لبعض المتفذلكين على المقاومة في مفهوم الصراع مع العدو

ناصر قنديل

من حيث المبدأ لا يستقيم نقد إلا مع سلوك وموقع صاحبه، فمن يريد توجيه الانتقاد لفريق في الصراع عليه أن يكون متجاوزاً له نحو الأعلى في سياق الموقف والموقع والفعل، إذا كان حزباً أو قوة سياسية، أو على الأقل منتمياً على المستوى الفكري والسياسي الثابت والمستدام لمدرسة ومنهج أشد جذرية من الفريق المنتقد في النظر لقضايا الصراع إذا كان فرداً وصاحب رأي. وبالتوقف أمام ما قيل وكتب من انتقادات تناولت الإعلان عن اتفاق الإطار لترسيم الحدود البحرية من قبل رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي لم يعد موضع نقاش لكونه حاصل تنسيق بالتفاصيل مع قيادة المقاومة منذ يوم التفاوض الأول مع الأميركيين حتى الخاتمة المتمثلة بالبيان المصوغ بلغة تفاهم نيسان، الذي لم يكن أحد يومها مستعداً لرؤية كلمة «حكومة إسرائيل» فيه مصدراً لتساؤل، لأن الصادقين رأوا فيه الجوهر الصراعي التراكمي، في سياق واقعية مقتضيات هذا التراكم، أما الآخرون فتجاهلوا الانتقاد يومها لأنهم كانوا يعتقدون أن المقاومة كلها قائمة أصلاً على المبالغة في تقدير قوتها وما تسميه إنجازاتها، وسوف لن يطول عمر «أوهامها وأحلامها» بالتفوق على الاحتلال. من هنا يجب الوضوح بالقول إن كل نقد يوجه للإعلان تحت شعار التشكيك بما يعبر عنه في سياق الصراع مع العدو، ولو حصر سهامه برئيس مجلس النواب من باب الكيد السياسي، فهو يعلم أنه يستهدف حزب الله والمقاومة تشكيكاً بصدقية الموقع من الصراع مع العدو، فهل يملك هذا التشكيك قدراً من الصدقية؟

ماذا يعني مفهوم الصراع المفتوح مع كيان الاحتلال، هو السؤال المنهجيّ الأول الذي يطرحه النقاش، فهل هو يعني أن حركة المقاومة والدولة المقاومة في أي بلد عربي مجاور لفلسطين، ستسعى لجعل بلدها مجرد منطقة محرّرة من الاحتلال في حرب تحرير مفتوحة نحو فلسطين، على قاعدة أن الأمة واحدة، سورية أو عربية، وهل هذا ممكن واقعياً، أم أن على حركات المقاومة أن تضع منهجاً يقوم على ثنائية، ربط نضالها وموقفها بسقوف وطنية. فالدولة السورية المقاومة تضع سقفها الوطني بتحرير الجولان حتى خط الرابع من حزيران، كما قال القرار الأممي 242 والقرار 338، والمقاومة في لبنان تضع سقفها الوطني بتحرير الأراضي اللبنانية المحتلة حتى الحدود الدولية المعترف بها، وفقاً لنص القرار 425، وبالتوازي التمسك بالالتزام بالقضية الفلسطينية والحقوق التاريخية في كل فلسطين، ولو فرضت منعرجات الصراع استعمال مفردات ولغة تتناسب مع موازين القوى الدولية، كإعلان سورية وقبلها مصر مع الرئيس جمال عبد الناصر، السعي للسلام العادل والشامل، لرمي كرة التعطيل في ملعب العدو، والرهان على الزمن لبناء توازنات جديدة تتيح ملف التحرير للأراضي الفلسطينية، وكما تفعل المقاومة في لبنان عندما تربط وجود سلاحها بعناوين مثل حماية لبنان من العدوان، وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وهل يعني ذلك تفريطاً بالقضاياً المصيرية والاستراتيجية في الصراع؟

عندما ننطلق من فهم ضبط الأداء الهجومي للمقاومة بالسقوف الوطنية، وضبط منهجها السياسي برفض التخلي عن أسباب القوة لأنها جزء من مقتضيات الصراع الذي لم ينته ولن ينتهي بالنسبة لها، إلا بتحرير كامل فلسطين وزوال الكيان، ندرك معنى المسار المتعرج للصراع، الذي يعرف مراحل سكون وتصعيد، ويعرف مراحل هدنة وحروب، لكن ضمن معادلة الحفاظ على أسباب القوة، وخوض الصراع على الوعي في كل تفاصيل الصراع، ولا يمكن رؤية كل الحملة التي تستهدف إعلان اتفاق الإطار، إلا في سياق تعطيل مهمة مراكمة الوعي لصالح ثقافة المقاومة وخيار المقاومة وجعل المقاومة في حال دفاع، تحت وابل التشكيك كي لا تتمكن من ترسيخ خلاصة جوهرية محورها، ان كيان الاحتلال فقد القدرة على التسيّد في المنطقة. وهو رضخ مجبراً لشروط لبنان، القوي بمقاومته، لأن الكيان لن يستطيع توفير الأمن لاستثمار الغاز في فلسطين المحتلة، من دون أن يسلّم بحقوق لبنان التي كان يرغب بالسطو عليها. وهذا يعني بمفهوم معركة الوعي تظهير المقاومة كمصدر قوة للدولة الوطنية، بعد حروب فكرية وسياسية وإعلامية ممتدة خلال أعوام بشراكة دولية وعربية ولبنانية تريد تظهير المقاومة كعبء على بلدها وسبباً لاستجلاب العقوبات والحصار وفقدان الموارد. وإذ هي تظهر حامية للثروات ومصدراً للحفاظ على الموارد وتحصيل حقوق كانت ستضيع لولا وجود هذه المقاومة وقوتها، من دون أن تبيع للعدو شيئاً في السياسة، أو تفتح بازراً للبيع والشراء، فالتفاوض غير مباشر وعسكري وتقني وسينتهي بمحاضر وخرائط اسوة بما جرى في نقاط البر على مراحل متعددة.

السؤال الذي تجب الإجابة عليه بشجاعة، بعيداً عن التفذلك، هل يعيب المقاومة أن يكون معادل فرض شروطها في التفاهمات المؤقتة ضمن حركة الصراع، هو التوقيت، فالذي أجبر العدو على قبول تفاهم نيسان الذي قيل فيه إنه شرعن المقاومة وصولاً لتمكينها من إنجاز التحرير، هو نفاد الوقت منه ضمن مدى قدرته على الاحتمال، ومثل ذلك حدث في حرب تموز 2006 وفرض شروط المقاومة ضمن القرار 1701، فسقطت مشاريع القوات المتعددة الجنسيات ونزع سلاح المقاومة كشروط لوقف النار. وها هي المقاومة في ظل القرار 1701 باعتراف أعدائها أشدّ قوة ومصدر خطر وجودي على الكيان، ومثل ذلك حصل في عام 2000، مع نفاد الوقت المتاح لإعلان إتمام الانسحاب من لبنان، فنال لبنان ملايين الأمتار المربعة، ومثل ذلك يحدث اليوم، مع فرض شروط التفاوض غير المباشر والرعاية الأممية لعملية الترسيم، وما فرض على العدو ومن خلفه الأميركي القبول هو حاجته للتوقيت، سواء لجهة الاستثمار الذي يحتاجه في ما يمكن تحصيله من حقول الغاز، أو الاستثمار السياسي الذي يحتاجه الأميركي في سياق انتخاباته الرئاسية، وفي كل هذه المحطات هل كانت المقايضة على نصف الشروط بدلاً من مقايضة كل الشروط بالتوقيت هي الأصحّ والأسلم وفقاً لقوانين الصراع حيث التوقيت عابر، والشروط دائمة، أم أن الأفضل هو التخلّي عن فرصة تحقيق الشروط لحرمان العدو من كسب التوقيت، وهل تبني هذه العدمية العبثية مقاومة وتحقق تراكم وعي وإنجازات في الميدان؟

السؤال الذي لا يقلّ أهمية، هو أنه في كل هدنة ووقف نار، من تفاهم نيسان، وقبله فك الاشتباك في الجولان، وبعدهما بعد العام 2000، وبعد القرار 1701، تبادل مع العدو في الحصول على مقدار من الأمن التكتيكي، من دون منحه ضمانات للأمن الاستراتيجي الذي يبقى تعزيز مقدرات المقاومة والتذكير بمعادلاتها الرادعة مصدر تهديد دائم له ضمن التأكيد على الطابع المصيري والوجودي للصراع. فهل في هذا المفهوم لنيل الأمن من جانب العدو تكتيكياً ما يعيب المقاومة في صدقيتها؟ وهل في نيل العدو أمناً تكتيكياً لاستثماراته في حقول الغاز، مقابل التسليم بحقوق لبنان، التي كان يرغب العدو بالسطو عليها وأجبرته مخاوفه على أمن الاستثمار، على التسليم بالحقوق اللبنانية، وهل ينتقص هذا الأمن التكتيكي الذي يصاحب كل مراحل التفاهمات من جدية مشروع المقاومة وصدقيته في نهائية مواجهته مع الكيان وسعيه لإزالته عن الخريطة؟

المقاومة الصادقة في توجهاتها الاستراتيجية تحتاج لرسم خريطة طريق نجاحها، إلى عدم الوقوع تحت ابتزاز تطرفين، تطرف يقيس صدقيتها القومية بأن تتجاهل أنها حامل موضوعي لأسباب القوة لهوية وطنية، وأن تتجاهل قوانين الصراع وقواعد تراكم موازين القوة، ومن ضمنها مراكمة الوعي، وبنظر هؤلاء على المقاومة أن تمتنع عن كل هدنة، والهدنة أمن للعدو بمثل ما هي أمن للمقاومة، فتبقي جبهاتها مشتعلة حتى لو خسرت شعبها من ورائها، وتورطت بمواجهات تفقدها مصادر قوتها كي تثبت أنها مخلصة لفلسطين، وتطرّف آخر يقيس صدقيتها الوطنية بأن تتجاهل مسؤوليتها القومية، وتنسى فلسطين، وتبني على قواعد المعادلات الوطنية اللبنانية وحدها مصير حركتها، فتنتهي مهمتها في الصراع بمجرد تحقيق المصالح الوطنية، ولو كان الثمن التخلي عن مسؤوليتها القومية، فلا مشكلة لدى أصحاب هذا التطرف بالتطبيع والاعتراف بشرعية كيان الاحتلال إذا كان الثمن مكاسب لبنانية، والمقاومة لا تنتمي لهذا التطرّف ولا لذاك لسبب بسيط، لأنها تعي وطنيتها وقوميتها بصفتهما مصدري تكامل لا تنافر.

ألاعيب أبناء وأحفاد البنا!

د. محمد سيد أحمد

لم نكتب منذ فترة طويلة عن جماعة الإخوان المسلمين، على الرغم من أنّ غالبية مقالاتي منذ 25 يناير/ كانون الثاني 2011 وحتى 30 يونيو/ حزيران 2013 وما بعد ذلك بعام تقريباً لم تكن إلا عن الجماعة وخطورتها على المجتمع المصري، وكنت دائماً ما أحذر من ألاعيب أبناء وأحفاد البنا، وذلك من واقع خبرة علمية بفكر التنظيم وحركته التاريخية، واليوم أجد إلحاحاً من بعض الأصدقاء بضرورة العودة للكتابة مرة أخرى عن التنظيم وفكره وحركته بعد أن عاد للعمل من جديد ويحاول زعزعة الأمن والاستقرار بالداخل المصري، والقضاء على كلّ منجز تقوم به الدولة المصرية على طريق النهوض والتنمية، مستغلاً بعض الأخطاء من ناحية، وعدم القدرة على الفهم والتعامل مع ألاعيب الجماعة من ناحية أخرى.

ونعود إلى الخلف قليلاً ففي أعقاب 30 يونيو/ حزيران 2013 والإطاحة بالجماعة من سدة الحكم تحدّثنا عن الخيارات المتاحة أمام الجماعة باعتبارها إحدى القوى الاجتماعية والسياسية الفاعلة على الساحة المجتمعية المصرية – فهذه حقيقة علمية سواء قبلها البعض أو حاول إنكارها – ولعلّ محاولات إنكارها هي ما أوصلنا إلى هذه الحالة الراهنة التي كبرت فيها الجماعة وتوحّشت وكادت تبتلع الوطن بكامله، فأخطاء السلطة السياسية عبر ما يقرب من الخمسة عقود الماضية كانت سبباً في ما وصلنا إليه الآن من مواجهة شاملة مع هذه القوى الإرهابية، فعندما ظنّ الرئيس السادات أنه بإمكانه القيام بثورة مضادة لثورة 23 يوليو/ تموز 1952 يتخلّص على أثرها من خصومه السياسيين من الناصريين والشيوعيين فاستعان على الفور بخصمهم العنيد جماعة الإخوان المسلمين فأخرجهم من السجون والمعتقلات وأطلق سراحهم لمواجهة هؤلاء الخصوم، لكن هذه المواجهة انتهت باغتياله شخصياً بعد أن ظنّ أنهم فرغوا من مهمّتهم التي أوكلها لهم، ثم جاء الرئيس مبارك ليسير في نفس الطريق حيث قرّر منذ البداية استمالة الجماعة وعقد صفقات تحتية معها، تمكنت على أثرها من التغلغل داخل بنية المجتمع انتظاراً للفرصة التي تمكنها من الانقضاض على السلطة السياسية وانتزاعها، وساعدتها على ذلك سياسات مبارك المنسحبة من الأدوار الرئيسية للدولة وتخليها عن مسؤوليتها الاجتماعية والاقتصادية تجاه مواطنيها، مما خلق فراغاً تمكنت هذه الجماعة وحلفائها من ملئه خاصة في الأحياء والمناطق الأكثر فقراً في الريف والحضر.

وفي أعقاب الإطاحة بالجماعة من سدة الحكم طرحنا مجموعة من الخيارات المتاحة أمامها، من خلال قراءة علمية نقدية في أدبيات الجماعة الفكرية، وحركتها التنظيمية، وتجاربها التاريخية داخل المجتمع المصري، وتوصلنا إلى ثلاثة خيارات متاحة أمامها في اللحظة الراهنة وهي:

1

ـ إلى الأمام، والاعتذار عن الفشل وإعادة النظر في تجربتها والاندماج مرة أخرى في المجتمع بعد مصالحة يتمّ على أثرها معاقبة من أخطأ.

2

ـ إلى الخلف، وخوض مواجهة مفتوحة مع الجميع المجتمع والدولة والسلطة السياسية، وهذا خيار اللاعودة، فإما الانتصار باستخدام الإرهاب على الشعب والحكومة والدولة، أو الانتحار.

3

ـ في المكان، واتّباع مبدأ التقية والعودة مرة أخرى لعقد صفقات وتحالفات مرحلية ومؤقتة مع السلطة السياسية، كما كان يحدث في الماضي، وهي لعبة تجيدها الجماعة تاريخياً، بل هي جزء من عقيدتها حيث اتقاء شرّ السلطة السياسية حين تكون الجماعة في مرحلة استضعاف، وهو ما تمّ على مدار حكم مبارك، ثمّ انتهاز الفرصة للانقضاض عليه والإطاحة به والجلوس محله، وهي المرحلة التي تعرف بمرحلة الاستقواء والتمكين.

وكنا قد أكدنا أنّ كلّ الشواهد والأدلة والبراهين تشير إلى أنّ الجماعة تسير بالفعل في اتجاه اللاعودة أيّ الخيار الثاني إلى الخلف، فالجماعة قد حسمت أمرها وقرّرت خوض معركة إلى الخلف للنهاية، وذلك من خلال تحالفها مع باقي الجماعات الإرهابية التي خرجت من تحت عباءتها والتي تطلق على نفسها مسمّيات مختلفة – سلفية وجهادية وغيرها – حيث أعلنوا النزول ضدّ الشعب والدولة والسلطة السياسية في مواجهة شاملة سيقومون من خلالها باستدعاء كلّ الحيل التاريخية لقوى الإسلام السياسي التي استخدمت من أجل الوصول إلى السلطة والسيطرة على مقاليد الحكم باسم الله والدين، والله والدين منهم براء، لكن الجديد في الأمر هو استخدام الجماعة وأعوانها حيل جديدة حيث استخدمت المنصات الإعلامية في الخارج سواء في تركيا أو قطر، وشكلت كتائب إلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي تعمل على مدار الساعة لنشر الفتن والأكاذيب وتضخيم الأحداث الصغيرة، والدعوة الدائمة للخروج والتظاهر مستغلين بعض السياسات غير الرشيدة من السلطة السياسية سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي.

لذلك يجب أن يعي الشعب المصري والسلطة السياسية معا أنّ المعركة الراهنة، هي الخيار الأخير أمام هذه الجماعة الإرهابية، وعلى الجميع أن يتوحّد تحت مظلة الوطن فالمعركة لا يمكن أن تحسم من خلال الأجهزة الأمنية فقط – جيش وشرطة – وإنما تحتاج لدعم شعبي ومواجهة مجتمعية شاملة على كافة المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والدينية والإعلامية، وليدرك الجميع أنّ هذه المعركة ستطول ولن تحسم في المنظور القريب، وما المعركة الدائرة اليوم من خلال تحريض المواطنين الغاضبين من بعض السياسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية إلا جولة من جولات الصراع بين الوطن وأعداء الوطن، لذلك لا بدّ أن تتحرك السلطة السياسية لنزع فتيل الغضب بمجموعة من السياسات المنحازة للفقراء والكادحين والمهمّشين، وإحداث إصلاح سياسي حقيقي ووقف العبث الذي تمّ في انتخابات مجلس الشيوخ، والذي يتمّ في انتخابات مجلس النواب، خاصة أنّ أبناء وأحفاد البنا ما زالوا يتلاعبون بالعقول وينفخون في النار، اللهم بلغت اللهم فاشهد.

جمال عبد الناصر زعيم الأمة العربية الخالد

  الصفصاف

بوفاة جمال عبد الناصر في الثامن والعشرين من أيلول سنة 1970 فقدت الأمة العربية قلبها النابض، عقلها الاستراتيجي ولسانها العربي القومي الفصيح. فقدت قائدها الثائر ومثور أجيالها من المحيط الى الخليج. رأس حربتها في مواجهة الاستعمار والصهاينة والرجعيين. ولأنه كان كذلك نجد أن كل أعداء الزعيم الخالد كانوا ولازالوا حاقدين عليه بالرغم من مرور عشرات السنين على رحيله. يأتي العدو الصهيوني على رأس الحاقدين والباغضين والكارهين والمعادين لعبد الناصر، فهذا الرجل الذي كان مبدعاً في تثوير الأمة العربية من محيطها الى خليجها ومن خليجها الى محيطها ضد الاحتلال الصهيوني وأعداء الأمة العربية وأعوانهم الرجعيين العرب. غرس العروبة والمقاومة والعداء لكل هؤلاء في عقول الملايين من الجماهير العربية. خير دليل على احترام ومحبة وتقدير الأمة العربية للزعيم الخالد كان يوم وفاته واثناء جنازته المهيبة التي شارك فيها نحو 5 مليون مصري. عداكم عن ملايين الجنازات التي أقميت في كل الوطن العربي وشاركت فيها ملايين الحشود من جماهير الأمة. فلو كان عبد الناصر كما يصفه الأعداء واعلامهم وجواسيسهم وأعوانهم لما لاقى هذا الوداع العظيم ولما بقي خالداً في قلوب العرب حتى يومنا هذا. ولما بقي احترامه موجوداً ومقدراً لغاية يومنا هذا في عدد كبير من دول العالم وبين قواها الحية وشعوبها. ولو كان عبد الناصر خائنا ومتخاذلا وذليلا ومستسلما ومطبعا ومهزوما وعاجزا و صغيراً كما الذين خلفوه في حكم مصر، لما قامت وسائل الاعلام المؤتمرة بإمرة الحكام وأشباه الحكام بتشويه سيرته وزرع ذلك في عقول الشباب المصري. فعبد الناصر سيبقى ملهماً للثورة وللنضال وللانتماء الأصيل للأمة. بقي هو ولازال حياً في أجيال العرب المقاةمة بينما مات أعداؤه في الحياة نفسياً ووطنياً وقومياً قبل أن يموتوا جسدياً.

عاش زاهدا مثله مثل أي مواطن عادي وأي فلاح وأي عامل وأي جندي مصري. تزوج من سيدة من طينته وعجينته تشابهت صفاتها مع صفاته وتواضعها مع تواضعه وطريقة معيشتها وحياتها العادية والبسيطة مع طريقة حياته ومعيشته العادية. عاشت في الظل ولم تبدل جلدها تماما كما فعل زوجها ورفيق عمرها الزعيم جمال عبد الناصر، زعيم مصر والعرب، هذا الجندي الذي قاتل في فلسطين اثناء النكبة وصمد ودافع عنها بضراوة وشراسة. ففي فلسطين عاش عبد الناصر النكبة والخيانة والألم على ضياعها واغتصابها واحتلالها من قبل الصهاينة المجرمين. فقرر عند عودته أن يفعل هو ورفاقه من أبناء الجيش المصري شيئاً يقلب مصر والمنطقة راساً على عقب، فكانت حركة الضباط الأحرار التي أزاحت عرش الملك وأعادت لمصر مكانتها في طليعة العرب وأفريقيا ودول العالم، وصار يحسب لمصر ناصر ألف حساب. منذ نجح ناصر ورفاقه في السيطرة على الحكم في مصر بدأت المؤامرات ضده من قبل الصهاينة والغرب الاستعماري ممثلا بالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وكل معسكر الأعداء من مملكة آل سعود الوهابية الى المجرمين الصهاينة اليهود في فلسطين المحتلة. وصولاً الى أعداء الداخل في مصر نفسها الذين كانوا يكيدون لعبد الناصر، ثم حاولوا اغتياله بالتنسيق مع المخابرات البريطانية وبتمويل ودعم من السعودية. لكنه صبر وصمد وقاوم وأستمر وانتصر عليهم.

الرئيس عبد الناصر توجه إلى قمة دول عدم الانحياز في باندونغ عام 1955، برفقة شوان لاي رئيس وزراء الصين الأسبق و نهرو وسوكارنو وأسسوا مجموعة دول عدم الانحياز، الحلف التضامني الآسيوي الافريقي واللاتيني الأمريكي. الذي ضم عظماء من ذلك الزمان منهم أيضاً تيتو ثم كاسترو. استطاع الزعيم عبد الناصر مع قادة عالميين بناء حلف عالمي كبير لأجل دعم قضية فلسطين وحركات التحرر العربية والافريقية والأسيوية والعالمية. وللتحشيد العالمي لنصرة شعب وقضية فلسطين.

كما دافع عبد الناصر عن فلسطين دافع عن البلاد العربية الأخرى من الجزائر الى اليمن وسوريا والعراق وليبيا ولبنان والخ. هذا كله لم يرق للأعداء ومعسكرهم الكبير، خاصة علاقات عبد الناصر مع الاتحاد السويفيتي واعادة بناء الجيش المصري استعداد لحرب التحرير الكبرى. لكن الأعداء هاجموه في العدوان الثلاثي رداً على المقاومة المصرية التي ألحقت خسائر كبيرة بالمستعمرين البريطانيين في سيناء قبل واثناء توقيع اتفاقية الجلاء سنة 1954. التي انتهت بطرد الاستعمار البريطاني من مصر نهائياً.

في ذلك الوقت كان موقف عبد الناصر واضحاً في عداءه للكيان الصهيوني ورفض الاعتراف بوجوده. وكرس ذلك عبر تضييق حركة الملاحة في قناة السويس وخليج العقبة على السفن الصهيونية. طبعاً لم يرق ذلك للصهاينة الذين قاموا بتعزيز قدراتهم العسكرية عبر ابرام صفقات سلاح كبيرة مع فرنسا. طلب عبد الناصر السلاح من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا لكنهما رفضتا تزويده بالسلاح فتوجه نحو الاتحاد السويفيتي الذي رحب بذلك وزود مصر بالسلاح والعتاد العسكريين. في ذلك الوقت كان السوفييت يريدون أن يكون لهم موطئ قدم وحلفاء في المنطقة. في ذلك الوقت أيضاً رفض عبد الناصر الدخول في حلف مع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا حليفتا (اسرائيل). وأعلن يوم 26 تموز – يوليو 1956 تأميم قناة السويس. وعندما فشل معسكر الأعداء العالمي في ثنيّ مصر عن قرارها قررت بريطانيا مع فرنسا والكيان الصهيوني مهاجمة مصر عقابا لعبد الناصر على قرار التأميم ورفض الصلح والاعتراف بالكيان الصهيوني، أو توقيع اتفاقيات سلام (استسلام) معه والسيطرة والسيادة الكاملة على قناة السويس التي هي جزء من الأرض العربية المصرية.

هاجمت مصر قوات معادية بريطانية، فرنسية وصهيونية سنة 1956 وعرفت تلك الحرب بحرب السويس. تعتبر تلك الحرب العدوانية ثاني حروب وغزوات العدو الصهيوني على الأمة العربية بعد احتلال فلسطين في الحرب الأولى سنة 1948. لم تكن مصر في وضع عسكري قوي يسمح لها بمواجهة هذا العدوان لكنها واجهته ودحرته بعد معارك مشرفة وكان لموقف الاتحاد السوفيتي شديد الأثر في انهاء العدوان الثلاثي حيث وجه السوفييت انذارا شديد اللهجة للمعتدين وهددت القيادة السوفيتية بمحو العدوان. مما اضطر المعتدين الى الانسحاب. اعتبرت تلك الحرب نهاية لنفوذ وقوة بريطانيا كدولة عظمى في العالم. وهذا يضاف أيضاً لانجازات الزعيم جمال عبد الناصر.

اليوم ونحن على مشارف ذكرى رحيل الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، الذي قال في خطبة من خطبه “إن جزمة جندي مصري بتاج آل سعود”. نقول للزعيم الراحل: تلك الجزمة بتيجان كل الذين خانوا مصر وخانوك وخانوا فلسطين والعروبة. عبيد أموال السعودية وأخواتها من الذين لازالوا يعيشون في عهد العبودية والاستعمار والتبعية والخيانة.

أما من وقعوا اتفاقيات مع الصهاينة معترفين بروايتهم التاريخية الزائفة ومتخلين عن روايتنا العربية المقدسة فقد أصبحوا خارج الصفين الوطني والقومي. وهذا ينطبق على المستسلمين الفلسطينيين أولا ثم على أشباههم من العرب.

في ذكرى رحيل زعيم الأمة العربية بلا منازع أقول للفلسطينيين الصامدين الصابرين المرابطين داخل الوطن المحتل وبالذات في القدس وأماكنها المقدسة، مساجد وكنائس. جهزوا نعالكم وأحذيتكم لاستقبال أي مستسلم ومطبع عربي سيتجرأ على زيارة أحياء المدينة العربية القديمة في القدس ولو حتى برفقة نتنياهو نفسه وليس فقط شرطته وجيشه.

نضال حمد

جمال عبد الناصر.. في ذكراه الخمسين: لا صلح.. لا تفاوض.. لا اعتراف

محب للجميع Twitterren: "من اقوال هذا الرجل ( اذا وجدتم امريكا راضية عني  فاعلموا اني اسير في الطريق الخطا ) http://t.co/ipHCFfZUeE"

د. جمال زهران

يأتي يوم 28 سبتمبر/ أيلول 2020، ليذكرنا بالذكرى الخمسين لرحيل الزعيم جمال عبد الناصر، أيّ نصف قرن من عمر الزمن والتاريخ، وذلك وسط متغيّرات وظروف بيئية في منتهى القسوة إقليمياً ودولياً، بل ومحلياً داخل الأقطار العربيّة. فنحن نعيش عصر التدهور العربي خاصة في محور الرجعية العربية، مقابل تصاعد محور المقاومة الذي يواجه ضغوطاً غير مسبوقة، ومع ذلك يحقق الانتصارات تباعاً.

ومن أهمّ المتغيّرات التي يواجهها الإقليم والقضية الفلسطينية، ما حدث من اختراق رسمي وعلني صهيوني لدول الخليج التي كانت عربية، لتسقط الدولة تلو الأخرى في براثن الكيان الصهيوني (إسرائيل)، بإعلان التطبيع وتأسيس العلاقات بينهم وبين “إسرائيل”. وفي المقدّمة رسمياً (الإمارات – البحرين)، والبقية في الطريق بقيادة رأس الرجعية العربية وهي المملكة السعودية، وذلك عدا دولة الكويت التي أعلنت رفضها القاطع للتطبيع مع الكيان الصهيوني.

تلك الإشارة هي التي تتعلق بالذكرى الخمسين لرحيل عبد الناصر الذي كان يمتلك رؤية كاملة وشاملة وواضحة إزاء العداء لهذا الكيان الصهيوني منذ بداية قيامه ورفاقه بثورة 23 يوليو 1952، ولعلّ السبب الرئيسي الذي ساهم في بناء رؤيته، هو مشاركته في حرب 1948، التي كانت بداية لتفتح ذهنه وعقله وإدراكه حقائق القضية، وعاد منها مكسوراً، حيث رأى أنّ الطريق لتحرير فلسطين هو تغيير الداخل في مصر والثورة عليه، لتكون البداية لقيادة مصر للصف العربي في مواجهة الاستعمار. فكيف نقضي على الاستعمار الصهيوني في فلسطين، والاستعمار الإنجليزي موجود في مصر، ورأس الحكم (الملك) يتحالف معه ضدّ الشعب والحركة الوطنية؟! فلا بد إذن من تحرير مصر أولاً، وهو ما حدث وقامت ثورة 23 يوليو/ تموز 1952، بقيادة جمال عبد الناصر.

فقد كان عبد الناصر، طبقاً لما هو وارد في “فلسفة الثورة”، وأكده في الكثير من خطبه، أنّ الأعداء السياسيين لمصر والوطن العربي كله، هم: (الاستعمار العالمي – الصهيونية – الرجعية العربية)، وأنّ الطريق للمواجهة الشاملة مع هؤلاء الأعداء تكون بتحقيق الاستقلال الوطني والتنمية المستقلة والشاملة لتحقيق النهضة الحقيقية بالاعتماد على الذات وتحقيق التقدم من خلال التعليم الواسع والصحة والثقافة والإعلام الجيد. فضلاً عن تبنّي مشروع تنموي حقيقي عموده الفقري “الصناعة والزراعة”. ولذلك أنجز بعد التمصير والتأميم، نهضة صناعية قوامها مشروع الـ (1400) مصنع، شاملاً الصناعات الاستراتيجية كالحديد والصلب والفوسفات والسيارات، وغيرها كما أنه في مواجهته للاستعمار خاض معركة بناء السدّ العالي الذي رفض تمويله البنك الدولي وصندوق النقد، فقرر الاعتماد على الذات ودعم الصديق الدولي (الاتحاد السوفياتي)، وتمّ بناء السدّ في (10) سنوات (1960 – 1970م).

حيث إنّ السدّ العالي، ساهم في توليد الكهرباء وهي أساس مشروع النهضة الحديثة في الصناعة والزراعة، وتوصيل الكهرباء للريف المصري وكلّ أنحاء مصر. كما أنّ كلّ ذلك – حسبما رأى وفعل – مهدّد إذا ما لم يتأسّس على تحقيق العدالة الاجتماعية وبناء طبقة وسطى، ودعم الكادحين، وعمودها الفقري العمال (صناعيين وزراعيين)، وموظفو الدولة والقطاع العام.

ولذلك، فقد أصدر جمال عبد الناصر، قانون الإصلاح الزراعي في 9 سبتمبر/ أيلول 1952، بوضع الحدّ الأقصى للملكية (200 فدان – صارت بعد ذلك إلى (50) فدانا، وقام بتوزيع الباقي على الفلاحين ليتحوّلوا من أجراء إلى ملاك، فيتم إصلاح حال البناء الطبقي في مصر في ضوء ذلك تدريجياً، وأعاد بذلك توزيع الدخل القومي والثروة لصالح الأغلبية.

ثم خاض معركة تأميم قناة السويس في 26 يوليو/ تموز 1952، ويستردّها للشعب، بعدما طرد الاستعمار الإنجليزي، وذلك بعقد اتفاقية الجلاء، وبعد رفض البنك الدولي والصندوق تمويل السدّ العالي، كعقبة أمام استقلال واستقرار مصر، فكان ردّه العاجل والمباشر هو تأميم قناة السويس، واستعادة ملكيتها للشعب المصري، فكان ردّ فعل الاستعمار هو العدوان الثلاثي (بريطانيا – وفرنسا – “إسرائيل”) على بور سعيد، والذي فشل، وانتصرت مصر التي أدركت ما وراء وجود هذا الكيان الصهيوني في المنطقة العربية كخنجر في ظهر الأمة العربية.

ولم يهدأ الاستعمار والصهيونية والرجعية، وذلك بافتعال أزمة، أسهمت في نكسة 1967، وكان عبد الناصر يتمتع بحسّ المسؤولية، حيث أعلن عن مسؤوليته وتنحى عن منصبه، إلا أنّ جماهير مصر الواعية أدركت عمق المؤامرة على مصر وفلسطين والعرب، وتمسكوا به، وأجبروه على التراجع فما كان منه إلا أن أعاد بناء القوات المسلحة بنفسه، وأدار حرب الاستنزاف على مدار (1000) يوم وأكثر من (1400) عملية عسكرية ضدّ “إسرائيل”، وأعدّ خطط الحرب النهائية (جرانيت1، جرانيت2، والخطة 200). ولكن القدر لم يمهله حتى يحقق النصر الكامل على الأعداء، ولكن ما حققه كان المقدمة لحرب أكتوبر 1973، بحسم.

وفي أعقاب النكسة، دعا عبد الناصر لعقد لقاء قمة عربية في الخرطوم، ليعلن اللاءات الثلاث وهي: (لا.. للصلح، لا.. للتفاوض، لا.. للاعتراف).

هذه هي مكونات الموقف العربي الشامل ضد الكيان الصهيوني ومن ورائه من استعمار ورجعية عربية متآمرة حذرنا جمال عبد الناصر، كثيراً، من خطورتها باعتبارها عميلة الاستعمار الأميركي.

فقد عرضت عليه مشروعات للتصالح مع “إسرائيل”، يستردّ بها كل سيناء مقابل الصلح، ورفض معلناً أنّ “فلسطين قبل سيناء”. إلا أنّ القوى المضادة لعبد الناصر ومشروعه، بدأت خطواتها من داخل مصر في عهد السادات. فلم يكن السادات ينوي الحرب لتحرير الأرض التي احتلتها “إسرائيل”، والدليل طرحه لمبادرة فتح جزئي لقناة السويس، في 4 فبراير/ شباط 1971، وفتح قنوات الاتصال بالمخابرات الأميركية وإدارتها، عبر المخابرات السعودية ومديرها آنذاك كمال أدهم، فضلاً عن قيامه بتأزيم العلاقات مع الاتحاد السوفياتي وطرد خبرائه في يوليو/ تموز 1972! لكن كان للقوات المسلحة المصرية بالتنسيق مع القوات المسلحة السورية (الجيش الأول)، والقيادة السورية، الكلمة الفصل وممارسة الضغوط عليه، حتى قبل الدخول في الحرب ووافق على قرار الحرب، وبعد العبور وتدمير خط بارليف في (6) ساعات، وفي اليوم نفسه (6) أكتوبر/ تشرين الأول بدأ فتح قناة الاتصال مع الأميركان للتراجع للأسف! وازدادت ضراوة القوة المضادة للناصرية بقيادة السادات، بعد حرب أكتوبر، إيذاناً بعصر الانفتاح، والرأسماليّة، وعودة الإقطاع، والتصالح مع الرجعية العربية، والتواصل مع أميركا.. لتصل الأمور لقمتها بالذهاب للقدس 1977، ثم كامب ديفيد 1978، ثم المعاهدة المصرية الإسرائيلية عام 1979! كمحاولة لطوي صفحة الصراع العربي الصهيوني، إلى صفحة “السلام الوهمي”! وكان الهدف هو تعبيد الأرض لسلامات وانكسارات باتفاقيات مشبوهة في وادي عربة وأوسلو، إلى أن تمّ مؤخراً مع الإمارات والبحرين، والبقية الخليجية في الطريق كما هو معلن للأسف مع الكيان الصهيوني، رسمياً، والداعم أو الراعي الرئيسي له وهو ترامب، الرئيس الأميركي، في محاولة لإنقاذه من الرسوب في الانتخابات المقرّر لها بعد شهر وأيام من الآن، وإنقاذ نتنياهو من السجن والعزل!

ختاماً: فإنه في ظلّ الذكرى الخمسين لرحيل الزعيم جمال عبد الناصر، مؤسّس فكر المقاومة الحقيقي، يمكن القول بأننا سنظلّ على الطريق مقاومين للتبعية، ومقاومين للكيان الصهيوني حتى الزوال وتحرير كلّ فلسطين من النهر إلى البحر.

وسنظلّ متمسكين باللاءات الثلاث، (لا صلح.. لا تفاوض.. لا اعتراف).

كما سنظلّ مقاومين لتحقيق الاستقلال الوطني والتقدم والحرية والاعتماد على الذات وتحقيق الديمقراطية، حتى بلوغ الوحدة العربية قريباً إنْ شاء الله…

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، والأمين العام المساعد للتجمع العربي الإسلامي لدعم خيار المقاومة، ورئيس الجمعية العربية للعلوم السياسية.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

ما العمل لإنقاذ لبنان

زاهر الخطيب

ما هو عِلميَّا وعَمليَّا مُقتَرحُنا الخَلاصيّ؟

بين انتصار المقاومة 14 آب 2006 وانفجار الفاجعة 4 آب 2020 وفي أعقابِ التّطوراتِ والمستجِدّات الأخيرة…

سَواءٌ على صعيدِ الجائحةِ الكورونيّةِ وطنيّاً وإقليميّاً ودوليّاً…

أو على صعيدِ الانفجارِ الفاجعة في المرفأ التاريخيّ العريق لبيروت «اُمِّ الشرائع»، والتّداعيات المُزلْزِلة، التي أقلُّ ما خلّفت وراءها: رعباً… ودماً… وألماً… ودَماراً… وَرُكاماً… وتهجيراً…

بين الانفجار الزّلزلَة.. وتفرُّد الحكومة باستقالةٍ متسرِّعة!

فوَّتتِ الحكومةُ فرصةً ثمينةً بِرِهانِها الطويلِ المدى على صندوق النّقد الدولي، وبعدم التوجُّهِ شرقاً، لملاقاة عروضٍ سخيّةٍ قدّمتها دولٌ صديقةٌ لو استُجيبَ لها، لكانت فَتحت للحكومةِ منافذ واسعةً أمامَ حُلولٍ عمليّةٍ فوريَّة، وشقّت طُرُقاً لإنقاذِ لبنانَ من فظيعِ محنتِهِ والمآسي. أوَلم يكنِ الأجدى للبنانَ، بألّا تُقدِمَ الحكومةُ على تركِ المسؤوليةِ فجأةً بِلا استشارة؟ وفي تِلكُمُ الظروفِ العصيبة؟ وإذا كان في ما نقولُ الكثيرُ من الأسف وبعضُ العتب، فهو على قدرِ المودَّة. وتبقى الغلطةُ الكبيرةُ بالتردُّدِ والتفرُّد، وبعدمِ قراءةِ موازينِ القُوى موضوعِيّاً بعينِ العقل. ولو فعَلتِ الحكومة ذلك، لما خَذَلت أو خُذِلت، لأنّ موازينَ القُوى كانت لِتسمَحَ للحكومةِ بالفلاح، لو كانت لبَّت نداءَ التوجُّه شرقاً، ولكانت وضعت لبنانَ فوراً، على سكّةِ الخلاصِ الاستراتيجيّ. أمّا الأدلَّةُ الثبوتيةُ على صحّةِ ما نقولُ فعديدة، ويكفي أن نُشيرَ الى شاهدٍ من أهْلِهِ، هو نفسُهُ المبعوثُ الأميركيُّ السّيد هيل، الذي، في زيارته لبنان، جاءنا مُتكبِّراً مُتجبِّراً لِيفرِضَ شروطاً أميركيةً على لبنان، توحي بإقصاءِ حزبِ الله عن الحكومة اللبنانيّة تمهيداً لنزعِ سلاحِه، وإذ بالمبعوثِ نفسِهِ، بعد تصريحاته المزَلزِلة، وبعد صدورِ الحكمِ المهزلة عن المحكمةِ الدوليَّة، يُصرِّحُ بما معناه: إنّ أميركا تعايشت وتعاملت مع حكوماتٍ سابقةٍ شاركَ فيها حزبُ الله (وفي مثل هذا التّصريح الفصيح طبعاً) إشارةٌ واضحةٌ إلى أنَّ أميركا على استعدادٍ للتعاملِ مع الحكومة اللبنانيّة المُقبلة، التي لن تُشكَّلَ إنْ لم يكن حزبُ اللهِ، فيها، شريكاً.

أمّا بعدُ، وعلى ضوء ما سبق، وبحصيلة مشاوراتٍ دَؤوبةٍ مع الرِّفاق في القيادةِ المركزيَّةِ لرابطةِ الشَّغيلة… وكوادرَ ناشطةٍ في تيَّار العُروبةِ للمقاومةِ والعدالةِ الاجتماعيَّة.

ارتأيتُ ضَرورةَ التوجُّه لأبناءِ الوطنِ العربيّ ولا سِيّما فلسطين وسورية والعراق واليمن وسائر الأقطار، والى الأحرار والشرفاء في العالم بِنداءٍ وجدانيٍّ، أو فلنقُلْ بصريحِ بيانٍ عقلانيٍّ موضوعي، بعناوينَ ثلاثة، أُوجِزُ مضامينَها تمهيداً، كما يلي:

العنوانُ الأول: «المقاومة شرطُ وجودِ لبنان»

المقاومة شرطُ حماية انتصار شعبه في العام 2000.

المقاومة شرطُ صونِ سيادته بسمائهِ وأرضِهِ ومياهِهِ والثروات ما ظهرَ منها وما بَطَن.

أوَلم يؤكد ذلك أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في ذكرى انتصار آب 2006؟

العنوان الثاني: أليسَ لِغاياتِها وأهدافِها السياسيّة تُشَنُّ الحروبُ العسكرية والعدوانية،

أوَليس الحِصارُ والعقوباتُ والاغتيالاتُ والفوضى الخلّاقةُ والثوراتُ الملوّنةُ والإرهابُ الوحشيُّ وقطعُ الطرقاتِ والأموالُ، هي البدائلُ الجاهزةُ للحروبِ الاقتصاديةِ عند فشلِ الحروبِ العسكريّةِ الظالمةِ من تحقيقِ غاياتِها وأهدافِها السياسية؟

العنوان الثالث: ما العملُ لإنقاذِ لبنان

وما هو عِلميّاً وعَمليّاً مُقتَرحُنا الخَلاصيّ؟

تمهيدٌ… في البُعد الفلسفيّ: المقاومةُ شرطٌ وجوديّ

إنّ المقاومةَ شرطٌ وجوديٌّ في حياةِ الإنسان، لأنه فطرةٌ طبيعية وسُنَّةٌ تواكِبُه مع نشأتِه وفي تكوينه، سواء بمناعته الجسدية، أم بمناعته النفسيّة، مناعةٌ جسدية لِدفع أذىً يطالُ الجسد، ونفسيّة لِردعِ ظلم ينالُ من النّفس… أولم تلِدْنا أمهاتُنا أحراراً؟

ألا تتجلّى هذه السِّمات في سِيَرِ الأنبياءِ والشهداءِ والعلماءِ والقادةِ العظماء؟ وعند الشعوب المناضِلة والأقوياءِ في نفوسهم مُذ كان التمرّد على الظلم والطغيان؟

أليس جدلُ الكونِ والإنسان قائمٌ على الدِّيالكتيّة، أي الثنائيّة في صراع الأضداد، كالصّراع الدائر بين الخير والشرّ على صعيد الإنسان والمجتمع، أو كالصّراع الدائرِ بين الحقِّ والباطل، أو بين النور والظُلمة، أما في الموضوعةِ التي نحن بصددها ففي الصّراع الدائرِ بين الحرية والعبودية.. بين حرية الإنسان في خِياراته بإعطاء المعنى الذي يريدُ لِوجودِه سيّداً حرّاً مستقلّا عن أيِّ ارتهان أو استلاب أو استغلال من أيِّ نوعٍ كان، وعبوديةٍ تكبِّلُهُ بالسلاسل الحديدية والأغلال الى الأذقان، أو عبودية أشدُّ وأدهى، تتبدّى خبيثًةً بالعبودية الفكريّة والعنصريّة والطائفيّة والمذهبيّة والفئويّة والمناطقيّة والعائليّة والعُصبويّة، وهي أخطرُ أنواعِ العبوديات. وفي حديثٍ شريفٍ عن التعصُّب والعصبيّة: «إنها لجاهليَّةٌ نتِنة».

1

ـ المقاومةُ شرطُ وجودِ لبنان

أربعةَ عشر عاماً مضت على انتصار شعبِنا على العدو الصّهيوني في حرب تموز 2006، استطاعت خلالها المقاومةُ مجابهةَ تحدِّيات الحرب الصُّهيو – أميركيّة العدوانيّة الهمجيّة، وإسقاطَ مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي كانت قد بشّرت به السيدة رايس الحكومة اللبنانية بشخصِ رئيسِها فؤاد السنيورة، ولم يكن قد مضى أكثر من ثلاثةٍ وثلاثين يوماً حتى خاب فألُ أميركا بعد أن ساء ظنُّها بقوةِ أداة التنفيذ الصُّهيونية، التي لم توفّر حتى أطفال قانا في ارتكاب مجازرها، فجعلتهم أشلاءَ متناثرة في مركز القُوات الدولية. وقد تمكّنت المقاومة بعد ذلك من تثبيت معادلاتٍ للرّدع، غلّت يد الصّهاينة عن استسهالِ العدوان على لبنان، بفضل القوةِ المتعاظمة للمقاومة وموقفها الثَّوريِّ المبدئيّ، وتطوير قدراتها التي قلّصت، إنْ لم نقل، كفّت الى حدٍّ بعيد شرَّ الصّهاينة الغادرين بغزو لبنان أو استمراء تَكرار اعتداءاته. ويعود الفضلُ الأول في ذلك الى المقاومة في خِيارها بتأكيدِ قوتها ورفضِها رفضاً مطلقاً قبولَ الذُلِّ والهوان لأبناء شعبها والوطن، فكانت لِتردعَ بقوةٍ، أيَّ عدوانٍ على سيادتنا، لا سيما بعد أن طوّرت المقاومةُ قدراتِها الرّدعية، وبذلت من الجهود والجهاد ما يوافرُ المقدرةَ على كبحِ جموح الحِلف الاستعماري الصُّهيوني ومنعِه من شنِّ حروبٍ جديدةٍ، فالمقاومةُ الباسلةُ باتت تفرِضُ على العدو الصُّهيوني حسابَ الكِلفة في حال إقدامِهِ على أيّ مغامرةٍ غير محسوبة، وذلك بفعل امتلاكها قوة قاهرة تُخفي المفاجآت، وتسهر لياليها بضناء في مواصلة بناء قوّتها وتعزيزها تدريباً وعدّةً وعتاداً بفضل الشراكة المصيريّة مع سوريّة وإيران، اللتين تواصلان دعم المقاومة في أقسى الظروف، ولَمْ يَصرِفهُما عن ذلك الالتزامِ المصيريِّ الأخويِّ الأخلاقيِّ، أيُّ عدوانٍ أو حصارٍ أو تهديدٍ أو تآمرٍ مع شياطينِ الداخلِ أو الخارج، وإنّ شرفاءَ لبنان وأحرارَ العالم لَمَدينون لتلك الأرواحِ الغاليةِ والدماءِ الزكيّةِ والجهودِ المضنية، التي تبذلُها المقاومة بعناءٍ وسخاء، والتي لا يجوز أن يطمسها أو يغيِّـبَها أيُّ جحودٍ أو نكران.

2

ـ المقاومةُ شرطُ حماية انتصار لبنان العام 2000 وردع أيّ عدوان على شعبه وترسيخ قوَّته وإسقاط مقولة قوة لبنان بضعفه، والثلاثية التي أرساها الشعب اللبناني هي «قوة لبنان بجيشه وشعبه ومقاومته» ضدّ العدو الصهيوني الاستيطاني الذي دسَّه الاستعمار في قلب الوطن العربي لدورٍ وظيفي، يقضي بتجزئة الوطن العربي وقمع حركات التحرُّر فيه طامعاً بعد احتلال فلسطين بجعل لبنان محمية صُهيونية بلا سيادة، مستبيحاً سماءنا وأرضنا ومياهنا ونفطنا والغاز والثروات، ما ظهر منها وما بطن.

أما وقد دخلنا بهذه المعادلة الثلاثية العصرَ الذي ولّى فيه زمن الهزائم وجاء زمن الانتصارات، وخاض فيه لبنان مع محور المقاومة معارك التحرير الظافرة.

«فقد أصبحت المقاومة تحمي لبنان وتردعُ العدو الصُّهيوني ورعاته في العالم، وشركاءَه في المنطقة، وهي بالشراكة مع الجيش اللبنانيّ، ومع غالبية الشعب الحاضنة والداعمة، تقيم منظومة الدِّفاع والحماية ضدّ التهديد الصُّهيوني… وضدّ الإرهاب التكفيري… وأخطارِه… وإجرامه الدموي. وقد بذل المقاومون بكلّ تواضع تضحيات جمّة في معركة وجودٍ مصيريّة، فدافعوا بالدماء عن حق شعبهم في الحياة والأمان، وحرسوا بأرواحهم مع أبطال الجيش اللبناني وحدة الشعب والوطن، كما منعوا الغزوة الإرهابية من تمزيق الشرق العربي، فكانوا خلال السنوات الأخيرة يبذلون الدماء والأرواح دفاعاً عن لبنان وعن سوريّة والعراق في ملحمة شرقيّة عربيّة تاريخية عظيمة، تؤكد وحدة مصير الشرق، رغم جميع خطط الهيمنة الاستعماريّة الهادفة لِتمزيقه وإخضاعه ونهبه. وقد كانت شراكة المقاومة المصيريّة، وبالذات مع الشقيقة سورية، مثالاً للأخوّة، ولوحدة المصير القومي. بينما كان لإيران الشقيقة الفضلُ العظيمُ، الذي لا يُنسى في تمكين سورية وفلسطين ولبنان والعراق واليمن من التّصدّي للغزوة الإرهابية، المدعومة من الحلف الاستعماري الصُّهيوني الرجعيّ العربيّ الأشدّ صهينًة أو قُل العِبري الأشدّ كُفراً».

العنوان الثاني: الحروبُ الاقتصاديةُ العدوانيةُ بديلاً عن الحروب العسكرية الظالمة عند فشلها في تحقيقِ غاياتها وأهدافها السياسيّة.

«لقد سارع حلف العدوان بعد تعثُّر مخططه الدمويّ الى إحكام أدوات الحصار والخنق الاقتصادي على سوريّة وإيران، وكذلك على لبنان، بينما كانت الحكوماتُ اللبنانية المتعاقبة قاصرةً بخططها وتوجهاتها عن ابتكار وتنفيذ البرامج الوطنية، التي ترعى فرصاً جِديّة لتوفير مستلزمات الصمود، ولتطوير القُدرة على كسر الحصار الغربي الاستعماري، والتصدّي لمسار الانهيار الاقتصادي والمالي، الذي كان أبرزُ وجوهِه النافرة اختناق القطاعات المنتجة، وتمادي الريعيّة والفساد. وما تزال الضرورة الوطنية تفرض على لبنان اعتمادَ خطةٍ للصمود الوطني، ترتكز الى تطوير قطاعات الإنتاج وإحياء الثروة الحقيقية، وتثبيت دعائم الاستقلال الوطني، والتحرُّر من الهيمنة الاستعمارية عبر التمسُّك بشراكة الحياة مع سوريّة والعراق وإيران وسائر دول الشرق. وإنّ عدم ملاقاة هذه الفرص بخطوات عملية يوقعُ لبنان رهينة في فخّ الهيمنة الغربية اللصوصية أيا كان غطاؤها الخادع، وهو ما يجب أن ينتبه إليه جميع اللبنانيين القادرين على توسيع الفرص ومضاعفة القدرات عبر تنويع الخيارات».

نداء إلى أبناء الأمّة جمعاء

بيننا وبين الاستعمار قضايا لن تُصفَّى بالمناشدة والخنوع أو التملّق العاطفي… بل هي تدعونا الى كفاح عمليٍّ شاقٍّ وطويل…

بيننا وبين الاستعمار قضية فلسطين التي شاؤوها لقمة سائغة للصُّهيونية المجرمة، ولكنها، لن تكون في معركة الوجود مهما أبطأ الزمن إلَّا لأبنائها بدمائنا وبجهادِ الأجيال ستكون. فلا صفقة قرنٍ ولا صفقاتِ قرونٍ تعيد فلسطين لأهلها عربيّةً أبيّةً. لقد ضاع عمرُنا الرّخيص بالمساومة، وفلسطين لن تعود إلّا بالمقاومة المسلّحة أساساً، وتجلياتها السياسيّة والدبلوماسيّة والجماهيريّة والثقافيّة، تكون في خدمة الكفاح المسلّح. قضية فلسطين هي قضيتُنا المركزيّة في الصراع العربيّ الصُّهيونيّ.

«لا صلح لا تفاوض لا اعتراف»، المقاومة وُجِدت لتبقى «ما أخذ بالقوة لا يُستردّ بغير القوة»، الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

«لا شراكة مشرقيّة وعربيّة إلّا والمقاومةُ جوهرها»، الرئيس بشار الأسد.

نهضة الأمة وتوحيدُ الوطن العربي رهنٌ بوحدةٍ وطنيةٍ قوميةٍ أمميّة لمعسكر الشرفاء والكادحين من أحرارِ العالم، على مبدأ «نُصادِقُ مَن يُصادِقُنا ونُعادي مَن يُعادينا».

العنوان الثالث: ما العمل لإنقاذ لبنان ما هو علميّاً وعمليّاً مقترحنا الخلاصي؟

«إنّ ابتكار خطة وطنية لكسر الحصار وللخروج من حلقة الاستنزاف والدمار، يوجبُ أمرين اثنين علميّاً وعمليّاً».

علميّاً: رؤية برنامجيّة سياسيّة اقتصاديّة اجتماعيّة إنتاجيّة وطنيّة.

عمليّاً: خطوات شجاعة عاجلة لإحياء قطاعات الإنتاج، والتحرُّر من الرَّيعيّة التّابعة، وبناءُ الشّراكات العربيّة والإقليميّة والدوليّة، التي تدعمُ إعادةَ بناءِ الاقتصاد الوطني، وتطويرُ موارد جديدة تُنعش الحركةَ الاقتصادية، وهذا يوجب خروج لبنان من الارتهان لأحادية الارتباط بالغرب الساعي الى الهيمنةِ والنّهبِ والسّلبِ والحلب. «والعملُ على اعتماد توجُّهات جديدة تحقِّق التوازنَ في البناء الاقتصادي، والخلاص من الريعية لردّ الاعتبار الى الصناعة والزراعة والصناعة السياحيّة وجميع فروع الإنتاج المعرفيّ، مما يُسهمُ في توسيعِ المجالاتِ الاقتصاديّة المجدية، والاعتمادُ على الشراكات المفيدة، وملاقاةِ الفرصِ، التي تمنعُ الاختناق في قبضة الهيمنة الغربية الاستعمارية. وقد أثبتت الكارثةُ، التي تعرّضت لها البلاد أنّ لنا في هذا الشرق دولاً شقيقة وصديقة، يمكن أن نستندَ الى الشراكة الوثيقة معها في المصالح والتوجُهات الاستقلالية بعلاقات متكافئة بعيدةٍ عن الأطماع والهيمنة والنهب، وقد قدّمت مساعدتِها لنا دون سؤال أو أيّ شكل من أشكال الاستثمار السياسي التملّقي الرخيص.

إنّ وضع حدًّ للنزف الخطير، الذي يعيشه اللبنانيون، ومنعَ الاختناقات المعيشيّة المتزايدة يستدعي التزامَ فكرةِ التحرُّر من الارتهان للغرب، وأقلُّه، الانتقال الى علاقات وشراكات متوازنة على أساس تكافؤ المصالح مع الشرق والغرب، والارتكاز على تنمية القطاعات الإنتاجية، وملاقاةُ فرصِ الشّراكة مع الجِوار القومي والإقليمي والشرقي على أساس المصالح المشتركة والمتكافئة. والبديل عن هذا الخيار ليس سوى المزيدِ من التسوُّلِ والاستدانة، وفي الاستدانة تبعيةٌ وإذلالٌ، وفي مطلق الأحوال لم تعد متاحة كالسابق، وباتت قرينةَ شروطٍ وإملاءاتٍ تخنقُ البلادَ مالياً واقتصادياً، وترهن إرادتَها السياسيّة للهيمنة الأجنبيّة».

أيُّها اللبنانيون: لماذا لا نُجاوِزُ اليأسَ والكآبةَ والاستسلام، ونبعثُ في نفوسنا والأذهان، آمالَنا والأحلام؟ لماذا لا نُزيحُ الغشاوةَ عن أعيننا، لنُحرِق بحرارةِ الشّمس نتنَ الفسادِ والعفن؟ لماذا القُصورُ في البَصرِ والبصيرةِ، فنُعادي مَن يصادِقَنا، ونُصادق مَن يُعادينا؟

أيها اللبنانيون: ألم يئنِ الأوانُ لإنقاذ لبنانَ ببناءِ دولةِ المواطنة؟ والتمسُّك بشُرعةِ حقوقِ الإنسان، والخياراتِ والثوابت الوطنية المنصوص عنها في وثيقة الوِفاق الوطنيّ الفقرة ب «لبنان عربيّ الهوية والانتماء. وفي الدُّستور اللبناني، الفقرة عينُها «لبنان عربيُّ الهويّة والانتماء»، (أحكام رئيسة).

أوَلم يئنِ الأوانُ بعدُ لنرفع في ساحات النّضال الجماهيري السلميّ شعارَ تطبيق الميثاقِ الوطني اللبناني، ووضع موضع التنفيذ الفوري المادة 95 من الدستور اللبناني بإلغاء الطائفية السياسية السمُّ الزعاف، الذي دسَّه الانتداب الفرنسي في دستور 1926. وتطبيق المادة 22 المعدّلة في دستور 1990 (مجلس نواب وطني لا طائفي ومجلس شيوخ تتمثّل فيه العائلات الرّوحية وتنحصرُ صلاحياتُه في القضايا المصيريّة، لا سيما في الأحوال الشخصية المادة 65 – بند 5) والمادة 27 (عضو مجلس النواب يمثّل الأمة جمعاء). (ما يستوجب الدائرة الوطنية الواحدة) وسواها من الإصلاحات.

أيها اللبنانيون: فلندفع بوعينا لتقوية النّفوس وإلغاء النصوص، وتحرير العقول من أوهام سلطان الهيمنة والارتهان، فدربُ النّضال شاقٌّ وطويل لاستكمال التحرّر والتحرير من عَوزٍ واحتلال، ولْنَدفع بمسار الإصلاح والتغيير، ومحاربة الفساد، ومعاقبة المفسدين بتطبيق الدستور والقوانين، وليكن مسارُ النضال الجماهيري سلميّاً، لا سيّما أنّ الجيشَ وقوى الأمن هم أهلنا بالبزّة العسكرية، وحَذارِ من المندسّين والإعلام التضليلي المأجور، وجمعيات الأنجوز» المشبوهة المموّلة بشعاراتِ الحريّة المزيّفة والديمقراطية!

وحَتَّامَ الانتظار لاسترداد المنهوبِ من أموالِ الشعب، وتطبيق قانون من أين لك هذا، وقانون العقوبات بمحاربة الفساد والاقتصاص من المفسدين والقتَلة والخونة المتعاملين جَهاراً نهاراً مع العدو الصُّهيوني، وليلاً في العتمةِ مع الموساد. فهل يندرجُ ذلك في بابِ حرية الرأي أو حرية التعبير عن وجهة نظر؟. وهل ثمةَ حياديّةٌ في الصراع الدائر بين الحقّ والباطل؟

وهل الحدودُ الجغرافية فواصلُ عنصرية تُسقط عن الشرفاء والأحرار المسؤولية والقيمَ الإنسانية. «وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى». «فلبــنان جمــهورية تعــدُّدِيّــة». قائمٌ نظامُها السياسي على الطائفيّة والمذهبيّة، فهل نقيم على بعضنا البعض الحواجز والمتاريس، ونحفرُ الخنادقَ، ونبني بيننا الجدران؟

أيها اللبنانيون

لا تجعلوا «نعمةَ التّعدُّدِيّة»، «نِقمةً فتنويّة»…

لماذا تعرفون الحقَّ فتتجنَّبونَه… وتُدرِكونَ الباطل فتجتلِبونَه؟ فلْنَعقِل ونرفع رايةَ الوَحدةِ الوطنيّة.. ولْنوئِدِ الفِتنة، فالفتنةُ أشدُّ من القتل… ولْتكن المعاملةُ بالِمثل، «فنعادي مَن يُعادينا… ونُصادِقُ مَن يصادِقُنا» أُمَمِيّاً، صوناً للسّلمِ الأهليّ وحبّاً بلبنانَ حُرّاً سيِّداً قويّاً على صورةِ أحلامِ أطفالِنا والشّهداء. ولْيكُن نضالُنا معاً من أجلِ الأجيال المقبِلة، لا من أجل الانتخابات المُقبِلة أو المُبكِرة، بل من أجل أن نحيا بعزَّةٍ في دولةِ القانون والمؤسسات، تساوي بالجَدارة والنّزاهة والأخلاق، ما يساوي القيِّمون عليها: دولة تُسمّى «دولةَ المواطنة والإنسان»، دولةَ العدلِ والمساواة، والحريةِ ونُصرةِ المظلومينَ والكادحينَ في نضالِهم والبؤساء، عسانا نتفكّرُ ونَعِي كمواطنينَ مسؤولين، حقوقَنا كلَّها وفرائضَ الواجبات…

أفــلا نــعــقِلُ ونتــوكّلُ… ونُلــبّي النِّــداء؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وزير ونائب سابق، الأمين العام لرابطة الشغيلة

The Architect and Director of the Arab Normalization Process with Israel from A to Z, Who is He?

Source

Erdogan the war criminal for Israel
Architect and Director of the Arab Normalization Process with Israel from A to Z, Who is He?
Written by: Naram Sargon (source in Arabic)

It is not enough for a bear to announce that it has decided to wear its feathers to move to the species of birds in order to fly and fly gracefully. And the Turkish bear, although it sings like birds and flops with its hands as if they are wings, does not rise from the surface of the earth. Only Muslim brothers [Muslim Brotherhood] can see that a bear can fly. They describe to us how it takes off, how it lands on the thin branches, and even how it lands lightly on roses like a bee… This Turkish bear has not bothered Israel except with chatter since it came to power, but it destroyed all the enemies of Israel… and led the Arabs to it to normalization…

Today, the prophecy of Gamal Abdel Nasser, [given when he] was visiting the Syrian city of Raqqa, is fulfilled. There he said a prophecy that was like an inscription in the Stone of Destiny. He said that Turkey would join Israel in an alliance against the Arabs to destroy them in the future. The prophecy was fulfilled as if it was issued by a prophet.

Gamal Abdel Nasser warning of Turkey - Israel alliance against the Arabs
‘Some Arab countries will become tails of the Turks and the West, and Egypt will be forced to confront and protect its national security in Africa. The Turkish danger may not appear today, but may appear in the future. Ankara is not serious about supporting the Arabs to confront Israel.’ ~Gamal Abdel Nasser

Turkey today paralyzes all countries that threaten Israel, and Israel roaming the length of the Arab world… And all the normalization movement today is a shift from secrecy to overt, but this timing of the transition to overtness is an Israeli decision because Israel wants to penetrate the collective Arab public consciousness in order to seize the decision of rejection and disobedience, a prelude to dispersing Arab societies and tearing them apart in a fatal blow, as it thinks… And what happened is forcing the Arab Gulf regimes that are existentially linked to the Zionist entity in a secret relationship since its establishment to announce this after they were afraid to announce this relationship.

And Turkey’s role was essential, it is the one that removed the ability of the rejection and disobedient countries to exercise threat and anger and stir up trouble for these regimes .. Iraq, although it is subject to the Turkish occupation, is completely exhausted in launching the ISIS state that Turkey sponsored from A to Z and if it were not for Turkey there won’t be ISIS, because all the financing and supply of ISIS was carried out from the Turkish – Syrian – Iraqi borders, which are the only borders available to ISIS – not the Iranian or Russian borders – and all the volunteer supply was through the reception camps in Turkey … and all the smuggling of oil and relics to finance and feed the ISIS project was done through Turkish crossings which Turkey supervises and monitors… and the massacres and intimidation operations were intended to empty the region of the population that Turkey was opening its borders as a crossing to absorb them across the Turkish borders in preparation for changing the demographic character and replacing non-Arab immigrants in the region.

Turkey has occupied Syria and all its military capabilities … and attracted Hezbollah to the battles of Aleppo, Idlib, and Tadmor (Palmyra,) and diverted part of its allocated energy for deterring Israel, and made the Hezb’s ability to devote itself to the fatigue and exhaustion of Israel linked to retrieving fighters from northern Syria. It maintains the presence of militants in northern Syria to keep part of the Syrian army and Hezb Allah distracted from Israel as much as possible, because Hezb Allah will not fight two battles on two fronts, of course, no matter how strong it is.

Recep Tayyip Erdogan - faithful servant of Israel

In Libya, the Turks entered for one mission, which is to prevent the stability of Libya so that there is no possibility of the emergence of a new Gaddafi who may have a speech against Israel. Also, keeping Libya in a state of chaos is a threat to the stability of Egypt and turning Libya into a reservoir of terrorism on the shoulders of Egypt and Algeria as it is in Idlib on Syria’s shoulder…

Of course, Turkey tore the Palestinians apart after Turkish intelligence took control of the Hamas decision and continued strengthening the Muslim Brotherhood movement and preventing Hamas from reconciling with the rest of the Palestinian factions… even though the Palestinians are in dire need of unity in their position…

The siege of the main Arab rejectionist countries was a reason for the Gulf states ’liberation from that fear of Arab nationalists in the North and in Africa. But the oil countries preferred secret relations with Israel because announcing them is not of great benefit as long as they do everything in secret… and Saudi Arabia was stalling because it does not want to lose its religious legitimacy with this normalization before the approval of the Palestinians… It was the Khashoggi operation in which the Turkish and Israeli intelligence were involved as Turkey wanted to seize the Islamic decision and take the lead in the Islamic core as a supreme reference in the region instead of Saudi Arabia… and the price for that was that Israel helps normalize with the Grand Islamic Center, which holds the holy lands in Mecca and Medina… The Turks and the Israelis have agreed that the Khashoggi operation will benefit Turkey in excluding Saudi Arabia from leadership and legitimacy in the Islamic world and that Bin Salman’s blackmail will push him to normalize overtly. This, too, will strip him of more legitimacy, and Erdogan will appear as the strong Islamic leader who criticizes normalization, receives Palestinians and protects them, and receives Arab refugees, he is the undisputed leader of the Islamic nation.

This Turkish bear, which the Muslim Brotherhood sees flying and flapping with two wings, as it flies towards Palestine, is still on the ground and did not rise a millimeter in the sky, but it is snapping in the Arab world and its mouth is filled with blood. This mouth full of blood was seen by Abdel Nasser, decades ago as if he was seeing what we are in today.

Nevertheless, this Turkish bear will be forced to vomit everything that it ate, just as it vomited Aleppo – after swallowing it – and vomited the king of ISIS who was in its stomach, and the news says that he will vomit Idlib soon, and whatever it flips with its hands and claws, we know that it does not fly and will not rise and will remain in the range of arrows, and we will follow it and we will hit it with spears until it leaves our fields or dies in it; and if Abdel Nasser sees this Turkish bear chewing our blood, I see it covered in its own blood, just as if Nasser’s prophecy were inscribed in stone, I see the fate of this Ottoman bear as drawn by fate, covered in its blood on the roadsides of the Middle East before the worms spread in it.


RELATED VIDEOS

RELATED ARTICLES

مخاض الدولة الوطنيّة العربيّة ـ مناقشة لمقالة رضوان السيّد

ناصر قنديل

في مقالة نادرة له يبذل الدكتور رضوان السيد جهداً واضحاً لاستعادة اللغة التي كان يكتب بها قبل عقدين وأكثر، متفادياً ذكر السعودية وملوكها كرموز لمشروع قومي عربي جديد، ومحاذراً تسمية إيران بهدف شيطنتها، ومبتعداً عن تناول المقاومة في لبنان وفلسطين وتسمية حركاتها وأحزابها، إلا بصفتها ميليشيات، وذلك ليمنح مقالته عن اندثار الدولة الوطنية العربية، صفة المقالة النظريّة، التي تحاول مجرد التفسير الموضوعي لظاهرة تاريخية، يستخلص بنتيجتها أن الاستبداد والفساد هما السوسة التي نخرت مشروع الدولة الوطنية العربية، ليبرر سقوط الدولة، وأحادية الشأن المعيشي، وسقوط القضايا الكبرى وزمانها، وفي الطليعة منها قضية فلسطين طبعاً، والدكتور السيد يتناسى أن ما يتحدث عنه من سقوط هو بلا شك أحد وجوه سقوط السلطة وليس الدولة، ليس في البلاد العربية فقط بل في كل بلد من بلاد العالم، والمثال الحي على ذلك هو الفارق بين دول عربية تتجه نحو التفكك ليست بينها سورية التي يزجها الدكتور السيد مثالاً لنظريته، ولا بينها مصر حيث كان النموذج الأهم لمرحلة صعود الدولة الوطنية العربية، رغم ما يعانيه المجتمع، وضعف مشروع الدولة في الاستجابة للتحديات الوطنية والقومية.

يغيب عن الدكتور رضوان السيد التمييز بين سقوط الدولة وسقوط السلطة، التي تشكل سيطرة نخبة سياسية أو عسكرية على مقاليد الحكم عنوانها، وهو دائماً عرضة للاستبدال بالتغيير السلمي أو الثورات المسلحة، من دون أن يشكل سقوطها سقوطاً للدولة، لأن سقوط الدولة شأن آخر، فهو يعني التفكك الوطني والاجتماعي، وغياب المشروع الجامع وقواه الحاملة، وأهدافه التي تحظى بشبه إجماع تلتف حولها شرائح المجتمع، كما كان الحال في مطلع القرن مع تفكك الإمبراطورية العثمانية، حيث نهض مشروع الدولة الوطنية على قاعدة بناء مقومات الاستقلال. وفي الخمسينيّات من القرن الماضي حيث تولّت النخب العسكرية قيادة مشروع الدولة الوطنية تحت عنواني فلسطين والوحدة، وما يجري في العالم العربي اليوم هو مخاض الدولة الوطنية العربية التي فشلت في حل المسألتين الوطنية والقومية، أي قضيتي فلسطين والوحدة، ربما كما كان يقول الدكتور السيد، في ما مضى.

فجأة يحضر عند الدكتور السيد المشهد في ليبيا، حيث تخرج التظاهرات في طرابلس وتقع الاشتباكات بين الميليشيات، مع معادلته الهادفة للقول إن السياسة هي التي تسقط وإن الشأن المعيشي هو المحرك الوحيد المتبقي، متجاهلاً طبيعة الصراع الدائر في ليبيا بين مشروعين ملتبسين مستندين على عمق شعبي قبلي متنافر، مشروع سقفه التخلف والاستبداد والتبعية التي تمثلها دول الخليج، ومشروع سقفه مشروع الأخوان المسلمين الذي تقوده تركيا، كعضو في الأطلسي وداعم للإرهاب كما تقول تجربة سورية، ومثلما تلتقي المرجعيتان الخليجية والتركية على التبعية لواشنطن تلتقيان على دعم الإرهاب بعناوين مختلفة، وتلتقيان على التطبيع مع “إسرائيل”، الذي ربما يكون تبسيط الترويج لتعميمه يستدعي الحديث عن سقوط السياسة والقضايا، من بوابة سقوط الدولة الوطنية، حيث سقوط الدولة الوطنية بمعناه العميق، أي تفكك الكيان السياسي والوحدة الاجتماعية، احتمال قائم لكن لاعتبارات أخرى تتصل بشروط العقد الاجتماعي المشوّه الذي بقي عاجزاً عن تشكيل إطار جامع قابل للحياة لمكوّنات الكيان الحديث الولادة، وهذا هو الحال في ليبيا وفي لبنان أيضاً.

ببساطة يتماهى المشهد الليبي عند الدكتور السيد مع المشهد السوري، حيث الدولة الوطنية شكلت بصمودها مفاجأة القرن الحادي والعشرين بنجاحها في مواجهة حشدت فيها الدول مخابراتها وجيوشها وأموالها وفتاويها وإعلامها، واستعادت الدولة زمام المبادرة، وحيث لا يمكن تجاهل أن التفاوت بين ما أظهرته الدولة في سورية من قدرة صمود ونهوض مقارنة بتفكك سواها، عائد لنجاحها في تمثيل مرجعية ذات مصداقية في القضيتين الوطنية والقومية، ولذلك لا يمكن أن تتشابه في سورية تظاهرات الحسكة بوجه الاحتلالين التركي والأميركي، ولو خالطها الشأن المعيشي، مع تظاهرات درعا، المموّلة من دول الخليج، ولو تداخل في بعض جوانب عناوينها شأن معيشي، وكل متبصّر يستطيع إدراك أن مشروع الدولة الوطنية العربية، قد نجا بنسخته السورية من مشاريع الفوضى الخلاقة المدمرة التي أطلقتها السياسات الأميركية علناً تحت شعار شرق أوسط كبير بشرت به غونداليسا رايس من منبر رئيس حكومة لبنان الأسبق، صديق الدكتور السيد، الرئيس فؤاد السنيورة، أثناء حرب تموز 2006، التي هزمت خلالها القوة الإسرائيلية، وفشل خلالها المشروع الأميركي، ليس لأن ميليشيا وقفت قبالته، بل لأن المشروع الأميركي الإسرائيلي واجه مقاومة وطنية مخلصة وذات مصداقية ورثت مهام الدولة الوطنية، التي عجزت منذ ولادتها عن التصدي لمسؤولياتها في حماية الحدود.

في لبنان الذي يحتفل بمئوية ولادته الحديثة، مأزق تاريخي نسي الدكتور السيد ما كتب عنه قبل قرابة نصف قرن، ومشروع الدولة الوطنية ولد مأزوماً لأسباب لا تتصل بالفساد ولا بالاستبداد اللذين يردان كنتائج لهذه الأزمة البنيوية لمشروع الدولة الوطنية، وفقاً لما كتبه مفكرون لبنانيون متعددو الاتجاهات، كان أبرزهم المفكر جورج نقاش الذي وصف اللاءين اللذين قامت عليهما صيغة 1943 برفض الوحدة مع سورية مقابل رفض الوصاية الفرنسية بالنفيين اللذين لا يبنيان وطناً، وحيث أزمة لبنان هي في سقوط كذبة الحياد، القديمة المتجددة، باعتبارها تحمي لبنان، تحت شعار قوة لبنان في ضعفه، عندما زجّ الأميركيون لبنان في حلف بغداد أيام الرئيس كميل شمعون في الخمسينيّات من القرن الماضي واستعملوا لبنان في معركتهم مع مشروع الدولة الوطنية العربية الأولى الذي مثلته مصر بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر، ما استدعى من البطريرك الماروني بولس المعوشي التصدّي لجموح الرئاسة يومها، وتأييد موقف الزعيم العربي جمال عبد الناصر وتغطية انضواء الرئيس فؤاد شهاب تحت رايته، وتكرّس السقوط لفكرة دولة الحياد مجدداً مع هزيمة المشروع الناصري كرمز للدولة الوطنية العربية في حرب 1967، وصولاً إلى عجز دولة الحياد عن حماية لبنان وبيروت من الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 ثم فشلها في استرداده من براثن الاحتلال، حيث نجحت المقاومة، والمقاومة وحدها، كعنوان لإعادة تأسيس مفهوم للدولة الوطنية، التي تتشكّل أصلاً على قاعدة تحقيق السيادة، ولا يزال المخاض اللبناني مستمراً، لأن لبنان المؤسس قبل مئة عام على نظريتي التوافق والتقاسم الطائفيين والحياد عن المواجهة مع “إسرائيل”، قد فقد قدميه مرتين، وباتت الولادة أشد عسراً من دون موازين جديدة وصياغات جديدة لمفهوم الدولة.

يخلط الدكتور السيد، عباس بدباس، لأنه لا يريد أن ينظر للدور السعودي في ضرب التجربة القيادية لمشروع الدولة الوطنية العربية التي كان يرمز إليها مشروع جمال عبد الناصر، ويريد إنكار حقيقة أنه منذ ذلك اليوم الذي نجحت فيه السعودية في ضرب المشروع الناصري، وصولاً لحرب عام 67، بقيت في المنطقة محاولات حفاظ على الحد الأدنى من مقومات الدولة الوطنية المخلصة لمسؤولياتها، كانت تتقدمها سورية، ومقابلها ظواهر التحاق فوق الطاولة وتحت الطاولة بالمال السعودي، مقابل التخلي عن مسؤوليات الدولة الوطنية، ومثلما تفككت مشاريع الدولة الوطنية حيث كان الالتحاق بالسعودية تحت الطاولة أو فوقها، وتفككت الثورات الملونة التي قامت على الركيزة ذاتها، ثبتت الدولة الوطنية وصمدت، حيث حافظت على الحد الأدنى من مقومات دورها القائم أصلاً على مفهوم الاستقلال الوطني، ولذلك خيضت عليها الحروب لاجتثاث آخر بقايا مفهوم الدولة، وانتصارها برمزها الذي تمثله سورية، هو بشارة خير لنهضة وقيامة هذا المشروع للدولة الوطنية، بوجه مشاريع التطبيع مع “إسرائيل”، في زمن يعرف الدكتور السيد، أنه زمن أفول الأحادية الأميركية، والتفوق الإسرائيلي، بمثل ما هو زمن حضور المقاومة وقوتها الرادعة، وفي هذه الحرب الخشنة، اليد العليا للمقاومة، وفي الحروب الناعمة يراد للشيطنة أن تبشر باليأس، كنسخة منقحة مستسلمة لدولة مسخ تسمّى زورا بالوطنية، تحت شعار كل شيء سقط إلا التطبيع فقط، لتقول طبعوا والله ولي التوفيق، ولا تنسوا الدعاء بطول العمر لولي الأمر، وستصلكم تباعاً شحنات حليب الأطفال والحفاضات، وربما الأمونيوم لضرورات لوجستية تحاربون به عدو الله وعدوكم، كما حال الميليشيات الإرهابية التي دمرت سورية برعاية ولاة الأمر، وعندما تنتهي المهمة يمكن لاستخدام تفجيره ان يمنح فرصة تحقيق ما فشل تحقيقه بتفجير سابق والتحقيق ممكن بواسطة “التحقيق” الدولي مرتين، وصولاً لرأس يوحنا المعمدان نقدمه على طبق من ذهب الحياد لسالومي، علها تقدم رقصة فاتنة على طاولة الأمير في زمن “الانفتاح” والتطبيع.

هل يفعل السيّد حسن نصر الله ما عجز عنه عبد الناصر؟

حزب الله أدرك أنّ التفكك العربي الكبير الذي أرادته أميركا يجب أن يُرد عليه بالعودة إلى فكرة

صادق النابلسي 

المصدر: الميادين نت

بعد تحرير الجنوب اللبناني، وانتصار تموز/يوليو 2006، ودخول حزب الله إلى سوريا في العام 2013، وجد الحزب نفسه أمام سؤال حان وقته.

في السادس عشر من شباط/فبراير 1985، تلا الرئيس الحالي للمجلس السياسي لحزب الله، السيد إبراهيم أمين السيد، الرسالة المفتوحة التي وجهها حزب الله إلى المستضعفين في لبنان والعالم. بدا ما قاله آنذاك بياناً حماسياً، غريباً، بل ممعناً في غرابته، من مجموعة جديدة وافدة إلى مسرح الأحداث في لبنان، يحار مراقبوها في نسبتها إلى المجال الذي تنتمي إليه، والأهداف الكبيرة التي تطمح إلى تحقيقها.

التطلّعات العابرة للحدود التي تضمَّنتها الرسالة أقل ما كان يمكن أن يردّ عليها بعضهم في حينها، بأن يستخدم عبارة الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين حين حذّروه من قوة الفاتيكان، فتساءل ساخراً: “كم دبابة عند بابا الفاتيكان؟”، أو بحسب نصّ آخر: “كم فرقة عسكرية يملكها البابا في الفاتيكان؟”.

مجموعة صغيرة حديثة العهد بالسياسة والقتال تدّعي لنفسها قوة خارقة، فتقول: “أما قدرتنا العسكرية، فلا يتخيّلَنَّ أحد حجمها، إذ ليس لدينا جهاز عسكري منفصل عن بقية أطراف جسمنا، بل إنّ كلاً منّا جندي مقاتل حين يدعو داعي الجهاد إنّنا متوجهون لمحاربة المنكر من جذوره، وأوّل جذور المنكر أميركا”.

أتصوّر مثلاً أن يقارن أحدهم بعد أن قرأ الرسالة بين الأحزاب القومية واليسارية التي كانت تحمل أحلام جماهيرها بالوحدة والتضامن والتكامل وتلاحم الجبهات، لدحر مشاريع الهيمنة الاستعمارية والانقضاض على “إسرائيل” وتدميرها واستعادة فلسطين من مغتصبيها، ولكنها مُنيت بعد مدة من انطلاقتها بفشل في أهدافها، وإحباطات في مشاعرها، ونكسات في نتائج أعمالها، وبين جماعة لا أرضية سياسية وعسكرية لها، تريد أن تختبر من جديد بـ”سوريالية ثورية” حجم الألم والأحلام الموجعة التي يُخلّفها طريق المحاولة والخطأ! لا بأس، يقول هذا البعض، فلتجرّب حظها من الخيبة والمرارة، ففي الإنسان دوماً شيء ما يقوده نحو حتفه وتلاشيه!

لكن لم تمرّ إلا سنوات قليلة حتى بدأ المراقبون يستكشفون شيئاً جديداً تماماً. رواية مختلفة تقول إنّه ليس بالضرورة أن يعيد التاريخ نفسه بطريقة حلزونية، فما رُصد بعد سنوات قلائل من تحولات وإنجازات وانتصارات، اتضح أنّها لم تكن استجابات عاطفية غاضبة متسرّعة على هوان قديم وعجز مقيم، بسبب ما حلّ من خراب داخل العالمين العربيّ والإسلاميّ، بل هي مبنيّة على رؤية علمية، وخطوات عملية، وعوامل تاريخية ودينية وجيوسياسية، ودوافع كافية لضمان اجتياز الصراع بنجاح. 

القضية لم تكن تتطلّب البتة عند “المؤسسيين الأوائل” تستراً على طرح ربما يؤدي إلى استنتاجات وتفسيرات خاطئة ومشوّهة، أو تستدعي مقاومة الفكرة المغرية القائلة إننا” أمة ترتبط مع المسلمين في أنحاء العالم كافة برباط عقائدي وسياسي متين هو الإسلام”، وبضرورة الدعوة” إلى إقامة جبهة عالمية للمستضعفين، لمواجهة مؤامرات قوى الاستكبار في العالم”، أو “أننا نطمح أن يكون لبنان جزءاً لا يتجزأ من الخارطة السياسية المعادية لأميركا والاستكبار العالمي وللصهيونية العالمية”، لجهة إفراطها وخروجها عن قوانين الاجتماع والسياسة اللبنانية.

لم يكن ذلك كله مدعاة للتحفظ، بل على العكس، جاء التأكيد في الرسالة على أهميته وقيمته الحقيقية، ولو كان العقل السياسي يضيق به، أو كان يطمح إلى ما يفوق إمكانيات الحزب آنذاك، لأنّ المبدأ العقائدي الذي كان يدفع في هذا السبيل، ويُملي هذه الاعتبارات، ويُذكي هذا الشعور، ويستجلب هذه الإرادة، كان أقوى من التصورات السيادية والدستورية السائدة، وأكبر من الوقائع والمعايير التي تحكم سلوك الدول وتوازناتها.

كل المؤمنين بالنهج الأصيل والعاملين في مداره كانوا مشغولين بالتأكيد أنّ أمةً جديدةً يجب أن تُولد من رحم التناقضات والصراعات المفتوحة على أكثر من ميدان. لم يشعروا بأنهم في مأزق أو تيه صحراوي لا يدري أحد منهم إلى ماذا يُفضي، بل كانوا على يقين من سلامة الطريق وتحقيق الأهداف.

 وإذا كانت بعض الحركات العابرة للحدود الدينية والجغرافية والعرقية في المنطقة العربية قد وصلت إلى طريق مسدود في نضالاتها، ولم تستطع تجاوز هزيمتها، بسبب طبيعة التكوين الفكري والسلوك السياسي الذي حوّلها إلى كتل جامدة معطلة، فإنّ التنظيم الجديد قد صمّم فكرته تصميماً ذهنياً صارماً، وحددّ لانطلاقته بداية واعية واعدة، وخلق تشكيلاً منفتحاً على الجهاد المحلي الحديث والإرث التاريخي القديم، بنحو يعيد هيكلة البنية الرمزية والإيديولوجية باستحضار ماضي الثائرين وإعادة دمجه بالحاضر، ثم إنّ هناك إدراكاً للثمن الفادح الذي يجب دفعه، لا أنّ القضية مجرد تكهن أو رغبة “صوتية” لا تنفع في الحقيقة أكثر من استدراج أقدام “المتكهّنين” إلى هاوية الوهم. 

كما أنّ التنبؤ بالنصر استشراف علميّ محفوف بالمخاطر، لا ينفصل لحظة واحدة عن الارتباط بالواقع الحي الذي يفرز الإنجازات والإخفاقات على السواء. ولأنّ صورة العدو أكثر تعقيداً من كونه مجرد مجنون يتغذى على القتل، فإنّ النصر ليس خبراً يُذاع، وإنما هو نضال محموم، ومقاومة ضارية واستراتيجية طويلة تتطلَّب قدرة عالية على تحمل الألم والصعاب، وإرادة فولاذية لمواصلة العمل، واعتماداً على الذات في النطاق الجغرافي المحلي، واستبعاداً كلياً لدور المنظمات الدولية التي تقف في معظم الأحيان إلى جانب الظالمين والغزاة، بدلاً من مساعدتها المستضعفين؛ أصحاب الحقوق المشروعة.

وكما يقول الشاعر عبد الرحمن الشرقاوي: “إنّ القضية ملكنا… هي عارنا أو فخرنا”، فالانهزام أو الانتصار تعبير واقعي متعلق بطبيعة المعركة وظروفها، ولكن المهم في الأمر أن لا ينضوي المقاومون تحت أيّ مظلة غير موثوقة، ولا ينساقوا وراء منهج غير إسلامي. أما الاعتماد على الذات، فلا يعني التردد عن قبول مساعدة قوى الأمة المختلفة، بل المطلوب أن تتحرك كل الطاقات في التعامل مع الأزمات والتحديات في إطار الوحدة أو “الجسد الذي إذا اشتكى منه عضو، تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى”.

لذلك، يؤكد المقطع التالي العلائقية والوشائجية المطلوبة بين الأطراف وقلب الأمة: “إننا أبناء أمة حزب الله في لبنان… إننا نعتبر أنفسنا جزءاً من أمة الإسلام في العالم، والتي تواجه أعتى هجمة استكبارية من الغرب والشرق على السواء”.

هذا التعاضد بين فئة في لبنان وفئة أو فئات في بلدان أخرى أشبه بصيغة قانونية لازمة بين طرفين أو أكثر، تقتضي كل أشكال التعاون المتاحة، ما يجعل النسق الديني المتشكل عن هذا التوليف “المقدس” يلبي الوظيفة الإيديولوجية والسياسية للحزب الذي يسعى إلى هدم أركان الأعداء في البقعة التي يتحرك فيها. 

إنّ هذا الاتصال المقصود بالأمة يهدف الحزب الجديد من ورائه إلى التمايز عن مغالطات نخب حزبية وعلمائية على امتداد المنطقة، كانت تنشر الاستسلام والقدرية، وعوّضت المقاومة بالتواكل والغيب، فكان ضرورياً تطهير الإسلام مما علق به من تشويهات، واستدعاؤه مجدداً ليكون المرجع النظري والحركي الذي يُلهم المسلمين اللبنانيين طريقة النهوض، وبناء العلاقات، ومواجهة التحديات بكل تشعباتها.

ولكنَّ مشكلة هذا الاتصال، في رأي البعض، أنّه يهزّ التكوين الوطني للحزب، ويشكّك في درجة التزامه بالقضايا اللبنانية التي يُفترض أن يُدافع عنها تحت سقف سيادة الدولة، لكنّه من خلال تفضيله إطار الأمة على إطار الوطن، وتوهينه البعد الداخلي في مقابل تعظيمه البعد الخارجي، يبلغ الرجحان مستوى يجعل الحزب يفقد خصائصه ومشروعيته المحلية، بيد أنّ حزب الله بانخراطه في محاربة الاحتلال الإسرائيلي ومشاريع الهيمنة الغربية على لبنان، يعيد إنتاج الأجوبة الحاسمة حول مَن صنع الهزائم، ومَن صنع العار، ومَن جلب التخلف والهوان لهذا الوطن.

هنا يأتي النص الديني الإسلامي، لا كدليل نظري فحسب، وإنما كسياق واقعي اجتماعي، وكممارسة سياسية وجهادية ملموسة، فحضور الدين علامة على الوعي الجماعي، باعتباره وسيلة لتغيير مقاصد الناس وتوجهاتهم، وأيضاً باعتباره هدفاً لتعديل مبادئ الحكم وموازين القوى، فالنص الديني بقدر ما يسمح بالكشف عن هوية فرد أو مجتمع، فإنه يؤسّس لنهج مختلف وأوضاع جديدة.

وحين يعلن الحزب عن الإسلام كمرجعية للحياة، فإنّه يموقع ذاته داخل النسق العام للأمة في عمقه وامتداداته، فلا يعترف بأي حدود ومسافات جغرافية تعترض طريق الأخوة الدينية! الإسلام هنا لا يحضر كطقوس يكتنفها مبدأ حرية ممارسة المعتقد الإيماني فحسب، بل كإطار شمولي أممي لا تنفلت منه قضية من قضايا الإنسان، في وقت يأتي تحرك الحزب في المجال السياسي أو العسكري ليخلق تميّزه وفرادته، في مقابل السكونيين من النخب والحركات الدينية التي تبحث عن الهروب خارجاً، وبعيداً من الواقع، لئلا تصطدم بقسوته ومتطلبات الحضور الحي فيه.

لذلك، لم يكن ممكناً للحزب أن يتطور خارج عملية الصراع مع أعداء الأمة، فالحزب الذي تنظم الشريعة الإسلامية كل وجوده ومساراته في هذه الحياة، يشعر بأن هيمنة القوى الاستعمارية وتدخّلها في شؤون المسلمين يشكل انتهاكاً صارخاً لا يمكن القبول به.

هذه النقطة بالذات ستمنح الحزب إمكانية كبيرة لقيادة الجمهور وتحريكه نحو مديات الأمة الواسعة ومداراتها الرحبة. على هذا الأساس، تستوي فكرة الجهاد كمصدر للشرعية، وتحضر المقاومة بوصفها سياقاً تحررياً على المستوى الوطني، وعلى مستوى الأمة أيضاً.

ولهذا تأتي العبارة التالية: “إننا أبناء أمة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران، وأسّست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم… لسنا حزباً تنظيمياً مغلقاً، ولسنا إطاراً سياسياً ضيقاً”، لتؤكد الارتباط المطلوب والحركة الحارة المتوقعة، انطلاقاً من مستويين ديني وسياسي؛ الأول استجابة لأمل (وعد إلهي) بالاستخلاف والتمكين، والآخر استجابة لموقف عملي يقتضي تحمل التكاليف والمسؤوليات والسعي لبناء التجربة الجديدة.

صحيح أنّ دوافع النشوة والفوران بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران مسؤولة عن تحرّك الأحاسيس الدينية بطريقة عفوية وتلقائية، لكن لم يكن ذلك خارج رؤية استراتيجية وعقلانية في بناء السياسات والبرامج. هنا تأتي النظرية، أي الأفكار التي تشكل أساس الإيديولوجيا التي على الحزب أن يعمل بها في ما يتعلَّق بأمور الحرب والسلم، لتستقر ضمن قالب “نظرية ولاية الفقيه”، التي أبرزها الإمام الخميني كإرث مخزني قديم، ولتكون البوصلة التي احتاجها حزب الله لترسم له التوجهات والقواعد العامة، ولتخلق لجمهوره الاهتمام المطلوب بقضايا الإسلام والصراع في المنطقة والعالم.

لكن ظهور هذه النظرية كتعبير موضوعي عن المقومات التي لا بدَّ من توفرها لتهيئ للحزب مكاناً بين الحركات الثورية، وتمنحه هويته الخاصة، كان مشروطاً بالظرف التاريخي، وهو ظرف الثورة الإسلامية، وانتشار شراراتها في أرجاء المنطقة، وتفاعل حركات المقاومة والتحرر المناهضة للمشاريع الأميركية والإسرائيلية مع تطلعاتها، وتحفّز مثقفين وعلماء دين وكتاب ونشطاء سياسيين على طرح ما لم يكونوا في السابق يجسرون على الاقتراب منه، وكذلك التحولات المحلية في لبنان العالق بين الهيمنة اليمينية الطائفية والاحتلال الإسرائيلي لقسم من الجنوب اللبناني، ووجود الفدائيين الفلسطينيين الذين أغنوا الأرض بالبندقيات والشعارات الثورية الحماسية.

ضمن إطار هذه المجموعة من الأحداث بذاك السياق الطولي، بنى حزب الله مفاهيمه التأسيسية حول الجهاد المحلي والأممي، والتي لم تنحصر بالمناسبة في الوعي المكتسب من طرف نظرية ولاية الفقيه والثورة الإيرانية، بل في عمقها الممتد إلى باطن البنية الاجتماعية اللبنانية، بعناصرها التاريخية المُستلهمة من الاحتكاك بتجارب نضالات ثورية في مناطق مختلفة من العالم، ولكن عبقريته التي طورها لاحقاً أمينه العام الحالي السيد حسن نصر الله، تكمن في أنّه استطاع أن يحمل بقوة فكرة جاء أوانها، وأن يصعد بتيار استيقن أنّ حركته نحو الآماد الواسعة بدأت. 

بعد تحرير الجنوب اللبناني، وانتصار تموز/يوليو 2006، ودخول حزب الله إلى سوريا في العام 2013، وجد الحزب نفسه أمام سؤال حان وقته: كيف يمكن تشبيك الجبهات لتحقيق الهدف المقدس، وهو إزالة “إسرائيل” من الوجود؟

لقد فشل تيار القومية العربية في توظيف الإمكانيات البشرية والمادية واستثمارها وإدارتها لإنزال هزيمة بالعدو، وفشلت الأحزاب اليسارية العربية في بناء مناخ عام يتيح اتخاذ قرارات تتطلَّبها ظروف الصراع، فلم تستطع تلك القوى التي لها ارتباطات واسعة خارج المنطقة العربية تشكيل بيئة دولية للصراع، وتوجيه الحركة السياسية أو العسكرية العربية في إطار خطة عامة جدّية تستهدف إنهاك الكيان الإسرائيلي وإرباكه.

المراوغات والاستعراضات، وأنصاف الضربات، وتصادم الأولويات، وتضارب التصورات، لم تؤدِ إلا إلى تحويل الصراع من صراع عربي – إسرائيلي إلى صراع عربي – عربي. تحوّلت الحرب مع “إسرائيل” إلى شبه حرب، والتسوية معها إلى استراتيجية انجرّت إليها الأنظمة على نحو متتالٍ. 

حزب الله، في المقابل، أدرك أنّ “التفكك العربي الكبير” الذي أرادته أميركا عبر “الربيع العربي” يجب أن يُرد عليه بالعودة إلى فكرة “أمة حزب الله” العابرة لدول سايكس – بيكو المقطعة لأوصال الوحدة السياسية والدينية. قد يكون ذلك شيئاً مثيراً في لحظة مختلطة بالتحولات ودماء الشهداء ونداء القدس الغلّاب الذي ينفذ كالأذان إلى أعماق الحالمين بالنصر الأكبر.

 أفراد الحزب الذين قطعوا خطوة في هذا الطريق مع الدخول إلى سوريا، وتهشّم الحدود بين أكثر من دولة من دول المنطقة، أضفوا على الموقعية الجديدة لحزبهم مسحة دينية ومسحة تاريخية. مقطع من الرسالة يقول: “إننا نعلن بصراحة ووضوح أننا أمة لا تخاف إلا الله، ولا ترتضي الظلم والعدوان والمهانة، وأنّ أميركا وحلفاءها من دول حلف شمال الأطلسي والكيان الصهيوني… مارسوا ويمارسون العدوان علينا، ويعملون على إذلالنا باستمرار. لذا، فإننا في حالة تأهب مستمر ومتصاعد”.

المطلوب، إذاً، بناء وحشد قوى الأمة التي بدأت طلائعها تتبلور في اليمن “أنصار الله”، والعراق” الحشد الشعبي”، وفلسطين “فصائل المقاومة المختلفة”، لتغلب على هذه العطالة التاريخية. أمة حزب الله تحتاج إذاً إلى القدرات الكبرى والمشاعر العظيمة، وإلى موقف جماهيري يستهدف التقدم بالوعي والإلهام، وذلك بالخروج من الالتزام الجغرافي المزعج، لجهة عبئه الداخلي المعاكس لحركة الساعة السريعة المستمرة! 

اليوم، ليس لهذه القوى سبب يؤطرها ويحدّها في بقعة جغرافية واحدة وفي مهام محلية محددة. الأحداث الكبرى في المنطقة حوّلت الدول إلى حدود وسكان ومتوسط دخل وميزان مدفوعات، والأنظمة إلى بروتوكولات واحتفالات وميديا، فيما حزب الله يدرك ضرورة أن تتحول هذه القوى المقاومة إلى فكرة وتيار وحركة تاريخية، وينبغي أن لا يدعها أحد مكتوفة اليدين في الحروب المقبلة إذا ما هدد وجود الأمة خطر، أو دفعها طموح محموم إلى خوض حربها المقدسة نحو فلسطين!

هل حانت اللحظة فعلاً؟ وهل لدى حزب الله الشجاعة الكافية ليقود جماهير الأمة لتوحيد التراب العربي، مدشناً مرحلة جديدة من تاريخ حركات المقاومة في المنطقة والعالم؟ وهل يفعل السيد حسن نصر الله ما لم يقدر عليه جمال عبد الناصر؟

جهر بخيانة مكشوفة

«إسرائيل» متمسّكة بخطّة الضم: في انتظار بقيّة العرب

فلسطين 

وليد شرارة 

السبت 15 آب 2020

أَبلغُ رد على اتفاق الخيانة الإماراتي مع إسرائيل برعاية أميركية جاء من المصلين في المسجد الأقصى، الذين رفعوا صورة محمد بن زايد وعليها كلمة خائن. قد تستخف نخب الارتزاق بهذا الموقف، الذي يعبّر عن اقتناعات الاتجاه الرئيسي بين جماهير الأمّة من المحيط إلى الخليج، بل ومن طنجة إلى جاكرتا، إلا أن المهم في مواجهة مثل هذا التطور هو ليس مناقشة حججها الفارغة ومنطقها المتداعي. المهم بالنسبة إلى المعنيين بمستقبل قضية فلسطين والصراع مع الكيان الصهيوني والهيمنة الأميركية وأذنابها المحليين، من مشيخات وممالك اخترعها الاستعمار في قلب جزيرة العرب، هو القراءة الصحيحة لخلفيات هذا الاتفاق والاعتبارات الفعلية لأطرافه، ولتداعياته على المعركة الدائرة بين قوى المقاومة في الأمة وأعدائها. آلة الحرب الإعلامية-الدعائية للجبهة المعادية تروّج للاتفاق باعتباره حدثاً «تاريخياً»، «زلزال جيوسياسي ضرب الشرق الأوسط»، بحسب عنوان المقال الأخير للمبشّر الأميركي الصهيوني توماس فريدمان.

في الواقع، نحن أمام عملية استعراضية، تكثر مثيلاتها في سياق عالمي تحاول فيه الدول الغربية التعويض عن ضمور هيمنتها وتراجع قدرات وكلائها المحليين بتنظيم مهرجانات مشهدية، يتكفل «التطبيل» الإعلامي الذي يرافقها بتقديمها على أنها دليل حسي على استمرار تحكمها في مجرى الأحداث. اتفاق التطبيع الكامل بين دويلة الإمارات واسرائيل نموذج جديد على هذا الفن الاستعراضي، يجهر بطريقة دراماتيكية بخيانة مكشوفة منذ زمن طويل للقاصي والداني من أبناء الأمّة، لكنه يشي في الآن نفسه بمصاعب وتحديات يواجهها جميع الأطراف المشاركين فيه وحاجتهم إلى انتصارات وهمية، تغطي عجزهم عن تغيير موازين القوى، المتحولة لغير مصلحتهم في الميدان.
سعي الجيل الجديد من النخب الحاكمة في الإمارات والسعودية والبحرين وعمان في الانتقال، بعلاقات أنظمتها بإسرائيل، من التقاطع إلى التحالف، السرّي ومن ثم العلني، تعزّزَ بقوة بعد موجة الانتفاضات الشعبية التي شهدتها المنطقة العربية سنة 2011، وما نجم عنها من شعور بالتهديد الوجودي لدى هذه الأنظمة. قبل هذا التاريخ، منذ بداية ستينيات القرن الماضي، تعاونت هذه الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل للتصدي لصعود أي قوة إقليمية مستقلة، مرشحة لأن تتحول قطباً جاذباً لقسم من دوله وشعوبه، ولأن تعدّل موازين القوى فيه باتجاه متناقض مع الهيمنة الأميركية ووكلائها المحليين. الأسباب نفسها دفعت المشيخات والإمارات والممالك الخليجية إلى محاربة مصر الناصرية في الستينيات، والعراق في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، وإيران منذ انتصار ثورتها، ولكن بشراسة أكبر منذ بداية الألفية الثانية. قيام هذه الانظمة وبقاؤها ارتبطا بالهيمنة الغربية والأميركية، وهي لم تتورع عن الاندراج في مخططاتها، جنباً إلى جنب مع إسرائيل، لمواجهة أي مشروع استقلالي ذي أفق إقليمي، عربياً كان أو إسلامياً. هذا سرّ عدائها اليوم لإيران وحتى لتركيا إردوغان. لكن مشهد هروب الرئيس التونسي بن علي وسقوط نظيره مبارك وانتشار موجة الانتفاضات الشعبية في طول المنطقة وعرضها في ظل تخبط أميركي وغربي، وعجز عن دعم «الحلفاء» هو الذي أصابها بالذعر. في هذه اللحظة المفصلية بالذات تفتقت عبقرية الجيل الجديد من حكامها عن خيار «ورقة الأمان الإسرائيلية».

الفرضية الرئيسية التي تأسّس عليها هذا الخيار هي أن إسرائيل تمتلك في الولايات المتحدة منظومة مؤيدة


الفرضية الرئيسية التي تأسس عليها هذا الخيار هي أن إسرائيل تمتلك في الولايات المتحدة منظومة مؤيدة لها، وليس مجرد لوبي، وأن قدرتها على التأثير على سياستها الشرق أوسطية هائلة بكل ما للكلمة من معنى. إضافة إلى ذلك، فإن هذا الجيل الجديد مقتنع بأن إيران وحلفاءها في الدرجة الأولى، تليها في الدرجة الثانية تركيا وحلفاؤها، هم أعداء وجوديون مشتركون لهم ولإسرائيل. أخيراً، فإن هذا الجيل المعولم الذي ينظر إلى روابط العروبة والدين على أنها من مخلفات ماض بائد يرى في الشراكة مع إسرائيل، القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، فرصة لتعظيم قدرات نظمه. عمل هؤلاء على توثيق أواصر الصلة مع الكيان الصهيوني ونخبه لتأكيد أنهم «كنز استراتيجي» لإسرائيل، كما وصف الوزير الصهيوني الأسبق بنيامين بن اليعازر الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك بعد أيام من سقوطه. ومن الواضح أنهم نجحوا في هذا الأمر. وحتى دونالد ترامب اعترف لهم بهذا «الجميل» عندما رد على منتقديه على دعمه لمحمد بن سلمانـ بعد فضيحة قتل الصحافي جمال خاشقجي، مذكّراً بدور الأوّل في الوقوف إلى جانب إسرائيل ضد الذين يريدون إزالتها.

التحالف الأميركي-الإسرائيلي-الإماراتي-السعودي لم يعد سراً بالنسبة إلى أحد، لكن الحرص على تظهيره، مع الإمارات بداية، يرتبط بحسابات سياسية داخلية لدى أطرافه الثلاثة، وبرغبتهم في تسجيل نجاح وهمي ضد محور المقاومة عبر الاحتفال بتحقيق مثل هذا «الاختراق»، بينما هم فشلوا في المعركة المركزية معه، المتمحورة حول مراكمته وتطويره لقدرات عسكرية وصاروخية تسهم في تغيير تدريجي ولكن متواصل لموازين القوى في المنطقة لغير مصلحتهم.

ترامب، الذي يرى فرص إعادة انتخابه تذوي، والعاجز عن القيام بأي إنجاز داخلي يحول دون ذلك، يبحث بدلاً منها عن إنجازات خارجية لعلها تساعد في وقف انحدار شعبيته المتسارع. نتنياهو، المتهم بالفساد، والذي يواجه احتجاجات لم يسبق أن واجه رئيس وزراء صهيوني مثيلاً لها منذ إنشاء الكيان، إلى درجة دفعت البعض إلى الحديث عن احتمالات حرب أهلية، يأمل أن يخفف من حدتها عبر إبراز نجاح ما في الخارج. الإمارات امتثلت لطلبات الراعي الأميركي والحليف الإسرائيلي، لكنها بدورها متورطة في نزاع مفتوح مع تركيا وحلفائها، وليبيا أبرز ساحاته حالياً، وهي طرف في المحور المعادي لإيران على رغم محاولاتها لتطبيع خجول معها صدّته الولايات المتحدة. هي تنصاع للطلبات الأميركية والإسرائيلية في مقابل حمايتها من خصومها الأقوياء. أطراف مأزومون، لم يتمكنوا من الانتصار في معركة الصواريخ المركزية ضد محور المقاومة، يحتفون بالجهر بما كان معلوماً. أما محمد بن زايد، فعليه التوقف والتفكير ملياً في ما قد يترتب على تصنيفه خائناً في باحات الأقصى، في القدس، عاصمة الأمّة.

مقالات متعلقة

العماد الثائر والرئيس المقاوم

شوقي عواضة

شهد تاريخنا المعاصر رجالاتٍ وقادةً مضوا على طريق الحقّ الذي لم يستوحشوه لقلّة سالكيه بل كانوا من الثّابتين الأشداء واستطاعوا بمواقفهم الأبيّة أن يغيّروا التّاريخ وأن يصنعوا مجد الأمّة وعزّتها، تميّزوا بقلّتهم التي تحوّلت إلى مدرسةٍ أنتجت أمّةً أبيّةً ومقاومةً لا ترضخ ولا تلين فشكّلوا بارقة أملٍ وعزّزوا للأمّة يقينها بالانتصار بالرّغم من قلّة قدراتها، وقد قرأنا عن زعماء ورؤساء تركوا بصمة عزٍّ في تاريخنا مثل الرئيس الراحل جمال عبد النّاصر والرئيس الراحل حافظ الأسد وقيادات مقاومة قدّمتِ الغالي والنّفيس على طريق المقاومة، أولئك الرّجال الرّجال حقّاً الذين كانوا استثنائيين بل رُسل المقاومة للأمّة التي لم تخلُ من الأبطال والنّجباء، إذ شكّلوا خطّ الدّفاع الأوّل في مواجهة الغطرسة الأميركية الإسرائيليّة وهزيمة مشروعها شرّ هزيمة، من بين أولئك الرّجال جنرال تمرّد على المتآمرين وثائرٌ أرعب العدوّ «الاسرائيليّ» وأعداء المقاومة وشكّل لهم صدمةً بمواقفه وثباته وثقته بوطنه وجيشه وشعبه ومقاومته ليقلب المشهد ويغيّر المعادلات ويقف في زمن الرّدّة والتّخاذل ليقول بأنّ لبنان قوّته في جيشه وشعبه ومقاومته وليس كما يقول العدوّ لبنان قوّته في ضعفه ليرسي ثلاثيّةً ذهبيّةً صانت لبنان وحمته من مؤامرات الدّاخل والخارج. إنّه فخامة الرّئيس المقاوم العماد إميل لحود الذي حمى المقاومة من المؤامرات منذ أن كان قائداً للجيش، فهو العين التي قاومتِ المخرز الاسرائيليّ وكسرته.

لم ننسَ مواقفه التي يخلّدها التّاريخ منذ توليه لقيادة الجيش اللّبناني وإبّان عدوان (تصفية الحساب في تموز عام 1993، إذ طلب منه رفيق الحريري العائد من دمشق بعد انتهاء العدوان ضرب حزب الله ونزع سلاحه (بقرارٍ سوري) مدعوماً بقرارٍ سيصدر من مجلس الأمن واضعاً مساعدة قوّات الطوارئ في عمليّة (تنظيف الجنوب) من حزب الله ومصادرة سلاحه إضافةً إلى التخلّص من الجبهة الشّعبية في الناعمة محاولاً إغراء العماد لحود بوعده أن يكون الرئيس القادم للبنان بعد تنفيذ العمليّة فكان ردّ العماد لحود البديهي والصّاعق (ضميري لا يسمح بأن أضرب لبنانيين يريدون العودة إلى منازلهم وإسرائيل تحتلّ أرضهم فتشوا عن غيري) فكان ردّ الحريري بأنه سيقوم بتعيين قائدٍ جديدٍ للجيش غيره. وبالرّغم من التّرهيب والتّرغيب بقي العماد لحود ثابتاً على موقفه رافضاً حضور اجتماع المجلس الأعلى للدّفاع، ومع إصرار رفيق الحريري ووزير الخارجية اللّبناني آنذاك فارس بويز ووزير الدّفاع محسن دلول واللّواء غازي كنعان وأمين عام مجلس الأمن الدّولي بطرس غالي لم يتزحزح موقف العماد الثّائر قيد أنملةٍ، ليؤكّد ردّه الصّارم والحاسم للجميع بكلمتين قائلاً لهم (عيب عليكم) ليلتقي بعدها بالرّئيس الرّاحل حافظ الأسد الذي لم يكن على علمٍ بقرار ضرب المقاومة وكان اللّقاء الأوّل الذي جمعهما فسأله الرّئيس عن سبب رفضه تنفيذ القرار بضرب المقاومة فكان جوابه لأنّني منذ ولادتي ووالدي يوصيني بأنّ: «حياتك لا شيء أمام ضميرك وكرامتك»، لذلك رفضت لأنّي إذا نفّذت هذا الأمر أخسر الاثنين معاً، ليخرج العماد مؤيّداً من الرئيس الأسد ومنتصراً على المتآمرين على المقاومة مسجّلاً انتصارين بانتصاره للوطن والمقاومة التي حماها بموقفه وإصراره على استمرار مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، فكان عدوان 1996 الذي شنّه العدوّ الاسرائيلي باسم عمليّة (عناقيد الغضب) حينها تصدّى الجيش لطائرات العدوّ من وزارة الدفاع ممّا دفع رئيس الجمهورية آنذاك الياس الهرواي للاتصال بالعماد لحود ويخبره بأنهم سيقصفون القصر فكان ردّ العماد ليقصفوا (وإذا ما عاجبكم أقيلوني) ليستمرّ القائد المقاوم في مسيرة المقاومة والتّصدي للاحتلال التي تكلّلت بهزيمة الجيش الذي لا يُقهر، فكان الانتصار التّاريخي الأكبر للبنان والعرب ولكلّ شرفاء الأمة وأحرارها في عمليّة تحرير الجنوب عام 2000 التي كان له دورٌ بارزٌ بدعمه للمقاومة التي تعزّزت في عهده.

Twitter -இல் أرشيف لبنان Lebanon Archives: "١-٢-٣-٤: رئيس ...

انتصار تكلّل بزيارة الرّئيس لحود للمناطق المحرّرة ليشارك النّاس والمقاومة فرحة الانتصار في سابقةٍ لم يشهدها الجنوب اللّبناني، زيارة أرعبتِ العدوّ وأثلجت قلوب المنتصرين الذين استقبلوه برشّ الورود والأرز وذبح الأضاحي، حينها بدأ المنهزمون التّصويب على الرّئيس لحود الذي لم تهزّه مؤامرتهم بل ازداد صلابةً وثباتاً في موقفه، فكان عدوان تموز 2006 وتحت غزارة النّيران والغارات توجّه إلى الضّاحية، مخاطباً الشّعب بأنّنا نملك أشدّ الرجال الذين يقدّمون التّضحيات من أجل لبنان وسننتصر يداً بيدٍ مع سماحة السّيد بإرادتنا وعزمنا وسنهزم هذا العدو. تصريح أثار حفيظة الرّعاديد أشباه الرّجال وعلى رأسهم رئيس الحكومة آنذاك فؤاد السنيورة ومعه مروان حمادة الذي توجّه بالقول للرّئيس لحود (شوف أصحابك شو عملوا (حزب الله)، وكان ردّ الرّئيس الأبيّ (وصلوا ع بيروت في 82 لأنو ما كان فيه مقاومة بس هالمرّة حتماً سننتصر) ردّ يحمل اليقين بالانتصار مثلما يحمل الثبات في الموقف والاستعداد للتضحية والشّهادة تجلّى ذلك الموقف من خلال اتصال السّفير الفرنسي خلال العدوان بالرّئيس لحود ليحذّره من أنّ الطّائرات الاسرائيليّة ستقصف القصر الجمهوري خلال عدوان تموز فكان جوابه كالسّيف الصّارم سأبقى في القصر الجمهوري وليكن قدري الشّهادة.

ذلك هو العماد الثّائر والجنرال العنيد والرّئيس المقاوم من وقف في وجه رئيس الحكومة فؤاد السنيورة الذي كان يقاتل من أجل نزع سلاح المقاومة، قائلاً له توقّف عندك لن أسمح بتحقيق أهداف العدوان وتسليم سلاح المقاومة، فحمى المقاومة دستوريّاً وقاتل معها ميدانيّاً وتصدّى للمتآمرين عليها ومنهم قائد الجيش حينها العماد ميشال سليمان الذي طرده الرّئيس لحود أثناء تلاوته لخطّة نزع السّلاح في تموز 2006.

ذلك هو العماد الثّائر على المتآمرين والفاسدين والرئيس المقاوم والمقاتل على جبهات الدّاخل والخارج. فهنيئاً لمن عاش عصر العماد والرّئيس الذي استحقّ أن يكون فخامةَ المقاوم…

انهيار الإتحاد السوفييتي – فترة رئاسة “ميخائيل غُورباتشوف”!

عن الذين عَوّلوا على أميركا - بوابة الهدف الإخبارية

الطاهر المعز.

في ذكرى 23 تموز/يوليو 1952 (إقامة النظام الجمهوري في مصر) وفي ذكرى إنهاء النظام الملكي وإقامة النظام الجمهوري في العراق (14 تموز/يوليو 1958)، وما جرى بين هذين التاريخَيْن من محاولة بناء السد العالي وتأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي (البريطاني والفرنسي والصهيوني، سنة 1956 ) ضد مصر،

نستذكر دور الإتحاد السوفييتي (رغم الإختلافات معه، ورغم النقد الذي يمكن توجيهه بشأن المسألة القومية وقضية فلسطين، وغيرها)، ونستذكر الدّعم (رغم الشّروط) الذي مَكّن مصر من استكمال بناء السّد العالي، ومساندة مصر سنة 1956، ومن إعادة تسليح الجيش المصري، ليقوم ب”حرب الإستنزاف”، بعد هزيمة حزيران/يونيو 1967، ونقف على الوضع العالمي، حاليًّا، بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، حيث لا رادع للإمبريالية الأمريكية وحلف شمال الأطلسي، سوى إرادة الشّعُوب، ونضال الفئات الكادحة…

بَدأت عوامل الوَهَن تظهر على الإتحاد السوفييتي، منذ عُقُود، وساهم “سباق التّسلّح” والوضع الإقتصادي (الجفاف وإغراق أسواق العالم بالنفط السعودي الرخيص…)، وحرب أفغانستان، وغيرها في تَسْرِيع عملية الإنهيار، زيادة على نمو فكرة التخريب من داخل الحزب الشيوعي السوفييتي وقيادة الدّولة الإتحادية، وخصوصًا عندما تولّى “ميخائيل غورباتشوف” (كَرَمْزٍ لتيار مُعادي للشيوعية، داخل البلاد) رئاسة الحكومة، بالتوازي مع انهيار أسعار النفط (المورد الرئيسي للعملة الأجنبية)، قبل توليه قيادة الحزب والدّولة…

حصل “غورباتشوف” على العديد من الجوائز، منذ بَدَأ (مع مجموعة من الحزب والدّولة السوفييتِيَّيْن) العمل على تخريب وانهيار الإتحاد السوفييتي، وعلى “إثبات” فشل مبدأ أو فكرة الإشتراكية من أساسها، وليس فشل وسائل تطبيقها، ومن بين هذه الجوائز “ميدالية أونوهان للسلام” (1989)، و”جائزة نوبل للسلام” (1990) التي فقدت من قيمتها عندما مُنِحت للعديد من المُجْرِمين الصهاينة، وللخونة، مثل أنور السادات، وجائزة “هارفي” (1992)، والعديد من شهادات الدكتوراه الفَخْرِية، وشهادات التّقْدِير…

ما الدّاعي لِمَنْحِهِ هذه الجوائز، في حين خان الرجل (الإنسان والزعيم السياسي والرئيس ) بلادَهُ، وباعها بثمن رخيص للإمبريالية الأمريكية وللبنك العالمي، وصندوق النقد الدّولي… يكْمُن سِرُّ هذه الجوائز في مكافأة رجُل نفّذ بإخلاص وتفاني خطط وكالة الإستخبارات الأمريكية، وساهم في تهديم ما بنَتْهُ أجيال من السوفييتيين، وخيانة تضحيات ملايين الشُّهَداء الذين سقطوا دفاعًا عن وَطَن الإشتراكية…

نَشر موقع “إلهيرالدو كوبانو” (كوبا)، يوم الثامن عشر من أيلول/سبتمبر 2017، تعليقًا على بعض الوثائق التي أصبح اطّلاع الباحثين عليها مُتاحًا، بعد إفراج وكالة الإستخبارات المركزية (الأمريكية) عنها وخروجها عن نطاق السرية، واقتصر التعليق على بعض ما نُشِر عن خطط غورباتشوف ومجموعته ( من بينهم زوجته “رايسا” و “شيفرنادزي” و “ياكوفليف”…) “للقضاء على الشيوعية”، بحسب تعبيره في مداخلة علنية، سنة 2000، بالجامعة الأمريكية، في تركيا، كما تكشف هذه الوثائق دعْمَ وكالة الإستخبارات الأمريكية لمجموعة “غورباتشوف”، سياسيا وإعلاميا، لعدّة عُقُود، فيما تكفلت مؤسسات الملياردير “جورج سورس” بتمويل نشاط وإعلام “المُنْشَقِّين” السوفييتيين، وجميعهم يمينيون وصهاينة.

نشر “واين مدسن” (موظف سابق في وكالة أمن الفضاء – إن إس إيه ) من جهته، وثائق تتضمن بعض الوقائع والحقائق، ومنها تصرحات”ميخائيل غورباتشوف”، العلَنِيّة، وكذلك تمويل النشاط والإعلامي السياسي لحكومة “غورباتشوف”، ونشر عبارات “بريسترويكا” (إعادة الهيكلة) و “غلاسنوست” (الشفافية)، على نطاق واسع، والإدّعاء أن “غورباتشوف” ثوري يُكافح ويُجاهد ضد البيروقراطية والجمود، وحصل التمويل والإعلام على نطاق واسع، بغطاء حكومي أمريكي، وبواسطة مؤسسات “جورج سورس” والمنظمات الأمريكية، الموصوفة “غير حكومية”، من 1987 إلى 1991، ومن بينها منظمة “يوس” (أو معهد دراسات الأمن شرق-غرب” )، ونجحت هذه الحَمْلَة الأمريكية في خلق انشقاقات داخل الأحزاب “الشيوعية” التي كانت لا تَحيد قيد أُنْمُلَة عن الخط الرسمي للإتحاد السوفييتي، ولكن عندما يظهر الإنقسام داخل قيادة “الأخ الأكبر”، ينعكس ذلك على بقية الأحزاب التابعة.

عندما عقد اجتماع عام 1986 بين رونالد ريغان وميخائيل غورباتشوف ...

أظهرت وثائق الإستخبارات الأمريكية أن ما حصل في المَجَر وبولندا وتشيكوسلوفاكيا، وفي الإتحاد السوفييتي لم يكن بمحض الصّدفة، أو نتيجة صراعات داخلية فحسب، بل كان تتويجًا لمسار طويل، لِخِطّة مدروسة، رغم بعض التّغييرات، وقع تَبَنِّيها، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتَمثّلَ دور “ميخائيل غورباتشوف” ومجموعته في تكرار الدّعاية الأمريكية بأن “النظام الإشتراكي” (وليس التجربة السوفييتية، فحسب) فاشل، وغير قادر على حل المشكلات الحديثة للمجتمعات، وبذلك استبق هذا الشق في الحزب الشيوعي السوفييتي “فرنسيسكو فوكوياما”، صاحب نظرية “نهاية التاريخ” والإنتصار النهائي للرأسمالية، و”صامويل هنغتنغتون” المعروف بترويج نظرية “صراع الحضارات”، بدل صراع الطبقات، وصراع الأمم المُضْطَهَدة، ضد الإمبريالية والإستعمار…

قامت وكالة المخابرات المركزية بتصميم وتنفيذ عملية تغيير هيكلي كبرى ، في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية، وتم تمويل هذه العملية من خلال شبكة المنظمات الممولة من الملياردير “جورج سوروس”.

فيما يتعلق بالاتحاد السوفييتي، أعلن غورباتشوف في الجامعة الأمريكية في تركيا عام 2000: “استفدت من موقعي القيادي داخل الحزب وفي البلاد ، لتغيير قيادة الحزب والدّولة، في الإتحاد السوفييتي، وكذلك في جميع البلدان الاشتراكية في أوروبا “.

الملياردير الامريكي سوروس: النظام الصيني يشكل تهديدا للاتحاد ...

منذ العام 1987 ، قامت وكالة المخابرات المركزية، وشركة الأغذية متعددة الجنسيات “كارغيل” (التي تتعامل تجاريا مع الاتحاد السوفياتي منذ عقود) ، و معهد دراسات الأمن شرق-غرب” أو ( IWSS )، وشبكة سوروس ومنظمات “حقوق الإنسان”، التي تتعامل معها وتمولها، بتشجيع ومساعدة الحركات المعارضة والإنفصالية، والمُنشَقِّين، لإضعاف الاتحاد السوفييتي، ثم الاتحاد الروسي الجديد (منذ العام 1991). كما دعمت، ومَوّلت الصناديقُ والأوقافُ الأمريكيةُ حركاتِ الاستقلالِ، أو الإنفصال، في كوزباس (سيبيريا)، من خلال حركات اليمين المتطرف في ألمانيا، ومولت النشاط والتدريب للقوميين الشوفينيين ( اليمين المتطرف) من ليتوانيا، وتتارستان، وأوسيتيا الشمالية، وإنغوشيا، والشيشان، وفقًا لهذه الوثائق الأمريكية.

أقامت منظمات سوروس فروعًا في جميع البلدان المجاورة لروسيا: في أوكرانيا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا وفنلندا والسويد ومولدوفا وجورجيا وأذربيجان وتركيا ورومانيا ومنغوليا وقيرغيزستان وكازاخستان وطاجيكستان وأوزبكستان… كانت هذه الفروع بمثابة قواعد تدريب لأعضاء الجماعات الإرهابية، منها الجماعات الفاشية الأوكرانية والجورجية والهنغارية والمولدوفية.

في العام 2017، طردت الحكومة الروسية العديد من المنظمات من شبكة سوروس (مثل مؤسسة المجتمع المفتوح) وغيرها من المنظمات غير الحكومية التابعة لوكالة المخابرات المركزية الموجودة على الأراضي الروسية ، مثل NED (المؤسسة الوطنية للديمقراطية)، والمعهد الجمهوري الدولي، ومؤسسة ماك آرثر، ودار الحرية (فريدوم هاوس)، وغيرها، وصنَّفت الحكومة الروسية هذه المنظمات “غير مرغوب فيها وتشكل تهديدًا لأمن الدولة الروسية”. هذه المنظمات نفسها (أو الفروع التابعة لها) هي التي تضع خططًا لزعزعة استقرار بلدان أمريكا الجنوبية (كوبا ، فنزويلا ، بوليفيا ، إكوادور ، نيكاراغوا …) أو إيران والدول العربية، وآخرها “الجزائر”، حيث أوردنا في مقال سابق، بمناسبة الذكرى الثامنة والخمسين للإستقلال، بعض نماذج العمل التّخريبي لمثل هذه المنظمات، والدّعم الذي يحظى به بعض الرموز الرجعية والمُتصهْيِنة، والمُساندة للإستعمار…

رابط الموقع الكوبي:
Se abre paso la verdad sobre la caída de la URSS.


نشرة “كنعان” الإلكترونية
2020-07-25

الذكرى الثامنة والستون لأمّ الثورات!

Gamal Abdel Nasser Facts for Kids

د. محمد سيد أحمد

حلّت علينا هذا الأسبوع الذكرى الثامنة والستون لثورة 23 يوليو/ تموز 1952، وعلى الرغم من مرور ما يقرب من سبعة عقود على قيامها، إلا أنها لا زالت تثير العديد من القضايا الإشكالية، فمؤيدوها ما زالوا يحتفلون بالذكرى ويمجّدون قائدها الذي انتصر للفقراء والكادحين والمهمّشين وحقق لهم إنسانيتهم وأعاد إليهم كرامتهم المهدورة داخل وطنهم، وحقق انتصارات وضعته في قلوب الملايين سواء في وطنه الأصغر أو وطنه العربي الأكبر بل ومن قبل كلّ الأحرار في العالم، ورغم الانكسارات ظلّت الجماهير متمسّكة به باعتباره القائد والرمز والأمل القادر على تجاوز الصعوبات والمحن، وعند وفاته خرجت الجماهير في أماكن عديدة على سطح المعمورة، كالطوفان لتودّعه ولتخلد ذكراه.

أما معارضوها فما زالوا يستغلون الذكرى ليجددوا الهجوم عليها وعلى قائدها ويصفونهما بكلّ نقيصة، ويحاولون تشويه كلّ إنجازاتها بل وصل الأمر للخلاف حول مسمّاها ذاته وهل هي ثورة أم لا؟ ولا شكّ في أنّ هؤلاء المعارضين المهاجمين للثورة وقائدها قد أصابهم بعضاً من ضرر نتيجة قيام الثورة وانحيازها لجموع الشعب وبالتالي سحبت من تحت أقدامهم جزءًا من ثروة وسلطة ومكانة كانوا يحصلون عليها قبل قيام الثورة في ظل حكم ملك غير مصري (ألباني) استولى على الحكم بالوراثة، ومندوب سامٍ للمحتلّ البريطاني كان هو الحاكم الفعلي للبلاد، وكان آباء وأجداد المهاجمين للثورة وزعيمها اليوم يحصلون على الثروة والسلطة والمكانة من خلال قربهم وتقديم فروض الولاء والطاعة للملك والمندوب السامي.

وما بين هؤلاء المؤيدين وألئك المعارضين يدور دائماً السجال، لكن الغريب في الأمر حقاً هو اتساع دائرة المعارضين لتضمّ إليها أبناء وأحفاد بعض من انتصرت لهم الثورة من أبناء الفلاحين المعدَمين الذين كانوا يعملون بالسخرة وفي ظلّ ظروف غير إنسانية لدى البشوات الذين منحتهم أسرة محمد علي (الألباني) مئات وآلاف الأفدنة دون وجه حق فقط لأنهم كانوا يعملون في خدمة البلاط الملكي، وجزء من حاشية الملك المغتصب ثروات الوطن، ويأتي تطاول هؤلاء على الثورة وزعيمها في محاولة لإخفاء أصولهم الاجتماعية الحقيقية بعد أن تمكنوا من الصعود لأعلى السلم الاجتماعي بفضل الثورة وإنجازاتها على المستويات كافة.

وعندما تسأل هؤلاء هل كان أبوك أو جدك باشا منحه الملك قطعة أرض من الخاصة الملكية، فتكون الإجابة لا كان أبي وجدي فلاحاً معدماً حافي القدمين، حصل على خمسة أفدنة بفضل الثورة وقانون الإصلاح الزراعي، ولدينا داخل البيت صورة للزعيم جمال عبد الناصر وهو يسلّم أبي أو جدي صك الملكية، وبفضل هذه الأفدنة الخمسة استطاع أبي أو جدي تعليمنا وإدخالنا للجامعة بعد أن أصبح التعليم مجانياً بفضل الثورة، وبعد التخرّج حصلنا على وظيفة بفضل القوى العاملة التي أنشأتها الثورة، وأرسلنا لبعثات بالخارج وعدنا لوظائفنا المحفوظة وتدرّجنا بها إلى أن أصبحنا في مكانة مرموقة توازي مكانة البشوات في العصر الملكي!

إذن لماذا تهاجمون الثورة وزعيمها؟! وهنا تجد إما عجزاً عن الإجابة أو إجابات خارج نطاق العقل والمنطق.

ومن القضايا الخلافية على الثورة حتى الآن هو مسمّاها، فالمعارضون لها ما زالوا يصفونها بالانقلاب في محاولة للتقليل من شأنها والنيل منها، ولهؤلاء نقول إنّ الثورات لا يُحكم عليها إلا بنتائجها، فالتعريف العلمي للثورة يقول: «إنها إحداث تغيير جذريّ إيجابيّ في بنية المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية». ومن هذا المنطلق يمكننا التأكيد وبما لا يدع مجالاً للشك في أنّ ما حدث في 23 يوليو 1952 هو ثورة بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى، فقد أحدثت الثورة تغييراً جذرياً إيجابياً في بنية المجتمع على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية كافة، ومكّنت الغالبية العظمى من المصريين من ثروات وخيرات بلادهم، وأحدثت تغييراً جذرياً في البنية الطبقية، فخلال أيام معدودة تحوّل الفلاحون الأجراء إلى ملاك وانتقلت آلاف الأسر من الطبقة الدنيا إلى الطبقة الوسطى مباشرة، وخلال سنوات معدودة أيضاً انتقل آلاف آخرون من أسفل السلم الاجتماعيّ إلى أعلاه بفضل التعليم المجاني وفرص العمل.

وبعد كلّ ذلك يأتي مَن يحاول تشويه الثورة والنيل منها ومن زعيمها وإنجازاتها فتجد مَن يهاجم تأميم قناة السويس ويدعو لعودة تمثال ديلسبس، ومَن يهاجم السدّ العالي الذي حجب الطمي والأسماك خلفه، ومن يهاجم القطاع العام لسوء إدارته ويسعى لبيع ما تبقى منه، ومن يهاجم التعليم والصحة المجانية نظراً لعدم جودتهما، وإذا كان ذلك المهاجم من أبناء أو أحفاد بشوات ما قبل الثورة كان يمكننا أن نجد له العذر لهذا الحقد وهذه الكراهية للثورة وقائدها، لكن غالبية المهاجمين لها اليوم هم من أبناء الفقراء والمعدَمين الذين لولا الثورة ما حصلوا على مكانتهم الحالية وكان وضعهم الحقيقي عمالاً زراعيين حفاة عراة يعملون بالسخرة لدى بشوات ما قبل الثورة كما كان وضع آبائهم وأجدادهم. وفي الذكرى الثامنة والستين للثورة نقول لهم عودوا إلى رشدكم، فثورة 23 يوليو/ تموز 1952 هي أمّ الثورات، اللهم بلغت اللهم فاشهد.

Diplomacy is reciprocal

July 25, 2020

Diplomacy is reciprocal

Chris Faure for the Saker Blog

The US suddenly ordered China to end operations from its embassy in Houston, Texas (remember when they did the same to Russia). However, diplomacy is reciprocal and the Chinese so far refrained from a further provocative reaction. They are implementing a fair tit for tat measure, closing the US Consulate in Chengdu, keeping options open for further retaliation. They could have fanned the flames and closed the US Consulate in Hong Kong, or even a bigger one in Beijing, but kept to a fair reciprocal closure – so far.

More about the Consulate spat https://www.moonofalabama.org/

China responded to Mr Pompeo’s highly advertised ‘very important’ speech this week in short, not giving Pompeo that attention that he so craves. The Chinese stance is that Mike Pompeo maliciously attacked the Communist Party of China (CPC) and China’s socialist system, and he made remarks that ignored the facts, were full of ideological bias and turned black into white, which showed his Cold War mentality. From the Chinese Foreign Ministry: “Some US politicians have deliberately stirred up ideological disputes, talked about changing China, denied China-US relations, and provoked China’s relationships with other countries. Their purpose is to suppress China’s development and divert the public’s attention from their own country. These tricks cannot fool the Americans and international community.”

The US have stopped all basic diplomatic standards in a grab for their self-delusional rules-based international order. Just recently, Pompeo announced that they will not respect or accept any of the agreements in the South China Sea. He must be thinking that all of the ASEAN countries like him enough to drop their raft of regional negotiated agreements.

Despite Chinese accusations that the US opens their diplomatic pouches, which is in flagrant violation of all Vienna Conventions on Diplomatic and Consular relations, the most important is the following which shows that China is still keeping to fair diplomatic and pragmatic standard:

“It must be emphasized that China has no intentions to change the US in terms of its social system, and the US cannot change China either.”

https://www.fmprc.gov.cn/mfa_eng/xwfw_665399/s2510_665401/2511_665403/t1800221.shtml

Having followed the Russian reactions on these types of actions by the US toward Russia, we have become accustomed to the frustratingly pragmatic and clinically diplomatic methods of dealing with western bullying. The Chinese are different and they enthusiastically take part in the war of words that is reaching cold war status if one adds in the trade war announced by Mr Trump +- two years ago and which he thought would be ‘easy to win’. What we see now as reaction to the US provocation to China in the US social sphere, many ordinary Americans are deeply into the ‘crush China’ rhetoric which attempts to blame China for all of the US ills.

https://sputniknews.com/analysis/202007241079970310-us-heading-towards-quagmire-in-the-south-china-sea-by-inciting-tensions-with-beijing-activist-warns/

While it remains unclear if this can be written off completely to electioneering and election rhetoric, what does clarify is that the harm done is not easily fixed, no matter the reason. It is however quite breathtaking how far Pompeo will push this, hoping for retaliation which he can then use to prove himself and the current US administration right. It is beyond a level of comprehension that Pompeo and Co could really think that they will make war against China.

http://www.chinadaily.com.cn/a/202007/24/WS5f1a5b8da31083481725be24.html

In this time of ‘rhetorical cold war of words’, Godfree Roberts who regularly writes on China for the Unz Review started a new weekly newsletter, Here Comes China, Skulduggery, Good News, Offbeat Opinions, chock-a-block full of what is happening in China.

Godfree has offered the first four newsletters free to Saker readers. From economics, to space, to China-Iran Trade and Military Partnership, to the cleanup and recovering of the Yangtze river, a Hong Kong section, the media war on Xinjiang Uygur Autonomous Region, and an in-depth look at Human rights in China, this newsletter stands unique in its scope and its presentation of Western opinions and Eastern opinions.

Godfree’s new book on China is just about ready for release. The book is called:

Why China leads the world: Democracy at the bottom, Data in the middle, Talent at the top.
A preview: https://www.herecomeschina.com/why-china-leads-the-world-the-book/

I also want to draw the readers’ attention to a two part essay written on Mao, Mao Reconsidered, and published in greanvillepost.com. Part 1Part 2

China Sitrep – 5 selected topics from the Here Comes China newsletter:

Trump Empowers CIA to Launch Cyberattacks

The secret authorization, known as a presidential finding, gives the spy agency more freedom in both the kinds of operations it conducts and who it targets–including Russia, China, Iran and North Korea, which are mentioned directly in the document. The finding allows the CIA to more easily authorize its own covert cyber operations, rather than requiring the agency to get approval from the White House. The “very aggressive” finding “gave the agency very specific authorities to really take the fight offensively to a handful of adversarial countries,” said a former U.S. government official. The Central Intelligence Agency has conducted a series of covert cyber operations against Iran and other targets since winning a secret victory in 2018 when President Trump signed what amounts to a sweeping authorization for such activities. [MORE]

Belt and Road Finds New Life in Pakistan

China and Pakistan have signed deals for two hydro-power generation projects costing $3.9 billion in the disputed Kashmir region, and another to revamp the South Asian nation’s colonial-era railways for $7.2 billion — the most expensive Chinese project yet in Pakistan. The Chinese financing has helped rid Pakistan of an electricity deficit that left exporters unable to meet orders and major cities without electricity for much of the day. [MORE]

T.P. Wilkinson: The Yemen

The West encourages dissolution of state entities that could engage in normal relations with China or any other potential competitors. The Yemen is one of those long-term victims of British imperialism. When Britain nominally withdrew from Egypt, Nasser promoted his new government’s participation in his movement for Arab unity, opposed by British clients in Riyadh (the Saud family’s Wahhabi gangsters). The Saud family would like to have annexed the Yemen but could not without war against Egypt-against which the tiny mob had no chance. So David Stirling led a counter-insurgency funded by the British and Saudis to drive Egypt out of the Yemen and leave the country as a quasi-protectorate of Britain/US. Attempts to change that have been fought for decades but until a decade ago the client regime was well protected. Clearly chaos is profitable for the empire which between Somalia and Yemen prevent any stability in opposition to its interests. Not only do Somalia and Yemen lie close to the Suez route they also form part of the ancient East African trading basin that links Asia with Africa. As part of the overall strategy of Denial, this policy is aided by the designs of the mob in Riyad which lacks the population to occupy territories it would like to annex.

Xinjiang

This section from Here Comes China is an in-depth analysis. I suggest you read it in the newsletter itself. Main points:

Islam is neither the Uyghurs’ native religion nor their only one but, in its Wahhabi form, has caused problems around the world, for which we can thank to two fervent Christians, Jimmy Carter and Zbigniew Brzezinski,[2] who considered a united Eurasia, “The only possible challenge to American hegemony.” In 1979, months before the Soviet entry into Afghanistan, Brzezinski drafted and Carter signed a top-secret Presidential Order authorizing the CIA to train fundamentalist Muslims to wage Jihad against the Soviet Communist infidels and all unbelievers of conservative Sunni Islam and the Mujahideen terror war against Soviet soldiers in Afghanistan became the largest covert action in CIA history.[2] Brzezinski’s ‘Arc of Crisis’ strategy inflamed Muslims in Central Asia to destabilize the USSR during its economic crisis and, when Le Nouvel Observateur later asked if he had any regrets, Brzezinski snapped, “What is most important to the history of the world? Some stirred-up Muslims or the liberation of Central Europe?”

Twenty years later, in 1999, the CIA’s Islam strategist, Graham E. Fuller, announced, “The policy of guiding the evolution of Islam and of helping them against our adversaries worked marvelously well in Afghanistan against the Russians. The same doctrines can still be used to destabilize what remains of Russian power, and especially to counter the Chinese influence in Central Asia.”[3]

Today, NED money supports the World Uyghur Congress (WUC) which calls China’s Xinjiang Province ‘East Turkistan’ and China’s administration of Xinjiang as ‘Chinese occupation of East Turkistan,’ runs articles like, “Op-ed: A Profile of Rebiya Kadeer, Fearless Uyghur Independence Activist,” and admits that Kadeer seeks Uyghur independence from China.

Faced with an armed insurrection, most states impose martial law or a state of emergency, as Britain did in Malaya from 1945 to 1957 and the US did with the Patriot Act, but China decided–despite popular outrage–to write off its losses and play the long game and founded The Shanghai Cooperation Organization (SCO),[1] a political, economic, and security alliance, with Kazakhstan, Kyrgyzstan, Russia, Tajikistan, and Uzbekistan, who stopped funneling money and providing corridors for Uyghur terrorists to move into and out of China. The SCO has since expanded to include India and Pakistan and Iran has begun the accession process, making it world’s largest security pact in both area and population and the only one whose membership includes four nuclear powers.

Forming the SCO was easier than assuaging public outrage. An unheard-of lawsuit by victims’ relatives accused the government of reverse discrimination so they stepped up security and published their objectives:

  1. restore law and order
  2. prevent terrorists from inflicting more violence
  3. use ‘high-intensity regulation’
  4. contain the spread of terrorism beyond Xinjiang
  5. purge extremists and separatists from society.

Neighborhood community centres–labelled ‘concentration camps’ in the western press–educate rural Uyghurs about the perils of religious extremism and train them for urban jobs.
In 2013 President Xi toured Eurasia and proposed the Belt and Road Initiative for three billion people, designed to create the biggest market in the world with unparalleled development potential, and built a gas pipeline to China from Turkmenistan through Uzbekistan, Tajikistan and Kyrgyzstan which, like China’s other western pipelines, power lines, and rail and road networks, runs through the Xinjiang Uyghur Autonomous Region.

Beijing then moved jobs to Xinjiang and opened vocational schools to train rural youth in literacy and job skills and swore to protect its neighbors from terrorism in exchange for their pledge to reciprocate. To create jobs in the province Xi directed investment from forty-five of China’s top companies and eighty Fortune 500 manufacturers to Urumqi. Corporate investment increased from $10 billion in 2015 to $15 billion in 2017 and infrastructure investments of $70 billion in both 2017 and 2018 lifted the annual goods shipments past 100 million tons with a goal of hourly departures to fifteen European capitals. Half a million Uyghurs have relocated from remote villages to cities and, as a result, 600,000 Uighurs were lifted out of poverty in 2016, 312,000 in 2017 and 400,000 in 2018. The last poor Uyghurs will join the cash economy in mid-2020.

The PBOC, China’s central bank, is partnering with ride-hailing giant Didi Chuxing to test the use of its sovereign digital currency, AKA Central Bank Digital Currency, CBDC. The regulator is working with Didi to apply digital currency electronic payment (DCEP) to the ride-hailing app, which currently serves a total of over 550 million users and is often described as China’s Uber. According to Didi, “the government seeks to support the development of the real economy sectors with innovative financial services.” Didi has more than 30 million daily ride-sharing orders and its bike-sharing daily orders reached 10 million. Meituan and Bilibilibili are also cooperating with banks in the digital yuan project. Meituan’s service platform has over 240 million consumers and five million local merchants, and Bilibilibili is China’s largest video-sharing website.

Sign up for your free one month sub to Godfree’s very extensive newsletter here. At the Saker blog, only a fraction of all the material can be covered.

مختصر مفيد ثورة جمال عبد الناصر

ناصر قنديل

يقدّم لنا نموذج القائد التاريخي جمال عبد الناصر بعد نصف قرن من الرحيل مسيرة رجل من أبناء الفقراء والبسطاء وفي موقع عادي في هرميّة مؤسسات الدولة والمجتمع تحمّل المسؤولية عندما رأى وطنه يحتضر ويُهان وشعبه يجوع والأجنبي يهيمن على القرار والثروات، فلم يسأل عن تبعات التحرك والمواجهة وخاضها حتى النهاية بكل ما أوتي من قوة، من دون أن ينتظر عشيرة أو حزبا أو دولة يدعمونه، مستعداً لتحمل المخاطر بأعلى تجلياتها وهو زوج وأب وموظف.

خلال توليه المسؤولية قدّم لنا جمال عبد الناصر نموذج المسؤول الصادق الذي بقي أميناً لما أعلن من مبادئ، والذي بذل كل جهد ممكن للتعلّم والتزوّد بالمعارف والتواضع في كسب الخبرات وسماع الآراء حتى اختار أفضل ما يخدم قضية شعبه وبلده وأمته وبذل في سبيله وقتاً وجهداً وتضحيات، فكانت معارك وحروب وحصار وعقوبات، وولدت مشاريع بحجم مصانع التعدين والسد العالي وقرارات بحجم تأميم قناة السويس وتوزيع الأراضي على الفلاحين.

خلال مسؤولياته الجسام خاض عبد الناصر حرباً وخسرها، فما كان منه إلا أن قدّم استقالته مستعداً لتحمل تبعات الهزيمة، وقد قدم في سيرته الشخصية مثالاً استثنائياً حول الزهد بالمال والترفع عن المكاسب الشخصية له ولعائلته وعاش حياة البسطاء وغادرنا. وهو كما دخل الحكم بجيوب فارغة.

عظمة المثال في كونه لا يترك عذراً لأحد، فيقول بالوقائع أن كل شيء ممكن، فهو يقول لشبابنا تحمّلوا المسؤولية ولا تقيسوا قراراتكم في قضايا أوطانكم بحجم ما بين أيديكم وبضمانات الفوز مسبقاً. فحاولوا وتشجعوا وتحملوا التبعات، والنجاح ممكن دون عشيرة أو حزب أو دولة يقفون وراءكم، ويقول لمن يتولى المسؤولية أي مسؤولية، أن تغيير حياة الناس أمر ممكن، وأن تغيير حال الوطن أمر ممكن، وأن مواجهة الحصار والعقوبات أمر ممكن، ويقول لكل من يتعاطى الشأن العام أن الجمع بين العمل العام والأخلاق أمر ممكن، وكل من يقارن قرارات عليه الحسم بشأنها ويخامره بعض اليأس والتردّد مدعوّ لتخيل ماذا واجه جمال عبد الناصر وكيف اتخذ قراراته.

يستطيع الناس الاختلاف في تقييم تجربة حكم جمال عبد الناصر، و/أو في صواب قراراته، لكن أحداً لا يستطيع أن يشطب من ذاكرتنا أنه كان عنوان المرحلة الذهبية في التاريخ العربي المعاصر، عندما صار للعرب والشرق والعالم الثالث كلمة.

The new cold war; The Industrial Dependence War:

May 25, 2020

By Ghassan Kadi for the Saker Blog

The world does not need a new cold war, or does it?

The Cold War started before the hot war was over. It was put into motion when America dropped the ‘bomb’ and Stalin declared that the USSR should ramp up its efforts to have this technology as soon as possible. And even though the Soviet Atomic Bomb Project was initiated in 1942, the first Soviet test was conducted in 1949, four years after Hiroshima.

The blame here is not on Stalin. After all, if Stalin did not take this ‘pre-emptive’ move, the West was planning to take him down next. It’s quite likely that Stalin and the USSR were saved from a Western invasion by the nukes they developed.

If the USA had the wisdom to learn from history, it should have realized that the moment it revealed to the rest of the world that it has a new cutting-edge super weapon, a rival will come and demand to have the same. In retrospect therefore, the ‘Manhattan Project’ was the real underlying trigger point for initiating the Cold War.

With both the US and the USSR, and later on Britain and France and other nations becoming nuclear powers, overtly or secretively, the deterring effect of a major direct confrontation between superpowers became obvious, though not strong enough to prevent major regional conventional proxy and hybrid wars all over the globe.

Nations of the Middle East together with Korea, Vietnam and many others, cannot claim any benefit from the deterring effect of the Cold War, but perhaps the USA, Europe (including Russia) and even Cuba can.

Unlike the story that the West wishes to peddle to the rest of the world, America did not win the Cold War neither did the USSR lose it. In reality, this was a negotiated agreement that happened prior to the breakup of the USSR; not afterwards.

With all the fear, tension, nuclear pollution, waste and plundering of resources that the Cold War generated, the world community has by-and-large won it with flying colours. It did stop WWIII from eventuating and definitely did not allow for more A-Bombs to be dropped on more cities after Hiroshima and Nagasaki.

Upon the breakup of the USSR, the United States had an opportunity to change direction and embark on a trajectory of demonstrating good leadership and innovation in the international community. Instead it set about promoting and installing a self-declared New-World Order that rendered the USA the sole superpower, and at all costs, ensured it stayed that way by whatever means necessary.

Nearly thirty years on, there is definitely a new cold war underway even though no one wants to give it this name. The encroachment of NATO into Eastern Europe and stationing missiles in former Warsaw Pact countries, which resulted in the development of hypersonic Russian weapons, followed by America’s unilateral cancelation of the Intermediate-Range Nuclear Forces Treaty with Russia, China’s home-built aircraft carriers, not to mention fighter jets, state-of-the art weaponry and rising tension in the South China Sea are all indicative of a new cold war irrespective what name the media and politicians want to give it.

Enter COVID-19.

I will not argue for or against the numerous theories that make different readings about its nature, scope, extent of danger and what mileage some parties are allegedly trying to achieve from it. COVID-19 however did expose a previously unseen and unspoken-about form of cold wars; the industrial dependence war.

Growing up in the Middle East in the 1960’s, I clearly remember how the then Egyptian President Nasser took great pride in industrializing Egypt. As a matter of fact, when Egypt built its car-assembly plant under license from Italian manufacturer Fiat, the brand name given to Egyptian product was Nasr; meaning victory.

On a much larger scale of course, who could forget the insatiable desire for Chairman Mao to industrialize China? I remember going to a Chinese industrial expo in Beirut in 1973. The manufacturing of heavy machinery in China was still in its infancy, but the Chinese officials manning the expo, as well as local supporters of Communist China, could not hide their broad smiles and feelings of pride and rejoice seeing the Chinese achievements.

And long before any of this, the manner in which European nations were able to conquer the rest of the world and turn it into colonies was because Europe was technologically advanced and industrialized; otherwise nations like Britain and the Netherlands would have never been able to conquer and rule much larger nations like India and Indonesia.

Presently whilst it is still a guarantee of quality to see the words ‘Made in Germany’ on a manufactured product, there was a time not long ago when similar assurance came from labels such as ‘Made in England’, or ‘Made in Great Britain’.

Isn’t this what the industrial revolution was all about, or has the world forgotten?

When Asian products began to appear in the Western markets, their quality was shockingly inferior. They were competing on price and price only. Japan took the lead, and in a short time produced high quality goods, especially in the areas of photography, sound equipment and motor vehicles; and the rest is history.

The West often ridicules ‘totalitarian regimes’ and advocates the principles of capitalism, private enterprise, and recently globalism. These principles, alongside democracy, are considered sacrosanct. Criticizing them is tantamount to blasphemy and reflects tendencies of Communism and even Fascism.

For fairness, for as long as the Western nations had viable economies that were underpinned by highly developed industrial prowess, the above doctrines proved to be successful. However, it seems that the initial efforts behind the Western rise were forgotten and that Westerners in general expect on-going success to come effortlessly.

Western manufacturers were eventually unable to compete, and many of them either closed down or moved their manufacturing base to Asia.

The model that the West developed over the last three decades or so was structured on turning its economy into one that is based on finance and service. In almost no time at all, the concept of manufacturing took a backstep and was regarded as something that only developing nations need to do in order to develop their own economies. This in fact reflects a Western covert arrogant elitist supremist vision of manufacturing as being tantamount to slavery; something that should only be done in foreign cheap labour camps. And a new type of slavery did develop indeed. Sports shoes sold in the West for $200 a pair were manufactured in sweat shops in Asia by workers paid around $2 a day.

Western industrialists were drawn to the benefits of paying for manufacturing in Yuans and Rupees and selling the goods in Green Backs. And when an imported T-shirt bought from Asia for $1 gets sold in the West for $20, it makes its own humble contribution to the national economy, and it is little wonder therefore as to why Western governments were joyful to partake in the spoils, after all, such arrangements produced high GDP’s, albeit that they were not based on actual domestic productivity.

Once again, enter COVID-19.

All of a sudden, the West found that it was crippled and unable to provide its citizens with basic hygiene necessities any faster that it could import them from China. But importation meant having to compete with other importers, and ‘begging’ suppliers for priority status, and when all failed, shipments going to other clients were confiscated and hijacked.

In an instant, the Western economic giant found itself in dire need of the manufactured goods it had considered itself too superior to produce.

Unable to produce ventilators, unable to provide facial masks for its citizens; the repercussions of the downfall of Western de-industrialization have never before been made so obvious for all to see.

And when President Trump enacted the Defense Production Act to demand that 3M should produce more masks, the production had to be done in 3M’s factories in China. How ridiculous is this!

These revelations certainly indicate that the West may not only be dependent on China for imports of the above. Certainly, this should shock the West into urgently examining the multi-faceted vulnerable position it has put itself in.

COVID-19 has exposed the West as a paper tiger with dependence on China on multiple levels. But the real questions to ask are the ones that haven’t yet surfaced.

What other vital supplies does the West depend on China for? And if the West was unable to deal with COVID-19 -related supplies in peacetime, how will it be able to deal with supplying its citizens with basic needs in wartime?

What about food security? What about pharmaceutical security?

Fleets, aircraft carriers, air-forces and off-shore military bases do not put food on the tables of citizens in wartime.

And speaking of military hardware, how do we know for certain whether or not Western military hardware does not use imported components? After all, even in peacetime, the USA buys Russian-made rockets to put satellites into orbit because it is unable to manufacture its own. But what other simple commodities is America no longer able to produce? This begs the question of what would America have to rely on for China in wartime? Socks? Blankets?

What is interesting to note here is that whilst the West was scrambling to import its needed supplies from China, almost overnight Russia was able to reach self-sufficiency and even be able to extend aid to other nations. And when Italy was expecting to receive such aid from its EU and NATO allies, those allies were too inept to even be able to look after themselves, and the aid ended up coming from Russia. Russian aid included the USA, with little appreciation from the receiver.

With free economy and free enterprise considered sacred in the dictionary of Western modus operandi, Western governments can neither fill in the missing industrial gap nor coerce private companies to do so. Will the West reflect on where they went wrong with their once successful model? Such self-examination is unlikely to happen because any Western political party that evaluates and proposes solutions to this failure will be accused of Socialism and even Fascism. One of the biggest ironies here is that Western political rivals are only interested in making political scores against each other; scores that can get them elected. They are not at all necessarily interested in what is good for their nations.

The world certainly does not need a new cold war, but the West is unknowingly deeply engaged in one already. If lessons are to be learnt is for the future to reveal. COVID-19 did not trigger a war. It did however expose the reality of an existing and on-going war, a cold war, a war no one paid much attention to before, one not based on buildup of military arsenals, but rather one of industrial dependence; a war the West has already lost to China.

حارس القدس هيلاريون كبوجي مقاومة المطران كبوجي العنيدة كالعبير الملتهب

آمنة بدر الدين الحلبي

احتدمت الأحداث في مسلسل «حارس القدس» والذي يجسد مسيرة سيادة المطران كبوجي بمقاومته العنيدة المشتعلة بالثورة، وكأنها العبير الملتهب على الأرض المقدسة لإثبات الحق لأصحاب الأرض منذ النكبة في عام 1948 وصولاً إلى النكسة في عام 1967 التي هزّت القلوب المتقدة، وزلزلت الأرض من تحت أقدام الشرفاء الوطنيين في العالم العربي، وانتشرت رائحة الموت من كل زقاق وشارع، من كل بيت ودكان، من كل قلب وروح، وملأت دقائق الأثير حتى وصلت الحواس.

وانتفض سيادة المطران هيلاريون كبوجي رافعاً الصوت عالياً في وجه الاحتلال «الاسرائيلي» «دعوني أدافع عن رعيتي وأدفن الشهداء قبل أن يهاجمكم الطاعون» لم يصدق ما آلت إليه نكسة حزيران في 1967 ولم يستوعب ما حصل في ستة أيام متتالية، من قتل وتدمير وتهويد، وأشلاء متناثرة هنا وهناك. لم يصدق أن المدينة المقدّسة اغتُصِبت، وانتهكت وداستها أقدام الاحتلال، وفي قرارة نفسه عاش الألم، وسعى لمساعدة كل محتاج وفقير، وإلى ترميم كل بيت تهدّم سواء كان لمسلمين أو مسيحيين، لأن في دمه يجري العرق السوري، العرق المقاوم العنيد في وجه أيّ محتل يريد أن يغتصب أرضه، والإنسان السوري الذي مقت الطائفية والعنصرية والمذهبية.

جسّد تلك الشخصية بتؤدة الفنان المبدع رشيد عساف بكل ما يملك من قوة على الإبحار في شخصية سيادة المطران كبوجي، جسّدها شكلاً وروحاً وأخلاقاً وسعياً دؤوباً لاستعادة الحق والوقوف في وجه الظلم والطغيان، في وجه عدو غاشم لا يفهم إلا لغة الدمار والاحتلال وسرقة الأرض، واغتصاب العرض.

رغم الحزن الذي انتاب المطران كبوجي وتصريحه الذي هزّ الوجدان حين قال: «حرب 1967 كانت نقطة تحوّل في حياتي، وضيّعت سنين عمري، وأصبحت أكثر سواداً في تاريخ العرب، لأن أحلام الناس وآمالهم آلت للضياع».

أجل ضاعت على مذبح الإنسانية أمام احتلال لا يفهم إلا لغة القهر والتسلط واغتصاب الأرض والعرض، فما كان من سعادة المطران كبوجي إلا السعي الحثيث لمقاومة الاحتلال بشتى الوسائل الإعلامية والثقافية، من فلسطين إلى لبنان وصولاً بسورية حاملاً هموم الفلسطينيين مسيحيين ومسلمين وسعى لمساندة المقاومة، بل وانخرط في دعمها في الداخل والخارج لإعادة الحق المغتصب الذي سرقه احتلال «اسرائيلي» لا يرحم، وشرد آلاف الأطفال والنساء والشيوخ.

لكنه لم ينسَ همومه العائلية ووالدته الحنونة التي قضت عمرها في سبيل رعاية العائلة، وكان يزورها باستمرار ليقبل يديها ويباركها، ويقرأ في حضرتها الشعر الجميل للشاعر الفلسطيني يوسف الخطيب، رحمه الله.. شاعر الأّنفة والعزة والكبرياء.

وأنا الذي وطني ارتحال الشمس

ملء الأرض

لكني بلا وطن

مَن ذا يصدّقني؟؟ مَن ذا يصدقني

أبليت نعلي في الرمال وفي الجرود

أدقُّ أبواباً وتدفعني

من أنتَ

من عربِ الخليل

وعما تبحث عن ثرى حراً

وعن سكني

هلاّ أقمتَ بنا

أقمتُ هنا فما يُشقيك؟؟؟

همٌ ليس يَبرحني

ماذا، جرحُ الروح

لم أفهم عذابك كيف تفهمني

وأنا الذي وطني ارتحال الشمس

ملء الأرض

لكني بلا وطن

مَن ذا يصدّقني؟؟ مَن ذا يصدّقني؟؟

الشاعر يوسف الخطيب والد المخرج المبدع باسل الخطيب الذي قدّم لنا أروع سيرة ذاتية لسيادة المطران كبوجي روحاً ونفساً وعملاً ومقاومة عنيدة، في صور تعجُّ بآلام الفلسطينيين وآمالهم، ودخل بالمسلسل إلى أدق التفاصيل في حياة سيادة المطران كبوجي، وكان اختياره للفنان المبدع رشيد عساف رائعاً، حيث جسّد شخصية مميزة في المقاومة الشرسة، وشخصية عنيدة، مقدامة لا تخاف في الحق لومة لائم، ماضية في الدفاع عن الحق المغتصب، حاملة هموم الشعب بأكمله إنسانياً واجتماعياً وأخلاقياً وثقافياً.

كنت أمام لوحة حقيقة في تعابير وجه الفنان رشيد عساف وانفعالاته، وفي إقدامه وإصراره على استرجاع الأرض المقدّسة وحماية أهلها من نير الظلم والطغيان.

سيادة المطران كبوجي كان راعياً حقيقياً لرعيته، وساعياً في طريق الفلاح لاستعادة الحق المغتصب، وتبيان للعالم أجمع ما فعله الاحتلال «الإسرائيلي» من تشويه ديني، وكذب اجتماعي، ونفاق أخلاقي، وسرقة لكل أنواع الثقافة الفلسطينية، وأوضح لنا بشاعة الاحتلال على الحواجز حين أراد الحاجز تفتيشه رفض بكل ما بوسعه، لكنه قوبل بكلام سوقيّ لا يفهم معنى القداسة، حين قال له أحد الجنود الإسرائيليين… «في المرة القادمة لو كان المسيح يقود السيارة لفتّشتها».

أي حقد أعمى سكن في قلوبهم؟ أي حقد عشعش في أرواحهم الميتة، أي شرٍّ تربوا عليه، أية وقاحة تعاملوا بها مع قداسة المطران كبوجي، لكن الحق الذي حمله سيادة المطران كبوجي كان مثل الشمس يُستضاء به، حرّكته الآلام المسكونة في أعماق ذاته الروحية، والآمال في النصر المؤزر، واستعادة الحق المسلوب من أيدي احتلال غاشم.

اغتصبوا البيوت، وقتلوا الأطفال والنساء، واعتقلوا الشباب، وقاموا بمجازر لا تُعدّ ولا تُحصى، أية أخلاق جلبوا معهم للأرض المقدسة؟ أية بشاعة نثروها في الأرض المقدسة؟ أية أرواح سلبوها من أمهاتها؟ وغدت النساء إما ثكالى أو أرامل أو في سجون الاحتلال، أي مال سرقوه من الضعفاء والمساكين؟ حتى المطرانية لم تسلم من أياديهم القذرة!!!

أما سيادة المطران كبوجي فكان ينسج أثوابه من نول ذاته، ويتحد مع روحه حين يسمع أجراس الكنائس تعانق آذان المساجد بألحان لا مثيل لها، وكأن تراتيل الحياة تجتاح سماء الأرض المقدسة.

وازداد ألمه برحيل الرئيس جمال عبد الناصر عام 1970، وأمر بتنكيس الأعلام السوداء حزناً على رحيله، ورفع القداديس وعزفت أجراس الكنائس حزناً على رحيل أبو خالد، وارتفعت الصلوات في المساجد.

واستمرّ النضال من الداخل والخارج سعياً لحياة كريمة وعادلة للفلسطينيين لأن الصمت والانعزال مساهمة في الخطيئة، لذلك حسم خياراته كنتيجة حتمية أمام الإذلال والاضطهاد، أمام كابوس الاحتلال ووحشيته القذرة، لأن الصمت لم يعد مجدياً، والحياد نوع من التواطؤ، معتبراً حياة الكاهن الكاثوليكي «إميليو توريز» ومسيرته رمزاً للحرية حين قال «لو كان المسيح حياً لانضمّ إلى الثورة».

وعاد الأمل يشقّ ضلوع الصدر في حرب 1973 آملا بالنصر المؤزر وعودة الأرض المقدسة، ولم تعُد!! بل ازداد الطغيان وكأنه القدر الذي أرخى سدوله على الفلسطينيين، وحتّم عليهم السير على خطى سيادة المطران لأن الخطر لا يزول إلا بزوال الاحتلال. هكذا قال لهم «الخطر هو الذي اختارنا وهذا قدرنا ولن نهرب من قدرنا».

قصةُ إمارةِ قطر كما لم تسمعوها من قبل

حامدين صباحي ومراجعة الشجعان

مختصر مفيد

في بدايات الحرب على سورية التقيت بالصديق الأستاذ حامدين صباحي خلال زيارتي إلى تونس، وأثناء انعقاد المؤتمر القومي العربي، وكنا على طرفي موقفين متعارضين في النظر لما يجري في هذا البلد المحوريّ، رغم أنني كنت في طليعة الذين أسسوا صفحات داعمة لترشيح هذا القائد الناصري الرئاسي في مصر وقد بدأ مسيرته بالمناظرة الشهيرة مع الرئيس المصري الراحل أنور السادات مقدّماً مطالعة مُبهِرة حول كامب ديفيد.

قبل أيام وعلى صفحة مجموعة سيوف العقل التي يجمعها الصديق الدكتور بهجت سليمان دار نقاش حول موقف القائد الناصري حامدين صباحي من الحرب على سورية، رغم أنه يتحدث عن موقفه الراهن كداعم للدولة السورية منذ العام 2015 وتحوّل بعض النقاش إلى غير أهدافه وكانت لي مداخلة متواضعة دعوتُ فيها لتحويل المناسبة إلى فرصة يتولاها الأستاذ حامدين لمراجعة موقف التيار القومي العربي والناصريون في طليعته مما شهدته سورية. وكان تنويه الأستاذ حامدين والدكتور بهجت سليمان بتلك المداخلة وكانت المناضلة الفلسطينية صابرين دياب تستثمر على المشتركات أملاً بالوصول بالنقاش إلى حيث يجب بالجمع لا بالقسمة دون التفريط بالثوابت.

اليوم تنشر البناء نصاً للأستاذ حامدين بمناسبة عيد الجلاء الذي تحتفل به سورية، يشكل أفضل وأدقّ وأروع ما يمكن لمراجعة أن تتضمنه، ويرسم بوضوح المهام وبلغة وجدانية راقية ملؤها الدفء والعاطفة، رغم ما فيها من وضوح الحقائق وموضوعية المواقف.

لعلها أفضل وأجمل هدية تتلقاها سورية في عيد الجلاء.

ناصر قنديل


هنا دمشق من القاهرة

حمدين صباحي

تحية الإكبار لشعبنا العربي في سورية الحبيبة في يوم عيد الجلاء، ذكرى تطهير أرض سورية من آخر جنود الاحتلال الفرنسي في 17 ابريل/ نيسان 1946.

لقد كانت الثورة العربية الكبرى تجسيداً لسعي الأمة العربية نحو التحرّر من الحكم العثماني وإقامة دولتها المستقلة الحافظة لحقوقها وهويتها وكرامتها. لكن قوى الاستعمار تآمرت لإجهاض الثورة النبيلة وتحويل نتائجها إلى استعمار غربي فرنسي احتلّ سورية بقوة السلاح عقب معركة ميسلون عام 1920.

وفي المواجهة استبسل شعبنا العربي السوري وتصدّى للاحتلال وتقسيم وطنه الى دويلات عبر مقاومة بطولية تألق فيها رموز لا زالت ذكراهم تلهمنا بينهم يوسف العظمة وإبراهيم هنانو وسلطان باشا الأطرش وعشرات من قادة الضمير والنضال وآلاف من الشهداء والجرحى والمقاتلين حتى تحقق لوطنهم النصر المستحق وانسحب جنود الاحتلال واستقلت سورية في 17 ابريل 1946.

وما أشبه الليلة بالبارحة، سورية اليوم تواجه باستبسال مؤامرة استعمارية صهيونية ظلامية تستهدف تقسيم سورية الأرض والشعب والدولة وإدخالها كرهاً الى حظيرة الصلح مع العدو الصهيوني والرضوخ للهيمنة الأميركية ونزعها من عروبتها وإنهاء دورها كقلعة أخيرة للممانعة واحتضان المقاومة في وجه أعداء الأمة.

في مواجهة هذا الخطر وقفنا ونقف مع سورية وندعو كلّ أصحاب الضمائر في العالم وخصوصاً كلّ عربي وبالأخصّ كلّ مصري إلى تأكيد دعمه الكامل لحق سورية المشروع في ردّ العدوان والحفاظ على استقلالها وعروبتها ووحدة أرضها وشعبها ودولتها وبسط سيادتها على كامل ترابها الوطني، ومؤازرة صمودها الباسل حتى يتحقق لها النصر وتتهيّأ لإعادة بناء ما خرّبه العدوان في العمران والإنسان وتواصل دورها القومي العربي الرائد حصناً للممانعة وحضنا للمقاومة. وتعزز هذا الدور وتكمله بتلبية طموحات شعبها النبيلة المشروعة في الاستقلال الوطني والعدل الاجتماعي والديمقراطية وصون حقوق الإنسان على قاعدة المواطنة الدستورية التي تلمّ شمل كلّ السوريين وتبلسم جراح المحنة بالعدل والمحبة والمساواة أمام القانون بلا تمييز بين الموالاة والمعارضة. لا تعزل ولا تقصي إلا من خرج على دولته الوطنية بالسلاح والإرهاب وإراقة الدماء.

إنّ دعوات التغيير والإصلاح حق لا ينبغي أن يسلب من مواطن او يصادره حاكم، لكن حمل السلاح باطل يؤدي الى فتنة الاقتتال ويودي بالدولة ودعوات التغيير والإصلاح معاً. وقد كانت سورية عرضة لهذه الفتنة المحنة التي كلفتها غالياً من دم شعبها ومقدراته، وكنا كلنا من ضحاياها. وقد آن الأوان أن يتوقف هذا النزيف المروّع لتمتدّ الأيادي للأيادي وتعانق القلوب القلوب وتطوى صفحة الشكوك والظنون، وأن يدرك المعارضون قبل الموالين أنّ الحفاظ على سورية هو شرط التغيير والإصلاح، فإذا احتلت الأوطان وتفتت أين سيتحقق التغيير والإصلاح وتحترم حقوق الإنسان؟!

وما هو ماثل أمامنا هو دولة تواجه الإرهاب والعدوان، وفي هذه الحرب لسنا ولا ينبغي ان نكون على الحياد، فللدولة شعب نثق في قدرته على الاختيار وجيش يضحّي لردّ العدوان والإرهاب وسلطة للدولة الوطنية على رأسها الرئيس بشار الأسد. وواجب الوقت أن نحفظ لسورية وحدة واستقلال شعبها وجيشها ودولتها ومن قلب منظومة الدولة يكون السعي السلمي المشروع لكل تغيير وإصلاح.

ومصر لا تنسى: سورية هي الشقيقة في دولة الوحدة الأولى، وجيشها هو الجيش الأول. ودم جول جمال امتزج بدم جلال الدسوقي شهداء معركة البرلس البحرية دفاعاً عن مصر عام 1956.

وحين قصف العدوان الثلاثي مصر وأسكت إذاعتها انطلق من سورية الحبيبة نداء «هنا القاهرة من دمشق»، فلا أقلّ الآن من أن يعلو في مصر نداء «هنا دمشق من القاهرة» فهو نداء حق وواجب، حق لكلّ سوري وواجب على كلّ مصري.

ولا أقلّ من أن تنهض مصر الشعبية بواجب دعم سورية وفي مقدّمتها القوى والرموز الوطنية وبالأخص القوميّة الناصرية.

ولا اقلّ من أن تبادر مصر الرسمية بدعم الموقف السوري والمطالبة برفع الحصار عنها والمبادرة بإعادة كامل العلاقات الرسمية وفتح سفارة سورية في القاهرة ومصر في دمشق. والعمل على التعجيل باستعادة سورية لمقعدها المختطف في جامعة الدول العربية.

ومهما كان الدور الشعبي او الرسمي أقلّ مما تستحقه سورية من مصر وأقلّ من عشم اخوتنا السوريين فينا، وهو عشم المحق وعتب المحب، فإنّ ما يجمع مصر وسورية في قلب أمتنا العربية هو أقوى وأبقى وأعمق وأوثق.

ولعلّ في صدق بلاغة والد الشعراء فؤاد حداد ما يغني عن مزيد القول:

«ايدك لسه فى ايدي بتعرق لسه بتعزق

الأرض اللي رواها بردى

عينك لسه في عيني بتلمع لسه بتدمع

لسه بتتكلم ع الشهدا

صدرك لسه قلبي فى صدرك..

جدري وجدرك

ف الجمهورية المتحدة.

دا سلامك ولا زيه سلام

ونشيدك ولا زيه نشيد

متعلق يا دمشق الشام

بحبالك ولا حبل وريد

ولا تتقطعش الارحام

دم جدودنا بدم جديد

بيغمض عيننا بأحلام

ويفتح عيننا بشهيد

وان نمنا حالف ما ينام

ولا تهرب منه المواعيد

مهما بعدنا مفيهش بعيد

مهما اتفرّقنا ما نتفرّق.

الفاس اللي فى يد جمال

تحرس قبر صلاح الدين

راجل واحد كلّ الشعب

مصر وسورية العين والعين

واحد واحد زي القلب

عمر القلب ما يبقى اتنين».

ستنتصر سورية على هذا العدوان الصهيوأميركي الظلامي كما انتصرت على العدوان والاحتلال الفرنسي.

تحية الإكبار والإجلال والدعم لصمود وتضحيات شعبنا العربي في سورية والجيش العربي السوري الباسل.

عاشت سورية عربية حرة منيعة ممانعة.

فيديوات متعلقة

في الذكرى الـ 62 لإقامة الجمهورية العربية المتحدة نحن والمشكّكون: لماذا دولة الوحدة قادمة؟

زياد حافظ

الذكرى الثانية والستون لإقامة الجمهورية العربية المتحدة ليست مناسبة لاستذكار حقبة كانت مليئة بالآمال فقط بل هي مناسبة للتأكيد أنّ تلك الآمال ما زالت موجودة. بل ربما هي أكثر من آمال إذ أصبحت أقرب للتحقيق الآن. وذلك خلافاً لما يظنّ المشكّكون واللذين يتلذّذون بجلد الذات تحت عباءة “الموضوعية” أو “الواقعية” أو أيّ مصطلح يمكن استحداثه لتبرير ثقافة الهزيمة المترسّخة ولتبرير عدم الإقدام على ما يلزم أو لتبرير الاستسلام لمشيئة تحالف الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية. أولئك “الموضوعيين” يعتبرون أنّ حالة التجزئة والتمزّق قدر لا يمكن تجاهله خاصة في غياب ما يُسمّونه بـ “المشروع العربي”.

وإذا كنّا نعتقد أنّ معركتنا المفصلية هي مع العدو الصهيوني وحماته من الامبريالية والرجعية فإنّ خلافنا لا يقلّ حدّة مع “المشككين” الذين يعتبرون أنفسهم شهداء على زمن الانحطاط والتراجع وغياب أيّ آفاق للنهوض. فهؤلاء لا يرون التحوّلات في موازين القوّة على الصعيد العالمي والإقليمي. ولا يرون حتى التغييرات التي حصلت على الصعيد العربي وخاصة ظاهرة المقاومة التي ما زالوا يقلّلون من شأنها. ولا يستطيعون أن يروا الإنجازات التي تحقّقت في الميدان ضدّ العدو الصهيوني سواء في لبنان أو في فلسطين. فالعدو الصهيوني الذي كان يسرح ويمرح دون أيّ رادع لم يعد باستطاعته التقدّم شبراً واحداً في لبنان أو في قطاع غزّة بينما أصبح يعيش في “غيتو” المناطق المحتلّة خلف جدار يعتقد أنه سيحميه من انتفاضة شعب فلسطين أو ضربات مقاومته. ولا يستطيعون أن يروا أن سياسة المبنية على المعتقد الخاطئ أنّ الولايات المتحدة تملك 99 بالمائة من أوراق اللعبة وأنّ الحصول على الرضى الأميركي يمرّ عبر إرضاء الكيان الصهيوني، أيّ أنّ ذلك الرهان رهان خاطئ لم يعط أيّ نتيجة سواء في مصر أو في الأردن أو عند منظّري اتفاق أوسلو أو في دول الخليج. لا يرون في هذا الحال أنّ الكيان الذي أوجد من أجل حماية مصالح الاستعمار الأوروبي ومن بعد ذلك الامبريالية الأميركية أصبح بحاجة إلى حماية لا تستطيع الولايات المتحدة تأمينها رغم كلّ العنتريات والكلام عن الترسانات الفتّاكة التي تملكها. ومن سخرية القدر أن أصبح الكيان يفتخر بدعم بعض الأنظمة العربية كـ “إنجاز” يمكن الاعتماد عليه بينما تلك الأنظمة ما زالت تعتقد أنّ الكيان هو من يحمي عروشها وكراسي الحكم فيها.

يقولون لنا إنّ الوحدة غير ممكنة بسبب معاداة الغرب بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص ومعها الصهيونية العالمية والرجعية العربية القابضة على منابع النفط والمال وبالتالي يدعون إلى “الواقعية” والابتعاد عن “المغامرات غير المحسوبة”. لا يستطيعون أن يتصّوروا أن سياسات “الواقعية” و”خيارات السلام” لم تؤدّ إلى الازدهار والاستقرار بل العكس إلى المزيد من البؤس والتوتّر. لا يستطيعون أن يفهموا أن لا تنمية ممكنة ضمن أطر الحدود التي رسمها المستعمر الأوروبي قبل أن يضطر إلى الخروج من الباب ليعود ويدخل من شبّاك التبعية الاقتصادية وأداته الفساد المتفشّي بين الزمر الحاكمة. لم يستطيعوا ان يفهموا أن معظم الدول التي رسم حدودها المستعمر الأوروبي رسمها لتكون دولاً فاشلة إذا ما عبّرت عن رغبة استقلالية. لكنّها نجحت ان تبقى مع منظومة فساد واستبداد إذا ارتضت بالتبعية السياسية والاقتصادية للغرب بشكل عام وللولايات المتحدة بشكل خاص ومعه الكيان الصهيوني والرجعية العربية. فالاختباء وراء بناء الدولة الوطنية وعدم مواجهة العدو الصهيوني والهيمنة الأميركية ساهم في تكريس التجزئة التي أرادها المستعمر القديم والجديد.

لم يفهموا أنّ الدعوة إلى الليبرالية السياسية والانفتاح كإحدى البدائل عن الوحدة دعوة زائفة مهمّتها تكريس هيمنة زمر الفساد والتبعية والاحتكار وذلك على حساب الوطن واستقلاله وتنميته وإبعاد أيّ عدالة اجتماعية وإلغاء الثقافة العربية وموروثها التاريخي والتنكّر للهوية وللغة وتشويه الدين. لم ينتبهوا أنّ التنمية المستدامة غير ممكنة في دولة التجزئة أو عبر “الشراكة” المزيّفة مع الغرب. لم ينظروا إلى أنّ النموذج الاقتصادي المتبع هدفه إدامة التوتر الاقتصادي والاجتماعي لمنع الشعوب عن مواجهة التحدّيات الكبرى كالاستقلال الوطني والحفاظ على الهوية والتجدّد الحضاري. فإلهاء الناس بالقضايا المعيشية وخلف قضايا وهمية افتراضية تملأ الفضاء الثقافي هو لتحويل الانتباه عمّا يٌحاك ضدّ الأمة بدءاً بما سمّوه “صفقة القرن” مروراً بدعوة “القطر أوّلا” على قاعدة أنّ “أوراق اللعبة بيد الولايات المتحدة” لتكريس التجزئة والتبعية.

لم ينتبهوا أنّ المستعمر القديم الجديد في تراجع بنيوي واستراتيجي يقابله محور صاعد يرفض الهيمنة الأميركية. ومحور المقاومة في الوطن العربي جزء من ذلك المحور وإن كانت له، أيّ محور المقاومة، خصوصيات تميّزه عن المحور الصاعد المتمثّل في الكتلة الأوراسية بقيادة الصين وروسيا. لم يلاحظوا أنّ الولايات المتحدة لم تربح حرباً واحدة بعد الحرب العالمية الثانية وهي الآن متورطّة بشكل أو بآخر بسبعة حروب لا تدري كيف تنهيها أو تخرج منها مع الحفاظ على ماء الوجه. لم يستوعبوا أنّ الكيان الصهيوني في تراجع عسكري منذ 1967. فهزم في معركة العبور (1973) وخسر حرب لبنان (2000 و2006) وخرج منه دون أيّ قيد أو شرط أو مفاوضة. كما خرج من غزّة ولم يعد قادراً على إعادة احتلالها (2008، 2012، 2014)، فلم يعد قادراً على مواجهة المقاومة إلاّ بكلفة عالية لا يستطيع تحمّلها لا بشرياً ولا سياسياً.

كما أنهم لم يستوعبوا خسارة العدوان الكوني على سورية وفشل العدوان العبثي على اليمن وترهّل قوى التحالف العدواني عليه. لم يروا إلاّ احتلال العراق وتمزيق ليبيا وانفصال السودان وهرولة بضع الدول للصلح مع الكيان الصهيوني وانتشار جماعات التعصّب والغلوّ والتوحّش في مختلف الأقطار العربية علما أنها فشلت في مشروعها العبثي. فالعراق يستعيد عافيته تدريجياً بعد مقاومة أوقفت المشروع الأميركي في العراق وبعد دحر جماعات التعصّب والغلو والتوحّش التي تنتقل من هزيمة إلى هزيمة في العراق وسورية وتضيق الأرض العربية بها. فهي أصبحت وقود التفاوض بين القوى المنتصرة في المنطقة إما لإنهائها أو إما لإعادة تصديرها إلى من موّلها ودعمها عسكرياً وسياسياً. وهذه الجماعات مرتبطة بالمحور المتراجع استراتيجياً، وبالتالي لا أفق لها كما لا أفق للعدو الصهيوني الذي برهن فعلاً أنّ كيانه أوهن من بيت العنكبوت. أما الهرولة لبعض المطبّعين فهي بين مطرقة الضغط الأميركي وسندان رأي الشعوب عندها الرافضة للتطبيع رغم الضجيج الإعلامي حوله من قبل قيادة الكيان.

الوحدة قادمة لأنّ شعوب الأمة موحّدة في مواجهة القضايا المصيرية بدءاً بقضية فلسطين وصولاً إلى رفض التبعية للخارج. فالمبادرة بيدها اليوم وليس بيد الحكّام الذين بدأوا يخشونها أكثر مما يخشون الولايات المتحدة. وإذا كانت فلسطين توحّد جماهير الأمة وبما أنّ تلك الجماهير تدعم خيار المقاومة فهذا يعني أنّ البعد الوحدوي لهذه الجماهير هو بُعد مقاوم. لذلك نقول بأنّ متن المشروع العربي الذي هو وحدة الأمة هو مشروع مقاوم. هو مشروع يوحّد الجماهير ضد المحتلّ أولا، وضدّ الذي يريد فرض هيمنته على مقدّرات الوطن ثانياً، وضدّ الاستبداد الذي يدعمه المستعمر القديم والامبريالية الجديدة ثالثا، وهو ضدّ الفساد الذي يشكّل أداة الاستبداد رابعاً. فالوحدة العربية آتية والدليل على ذلك أنّ جماهير الأمة خرجت لترفض صفقة القرن، وخرجت في اليمن تحت القصف، وخرجت في الجزائر والمغرب وتونس لترفض التطبيع مع الكيان، كما خرجت لترفض التبعية والفساد والاستبداد. فوحدة الجماهير مقدمّة لوحدة الحكومات. وكلّ ذلك رغم الحملات المغرضة ضدّ العروبة التي ينعوها موسميا! فالتجزئة قدر عندهم بينما الوحدة قادمة عندنا.

حاول أعداء الأمة نزع الهوية العربية عن الشعوب عبر استبدال خطاب الهويات الفرعية والدينية بالخطاب العروبي الذي يجمع بين مكوّنات الأمة. برهنت الوقائع خلال العقود الخمسة الماضية أنّ الخطاب العروبي الجامع هو الذي يستطيع الصمود أمام كلّ التحدّيات بينما الخطاب الديني، وخطاب الهويات الفرعية، وخطاب الليبرالية والانفتاح الزائفين، اصطدم بواقع الإقصاء والتجزئة. الخطاب العروبي في جوهره خطاب وحدوي بينما الخطابات الأخرى خطابات فرز وتجزئة. في المقابل الخطاب العروبي الوحدوي يجمع بين كلّ مكونات الأمة مهما تنوّعت العرقيات والأديان، ومهما اختلفت المذاهب السياسية. وتجسيداً لتلك الحقيقة فإنّ صوغ المشروع النهضوي العربي الذي أطلقه مركز دراسات الوحدة العربية في هذه المناسبة بالذات في شباط / فبراير 2010 من قبل مثقفين وناشطين من مختلف المذاهب السياسية والفكرية دليل على أنّ العروبة جامعة لمكوّنات الأمة. ما يبقى هو تجسيدها السياسي عبر إقامة دولة الوحدة.

لذلك توجد مؤسسات تحمل ذلك الفكر وتلك الرؤية. فدور مركز دراسات الوحدة العربية كخزّان فكري وبحثي وعلمي لقضايا الأمة ساهم في بلورة الخطاب العروبي المعاصر. والمؤتمر القومي العربي وشقيقه المؤتمر القومي الإسلامي يحملان ذلك الخطاب ومفهوم الكتلة التاريخية لمواجهة تحدّيات الأمة الداخلية والخارجية. والمؤسسات الشبابية كمخيّم الشباب القومي العربي المنبثق عن المؤتمر القومي العربي وندوة التواصل الفكري الشبابي العربي على سبيل المثال وليس الحصر تعيد إنتاج الكوادر الحاملة للخطاب العروبي. وإذا أضفنا المنتديات القومية العربية الناشطة في العديد من المدن العربية نرى أنّ الخطاب الوحدوي ما زال حيّاً وناشطاً رغم الاتهامات بأنه لغة خشبية. فإذا كان ذلك صحيحاً، أيّ انّ الخطاب الوحدوي خطاب خشبي، فلماذا يستمرّ المشكّكون والأعداء في مهاجمته؟ من جهة أخرى، فإذا كان متن الخطاب العروبي خشبياً، فهو من خشب النخلة، وخشب الزيتون، وخشب الأرز، خشب أصيل يمتد إلى قرون عديدة وربما لما قبل التاريخ! كما هو أيضاً خطاب المستقبل الذي يرى في الوحدة قوّة وفي القوّة نهضة، وفي النهضة تجدّداً حضارياً، ورسالة إلى العالم.

في ما يتعلّق بالوحدة نعي أنّ هناك مصالح محلّية تعارض الوحدة وفي مقدّمتها الرجعية العربية وأعوانها في كل قطر. فهي لا تنسجم مع الطرح الوحدوي لأنه يهدّدها ويذوّب رموزها في الوعاء الأكبر، وعاء الوطن العربي بأكمله. أولئك، مع المشكّكين، هم من يعملون على منع الوحدة في الحدّ الأقصى، أو تأخيرها في الحدّ الأدنى. لكن الحقائق المادية ستفرض حكمها. فالدولة القطرية، والأمثلة عديدة، لم تعد قادرة لا على حماية كيانها، ولا على حماية مواطنيها ولا حتى حكّامها، ولا على حماية حدودها. كما أنها لم تعد تستطيع القيام بالتنمية المستدامة والمستقلّة بسبب تدخّل الامبريالية وقوى العولمة التي تلغي الخصوصيات والموروث الثقافي بل تلغي المصالح الاقتصادية المحلّية التي هي من حقّ الشعوب.

لذلك، نستغلّ هذه المناسبة للتأكيد أنّ الوحدة ليست شتيمة ولا حلماً طوباوياً بل ضرورة وجودية لبقاء الأمة. كما أنها قدر على جماهير الأمة التي استطاعت رغم الغزوات الخارجية الحفاظ على الموروث التاريخي الذي يجمع. ومهمتنا اليوم هي أن نحوّل ذلك الموروث التاريخي الجامع إلى حقيقة مادية حيّة ومتطوّرة في الحاضر لنبني عليها المستقبل.

*كاتب اقتصادي سياسي والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

العربي الذي هزّ عرش الشاه

 

شوقي عواضة*

بعد إعلان دولة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين بدعم بريطاني وغربي ولدت ثورة 23 يوليو/ تموز عام 1952 بقيادة جمال عبد الناصر والضباط الأحرار، وكان ذلك تحولاً مفصلياً على مستوى المنطقة. تلك الثورة التي أرعبت الأنظمة الملكية وعلى رأسها شاه إيران ومملكة آل سعود اللتين كانتا متحالفتين في وجه تلك الثورة الوليدة والتي كانت أولويتها تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني.

وقد شكلت ثورة عبد الناصر بارقة أمل كبيرة لكلّ أحرار العالم لا سيما بعدما عمد عبد الناصر إلى دعم كلّ الحركات التحررية ونجح في دعم حركات التحرر من الاستعمار في الجزائر وليبيا والسودان واليمن، وإيران حيث كان الشاه محمد رضا بهلوي حليف الغرب والمعترف الأول بالكيان الصهيوني وأحد أقطاب حلف بغداد الذي شكلته الولايات المتحدة الأميركية وضمّ بريطانيا وتركيا وإيران وأفغانستان وباكستان والعراق.

ذلك الحلف الذي رأى فيه عبد الناصر خطراً حقيقياً على الأمة قامت الثورة الأولى بقيادة الإمام الخميني في 15 حزيران – يونيو 1963، وبعد فشلها اتهم شاه إيران جمال عبد الناصر بأنه كان يموّلها ضدّه، وتمّ اعتقال الإمام الخميني وحكم عليه الشاه بالإعدام لكن تغطية الحوزة العلمية له في قم وكبار المراجع فيها أنقذ الإمام من الإعدام فتمّ نفيه إلى تركيا ومنها عاد الى العراق حيث استقرّ في النجف 1964 حتى نفاه صدام حسين عام 1978 فجاء إلى (نوفل لوشاتو)، وكان الإمام الخميني قد وجه رسائل عديدة إلى الرؤساء العرب شارحاً مأساة ومظلومية الشعب الإيراني وما يعانيه من نظام الشاه القمعي، لم يستجب أحد لتلك الرسائل باستثناء الرئيس عبد الناصر الذي كلّف رجل المهام الخاصة لديه ومهندس حركات التحرر وأحد مؤسّسي جهاز المخابرات العامة فتحي الديب وكمال الدين رفعت، وبدأ العمل وتمّ افتتاح إذاعة للمعارضة الإيرانية وكانت ناطقة باللغة الفارسية في قلب القاهرة موجهة للشعب الإيراني مع إعطاء الثورة الإيرانية حيّزاً كبيراً في الإعلام المصري إضافة إلى فتح معسكرات تدريب وتأهيل الإيرانيين عسكرياً وأمنياً وإعداد كوادر إعلامية من أجل فضح نظام الشاه.

رحل عبد الناصر قبل أن يشهد سقوط الشاه الطاغية وشهدت مصر بعده تحوّلاً قياسياً في سياستها لا سيما بعد استلام السادات الحكم وتوقيع اتفاق الذلّ في كامب ديفيد في 17 أيلول/ سبتمبر 1978. بعد عام من توقيع الاتفاق وخروج مصر من دول المواجهة انتصرت الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني الذي عاد الى طهران قادماً من نوفيل لوشاتو ليعلن شعار الثورة وهدفها الأسمى اليوم إيران وغداً فلسطين، كاشفاً أنّ الرئيس جمال عبد الناصر هو الرئيس العربي الوحيد الذي دعم الثورة ليهدي الانتصار له ولكلّ أحرار العالم لينتصر عبد الناصر في تربته ضدّ طاغية العصر بإنتصار الإمام الخميني.

ثمة أسئلة كثيرة تطرح اليوم بوجه كلّ من يتحدّثون عن العداء التاريخي الإيراني ـ العربي وعن الأطماع الإيرانية في المنطقة العربية، لا سيما في ظلّ رحيل الرئيس عبد الناصر. ألم يكن انتصار الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني تعويضاً للعرب عن خسارة مصر عبد الناصر وخروجها من معسكر المواجهة مع الكيان الصهيوني؟ وماذا قدّم العرب بعد عبد الناصر لفلسطين باستثناء سورية الأسد؟ وهل ما قدّمته طهران للقضايا العربية وعلى رأسها فلسطين انتقص من كرامة العرب والمسلمين أم زادها عزة وشموخاً؟

*كاتب وإعلامي

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

%d bloggers like this: