمقاومة وموقفها الثَّوريِّ المبدئيّ، وتطوير قدراتها التي قلّصت، إنْ لم نقل، كفّت الى حدٍّ بعيد شرَّ الصّهاينة الغادرين بغزو لبنان أو استمراء تَكرار اعتداءاته. ويعود الفضلُ الأول في ذلك الى المقاومة في خِيارها بتأكيدِ قوتها ورفضِها رفضاً مطلقاً قبولَ الذُلِّ والهوان لأبناء شعبها والوطن، فكانت لِتردعَ بقوةٍ، أيَّ عدوانٍ على سيادتنا، لا سيما بعد أن طوّرت المقاومةُ قدراتِها الرّدعية، وبذلت من الجهود والجهاد ما يوافرُ المقدرةَ على كبحِ جموح الحِلف الاستعماري الصُّهيوني ومنعِه من شنِّ حروبٍ جديدةٍ، فالمقاومةُ الباسلةُ باتت تفرِضُ على العدو الصُّهيوني حسابَ الكِلفة في حال إقدامِهِ على أيّ مغامرةٍ غير محسوبة، وذلك بفعل امتلاكها قوة قاهرة تُخفي المفاجآت، وتسهر لياليها بضناء في مواصلة بناء قوّتها وتعزيزها تدريباً وعدّةً وعتاداً بفضل الشراكة المصيريّة مع سوريّة وإيران، اللتين تواصلان دعم المقاومة في أقسى الظروف، ولَمْ يَصرِفهُما عن ذلك الالتزامِ المصيريِّ الأخويِّ الأخلاقيِّ، أيُّ عدوانٍ أو حصارٍ أو تهديدٍ أو تآمرٍ مع شياطينِ الداخلِ أو الخارج، وإنّ شرفاءَ لبنان وأحرارَ العالم لَمَدينون لتلك الأرواحِ الغاليةِ والدماءِ الزكيّةِ والجهودِ المضنية، التي تبذلُها المقاومة بعناءٍ وسخاء، والتي لا يجوز أن يطمسها أو يغيِّـبَها أيُّ جحودٍ أو نكران.

2

ـ المقاومةُ شرطُ حماية انتصار لبنان العام 2000 وردع أيّ عدوان على شعبه وترسيخ قوَّته وإسقاط مقولة قوة لبنان بضعفه، والثلاثية التي أرساها الشعب اللبناني هي «قوة لبنان بجيشه وشعبه ومقاومته» ضدّ العدو الصهيوني الاستيطاني الذي دسَّه الاستعمار في قلب الوطن العربي لدورٍ وظيفي، يقضي بتجزئة الوطن العربي وقمع حركات التحرُّر فيه طامعاً بعد احتلال فلسطين بجعل لبنان محمية صُهيونية بلا سيادة، مستبيحاً سماءنا وأرضنا ومياهنا ونفطنا والغاز والثروات، ما ظهر منها وما بطن.

أما وقد دخلنا بهذه المعادلة الثلاثية العصرَ الذي ولّى فيه زمن الهزائم وجاء زمن الانتصارات، وخاض فيه لبنان مع محور المقاومة معارك التحرير الظافرة.

«فقد أصبحت المقاومة تحمي لبنان وتردعُ العدو الصُّهيوني ورعاته في العالم، وشركاءَه في المنطقة، وهي بالشراكة مع الجيش اللبنانيّ، ومع غالبية الشعب الحاضنة والداعمة، تقيم منظومة الدِّفاع والحماية ضدّ التهديد الصُّهيوني… وضدّ الإرهاب التكفيري… وأخطارِه… وإجرامه الدموي. وقد بذل المقاومون بكلّ تواضع تضحيات جمّة في معركة وجودٍ مصيريّة، فدافعوا بالدماء عن حق شعبهم في الحياة والأمان، وحرسوا بأرواحهم مع أبطال الجيش اللبناني وحدة الشعب والوطن، كما منعوا الغزوة الإرهابية من تمزيق الشرق العربي، فكانوا خلال السنوات الأخيرة يبذلون الدماء والأرواح دفاعاً عن لبنان وعن سوريّة والعراق في ملحمة شرقيّة عربيّة تاريخية عظيمة، تؤكد وحدة مصير الشرق، رغم جميع خطط الهيمنة الاستعماريّة الهادفة لِتمزيقه وإخضاعه ونهبه. وقد كانت شراكة المقاومة المصيريّة، وبالذات مع الشقيقة سورية، مثالاً للأخوّة، ولوحدة المصير القومي. بينما كان لإيران الشقيقة الفضلُ العظيمُ، الذي لا يُنسى في تمكين سورية وفلسطين ولبنان والعراق واليمن من التّصدّي للغزوة الإرهابية، المدعومة من الحلف الاستعماري الصُّهيوني الرجعيّ العربيّ الأشدّ صهينًة أو قُل العِبري الأشدّ كُفراً».

العنوان الثاني: الحروبُ الاقتصاديةُ العدوانيةُ بديلاً عن الحروب العسكرية الظالمة عند فشلها في تحقيقِ غاياتها وأهدافها السياسيّة.

«لقد سارع حلف العدوان بعد تعثُّر مخططه الدمويّ الى إحكام أدوات الحصار والخنق الاقتصادي على سوريّة وإيران، وكذلك على لبنان، بينما كانت الحكوماتُ اللبنانية المتعاقبة قاصرةً بخططها وتوجهاتها عن ابتكار وتنفيذ البرامج الوطنية، التي ترعى فرصاً جِديّة لتوفير مستلزمات الصمود، ولتطوير القُدرة على كسر الحصار الغربي الاستعماري، والتصدّي لمسار الانهيار الاقتصادي والمالي، الذي كان أبرزُ وجوهِه النافرة اختناق القطاعات المنتجة، وتمادي الريعيّة والفساد. وما تزال الضرورة الوطنية تفرض على لبنان اعتمادَ خطةٍ للصمود الوطني، ترتكز الى تطوير قطاعات الإنتاج وإحياء الثروة الحقيقية، وتثبيت دعائم الاستقلال الوطني، والتحرُّر من الهيمنة الاستعمارية عبر التمسُّك بشراكة الحياة مع سوريّة والعراق وإيران وسائر دول الشرق. وإنّ عدم ملاقاة هذه الفرص بخطوات عملية يوقعُ لبنان رهينة في فخّ الهيمنة الغربية اللصوصية أيا كان غطاؤها الخادع، وهو ما يجب أن ينتبه إليه جميع اللبنانيين القادرين على توسيع الفرص ومضاعفة القدرات عبر تنويع الخيارات».

نداء إلى أبناء الأمّة جمعاء

بيننا وبين الاستعمار قضايا لن تُصفَّى بالمناشدة والخنوع أو التملّق العاطفي… بل هي تدعونا الى كفاح عمليٍّ شاقٍّ وطويل…

بيننا وبين الاستعمار قضية فلسطين التي شاؤوها لقمة سائغة للصُّهيونية المجرمة، ولكنها، لن تكون في معركة الوجود مهما أبطأ الزمن إلَّا لأبنائها بدمائنا وبجهادِ الأجيال ستكون. فلا صفقة قرنٍ ولا صفقاتِ قرونٍ تعيد فلسطين لأهلها عربيّةً أبيّةً. لقد ضاع عمرُنا الرّخيص بالمساومة، وفلسطين لن تعود إلّا بالمقاومة المسلّحة أساساً، وتجلياتها السياسيّة والدبلوماسيّة والجماهيريّة والثقافيّة، تكون في خدمة الكفاح المسلّح. قضية فلسطين هي قضيتُنا المركزيّة في الصراع العربيّ الصُّهيونيّ.

«لا صلح لا تفاوض لا اعتراف»، المقاومة وُجِدت لتبقى «ما أخذ بالقوة لا يُستردّ بغير القوة»، الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

«لا شراكة مشرقيّة وعربيّة إلّا والمقاومةُ جوهرها»، الرئيس بشار الأسد.

نهضة الأمة وتوحيدُ الوطن العربي رهنٌ بوحدةٍ وطنيةٍ قوميةٍ أمميّة لمعسكر الشرفاء والكادحين من أحرارِ العالم، على مبدأ «نُصادِقُ مَن يُصادِقُنا ونُعادي مَن يُعادينا».

العنوان الثالث: ما العمل لإنقاذ لبنان ما هو علميّاً وعمليّاً مقترحنا الخلاصي؟

«إنّ ابتكار خطة وطنية لكسر الحصار وللخروج من حلقة الاستنزاف والدمار، يوجبُ أمرين اثنين علميّاً وعمليّاً».

علميّاً: رؤية برنامجيّة سياسيّة اقتصاديّة اجتماعيّة إنتاجيّة وطنيّة.

عمليّاً: خطوات شجاعة عاجلة لإحياء قطاعات الإنتاج، والتحرُّر من الرَّيعيّة التّابعة، وبناءُ الشّراكات العربيّة والإقليميّة والدوليّة، التي تدعمُ إعادةَ بناءِ الاقتصاد الوطني، وتطويرُ موارد جديدة تُنعش الحركةَ الاقتصادية، وهذا يوجب خروج لبنان من الارتهان لأحادية الارتباط بالغرب الساعي الى الهيمنةِ والنّهبِ والسّلبِ والحلب. «والعملُ على اعتماد توجُّهات جديدة تحقِّق التوازنَ في البناء الاقتصادي، والخلاص من الريعية لردّ الاعتبار الى الصناعة والزراعة والصناعة السياحيّة وجميع فروع الإنتاج المعرفيّ، مما يُسهمُ في توسيعِ المجالاتِ الاقتصاديّة المجدية، والاعتمادُ على الشراكات المفيدة، وملاقاةِ الفرصِ، التي تمنعُ الاختناق في قبضة الهيمنة الغربية الاستعمارية. وقد أثبتت الكارثةُ، التي تعرّضت لها البلاد أنّ لنا في هذا الشرق دولاً شقيقة وصديقة، يمكن أن نستندَ الى الشراكة الوثيقة معها في المصالح والتوجُهات الاستقلالية بعلاقات متكافئة بعيدةٍ عن الأطماع والهيمنة والنهب، وقد قدّمت مساعدتِها لنا دون سؤال أو أيّ شكل من أشكال الاستثمار السياسي التملّقي الرخيص.

إنّ وضع حدًّ للنزف الخطير، الذي يعيشه اللبنانيون، ومنعَ الاختناقات المعيشيّة المتزايدة يستدعي التزامَ فكرةِ التحرُّر من الارتهان للغرب، وأقلُّه، الانتقال الى علاقات وشراكات متوازنة على أساس تكافؤ المصالح مع الشرق والغرب، والارتكاز على تنمية القطاعات الإنتاجية، وملاقاةُ فرصِ الشّراكة مع الجِوار القومي والإقليمي والشرقي على أساس المصالح المشتركة والمتكافئة. والبديل عن هذا الخيار ليس سوى المزيدِ من التسوُّلِ والاستدانة، وفي الاستدانة تبعيةٌ وإذلالٌ، وفي مطلق الأحوال لم تعد متاحة كالسابق، وباتت قرينةَ شروطٍ وإملاءاتٍ تخنقُ البلادَ مالياً واقتصادياً، وترهن إرادتَها السياسيّة للهيمنة الأجنبيّة».

أيُّها اللبنانيون: لماذا لا نُجاوِزُ اليأسَ والكآبةَ والاستسلام، ونبعثُ في نفوسنا والأذهان، آمالَنا والأحلام؟ لماذا لا نُزيحُ الغشاوةَ عن أعيننا، لنُحرِق بحرارةِ الشّمس نتنَ الفسادِ والعفن؟ لماذا القُصورُ في البَصرِ والبصيرةِ، فنُعادي مَن يصادِقَنا، ونُصادق مَن يُعادينا؟

أيها اللبنانيون: ألم يئنِ الأوانُ لإنقاذ لبنانَ ببناءِ دولةِ المواطنة؟ والتمسُّك بشُرعةِ حقوقِ الإنسان، والخياراتِ والثوابت الوطنية المنصوص عنها في وثيقة الوِفاق الوطنيّ الفقرة ب «لبنان عربيّ الهوية والانتماء. وفي الدُّستور اللبناني، الفقرة عينُها «لبنان عربيُّ الهويّة والانتماء»، (أحكام رئيسة).

أوَلم يئنِ الأوانُ بعدُ لنرفع في ساحات النّضال الجماهيري السلميّ شعارَ تطبيق الميثاقِ الوطني اللبناني، ووضع موضع التنفيذ الفوري المادة 95 من الدستور اللبناني بإلغاء الطائفية السياسية السمُّ الزعاف، الذي دسَّه الانتداب الفرنسي في دستور 1926. وتطبيق المادة 22 المعدّلة في دستور 1990 (مجلس نواب وطني لا طائفي ومجلس شيوخ تتمثّل فيه العائلات الرّوحية وتنحصرُ صلاحياتُه في القضايا المصيريّة، لا سيما في الأحوال الشخصية المادة 65 – بند 5) والمادة 27 (عضو مجلس النواب يمثّل الأمة جمعاء). (ما يستوجب الدائرة الوطنية الواحدة) وسواها من الإصلاحات.

أيها اللبنانيون: فلندفع بوعينا لتقوية النّفوس وإلغاء النصوص، وتحرير العقول من أوهام سلطان الهيمنة والارتهان، فدربُ النّضال شاقٌّ وطويل لاستكمال التحرّر والتحرير من عَوزٍ واحتلال، ولْنَدفع بمسار الإصلاح والتغيير، ومحاربة الفساد، ومعاقبة المفسدين بتطبيق الدستور والقوانين، وليكن مسارُ النضال الجماهيري سلميّاً، لا سيّما أنّ الجيشَ وقوى الأمن هم أهلنا بالبزّة العسكرية، وحَذارِ من المندسّين والإعلام التضليلي المأجور، وجمعيات الأنجوز» المشبوهة المموّلة بشعاراتِ الحريّة المزيّفة والديمقراطية!

وحَتَّامَ الانتظار لاسترداد المنهوبِ من أموالِ الشعب، وتطبيق قانون من أين لك هذا، وقانون العقوبات بمحاربة الفساد والاقتصاص من المفسدين والقتَلة والخونة المتعاملين جَهاراً نهاراً مع العدو الصُّهيوني، وليلاً في العتمةِ مع الموساد. فهل يندرجُ ذلك في بابِ حرية الرأي أو حرية التعبير عن وجهة نظر؟. وهل ثمةَ حياديّةٌ في الصراع الدائر بين الحقّ والباطل؟

وهل الحدودُ الجغرافية فواصلُ عنصرية تُسقط عن الشرفاء والأحرار المسؤولية والقيمَ الإنسانية. «وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى». «فلبــنان جمــهورية تعــدُّدِيّــة». قائمٌ نظامُها السياسي على الطائفيّة والمذهبيّة، فهل نقيم على بعضنا البعض الحواجز والمتاريس، ونحفرُ الخنادقَ، ونبني بيننا الجدران؟

أيها اللبنانيون

لا تجعلوا «نعمةَ التّعدُّدِيّة»، «نِقمةً فتنويّة»…

لماذا تعرفون الحقَّ فتتجنَّبونَه… وتُدرِكونَ الباطل فتجتلِبونَه؟ فلْنَعقِل ونرفع رايةَ الوَحدةِ الوطنيّة.. ولْنوئِدِ الفِتنة، فالفتنةُ أشدُّ من القتل… ولْتكن المعاملةُ بالِمثل، «فنعادي مَن يُعادينا… ونُصادِقُ مَن يصادِقُنا» أُمَمِيّاً، صوناً للسّلمِ الأهليّ وحبّاً بلبنانَ حُرّاً سيِّداً قويّاً على صورةِ أحلامِ أطفالِنا والشّهداء. ولْيكُن نضالُنا معاً من أجلِ الأجيال المقبِلة، لا من أجل الانتخابات المُقبِلة أو المُبكِرة، بل من أجل أن نحيا بعزَّةٍ في دولةِ القانون والمؤسسات، تساوي بالجَدارة والنّزاهة والأخلاق، ما يساوي القيِّمون عليها: دولة تُسمّى «دولةَ المواطنة والإنسان»، دولةَ العدلِ والمساواة، والحريةِ ونُصرةِ المظلومينَ والكادحينَ في نضالِهم والبؤساء، عسانا نتفكّرُ ونَعِي كمواطنينَ مسؤولين، حقوقَنا كلَّها وفرائضَ الواجبات…

أفــلا نــعــقِلُ ونتــوكّلُ… ونُلــبّي النِّــداء؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وزير ونائب سابق، الأمين العام لرابطة الشغيلة

The Architect and Director of the Arab Normalization Process with Israel from A to Z, Who is He?

Source

Erdogan the war criminal for Israel
Architect and Director of the Arab Normalization Process with Israel from A to Z, Who is He?
Written by: Naram Sargon (source in Arabic)

It is not enough for a bear to announce that it has decided to wear its feathers to move to the species of birds in order to fly and fly gracefully. And the Turkish bear, although it sings like birds and flops with its hands as if they are wings, does not rise from the surface of the earth. Only Muslim brothers [Muslim Brotherhood] can see that a bear can fly. They describe to us how it takes off, how it lands on the thin branches, and even how it lands lightly on roses like a bee… This Turkish bear has not bothered Israel except with chatter since it came to power, but it destroyed all the enemies of Israel… and led the Arabs to it to normalization…

Today, the prophecy of Gamal Abdel Nasser, [given when he] was visiting the Syrian city of Raqqa, is fulfilled. There he said a prophecy that was like an inscription in the Stone of Destiny. He said that Turkey would join Israel in an alliance against the Arabs to destroy them in the future. The prophecy was fulfilled as if it was issued by a prophet.

Gamal Abdel Nasser warning of Turkey - Israel alliance against the Arabs
‘Some Arab countries will become tails of the Turks and the West, and Egypt will be forced to confront and protect its national security in Africa. The Turkish danger may not appear today, but may appear in the future. Ankara is not serious about supporting the Arabs to confront Israel.’ ~Gamal Abdel Nasser

Turkey today paralyzes all countries that threaten Israel, and Israel roaming the length of the Arab world… And all the normalization movement today is a shift from secrecy to overt, but this timing of the transition to overtness is an Israeli decision because Israel wants to penetrate the collective Arab public consciousness in order to seize the decision of rejection and disobedience, a prelude to dispersing Arab societies and tearing them apart in a fatal blow, as it thinks… And what happened is forcing the Arab Gulf regimes that are existentially linked to the Zionist entity in a secret relationship since its establishment to announce this after they were afraid to announce this relationship.

And Turkey’s role was essential, it is the one that removed the ability of the rejection and disobedient countries to exercise threat and anger and stir up trouble for these regimes .. Iraq, although it is subject to the Turkish occupation, is completely exhausted in launching the ISIS state that Turkey sponsored from A to Z and if it were not for Turkey there won’t be ISIS, because all the financing and supply of ISIS was carried out from the Turkish – Syrian – Iraqi borders, which are the only borders available to ISIS – not the Iranian or Russian borders – and all the volunteer supply was through the reception camps in Turkey … and all the smuggling of oil and relics to finance and feed the ISIS project was done through Turkish crossings which Turkey supervises and monitors… and the massacres and intimidation operations were intended to empty the region of the population that Turkey was opening its borders as a crossing to absorb them across the Turkish borders in preparation for changing the demographic character and replacing non-Arab immigrants in the region.

Turkey has occupied Syria and all its military capabilities … and attracted Hezbollah to the battles of Aleppo, Idlib, and Tadmor (Palmyra,) and diverted part of its allocated energy for deterring Israel, and made the Hezb’s ability to devote itself to the fatigue and exhaustion of Israel linked to retrieving fighters from northern Syria. It maintains the presence of militants in northern Syria to keep part of the Syrian army and Hezb Allah distracted from Israel as much as possible, because Hezb Allah will not fight two battles on two fronts, of course, no matter how strong it is.

Recep Tayyip Erdogan - faithful servant of Israel

In Libya, the Turks entered for one mission, which is to prevent the stability of Libya so that there is no possibility of the emergence of a new Gaddafi who may have a speech against Israel. Also, keeping Libya in a state of chaos is a threat to the stability of Egypt and turning Libya into a reservoir of terrorism on the shoulders of Egypt and Algeria as it is in Idlib on Syria’s shoulder…

Of course, Turkey tore the Palestinians apart after Turkish intelligence took control of the Hamas decision and continued strengthening the Muslim Brotherhood movement and preventing Hamas from reconciling with the rest of the Palestinian factions… even though the Palestinians are in dire need of unity in their position…

The siege of the main Arab rejectionist countries was a reason for the Gulf states ’liberation from that fear of Arab nationalists in the North and in Africa. But the oil countries preferred secret relations with Israel because announcing them is not of great benefit as long as they do everything in secret… and Saudi Arabia was stalling because it does not want to lose its religious legitimacy with this normalization before the approval of the Palestinians… It was the Khashoggi operation in which the Turkish and Israeli intelligence were involved as Turkey wanted to seize the Islamic decision and take the lead in the Islamic core as a supreme reference in the region instead of Saudi Arabia… and the price for that was that Israel helps normalize with the Grand Islamic Center, which holds the holy lands in Mecca and Medina… The Turks and the Israelis have agreed that the Khashoggi operation will benefit Turkey in excluding Saudi Arabia from leadership and legitimacy in the Islamic world and that Bin Salman’s blackmail will push him to normalize overtly. This, too, will strip him of more legitimacy, and Erdogan will appear as the strong Islamic leader who criticizes normalization, receives Palestinians and protects them, and receives Arab refugees, he is the undisputed leader of the Islamic nation.

This Turkish bear, which the Muslim Brotherhood sees flying and flapping with two wings, as it flies towards Palestine, is still on the ground and did not rise a millimeter in the sky, but it is snapping in the Arab world and its mouth is filled with blood. This mouth full of blood was seen by Abdel Nasser, decades ago as if he was seeing what we are in today.

Nevertheless, this Turkish bear will be forced to vomit everything that it ate, just as it vomited Aleppo – after swallowing it – and vomited the king of ISIS who was in its stomach, and the news says that he will vomit Idlib soon, and whatever it flips with its hands and claws, we know that it does not fly and will not rise and will remain in the range of arrows, and we will follow it and we will hit it with spears until it leaves our fields or dies in it; and if Abdel Nasser sees this Turkish bear chewing our blood, I see it covered in its own blood, just as if Nasser’s prophecy were inscribed in stone, I see the fate of this Ottoman bear as drawn by fate, covered in its blood on the roadsides of the Middle East before the worms spread in it.


RELATED VIDEOS

RELATED ARTICLES

مخاض الدولة الوطنيّة العربيّة ـ مناقشة لمقالة رضوان السيّد

ناصر قنديل

في مقالة نادرة له يبذل الدكتور رضوان السيد جهداً واضحاً لاستعادة اللغة التي كان يكتب بها قبل عقدين وأكثر، متفادياً ذكر السعودية وملوكها كرموز لمشروع قومي عربي جديد، ومحاذراً تسمية إيران بهدف شيطنتها، ومبتعداً عن تناول المقاومة في لبنان وفلسطين وتسمية حركاتها وأحزابها، إلا بصفتها ميليشيات، وذلك ليمنح مقالته عن اندثار الدولة الوطنية العربية، صفة المقالة النظريّة، التي تحاول مجرد التفسير الموضوعي لظاهرة تاريخية، يستخلص بنتيجتها أن الاستبداد والفساد هما السوسة التي نخرت مشروع الدولة الوطنية العربية، ليبرر سقوط الدولة، وأحادية الشأن المعيشي، وسقوط القضايا الكبرى وزمانها، وفي الطليعة منها قضية فلسطين طبعاً، والدكتور السيد يتناسى أن ما يتحدث عنه من سقوط هو بلا شك أحد وجوه سقوط السلطة وليس الدولة، ليس في البلاد العربية فقط بل في كل بلد من بلاد العالم، والمثال الحي على ذلك هو الفارق بين دول عربية تتجه نحو التفكك ليست بينها سورية التي يزجها الدكتور السيد مثالاً لنظريته، ولا بينها مصر حيث كان النموذج الأهم لمرحلة صعود الدولة الوطنية العربية، رغم ما يعانيه المجتمع، وضعف مشروع الدولة في الاستجابة للتحديات الوطنية والقومية.

يغيب عن الدكتور رضوان السيد التمييز بين سقوط الدولة وسقوط السلطة، التي تشكل سيطرة نخبة سياسية أو عسكرية على مقاليد الحكم عنوانها، وهو دائماً عرضة للاستبدال بالتغيير السلمي أو الثورات المسلحة، من دون أن يشكل سقوطها سقوطاً للدولة، لأن سقوط الدولة شأن آخر، فهو يعني التفكك الوطني والاجتماعي، وغياب المشروع الجامع وقواه الحاملة، وأهدافه التي تحظى بشبه إجماع تلتف حولها شرائح المجتمع، كما كان الحال في مطلع القرن مع تفكك الإمبراطورية العثمانية، حيث نهض مشروع الدولة الوطنية على قاعدة بناء مقومات الاستقلال. وفي الخمسينيّات من القرن الماضي حيث تولّت النخب العسكرية قيادة مشروع الدولة الوطنية تحت عنواني فلسطين والوحدة، وما يجري في العالم العربي اليوم هو مخاض الدولة الوطنية العربية التي فشلت في حل المسألتين الوطنية والقومية، أي قضيتي فلسطين والوحدة، ربما كما كان يقول الدكتور السيد، في ما مضى.

فجأة يحضر عند الدكتور السيد المشهد في ليبيا، حيث تخرج التظاهرات في طرابلس وتقع الاشتباكات بين الميليشيات، مع معادلته الهادفة للقول إن السياسة هي التي تسقط وإن الشأن المعيشي هو المحرك الوحيد المتبقي، متجاهلاً طبيعة الصراع الدائر في ليبيا بين مشروعين ملتبسين مستندين على عمق شعبي قبلي متنافر، مشروع سقفه التخلف والاستبداد والتبعية التي تمثلها دول الخليج، ومشروع سقفه مشروع الأخوان المسلمين الذي تقوده تركيا، كعضو في الأطلسي وداعم للإرهاب كما تقول تجربة سورية، ومثلما تلتقي المرجعيتان الخليجية والتركية على التبعية لواشنطن تلتقيان على دعم الإرهاب بعناوين مختلفة، وتلتقيان على التطبيع مع “إسرائيل”، الذي ربما يكون تبسيط الترويج لتعميمه يستدعي الحديث عن سقوط السياسة والقضايا، من بوابة سقوط الدولة الوطنية، حيث سقوط الدولة الوطنية بمعناه العميق، أي تفكك الكيان السياسي والوحدة الاجتماعية، احتمال قائم لكن لاعتبارات أخرى تتصل بشروط العقد الاجتماعي المشوّه الذي بقي عاجزاً عن تشكيل إطار جامع قابل للحياة لمكوّنات الكيان الحديث الولادة، وهذا هو الحال في ليبيا وفي لبنان أيضاً.

ببساطة يتماهى المشهد الليبي عند الدكتور السيد مع المشهد السوري، حيث الدولة الوطنية شكلت بصمودها مفاجأة القرن الحادي والعشرين بنجاحها في مواجهة حشدت فيها الدول مخابراتها وجيوشها وأموالها وفتاويها وإعلامها، واستعادت الدولة زمام المبادرة، وحيث لا يمكن تجاهل أن التفاوت بين ما أظهرته الدولة في سورية من قدرة صمود ونهوض مقارنة بتفكك سواها، عائد لنجاحها في تمثيل مرجعية ذات مصداقية في القضيتين الوطنية والقومية، ولذلك لا يمكن أن تتشابه في سورية تظاهرات الحسكة بوجه الاحتلالين التركي والأميركي، ولو خالطها الشأن المعيشي، مع تظاهرات درعا، المموّلة من دول الخليج، ولو تداخل في بعض جوانب عناوينها شأن معيشي، وكل متبصّر يستطيع إدراك أن مشروع الدولة الوطنية العربية، قد نجا بنسخته السورية من مشاريع الفوضى الخلاقة المدمرة التي أطلقتها السياسات الأميركية علناً تحت شعار شرق أوسط كبير بشرت به غونداليسا رايس من منبر رئيس حكومة لبنان الأسبق، صديق الدكتور السيد، الرئيس فؤاد السنيورة، أثناء حرب تموز 2006، التي هزمت خلالها القوة الإسرائيلية، وفشل خلالها المشروع الأميركي، ليس لأن ميليشيا وقفت قبالته، بل لأن المشروع الأميركي الإسرائيلي واجه مقاومة وطنية مخلصة وذات مصداقية ورثت مهام الدولة الوطنية، التي عجزت منذ ولادتها عن التصدي لمسؤولياتها في حماية الحدود.

في لبنان الذي يحتفل بمئوية ولادته الحديثة، مأزق تاريخي نسي الدكتور السيد ما كتب عنه قبل قرابة نصف قرن، ومشروع الدولة الوطنية ولد مأزوماً لأسباب لا تتصل بالفساد ولا بالاستبداد اللذين يردان كنتائج لهذه الأزمة البنيوية لمشروع الدولة الوطنية، وفقاً لما كتبه مفكرون لبنانيون متعددو الاتجاهات، كان أبرزهم المفكر جورج نقاش الذي وصف اللاءين اللذين قامت عليهما صيغة 1943 برفض الوحدة مع سورية مقابل رفض الوصاية الفرنسية بالنفيين اللذين لا يبنيان وطناً، وحيث أزمة لبنان هي في سقوط كذبة الحياد، القديمة المتجددة، باعتبارها تحمي لبنان، تحت شعار قوة لبنان في ضعفه، عندما زجّ الأميركيون لبنان في حلف بغداد أيام الرئيس كميل شمعون في الخمسينيّات من القرن الماضي واستعملوا لبنان في معركتهم مع مشروع الدولة الوطنية العربية الأولى الذي مثلته مصر بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر، ما استدعى من البطريرك الماروني بولس المعوشي التصدّي لجموح الرئاسة يومها، وتأييد موقف الزعيم العربي جمال عبد الناصر وتغطية انضواء الرئيس فؤاد شهاب تحت رايته، وتكرّس السقوط لفكرة دولة الحياد مجدداً مع هزيمة المشروع الناصري كرمز للدولة الوطنية العربية في حرب 1967، وصولاً إلى عجز دولة الحياد عن حماية لبنان وبيروت من الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 ثم فشلها في استرداده من براثن الاحتلال، حيث نجحت المقاومة، والمقاومة وحدها، كعنوان لإعادة تأسيس مفهوم للدولة الوطنية، التي تتشكّل أصلاً على قاعدة تحقيق السيادة، ولا يزال المخاض اللبناني مستمراً، لأن لبنان المؤسس قبل مئة عام على نظريتي التوافق والتقاسم الطائفيين والحياد عن المواجهة مع “إسرائيل”، قد فقد قدميه مرتين، وباتت الولادة أشد عسراً من دون موازين جديدة وصياغات جديدة لمفهوم الدولة.

يخلط الدكتور السيد، عباس بدباس، لأنه لا يريد أن ينظر للدور السعودي في ضرب التجربة القيادية لمشروع الدولة الوطنية العربية التي كان يرمز إليها مشروع جمال عبد الناصر، ويريد إنكار حقيقة أنه منذ ذلك اليوم الذي نجحت فيه السعودية في ضرب المشروع الناصري، وصولاً لحرب عام 67، بقيت في المنطقة محاولات حفاظ على الحد الأدنى من مقومات الدولة الوطنية المخلصة لمسؤولياتها، كانت تتقدمها سورية، ومقابلها ظواهر التحاق فوق الطاولة وتحت الطاولة بالمال السعودي، مقابل التخلي عن مسؤوليات الدولة الوطنية، ومثلما تفككت مشاريع الدولة الوطنية حيث كان الالتحاق بالسعودية تحت الطاولة أو فوقها، وتفككت الثورات الملونة التي قامت على الركيزة ذاتها، ثبتت الدولة الوطنية وصمدت، حيث حافظت على الحد الأدنى من مقومات دورها القائم أصلاً على مفهوم الاستقلال الوطني، ولذلك خيضت عليها الحروب لاجتثاث آخر بقايا مفهوم الدولة، وانتصارها برمزها الذي تمثله سورية، هو بشارة خير لنهضة وقيامة هذا المشروع للدولة الوطنية، بوجه مشاريع التطبيع مع “إسرائيل”، في زمن يعرف الدكتور السيد، أنه زمن أفول الأحادية الأميركية، والتفوق الإسرائيلي، بمثل ما هو زمن حضور المقاومة وقوتها الرادعة، وفي هذه الحرب الخشنة، اليد العليا للمقاومة، وفي الحروب الناعمة يراد للشيطنة أن تبشر باليأس، كنسخة منقحة مستسلمة لدولة مسخ تسمّى زورا بالوطنية، تحت شعار كل شيء سقط إلا التطبيع فقط، لتقول طبعوا والله ولي التوفيق، ولا تنسوا الدعاء بطول العمر لولي الأمر، وستصلكم تباعاً شحنات حليب الأطفال والحفاضات، وربما الأمونيوم لضرورات لوجستية تحاربون به عدو الله وعدوكم، كما حال الميليشيات الإرهابية التي دمرت سورية برعاية ولاة الأمر، وعندما تنتهي المهمة يمكن لاستخدام تفجيره ان يمنح فرصة تحقيق ما فشل تحقيقه بتفجير سابق والتحقيق ممكن بواسطة “التحقيق” الدولي مرتين، وصولاً لرأس يوحنا المعمدان نقدمه على طبق من ذهب الحياد لسالومي، علها تقدم رقصة فاتنة على طاولة الأمير في زمن “الانفتاح” والتطبيع.

هل يفعل السيّد حسن نصر الله ما عجز عنه عبد الناصر؟

حزب الله أدرك أنّ التفكك العربي الكبير الذي أرادته أميركا يجب أن يُرد عليه بالعودة إلى فكرة

صادق النابلسي 

المصدر: الميادين نت

بعد تحرير الجنوب اللبناني، وانتصار تموز/يوليو 2006، ودخول حزب الله إلى سوريا في العام 2013، وجد الحزب نفسه أمام سؤال حان وقته.

في السادس عشر من شباط/فبراير 1985، تلا الرئيس الحالي للمجلس السياسي لحزب الله، السيد إبراهيم أمين السيد، الرسالة المفتوحة التي وجهها حزب الله إلى المستضعفين في لبنان والعالم. بدا ما قاله آنذاك بياناً حماسياً، غريباً، بل ممعناً في غرابته، من مجموعة جديدة وافدة إلى مسرح الأحداث في لبنان، يحار مراقبوها في نسبتها إلى المجال الذي تنتمي إليه، والأهداف الكبيرة التي تطمح إلى تحقيقها.

التطلّعات العابرة للحدود التي تضمَّنتها الرسالة أقل ما كان يمكن أن يردّ عليها بعضهم في حينها، بأن يستخدم عبارة الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين حين حذّروه من قوة الفاتيكان، فتساءل ساخراً: “كم دبابة عند بابا الفاتيكان؟”، أو بحسب نصّ آخر: “كم فرقة عسكرية يملكها البابا في الفاتيكان؟”.

مجموعة صغيرة حديثة العهد بالسياسة والقتال تدّعي لنفسها قوة خارقة، فتقول: “أما قدرتنا العسكرية، فلا يتخيّلَنَّ أحد حجمها، إذ ليس لدينا جهاز عسكري منفصل عن بقية أطراف جسمنا، بل إنّ كلاً منّا جندي مقاتل حين يدعو داعي الجهاد إنّنا متوجهون لمحاربة المنكر من جذوره، وأوّل جذور المنكر أميركا”.

أتصوّر مثلاً أن يقارن أحدهم بعد أن قرأ الرسالة بين الأحزاب القومية واليسارية التي كانت تحمل أحلام جماهيرها بالوحدة والتضامن والتكامل وتلاحم الجبهات، لدحر مشاريع الهيمنة الاستعمارية والانقضاض على “إسرائيل” وتدميرها واستعادة فلسطين من مغتصبيها، ولكنها مُنيت بعد مدة من انطلاقتها بفشل في أهدافها، وإحباطات في مشاعرها، ونكسات في نتائج أعمالها، وبين جماعة لا أرضية سياسية وعسكرية لها، تريد أن تختبر من جديد بـ”سوريالية ثورية” حجم الألم والأحلام الموجعة التي يُخلّفها طريق المحاولة والخطأ! لا بأس، يقول هذا البعض، فلتجرّب حظها من الخيبة والمرارة، ففي الإنسان دوماً شيء ما يقوده نحو حتفه وتلاشيه!

لكن لم تمرّ إلا سنوات قليلة حتى بدأ المراقبون يستكشفون شيئاً جديداً تماماً. رواية مختلفة تقول إنّه ليس بالضرورة أن يعيد التاريخ نفسه بطريقة حلزونية، فما رُصد بعد سنوات قلائل من تحولات وإنجازات وانتصارات، اتضح أنّها لم تكن استجابات عاطفية غاضبة متسرّعة على هوان قديم وعجز مقيم، بسبب ما حلّ من خراب داخل العالمين العربيّ والإسلاميّ، بل هي مبنيّة على رؤية علمية، وخطوات عملية، وعوامل تاريخية ودينية وجيوسياسية، ودوافع كافية لضمان اجتياز الصراع بنجاح. 

القضية لم تكن تتطلّب البتة عند “المؤسسيين الأوائل” تستراً على طرح ربما يؤدي إلى استنتاجات وتفسيرات خاطئة ومشوّهة، أو تستدعي مقاومة الفكرة المغرية القائلة إننا” أمة ترتبط مع المسلمين في أنحاء العالم كافة برباط عقائدي وسياسي متين هو الإسلام”، وبضرورة الدعوة” إلى إقامة جبهة عالمية للمستضعفين، لمواجهة مؤامرات قوى الاستكبار في العالم”، أو “أننا نطمح أن يكون لبنان جزءاً لا يتجزأ من الخارطة السياسية المعادية لأميركا والاستكبار العالمي وللصهيونية العالمية”، لجهة إفراطها وخروجها عن قوانين الاجتماع والسياسة اللبنانية.

لم يكن ذلك كله مدعاة للتحفظ، بل على العكس، جاء التأكيد في الرسالة على أهميته وقيمته الحقيقية، ولو كان العقل السياسي يضيق به، أو كان يطمح إلى ما يفوق إمكانيات الحزب آنذاك، لأنّ المبدأ العقائدي الذي كان يدفع في هذا السبيل، ويُملي هذه الاعتبارات، ويُذكي هذا الشعور، ويستجلب هذه الإرادة، كان أقوى من التصورات السيادية والدستورية السائدة، وأكبر من الوقائع والمعايير التي تحكم سلوك الدول وتوازناتها.

كل المؤمنين بالنهج الأصيل والعاملين في مداره كانوا مشغولين بالتأكيد أنّ أمةً جديدةً يجب أن تُولد من رحم التناقضات والصراعات المفتوحة على أكثر من ميدان. لم يشعروا بأنهم في مأزق أو تيه صحراوي لا يدري أحد منهم إلى ماذا يُفضي، بل كانوا على يقين من سلامة الطريق وتحقيق الأهداف.

 وإذا كانت بعض الحركات العابرة للحدود الدينية والجغرافية والعرقية في المنطقة العربية قد وصلت إلى طريق مسدود في نضالاتها، ولم تستطع تجاوز هزيمتها، بسبب طبيعة التكوين الفكري والسلوك السياسي الذي حوّلها إلى كتل جامدة معطلة، فإنّ التنظيم الجديد قد صمّم فكرته تصميماً ذهنياً صارماً، وحددّ لانطلاقته بداية واعية واعدة، وخلق تشكيلاً منفتحاً على الجهاد المحلي الحديث والإرث التاريخي القديم، بنحو يعيد هيكلة البنية الرمزية والإيديولوجية باستحضار ماضي الثائرين وإعادة دمجه بالحاضر، ثم إنّ هناك إدراكاً للثمن الفادح الذي يجب دفعه، لا أنّ القضية مجرد تكهن أو رغبة “صوتية” لا تنفع في الحقيقة أكثر من استدراج أقدام “المتكهّنين” إلى هاوية الوهم. 

كما أنّ التنبؤ بالنصر استشراف علميّ محفوف بالمخاطر، لا ينفصل لحظة واحدة عن الارتباط بالواقع الحي الذي يفرز الإنجازات والإخفاقات على السواء. ولأنّ صورة العدو أكثر تعقيداً من كونه مجرد مجنون يتغذى على القتل، فإنّ النصر ليس خبراً يُذاع، وإنما هو نضال محموم، ومقاومة ضارية واستراتيجية طويلة تتطلَّب قدرة عالية على تحمل الألم والصعاب، وإرادة فولاذية لمواصلة العمل، واعتماداً على الذات في النطاق الجغرافي المحلي، واستبعاداً كلياً لدور المنظمات الدولية التي تقف في معظم الأحيان إلى جانب الظالمين والغزاة، بدلاً من مساعدتها المستضعفين؛ أصحاب الحقوق المشروعة.

وكما يقول الشاعر عبد الرحمن الشرقاوي: “إنّ القضية ملكنا… هي عارنا أو فخرنا”، فالانهزام أو الانتصار تعبير واقعي متعلق بطبيعة المعركة وظروفها، ولكن المهم في الأمر أن لا ينضوي المقاومون تحت أيّ مظلة غير موثوقة، ولا ينساقوا وراء منهج غير إسلامي. أما الاعتماد على الذات، فلا يعني التردد عن قبول مساعدة قوى الأمة المختلفة، بل المطلوب أن تتحرك كل الطاقات في التعامل مع الأزمات والتحديات في إطار الوحدة أو “الجسد الذي إذا اشتكى منه عضو، تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى”.

لذلك، يؤكد المقطع التالي العلائقية والوشائجية المطلوبة بين الأطراف وقلب الأمة: “إننا أبناء أمة حزب الله في لبنان… إننا نعتبر أنفسنا جزءاً من أمة الإسلام في العالم، والتي تواجه أعتى هجمة استكبارية من الغرب والشرق على السواء”.

هذا التعاضد بين فئة في لبنان وفئة أو فئات في بلدان أخرى أشبه بصيغة قانونية لازمة بين طرفين أو أكثر، تقتضي كل أشكال التعاون المتاحة، ما يجعل النسق الديني المتشكل عن هذا التوليف “المقدس” يلبي الوظيفة الإيديولوجية والسياسية للحزب الذي يسعى إلى هدم أركان الأعداء في البقعة التي يتحرك فيها. 

إنّ هذا الاتصال المقصود بالأمة يهدف الحزب الجديد من ورائه إلى التمايز عن مغالطات نخب حزبية وعلمائية على امتداد المنطقة، كانت تنشر الاستسلام والقدرية، وعوّضت المقاومة بالتواكل والغيب، فكان ضرورياً تطهير الإسلام مما علق به من تشويهات، واستدعاؤه مجدداً ليكون المرجع النظري والحركي الذي يُلهم المسلمين اللبنانيين طريقة النهوض، وبناء العلاقات، ومواجهة التحديات بكل تشعباتها.

ولكنَّ مشكلة هذا الاتصال، في رأي البعض، أنّه يهزّ التكوين الوطني للحزب، ويشكّك في درجة التزامه بالقضايا اللبنانية التي يُفترض أن يُدافع عنها تحت سقف سيادة الدولة، لكنّه من خلال تفضيله إطار الأمة على إطار الوطن، وتوهينه البعد الداخلي في مقابل تعظيمه البعد الخارجي، يبلغ الرجحان مستوى يجعل الحزب يفقد خصائصه ومشروعيته المحلية، بيد أنّ حزب الله بانخراطه في محاربة الاحتلال الإسرائيلي ومشاريع الهيمنة الغربية على لبنان، يعيد إنتاج الأجوبة الحاسمة حول مَن صنع الهزائم، ومَن صنع العار، ومَن جلب التخلف والهوان لهذا الوطن.

هنا يأتي النص الديني الإسلامي، لا كدليل نظري فحسب، وإنما كسياق واقعي اجتماعي، وكممارسة سياسية وجهادية ملموسة، فحضور الدين علامة على الوعي الجماعي، باعتباره وسيلة لتغيير مقاصد الناس وتوجهاتهم، وأيضاً باعتباره هدفاً لتعديل مبادئ الحكم وموازين القوى، فالنص الديني بقدر ما يسمح بالكشف عن هوية فرد أو مجتمع، فإنه يؤسّس لنهج مختلف وأوضاع جديدة.

وحين يعلن الحزب عن الإسلام كمرجعية للحياة، فإنّه يموقع ذاته داخل النسق العام للأمة في عمقه وامتداداته، فلا يعترف بأي حدود ومسافات جغرافية تعترض طريق الأخوة الدينية! الإسلام هنا لا يحضر كطقوس يكتنفها مبدأ حرية ممارسة المعتقد الإيماني فحسب، بل كإطار شمولي أممي لا تنفلت منه قضية من قضايا الإنسان، في وقت يأتي تحرك الحزب في المجال السياسي أو العسكري ليخلق تميّزه وفرادته، في مقابل السكونيين من النخب والحركات الدينية التي تبحث عن الهروب خارجاً، وبعيداً من الواقع، لئلا تصطدم بقسوته ومتطلبات الحضور الحي فيه.

لذلك، لم يكن ممكناً للحزب أن يتطور خارج عملية الصراع مع أعداء الأمة، فالحزب الذي تنظم الشريعة الإسلامية كل وجوده ومساراته في هذه الحياة، يشعر بأن هيمنة القوى الاستعمارية وتدخّلها في شؤون المسلمين يشكل انتهاكاً صارخاً لا يمكن القبول به.

هذه النقطة بالذات ستمنح الحزب إمكانية كبيرة لقيادة الجمهور وتحريكه نحو مديات الأمة الواسعة ومداراتها الرحبة. على هذا الأساس، تستوي فكرة الجهاد كمصدر للشرعية، وتحضر المقاومة بوصفها سياقاً تحررياً على المستوى الوطني، وعلى مستوى الأمة أيضاً.

ولهذا تأتي العبارة التالية: “إننا أبناء أمة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران، وأسّست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم… لسنا حزباً تنظيمياً مغلقاً، ولسنا إطاراً سياسياً ضيقاً”، لتؤكد الارتباط المطلوب والحركة الحارة المتوقعة، انطلاقاً من مستويين ديني وسياسي؛ الأول استجابة لأمل (وعد إلهي) بالاستخلاف والتمكين، والآخر استجابة لموقف عملي يقتضي تحمل التكاليف والمسؤوليات والسعي لبناء التجربة الجديدة.

صحيح أنّ دوافع النشوة والفوران بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران مسؤولة عن تحرّك الأحاسيس الدينية بطريقة عفوية وتلقائية، لكن لم يكن ذلك خارج رؤية استراتيجية وعقلانية في بناء السياسات والبرامج. هنا تأتي النظرية، أي الأفكار التي تشكل أساس الإيديولوجيا التي على الحزب أن يعمل بها في ما يتعلَّق بأمور الحرب والسلم، لتستقر ضمن قالب “نظرية ولاية الفقيه”، التي أبرزها الإمام الخميني كإرث مخزني قديم، ولتكون البوصلة التي احتاجها حزب الله لترسم له التوجهات والقواعد العامة، ولتخلق لجمهوره الاهتمام المطلوب بقضايا الإسلام والصراع في المنطقة والعالم.

لكن ظهور هذه النظرية كتعبير موضوعي عن المقومات التي لا بدَّ من توفرها لتهيئ للحزب مكاناً بين الحركات الثورية، وتمنحه هويته الخاصة، كان مشروطاً بالظرف التاريخي، وهو ظرف الثورة الإسلامية، وانتشار شراراتها في أرجاء المنطقة، وتفاعل حركات المقاومة والتحرر المناهضة للمشاريع الأميركية والإسرائيلية مع تطلعاتها، وتحفّز مثقفين وعلماء دين وكتاب ونشطاء سياسيين على طرح ما لم يكونوا في السابق يجسرون على الاقتراب منه، وكذلك التحولات المحلية في لبنان العالق بين الهيمنة اليمينية الطائفية والاحتلال الإسرائيلي لقسم من الجنوب اللبناني، ووجود الفدائيين الفلسطينيين الذين أغنوا الأرض بالبندقيات والشعارات الثورية الحماسية.

ضمن إطار هذه المجموعة من الأحداث بذاك السياق الطولي، بنى حزب الله مفاهيمه التأسيسية حول الجهاد المحلي والأممي، والتي لم تنحصر بالمناسبة في الوعي المكتسب من طرف نظرية ولاية الفقيه والثورة الإيرانية، بل في عمقها الممتد إلى باطن البنية الاجتماعية اللبنانية، بعناصرها التاريخية المُستلهمة من الاحتكاك بتجارب نضالات ثورية في مناطق مختلفة من العالم، ولكن عبقريته التي طورها لاحقاً أمينه العام الحالي السيد حسن نصر الله، تكمن في أنّه استطاع أن يحمل بقوة فكرة جاء أوانها، وأن يصعد بتيار استيقن أنّ حركته نحو الآماد الواسعة بدأت. 

بعد تحرير الجنوب اللبناني، وانتصار تموز/يوليو 2006، ودخول حزب الله إلى سوريا في العام 2013، وجد الحزب نفسه أمام سؤال حان وقته: كيف يمكن تشبيك الجبهات لتحقيق الهدف المقدس، وهو إزالة “إسرائيل” من الوجود؟

لقد فشل تيار القومية العربية في توظيف الإمكانيات البشرية والمادية واستثمارها وإدارتها لإنزال هزيمة بالعدو، وفشلت الأحزاب اليسارية العربية في بناء مناخ عام يتيح اتخاذ قرارات تتطلَّبها ظروف الصراع، فلم تستطع تلك القوى التي لها ارتباطات واسعة خارج المنطقة العربية تشكيل بيئة دولية للصراع، وتوجيه الحركة السياسية أو العسكرية العربية في إطار خطة عامة جدّية تستهدف إنهاك الكيان الإسرائيلي وإرباكه.

المراوغات والاستعراضات، وأنصاف الضربات، وتصادم الأولويات، وتضارب التصورات، لم تؤدِ إلا إلى تحويل الصراع من صراع عربي – إسرائيلي إلى صراع عربي – عربي. تحوّلت الحرب مع “إسرائيل” إلى شبه حرب، والتسوية معها إلى استراتيجية انجرّت إليها الأنظمة على نحو متتالٍ. 

حزب الله، في المقابل، أدرك أنّ “التفكك العربي الكبير” الذي أرادته أميركا عبر “الربيع العربي” يجب أن يُرد عليه بالعودة إلى فكرة “أمة حزب الله” العابرة لدول سايكس – بيكو المقطعة لأوصال الوحدة السياسية والدينية. قد يكون ذلك شيئاً مثيراً في لحظة مختلطة بالتحولات ودماء الشهداء ونداء القدس الغلّاب الذي ينفذ كالأذان إلى أعماق الحالمين بالنصر الأكبر.

 أفراد الحزب الذين قطعوا خطوة في هذا الطريق مع الدخول إلى سوريا، وتهشّم الحدود بين أكثر من دولة من دول المنطقة، أضفوا على الموقعية الجديدة لحزبهم مسحة دينية ومسحة تاريخية. مقطع من الرسالة يقول: “إننا نعلن بصراحة ووضوح أننا أمة لا تخاف إلا الله، ولا ترتضي الظلم والعدوان والمهانة، وأنّ أميركا وحلفاءها من دول حلف شمال الأطلسي والكيان الصهيوني… مارسوا ويمارسون العدوان علينا، ويعملون على إذلالنا باستمرار. لذا، فإننا في حالة تأهب مستمر ومتصاعد”.

المطلوب، إذاً، بناء وحشد قوى الأمة التي بدأت طلائعها تتبلور في اليمن “أنصار الله”، والعراق” الحشد الشعبي”، وفلسطين “فصائل المقاومة المختلفة”، لتغلب على هذه العطالة التاريخية. أمة حزب الله تحتاج إذاً إلى القدرات الكبرى والمشاعر العظيمة، وإلى موقف جماهيري يستهدف التقدم بالوعي والإلهام، وذلك بالخروج من الالتزام الجغرافي المزعج، لجهة عبئه الداخلي المعاكس لحركة الساعة السريعة المستمرة! 

اليوم، ليس لهذه القوى سبب يؤطرها ويحدّها في بقعة جغرافية واحدة وفي مهام محلية محددة. الأحداث الكبرى في المنطقة حوّلت الدول إلى حدود وسكان ومتوسط دخل وميزان مدفوعات، والأنظمة إلى بروتوكولات واحتفالات وميديا، فيما حزب الله يدرك ضرورة أن تتحول هذه القوى المقاومة إلى فكرة وتيار وحركة تاريخية، وينبغي أن لا يدعها أحد مكتوفة اليدين في الحروب المقبلة إذا ما هدد وجود الأمة خطر، أو دفعها طموح محموم إلى خوض حربها المقدسة نحو فلسطين!

هل حانت اللحظة فعلاً؟ وهل لدى حزب الله الشجاعة الكافية ليقود جماهير الأمة لتوحيد التراب العربي، مدشناً مرحلة جديدة من تاريخ حركات المقاومة في المنطقة والعالم؟ وهل يفعل السيد حسن نصر الله ما لم يقدر عليه جمال عبد الناصر؟

جهر بخيانة مكشوفة

«إسرائيل» متمسّكة بخطّة الضم: في انتظار بقيّة العرب

فلسطين 

وليد شرارة 

السبت 15 آب 2020

أَبلغُ رد على اتفاق الخيانة الإماراتي مع إسرائيل برعاية أميركية جاء من المصلين في المسجد الأقصى، الذين رفعوا صورة محمد بن زايد وعليها كلمة خائن. قد تستخف نخب الارتزاق بهذا الموقف، الذي يعبّر عن اقتناعات الاتجاه الرئيسي بين جماهير الأمّة من المحيط إلى الخليج، بل ومن طنجة إلى جاكرتا، إلا أن المهم في مواجهة مثل هذا التطور هو ليس مناقشة حججها الفارغة ومنطقها المتداعي. المهم بالنسبة إلى المعنيين بمستقبل قضية فلسطين والصراع مع الكيان الصهيوني والهيمنة الأميركية وأذنابها المحليين، من مشيخات وممالك اخترعها الاستعمار في قلب جزيرة العرب، هو القراءة الصحيحة لخلفيات هذا الاتفاق والاعتبارات الفعلية لأطرافه، ولتداعياته على المعركة الدائرة بين قوى المقاومة في الأمة وأعدائها. آلة الحرب الإعلامية-الدعائية للجبهة المعادية تروّج للاتفاق باعتباره حدثاً «تاريخياً»، «زلزال جيوسياسي ضرب الشرق الأوسط»، بحسب عنوان المقال الأخير للمبشّر الأميركي الصهيوني توماس فريدمان.

في الواقع، نحن أمام عملية استعراضية، تكثر مثيلاتها في سياق عالمي تحاول فيه الدول الغربية التعويض عن ضمور هيمنتها وتراجع قدرات وكلائها المحليين بتنظيم مهرجانات مشهدية، يتكفل «التطبيل» الإعلامي الذي يرافقها بتقديمها على أنها دليل حسي على استمرار تحكمها في مجرى الأحداث. اتفاق التطبيع الكامل بين دويلة الإمارات واسرائيل نموذج جديد على هذا الفن الاستعراضي، يجهر بطريقة دراماتيكية بخيانة مكشوفة منذ زمن طويل للقاصي والداني من أبناء الأمّة، لكنه يشي في الآن نفسه بمصاعب وتحديات يواجهها جميع الأطراف المشاركين فيه وحاجتهم إلى انتصارات وهمية، تغطي عجزهم عن تغيير موازين القوى، المتحولة لغير مصلحتهم في الميدان.
سعي الجيل الجديد من النخب الحاكمة في الإمارات والسعودية والبحرين وعمان في الانتقال، بعلاقات أنظمتها بإسرائيل، من التقاطع إلى التحالف، السرّي ومن ثم العلني، تعزّزَ بقوة بعد موجة الانتفاضات الشعبية التي شهدتها المنطقة العربية سنة 2011، وما نجم عنها من شعور بالتهديد الوجودي لدى هذه الأنظمة. قبل هذا التاريخ، منذ بداية ستينيات القرن الماضي، تعاونت هذه الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل للتصدي لصعود أي قوة إقليمية مستقلة، مرشحة لأن تتحول قطباً جاذباً لقسم من دوله وشعوبه، ولأن تعدّل موازين القوى فيه باتجاه متناقض مع الهيمنة الأميركية ووكلائها المحليين. الأسباب نفسها دفعت المشيخات والإمارات والممالك الخليجية إلى محاربة مصر الناصرية في الستينيات، والعراق في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، وإيران منذ انتصار ثورتها، ولكن بشراسة أكبر منذ بداية الألفية الثانية. قيام هذه الانظمة وبقاؤها ارتبطا بالهيمنة الغربية والأميركية، وهي لم تتورع عن الاندراج في مخططاتها، جنباً إلى جنب مع إسرائيل، لمواجهة أي مشروع استقلالي ذي أفق إقليمي، عربياً كان أو إسلامياً. هذا سرّ عدائها اليوم لإيران وحتى لتركيا إردوغان. لكن مشهد هروب الرئيس التونسي بن علي وسقوط نظيره مبارك وانتشار موجة الانتفاضات الشعبية في طول المنطقة وعرضها في ظل تخبط أميركي وغربي، وعجز عن دعم «الحلفاء» هو الذي أصابها بالذعر. في هذه اللحظة المفصلية بالذات تفتقت عبقرية الجيل الجديد من حكامها عن خيار «ورقة الأمان الإسرائيلية».

الفرضية الرئيسية التي تأسّس عليها هذا الخيار هي أن إسرائيل تمتلك في الولايات المتحدة منظومة مؤيدة


الفرضية الرئيسية التي تأسس عليها هذا الخيار هي أن إسرائيل تمتلك في الولايات المتحدة منظومة مؤيدة لها، وليس مجرد لوبي، وأن قدرتها على التأثير على سياستها الشرق أوسطية هائلة بكل ما للكلمة من معنى. إضافة إلى ذلك، فإن هذا الجيل الجديد مقتنع بأن إيران وحلفاءها في الدرجة الأولى، تليها في الدرجة الثانية تركيا وحلفاؤها، هم أعداء وجوديون مشتركون لهم ولإسرائيل. أخيراً، فإن هذا الجيل المعولم الذي ينظر إلى روابط العروبة والدين على أنها من مخلفات ماض بائد يرى في الشراكة مع إسرائيل، القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، فرصة لتعظيم قدرات نظمه. عمل هؤلاء على توثيق أواصر الصلة مع الكيان الصهيوني ونخبه لتأكيد أنهم «كنز استراتيجي» لإسرائيل، كما وصف الوزير الصهيوني الأسبق بنيامين بن اليعازر الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك بعد أيام من سقوطه. ومن الواضح أنهم نجحوا في هذا الأمر. وحتى دونالد ترامب اعترف لهم بهذا «الجميل» عندما رد على منتقديه على دعمه لمحمد بن سلمانـ بعد فضيحة قتل الصحافي جمال خاشقجي، مذكّراً بدور الأوّل في الوقوف إلى جانب إسرائيل ضد الذين يريدون إزالتها.

التحالف الأميركي-الإسرائيلي-الإماراتي-السعودي لم يعد سراً بالنسبة إلى أحد، لكن الحرص على تظهيره، مع الإمارات بداية، يرتبط بحسابات سياسية داخلية لدى أطرافه الثلاثة، وبرغبتهم في تسجيل نجاح وهمي ضد محور المقاومة عبر الاحتفال بتحقيق مثل هذا «الاختراق»، بينما هم فشلوا في المعركة المركزية معه، المتمحورة حول مراكمته وتطويره لقدرات عسكرية وصاروخية تسهم في تغيير تدريجي ولكن متواصل لموازين القوى في المنطقة لغير مصلحتهم.

ترامب، الذي يرى فرص إعادة انتخابه تذوي، والعاجز عن القيام بأي إنجاز داخلي يحول دون ذلك، يبحث بدلاً منها عن إنجازات خارجية لعلها تساعد في وقف انحدار شعبيته المتسارع. نتنياهو، المتهم بالفساد، والذي يواجه احتجاجات لم يسبق أن واجه رئيس وزراء صهيوني مثيلاً لها منذ إنشاء الكيان، إلى درجة دفعت البعض إلى الحديث عن احتمالات حرب أهلية، يأمل أن يخفف من حدتها عبر إبراز نجاح ما في الخارج. الإمارات امتثلت لطلبات الراعي الأميركي والحليف الإسرائيلي، لكنها بدورها متورطة في نزاع مفتوح مع تركيا وحلفائها، وليبيا أبرز ساحاته حالياً، وهي طرف في المحور المعادي لإيران على رغم محاولاتها لتطبيع خجول معها صدّته الولايات المتحدة. هي تنصاع للطلبات الأميركية والإسرائيلية في مقابل حمايتها من خصومها الأقوياء. أطراف مأزومون، لم يتمكنوا من الانتصار في معركة الصواريخ المركزية ضد محور المقاومة، يحتفون بالجهر بما كان معلوماً. أما محمد بن زايد، فعليه التوقف والتفكير ملياً في ما قد يترتب على تصنيفه خائناً في باحات الأقصى، في القدس، عاصمة الأمّة.

مقالات متعلقة

العماد الثائر والرئيس المقاوم

شوقي عواضة

شهد تاريخنا المعاصر رجالاتٍ وقادةً مضوا على طريق الحقّ الذي لم يستوحشوه لقلّة سالكيه بل كانوا من الثّابتين الأشداء واستطاعوا بمواقفهم الأبيّة أن يغيّروا التّاريخ وأن يصنعوا مجد الأمّة وعزّتها، تميّزوا بقلّتهم التي تحوّلت إلى مدرسةٍ أنتجت أمّةً أبيّةً ومقاومةً لا ترضخ ولا تلين فشكّلوا بارقة أملٍ وعزّزوا للأمّة يقينها بالانتصار بالرّغم من قلّة قدراتها، وقد قرأنا عن زعماء ورؤساء تركوا بصمة عزٍّ في تاريخنا مثل الرئيس الراحل جمال عبد النّاصر والرئيس الراحل حافظ الأسد وقيادات مقاومة قدّمتِ الغالي والنّفيس على طريق المقاومة، أولئك الرّجال الرّجال حقّاً الذين كانوا استثنائيين بل رُسل المقاومة للأمّة التي لم تخلُ من الأبطال والنّجباء، إذ شكّلوا خطّ الدّفاع الأوّل في مواجهة الغطرسة الأميركية الإسرائيليّة وهزيمة مشروعها شرّ هزيمة، من بين أولئك الرّجال جنرال تمرّد على المتآمرين وثائرٌ أرعب العدوّ «الاسرائيليّ» وأعداء المقاومة وشكّل لهم صدمةً بمواقفه وثباته وثقته بوطنه وجيشه وشعبه ومقاومته ليقلب المشهد ويغيّر المعادلات ويقف في زمن الرّدّة والتّخاذل ليقول بأنّ لبنان قوّته في جيشه وشعبه ومقاومته وليس كما يقول العدوّ لبنان قوّته في ضعفه ليرسي ثلاثيّةً ذهبيّةً صانت لبنان وحمته من مؤامرات الدّاخل والخارج. إنّه فخامة الرّئيس المقاوم العماد إميل لحود الذي حمى المقاومة من المؤامرات منذ أن كان قائداً للجيش، فهو العين التي قاومتِ المخرز الاسرائيليّ وكسرته.

لم ننسَ مواقفه التي يخلّدها التّاريخ منذ توليه لقيادة الجيش اللّبناني وإبّان عدوان (تصفية الحساب في تموز عام 1993، إذ طلب منه رفيق الحريري العائد من دمشق بعد انتهاء العدوان ضرب حزب الله ونزع سلاحه (بقرارٍ سوري) مدعوماً بقرارٍ سيصدر من مجلس الأمن واضعاً مساعدة قوّات الطوارئ في عمليّة (تنظيف الجنوب) من حزب الله ومصادرة سلاحه إضافةً إلى التخلّص من الجبهة الشّعبية في الناعمة محاولاً إغراء العماد لحود بوعده أن يكون الرئيس القادم للبنان بعد تنفيذ العمليّة فكان ردّ العماد لحود البديهي والصّاعق (ضميري لا يسمح بأن أضرب لبنانيين يريدون العودة إلى منازلهم وإسرائيل تحتلّ أرضهم فتشوا عن غيري) فكان ردّ الحريري بأنه سيقوم بتعيين قائدٍ جديدٍ للجيش غيره. وبالرّغم من التّرهيب والتّرغيب بقي العماد لحود ثابتاً على موقفه رافضاً حضور اجتماع المجلس الأعلى للدّفاع، ومع إصرار رفيق الحريري ووزير الخارجية اللّبناني آنذاك فارس بويز ووزير الدّفاع محسن دلول واللّواء غازي كنعان وأمين عام مجلس الأمن الدّولي بطرس غالي لم يتزحزح موقف العماد الثّائر قيد أنملةٍ، ليؤكّد ردّه الصّارم والحاسم للجميع بكلمتين قائلاً لهم (عيب عليكم) ليلتقي بعدها بالرّئيس الرّاحل حافظ الأسد الذي لم يكن على علمٍ بقرار ضرب المقاومة وكان اللّقاء الأوّل الذي جمعهما فسأله الرّئيس عن سبب رفضه تنفيذ القرار بضرب المقاومة فكان جوابه لأنّني منذ ولادتي ووالدي يوصيني بأنّ: «حياتك لا شيء أمام ضميرك وكرامتك»، لذلك رفضت لأنّي إذا نفّذت هذا الأمر أخسر الاثنين معاً، ليخرج العماد مؤيّداً من الرئيس الأسد ومنتصراً على المتآمرين على المقاومة مسجّلاً انتصارين بانتصاره للوطن والمقاومة التي حماها بموقفه وإصراره على استمرار مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، فكان عدوان 1996 الذي شنّه العدوّ الاسرائيلي باسم عمليّة (عناقيد الغضب) حينها تصدّى الجيش لطائرات العدوّ من وزارة الدفاع ممّا دفع رئيس الجمهورية آنذاك الياس الهرواي للاتصال بالعماد لحود ويخبره بأنهم سيقصفون القصر فكان ردّ العماد ليقصفوا (وإذا ما عاجبكم أقيلوني) ليستمرّ القائد المقاوم في مسيرة المقاومة والتّصدي للاحتلال التي تكلّلت بهزيمة الجيش الذي لا يُقهر، فكان الانتصار التّاريخي الأكبر للبنان والعرب ولكلّ شرفاء الأمة وأحرارها في عمليّة تحرير الجنوب عام 2000 التي كان له دورٌ بارزٌ بدعمه للمقاومة التي تعزّزت في عهده.

Twitter -இல் أرشيف لبنان Lebanon Archives: "١-٢-٣-٤: رئيس ...

انتصار تكلّل بزيارة الرّئيس لحود للمناطق المحرّرة ليشارك النّاس والمقاومة فرحة الانتصار في سابقةٍ لم يشهدها الجنوب اللّبناني، زيارة أرعبتِ العدوّ وأثلجت قلوب المنتصرين الذين استقبلوه برشّ الورود والأرز وذبح الأضاحي، حينها بدأ المنهزمون التّصويب على الرّئيس لحود الذي لم تهزّه مؤامرتهم بل ازداد صلابةً وثباتاً في موقفه، فكان عدوان تموز 2006 وتحت غزارة النّيران والغارات توجّه إلى الضّاحية، مخاطباً الشّعب بأنّنا نملك أشدّ الرجال الذين يقدّمون التّضحيات من أجل لبنان وسننتصر يداً بيدٍ مع سماحة السّيد بإرادتنا وعزمنا وسنهزم هذا العدو. تصريح أثار حفيظة الرّعاديد أشباه الرّجال وعلى رأسهم رئيس الحكومة آنذاك فؤاد السنيورة ومعه مروان حمادة الذي توجّه بالقول للرّئيس لحود (شوف أصحابك شو عملوا (حزب الله)، وكان ردّ الرّئيس الأبيّ (وصلوا ع بيروت في 82 لأنو ما كان فيه مقاومة بس هالمرّة حتماً سننتصر) ردّ يحمل اليقين بالانتصار مثلما يحمل الثبات في الموقف والاستعداد للتضحية والشّهادة تجلّى ذلك الموقف من خلال اتصال السّفير الفرنسي خلال العدوان بالرّئيس لحود ليحذّره من أنّ الطّائرات الاسرائيليّة ستقصف القصر الجمهوري خلال عدوان تموز فكان جوابه كالسّيف الصّارم سأبقى في القصر الجمهوري وليكن قدري الشّهادة.

ذلك هو العماد الثّائر والجنرال العنيد والرّئيس المقاوم من وقف في وجه رئيس الحكومة فؤاد السنيورة الذي كان يقاتل من أجل نزع سلاح المقاومة، قائلاً له توقّف عندك لن أسمح بتحقيق أهداف العدوان وتسليم سلاح المقاومة، فحمى المقاومة دستوريّاً وقاتل معها ميدانيّاً وتصدّى للمتآمرين عليها ومنهم قائد الجيش حينها العماد ميشال سليمان الذي طرده الرّئيس لحود أثناء تلاوته لخطّة نزع السّلاح في تموز 2006.

ذلك هو العماد الثّائر على المتآمرين والفاسدين والرئيس المقاوم والمقاتل على جبهات الدّاخل والخارج. فهنيئاً لمن عاش عصر العماد والرّئيس الذي استحقّ أن يكون فخامةَ المقاوم…

انهيار الإتحاد السوفييتي – فترة رئاسة “ميخائيل غُورباتشوف”!

عن الذين عَوّلوا على أميركا - بوابة الهدف الإخبارية

الطاهر المعز.

في ذكرى 23 تموز/يوليو 1952 (إقامة النظام الجمهوري في مصر) وفي ذكرى إنهاء النظام الملكي وإقامة النظام الجمهوري في العراق (14 تموز/يوليو 1958)، وما جرى بين هذين التاريخَيْن من محاولة بناء السد العالي وتأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي (البريطاني والفرنسي والصهيوني، سنة 1956 ) ضد مصر،

نستذكر دور الإتحاد السوفييتي (رغم الإختلافات معه، ورغم النقد الذي يمكن توجيهه بشأن المسألة القومية وقضية فلسطين، وغيرها)، ونستذكر الدّعم (رغم الشّروط) الذي مَكّن مصر من استكمال بناء السّد العالي، ومساندة مصر سنة 1956، ومن إعادة تسليح الجيش المصري، ليقوم ب”حرب الإستنزاف”، بعد هزيمة حزيران/يونيو 1967، ونقف على الوضع العالمي، حاليًّا، بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، حيث لا رادع للإمبريالية الأمريكية وحلف شمال الأطلسي، سوى إرادة الشّعُوب، ونضال الفئات الكادحة…

بَدأت عوامل الوَهَن تظهر على الإتحاد السوفييتي، منذ عُقُود، وساهم “سباق التّسلّح” والوضع الإقتصادي (الجفاف وإغراق أسواق العالم بالنفط السعودي الرخيص…)، وحرب أفغانستان، وغيرها في تَسْرِيع عملية الإنهيار، زيادة على نمو فكرة التخريب من داخل الحزب الشيوعي السوفييتي وقيادة الدّولة الإتحادية، وخصوصًا عندما تولّى “ميخائيل غورباتشوف” (كَرَمْزٍ لتيار مُعادي للشيوعية، داخل البلاد) رئاسة الحكومة، بالتوازي مع انهيار أسعار النفط (المورد الرئيسي للعملة الأجنبية)، قبل توليه قيادة الحزب والدّولة…

حصل “غورباتشوف” على العديد من الجوائز، منذ بَدَأ (مع مجموعة من الحزب والدّولة السوفييتِيَّيْن) العمل على تخريب وانهيار الإتحاد السوفييتي، وعلى “إثبات” فشل مبدأ أو فكرة الإشتراكية من أساسها، وليس فشل وسائل تطبيقها، ومن بين هذه الجوائز “ميدالية أونوهان للسلام” (1989)، و”جائزة نوبل للسلام” (1990) التي فقدت من قيمتها عندما مُنِحت للعديد من المُجْرِمين الصهاينة، وللخونة، مثل أنور السادات، وجائزة “هارفي” (1992)، والعديد من شهادات الدكتوراه الفَخْرِية، وشهادات التّقْدِير…

ما الدّاعي لِمَنْحِهِ هذه الجوائز، في حين خان الرجل (الإنسان والزعيم السياسي والرئيس ) بلادَهُ، وباعها بثمن رخيص للإمبريالية الأمريكية وللبنك العالمي، وصندوق النقد الدّولي… يكْمُن سِرُّ هذه الجوائز في مكافأة رجُل نفّذ بإخلاص وتفاني خطط وكالة الإستخبارات الأمريكية، وساهم في تهديم ما بنَتْهُ أجيال من السوفييتيين، وخيانة تضحيات ملايين الشُّهَداء الذين سقطوا دفاعًا عن وَطَن الإشتراكية…

نَشر موقع “إلهيرالدو كوبانو” (كوبا)، يوم الثامن عشر من أيلول/سبتمبر 2017، تعليقًا على بعض الوثائق التي أصبح اطّلاع الباحثين عليها مُتاحًا، بعد إفراج وكالة الإستخبارات المركزية (الأمريكية) عنها وخروجها عن نطاق السرية، واقتصر التعليق على بعض ما نُشِر عن خطط غورباتشوف ومجموعته ( من بينهم زوجته “رايسا” و “شيفرنادزي” و “ياكوفليف”…) “للقضاء على الشيوعية”، بحسب تعبيره في مداخلة علنية، سنة 2000، بالجامعة الأمريكية، في تركيا، كما تكشف هذه الوثائق دعْمَ وكالة الإستخبارات الأمريكية لمجموعة “غورباتشوف”، سياسيا وإعلاميا، لعدّة عُقُود، فيما تكفلت مؤسسات الملياردير “جورج سورس” بتمويل نشاط وإعلام “المُنْشَقِّين” السوفييتيين، وجميعهم يمينيون وصهاينة.

نشر “واين مدسن” (موظف سابق في وكالة أمن الفضاء – إن إس إيه ) من جهته، وثائق تتضمن بعض الوقائع والحقائق، ومنها تصرحات”ميخائيل غورباتشوف”، العلَنِيّة، وكذلك تمويل النشاط والإعلامي السياسي لحكومة “غورباتشوف”، ونشر عبارات “بريسترويكا” (إعادة الهيكلة) و “غلاسنوست” (الشفافية)، على نطاق واسع، والإدّعاء أن “غورباتشوف” ثوري يُكافح ويُجاهد ضد البيروقراطية والجمود، وحصل التمويل والإعلام على نطاق واسع، بغطاء حكومي أمريكي، وبواسطة مؤسسات “جورج سورس” والمنظمات الأمريكية، الموصوفة “غير حكومية”، من 1987 إلى 1991، ومن بينها منظمة “يوس” (أو معهد دراسات الأمن شرق-غرب” )، ونجحت هذه الحَمْلَة الأمريكية في خلق انشقاقات داخل الأحزاب “الشيوعية” التي كانت لا تَحيد قيد أُنْمُلَة عن الخط الرسمي للإتحاد السوفييتي، ولكن عندما يظهر الإنقسام داخل قيادة “الأخ الأكبر”، ينعكس ذلك على بقية الأحزاب التابعة.

عندما عقد اجتماع عام 1986 بين رونالد ريغان وميخائيل غورباتشوف ...

أظهرت وثائق الإستخبارات الأمريكية أن ما حصل في المَجَر وبولندا وتشيكوسلوفاكيا، وفي الإتحاد السوفييتي لم يكن بمحض الصّدفة، أو نتيجة صراعات داخلية فحسب، بل كان تتويجًا لمسار طويل، لِخِطّة مدروسة، رغم بعض التّغييرات، وقع تَبَنِّيها، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتَمثّلَ دور “ميخائيل غورباتشوف” ومجموعته في تكرار الدّعاية الأمريكية بأن “النظام الإشتراكي” (وليس التجربة السوفييتية، فحسب) فاشل، وغير قادر على حل المشكلات الحديثة للمجتمعات، وبذلك استبق هذا الشق في الحزب الشيوعي السوفييتي “فرنسيسكو فوكوياما”، صاحب نظرية “نهاية التاريخ” والإنتصار النهائي للرأسمالية، و”صامويل هنغتنغتون” المعروف بترويج نظرية “صراع الحضارات”، بدل صراع الطبقات، وصراع الأمم المُضْطَهَدة، ضد الإمبريالية والإستعمار…

قامت وكالة المخابرات المركزية بتصميم وتنفيذ عملية تغيير هيكلي كبرى ، في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية، وتم تمويل هذه العملية من خلال شبكة المنظمات الممولة من الملياردير “جورج سوروس”.

فيما يتعلق بالاتحاد السوفييتي، أعلن غورباتشوف في الجامعة الأمريكية في تركيا عام 2000: “استفدت من موقعي القيادي داخل الحزب وفي البلاد ، لتغيير قيادة الحزب والدّولة، في الإتحاد السوفييتي، وكذلك في جميع البلدان الاشتراكية في أوروبا “.

الملياردير الامريكي سوروس: النظام الصيني يشكل تهديدا للاتحاد ...

منذ العام 1987 ، قامت وكالة المخابرات المركزية، وشركة الأغذية متعددة الجنسيات “كارغيل” (التي تتعامل تجاريا مع الاتحاد السوفياتي منذ عقود) ، و معهد دراسات الأمن شرق-غرب” أو ( IWSS )، وشبكة سوروس ومنظمات “حقوق الإنسان”، التي تتعامل معها وتمولها، بتشجيع ومساعدة الحركات المعارضة والإنفصالية، والمُنشَقِّين، لإضعاف الاتحاد السوفييتي، ثم الاتحاد الروسي الجديد (منذ العام 1991). كما دعمت، ومَوّلت الصناديقُ والأوقافُ الأمريكيةُ حركاتِ الاستقلالِ، أو الإنفصال، في كوزباس (سيبيريا)، من خلال حركات اليمين المتطرف في ألمانيا، ومولت النشاط والتدريب للقوميين الشوفينيين ( اليمين المتطرف) من ليتوانيا، وتتارستان، وأوسيتيا الشمالية، وإنغوشيا، والشيشان، وفقًا لهذه الوثائق الأمريكية.

أقامت منظمات سوروس فروعًا في جميع البلدان المجاورة لروسيا: في أوكرانيا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا وفنلندا والسويد ومولدوفا وجورجيا وأذربيجان وتركيا ورومانيا ومنغوليا وقيرغيزستان وكازاخستان وطاجيكستان وأوزبكستان… كانت هذه الفروع بمثابة قواعد تدريب لأعضاء الجماعات الإرهابية، منها الجماعات الفاشية الأوكرانية والجورجية والهنغارية والمولدوفية.

في العام 2017، طردت الحكومة الروسية العديد من المنظمات من شبكة سوروس (مثل مؤسسة المجتمع المفتوح) وغيرها من المنظمات غير الحكومية التابعة لوكالة المخابرات المركزية الموجودة على الأراضي الروسية ، مثل NED (المؤسسة الوطنية للديمقراطية)، والمعهد الجمهوري الدولي، ومؤسسة ماك آرثر، ودار الحرية (فريدوم هاوس)، وغيرها، وصنَّفت الحكومة الروسية هذه المنظمات “غير مرغوب فيها وتشكل تهديدًا لأمن الدولة الروسية”. هذه المنظمات نفسها (أو الفروع التابعة لها) هي التي تضع خططًا لزعزعة استقرار بلدان أمريكا الجنوبية (كوبا ، فنزويلا ، بوليفيا ، إكوادور ، نيكاراغوا …) أو إيران والدول العربية، وآخرها “الجزائر”، حيث أوردنا في مقال سابق، بمناسبة الذكرى الثامنة والخمسين للإستقلال، بعض نماذج العمل التّخريبي لمثل هذه المنظمات، والدّعم الذي يحظى به بعض الرموز الرجعية والمُتصهْيِنة، والمُساندة للإستعمار…

رابط الموقع الكوبي:
Se abre paso la verdad sobre la caída de la URSS.


نشرة “كنعان” الإلكترونية
2020-07-25

الذكرى الثامنة والستون لأمّ الثورات!

Gamal Abdel Nasser Facts for Kids

د. محمد سيد أحمد

حلّت علينا هذا الأسبوع الذكرى الثامنة والستون لثورة 23 يوليو/ تموز 1952، وعلى الرغم من مرور ما يقرب من سبعة عقود على قيامها، إلا أنها لا زالت تثير العديد من القضايا الإشكالية، فمؤيدوها ما زالوا يحتفلون بالذكرى ويمجّدون قائدها الذي انتصر للفقراء والكادحين والمهمّشين وحقق لهم إنسانيتهم وأعاد إليهم كرامتهم المهدورة داخل وطنهم، وحقق انتصارات وضعته في قلوب الملايين سواء في وطنه الأصغر أو وطنه العربي الأكبر بل ومن قبل كلّ الأحرار في العالم، ورغم الانكسارات ظلّت الجماهير متمسّكة به باعتباره القائد والرمز والأمل القادر على تجاوز الصعوبات والمحن، وعند وفاته خرجت الجماهير في أماكن عديدة على سطح المعمورة، كالطوفان لتودّعه ولتخلد ذكراه.

أما معارضوها فما زالوا يستغلون الذكرى ليجددوا الهجوم عليها وعلى قائدها ويصفونهما بكلّ نقيصة، ويحاولون تشويه كلّ إنجازاتها بل وصل الأمر للخلاف حول مسمّاها ذاته وهل هي ثورة أم لا؟ ولا شكّ في أنّ هؤلاء المعارضين المهاجمين للثورة وقائدها قد أصابهم بعضاً من ضرر نتيجة قيام الثورة وانحيازها لجموع الشعب وبالتالي سحبت من تحت أقدامهم جزءًا من ثروة وسلطة ومكانة كانوا يحصلون عليها قبل قيام الثورة في ظل حكم ملك غير مصري (ألباني) استولى على الحكم بالوراثة، ومندوب سامٍ للمحتلّ البريطاني كان هو الحاكم الفعلي للبلاد، وكان آباء وأجداد المهاجمين للثورة وزعيمها اليوم يحصلون على الثروة والسلطة والمكانة من خلال قربهم وتقديم فروض الولاء والطاعة للملك والمندوب السامي.

وما بين هؤلاء المؤيدين وألئك المعارضين يدور دائماً السجال، لكن الغريب في الأمر حقاً هو اتساع دائرة المعارضين لتضمّ إليها أبناء وأحفاد بعض من انتصرت لهم الثورة من أبناء الفلاحين المعدَمين الذين كانوا يعملون بالسخرة وفي ظلّ ظروف غير إنسانية لدى البشوات الذين منحتهم أسرة محمد علي (الألباني) مئات وآلاف الأفدنة دون وجه حق فقط لأنهم كانوا يعملون في خدمة البلاط الملكي، وجزء من حاشية الملك المغتصب ثروات الوطن، ويأتي تطاول هؤلاء على الثورة وزعيمها في محاولة لإخفاء أصولهم الاجتماعية الحقيقية بعد أن تمكنوا من الصعود لأعلى السلم الاجتماعي بفضل الثورة وإنجازاتها على المستويات كافة.

وعندما تسأل هؤلاء هل كان أبوك أو جدك باشا منحه الملك قطعة أرض من الخاصة الملكية، فتكون الإجابة لا كان أبي وجدي فلاحاً معدماً حافي القدمين، حصل على خمسة أفدنة بفضل الثورة وقانون الإصلاح الزراعي، ولدينا داخل البيت صورة للزعيم جمال عبد الناصر وهو يسلّم أبي أو جدي صك الملكية، وبفضل هذه الأفدنة الخمسة استطاع أبي أو جدي تعليمنا وإدخالنا للجامعة بعد أن أصبح التعليم مجانياً بفضل الثورة، وبعد التخرّج حصلنا على وظيفة بفضل القوى العاملة التي أنشأتها الثورة، وأرسلنا لبعثات بالخارج وعدنا لوظائفنا المحفوظة وتدرّجنا بها إلى أن أصبحنا في مكانة مرموقة توازي مكانة البشوات في العصر الملكي!

إذن لماذا تهاجمون الثورة وزعيمها؟! وهنا تجد إما عجزاً عن الإجابة أو إجابات خارج نطاق العقل والمنطق.

ومن القضايا الخلافية على الثورة حتى الآن هو مسمّاها، فالمعارضون لها ما زالوا يصفونها بالانقلاب في محاولة للتقليل من شأنها والنيل منها، ولهؤلاء نقول إنّ الثورات لا يُحكم عليها إلا بنتائجها، فالتعريف العلمي للثورة يقول: «إنها إحداث تغيير جذريّ إيجابيّ في بنية المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية». ومن هذا المنطلق يمكننا التأكيد وبما لا يدع مجالاً للشك في أنّ ما حدث في 23 يوليو 1952 هو ثورة بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى، فقد أحدثت الثورة تغييراً جذرياً إيجابياً في بنية المجتمع على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية كافة، ومكّنت الغالبية العظمى من المصريين من ثروات وخيرات بلادهم، وأحدثت تغييراً جذرياً في البنية الطبقية، فخلال أيام معدودة تحوّل الفلاحون الأجراء إلى ملاك وانتقلت آلاف الأسر من الطبقة الدنيا إلى الطبقة الوسطى مباشرة، وخلال سنوات معدودة أيضاً انتقل آلاف آخرون من أسفل السلم الاجتماعيّ إلى أعلاه بفضل التعليم المجاني وفرص العمل.

وبعد كلّ ذلك يأتي مَن يحاول تشويه الثورة والنيل منها ومن زعيمها وإنجازاتها فتجد مَن يهاجم تأميم قناة السويس ويدعو لعودة تمثال ديلسبس، ومَن يهاجم السدّ العالي الذي حجب الطمي والأسماك خلفه، ومن يهاجم القطاع العام لسوء إدارته ويسعى لبيع ما تبقى منه، ومن يهاجم التعليم والصحة المجانية نظراً لعدم جودتهما، وإذا كان ذلك المهاجم من أبناء أو أحفاد بشوات ما قبل الثورة كان يمكننا أن نجد له العذر لهذا الحقد وهذه الكراهية للثورة وقائدها، لكن غالبية المهاجمين لها اليوم هم من أبناء الفقراء والمعدَمين الذين لولا الثورة ما حصلوا على مكانتهم الحالية وكان وضعهم الحقيقي عمالاً زراعيين حفاة عراة يعملون بالسخرة لدى بشوات ما قبل الثورة كما كان وضع آبائهم وأجدادهم. وفي الذكرى الثامنة والستين للثورة نقول لهم عودوا إلى رشدكم، فثورة 23 يوليو/ تموز 1952 هي أمّ الثورات، اللهم بلغت اللهم فاشهد.

Diplomacy is reciprocal

July 25, 2020

Diplomacy is reciprocal

Chris Faure for the Saker Blog

The US suddenly ordered China to end operations from its embassy in Houston, Texas (remember when they did the same to Russia). However, diplomacy is reciprocal and the Chinese so far refrained from a further provocative reaction. They are implementing a fair tit for tat measure, closing the US Consulate in Chengdu, keeping options open for further retaliation. They could have fanned the flames and closed the US Consulate in Hong Kong, or even a bigger one in Beijing, but kept to a fair reciprocal closure – so far.

More about the Consulate spat https://www.moonofalabama.org/

China responded to Mr Pompeo’s highly advertised ‘very important’ speech this week in short, not giving Pompeo that attention that he so craves. The Chinese stance is that Mike Pompeo maliciously attacked the Communist Party of China (CPC) and China’s socialist system, and he made remarks that ignored the facts, were full of ideological bias and turned black into white, which showed his Cold War mentality. From the Chinese Foreign Ministry: “Some US politicians have deliberately stirred up ideological disputes, talked about changing China, denied China-US relations, and provoked China’s relationships with other countries. Their purpose is to suppress China’s development and divert the public’s attention from their own country. These tricks cannot fool the Americans and international community.”

The US have stopped all basic diplomatic standards in a grab for their self-delusional rules-based international order. Just recently, Pompeo announced that they will not respect or accept any of the agreements in the South China Sea. He must be thinking that all of the ASEAN countries like him enough to drop their raft of regional negotiated agreements.

Despite Chinese accusations that the US opens their diplomatic pouches, which is in flagrant violation of all Vienna Conventions on Diplomatic and Consular relations, the most important is the following which shows that China is still keeping to fair diplomatic and pragmatic standard:

“It must be emphasized that China has no intentions to change the US in terms of its social system, and the US cannot change China either.”

https://www.fmprc.gov.cn/mfa_eng/xwfw_665399/s2510_665401/2511_665403/t1800221.shtml

Having followed the Russian reactions on these types of actions by the US toward Russia, we have become accustomed to the frustratingly pragmatic and clinically diplomatic methods of dealing with western bullying. The Chinese are different and they enthusiastically take part in the war of words that is reaching cold war status if one adds in the trade war announced by Mr Trump +- two years ago and which he thought would be ‘easy to win’. What we see now as reaction to the US provocation to China in the US social sphere, many ordinary Americans are deeply into the ‘crush China’ rhetoric which attempts to blame China for all of the US ills.

https://sputniknews.com/analysis/202007241079970310-us-heading-towards-quagmire-in-the-south-china-sea-by-inciting-tensions-with-beijing-activist-warns/

While it remains unclear if this can be written off completely to electioneering and election rhetoric, what does clarify is that the harm done is not easily fixed, no matter the reason. It is however quite breathtaking how far Pompeo will push this, hoping for retaliation which he can then use to prove himself and the current US administration right. It is beyond a level of comprehension that Pompeo and Co could really think that they will make war against China.

http://www.chinadaily.com.cn/a/202007/24/WS5f1a5b8da31083481725be24.html

In this time of ‘rhetorical cold war of words’, Godfree Roberts who regularly writes on China for the Unz Review started a new weekly newsletter, Here Comes China, Skulduggery, Good News, Offbeat Opinions, chock-a-block full of what is happening in China.

Godfree has offered the first four newsletters free to Saker readers. From economics, to space, to China-Iran Trade and Military Partnership, to the cleanup and recovering of the Yangtze river, a Hong Kong section, the media war on Xinjiang Uygur Autonomous Region, and an in-depth look at Human rights in China, this newsletter stands unique in its scope and its presentation of Western opinions and Eastern opinions.

Godfree’s new book on China is just about ready for release. The book is called:

Why China leads the world: Democracy at the bottom, Data in the middle, Talent at the top.
A preview: https://www.herecomeschina.com/why-china-leads-the-world-the-book/

I also want to draw the readers’ attention to a two part essay written on Mao, Mao Reconsidered, and published in greanvillepost.com. Part 1Part 2

China Sitrep – 5 selected topics from the Here Comes China newsletter:

Trump Empowers CIA to Launch Cyberattacks

The secret authorization, known as a presidential finding, gives the spy agency more freedom in both the kinds of operations it conducts and who it targets–including Russia, China, Iran and North Korea, which are mentioned directly in the document. The finding allows the CIA to more easily authorize its own covert cyber operations, rather than requiring the agency to get approval from the White House. The “very aggressive” finding “gave the agency very specific authorities to really take the fight offensively to a handful of adversarial countries,” said a former U.S. government official. The Central Intelligence Agency has conducted a series of covert cyber operations against Iran and other targets since winning a secret victory in 2018 when President Trump signed what amounts to a sweeping authorization for such activities. [MORE]

Belt and Road Finds New Life in Pakistan

China and Pakistan have signed deals for two hydro-power generation projects costing $3.9 billion in the disputed Kashmir region, and another to revamp the South Asian nation’s colonial-era railways for $7.2 billion — the most expensive Chinese project yet in Pakistan. The Chinese financing has helped rid Pakistan of an electricity deficit that left exporters unable to meet orders and major cities without electricity for much of the day. [MORE]

T.P. Wilkinson: The Yemen

The West encourages dissolution of state entities that could engage in normal relations with China or any other potential competitors. The Yemen is one of those long-term victims of British imperialism. When Britain nominally withdrew from Egypt, Nasser promoted his new government’s participation in his movement for Arab unity, opposed by British clients in Riyadh (the Saud family’s Wahhabi gangsters). The Saud family would like to have annexed the Yemen but could not without war against Egypt-against which the tiny mob had no chance. So David Stirling led a counter-insurgency funded by the British and Saudis to drive Egypt out of the Yemen and leave the country as a quasi-protectorate of Britain/US. Attempts to change that have been fought for decades but until a decade ago the client regime was well protected. Clearly chaos is profitable for the empire which between Somalia and Yemen prevent any stability in opposition to its interests. Not only do Somalia and Yemen lie close to the Suez route they also form part of the ancient East African trading basin that links Asia with Africa. As part of the overall strategy of Denial, this policy is aided by the designs of the mob in Riyad which lacks the population to occupy territories it would like to annex.

Xinjiang

This section from Here Comes China is an in-depth analysis. I suggest you read it in the newsletter itself. Main points:

Islam is neither the Uyghurs’ native religion nor their only one but, in its Wahhabi form, has caused problems around the world, for which we can thank to two fervent Christians, Jimmy Carter and Zbigniew Brzezinski,[2] who considered a united Eurasia, “The only possible challenge to American hegemony.” In 1979, months before the Soviet entry into Afghanistan, Brzezinski drafted and Carter signed a top-secret Presidential Order authorizing the CIA to train fundamentalist Muslims to wage Jihad against the Soviet Communist infidels and all unbelievers of conservative Sunni Islam and the Mujahideen terror war against Soviet soldiers in Afghanistan became the largest covert action in CIA history.[2] Brzezinski’s ‘Arc of Crisis’ strategy inflamed Muslims in Central Asia to destabilize the USSR during its economic crisis and, when Le Nouvel Observateur later asked if he had any regrets, Brzezinski snapped, “What is most important to the history of the world? Some stirred-up Muslims or the liberation of Central Europe?”

Twenty years later, in 1999, the CIA’s Islam strategist, Graham E. Fuller, announced, “The policy of guiding the evolution of Islam and of helping them against our adversaries worked marvelously well in Afghanistan against the Russians. The same doctrines can still be used to destabilize what remains of Russian power, and especially to counter the Chinese influence in Central Asia.”[3]

Today, NED money supports the World Uyghur Congress (WUC) which calls China’s Xinjiang Province ‘East Turkistan’ and China’s administration of Xinjiang as ‘Chinese occupation of East Turkistan,’ runs articles like, “Op-ed: A Profile of Rebiya Kadeer, Fearless Uyghur Independence Activist,” and admits that Kadeer seeks Uyghur independence from China.

Faced with an armed insurrection, most states impose martial law or a state of emergency, as Britain did in Malaya from 1945 to 1957 and the US did with the Patriot Act, but China decided–despite popular outrage–to write off its losses and play the long game and founded The Shanghai Cooperation Organization (SCO),[1] a political, economic, and security alliance, with Kazakhstan, Kyrgyzstan, Russia, Tajikistan, and Uzbekistan, who stopped funneling money and providing corridors for Uyghur terrorists to move into and out of China. The SCO has since expanded to include India and Pakistan and Iran has begun the accession process, making it world’s largest security pact in both area and population and the only one whose membership includes four nuclear powers.

Forming the SCO was easier than assuaging public outrage. An unheard-of lawsuit by victims’ relatives accused the government of reverse discrimination so they stepped up security and published their objectives:

  1. restore law and order
  2. prevent terrorists from inflicting more violence
  3. use ‘high-intensity regulation’
  4. contain the spread of terrorism beyond Xinjiang
  5. purge extremists and separatists from society.

Neighborhood community centres–labelled ‘concentration camps’ in the western press–educate rural Uyghurs about the perils of religious extremism and train them for urban jobs.
In 2013 President Xi toured Eurasia and proposed the Belt and Road Initiative for three billion people, designed to create the biggest market in the world with unparalleled development potential, and built a gas pipeline to China from Turkmenistan through Uzbekistan, Tajikistan and Kyrgyzstan which, like China’s other western pipelines, power lines, and rail and road networks, runs through the Xinjiang Uyghur Autonomous Region.

Beijing then moved jobs to Xinjiang and opened vocational schools to train rural youth in literacy and job skills and swore to protect its neighbors from terrorism in exchange for their pledge to reciprocate. To create jobs in the province Xi directed investment from forty-five of China’s top companies and eighty Fortune 500 manufacturers to Urumqi. Corporate investment increased from $10 billion in 2015 to $15 billion in 2017 and infrastructure investments of $70 billion in both 2017 and 2018 lifted the annual goods shipments past 100 million tons with a goal of hourly departures to fifteen European capitals. Half a million Uyghurs have relocated from remote villages to cities and, as a result, 600,000 Uighurs were lifted out of poverty in 2016, 312,000 in 2017 and 400,000 in 2018. The last poor Uyghurs will join the cash economy in mid-2020.

The PBOC, China’s central bank, is partnering with ride-hailing giant Didi Chuxing to test the use of its sovereign digital currency, AKA Central Bank Digital Currency, CBDC. The regulator is working with Didi to apply digital currency electronic payment (DCEP) to the ride-hailing app, which currently serves a total of over 550 million users and is often described as China’s Uber. According to Didi, “the government seeks to support the development of the real economy sectors with innovative financial services.” Didi has more than 30 million daily ride-sharing orders and its bike-sharing daily orders reached 10 million. Meituan and Bilibilibili are also cooperating with banks in the digital yuan project. Meituan’s service platform has over 240 million consumers and five million local merchants, and Bilibilibili is China’s largest video-sharing website.

Sign up for your free one month sub to Godfree’s very extensive newsletter here. At the Saker blog, only a fraction of all the material can be covered.

مختصر مفيد ثورة جمال عبد الناصر

ناصر قنديل

يقدّم لنا نموذج القائد التاريخي جمال عبد الناصر بعد نصف قرن من الرحيل مسيرة رجل من أبناء الفقراء والبسطاء وفي موقع عادي في هرميّة مؤسسات الدولة والمجتمع تحمّل المسؤولية عندما رأى وطنه يحتضر ويُهان وشعبه يجوع والأجنبي يهيمن على القرار والثروات، فلم يسأل عن تبعات التحرك والمواجهة وخاضها حتى النهاية بكل ما أوتي من قوة، من دون أن ينتظر عشيرة أو حزبا أو دولة يدعمونه، مستعداً لتحمل المخاطر بأعلى تجلياتها وهو زوج وأب وموظف.

خلال توليه المسؤولية قدّم لنا جمال عبد الناصر نموذج المسؤول الصادق الذي بقي أميناً لما أعلن من مبادئ، والذي بذل كل جهد ممكن للتعلّم والتزوّد بالمعارف والتواضع في كسب الخبرات وسماع الآراء حتى اختار أفضل ما يخدم قضية شعبه وبلده وأمته وبذل في سبيله وقتاً وجهداً وتضحيات، فكانت معارك وحروب وحصار وعقوبات، وولدت مشاريع بحجم مصانع التعدين والسد العالي وقرارات بحجم تأميم قناة السويس وتوزيع الأراضي على الفلاحين.

خلال مسؤولياته الجسام خاض عبد الناصر حرباً وخسرها، فما كان منه إلا أن قدّم استقالته مستعداً لتحمل تبعات الهزيمة، وقد قدم في سيرته الشخصية مثالاً استثنائياً حول الزهد بالمال والترفع عن المكاسب الشخصية له ولعائلته وعاش حياة البسطاء وغادرنا. وهو كما دخل الحكم بجيوب فارغة.

عظمة المثال في كونه لا يترك عذراً لأحد، فيقول بالوقائع أن كل شيء ممكن، فهو يقول لشبابنا تحمّلوا المسؤولية ولا تقيسوا قراراتكم في قضايا أوطانكم بحجم ما بين أيديكم وبضمانات الفوز مسبقاً. فحاولوا وتشجعوا وتحملوا التبعات، والنجاح ممكن دون عشيرة أو حزب أو دولة يقفون وراءكم، ويقول لمن يتولى المسؤولية أي مسؤولية، أن تغيير حياة الناس أمر ممكن، وأن تغيير حال الوطن أمر ممكن، وأن مواجهة الحصار والعقوبات أمر ممكن، ويقول لكل من يتعاطى الشأن العام أن الجمع بين العمل العام والأخلاق أمر ممكن، وكل من يقارن قرارات عليه الحسم بشأنها ويخامره بعض اليأس والتردّد مدعوّ لتخيل ماذا واجه جمال عبد الناصر وكيف اتخذ قراراته.

يستطيع الناس الاختلاف في تقييم تجربة حكم جمال عبد الناصر، و/أو في صواب قراراته، لكن أحداً لا يستطيع أن يشطب من ذاكرتنا أنه كان عنوان المرحلة الذهبية في التاريخ العربي المعاصر، عندما صار للعرب والشرق والعالم الثالث كلمة.

%d bloggers like this: